الخميس - 24 شوّال 1440 هـ - 27 يونيو 2019 م

مقالات الغلاة حول قضية الحاكمية

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:فقد قدر الله تعالى أن تبتلى كل أمة بمن يحيد عن الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتليت أمة الإسلام بمثل ذلك في عصرها الأول، فظهرت الخوارج وفي مقابلها المرجئة، واستمرت مسيرة هاتين الطائفتين سواءً بنفسيهما، أو بتأثيرات بذورهما الفكرية الممتدة عبر قرون من الزمن إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء هذه الأفكار، وانبعاثها من مراقدها بين الحين والآخر؛ هو تطوير شبهاتها وتحديثها، فكلما أتى أهل العلم على شبهاتهم من القواعد؛ طرحوها في ثوب جديد.

والملاحظ لمسيرة التكفير؛ يجد أن شبهات الغلاة لم تتوقف عند ما طرحه الخوارج الأوائل الذين كفروا عليًّا وسائر الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- بل طورت نفسها وبَنَت قلاعًا جديدة من الشبهات، غيرَ تلك التي فندها علماؤنا الأوائل.

وإذا انتقلنا سريعًا لغلاة التكفير المعاصر، والذي يعرف بـ “التيار الجهادي”، وتأملنا مراجعهم التي يصدُرُون عنها؛ نجد -عند أغلبهم- موافقةً لأصول أهل السنة وعقيدة السلف فيما يتعلق بحقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، يزيد وينقص، ويوافقونهم في حكم مرتكب الكبيرة، وأنهم لا يكفرون مسلمًا بذنبٍ ما لم يستحله.

في كلمة له منتشرة بعنوان (قل إني على بينة من ربي ) يقول المعروف بـ “أبي عمر البغدادي”: “لا نكفر امرأً مسلمًا صلى إلى قبلتنا بالذنوب؛ كالزنا وشرب الخمر والسرقة ما لم يستحلها، وقولنا في الإيمان وسط بين الخوارج الغالين وبين أهل الإرجاء المفَرِّطين، ومن نطق بالشهادتين وأظهر لنا الإسلام ولم يتلبس بناقض من نواقض الإسلام عاملناه معاملة المسلمين، ونكل سريرته إلى الله تعالى”.

ومثلها كثير لرؤوس هذه الطوائف، وهو مما تعظم به الشبهة عند كثير من أتباعهم. وكثيرًا ما يسأل بعض المفتونين بهذه الجماعات الغالية: كيف تَصِفُون الجماعةَ الفلانية بأنهم خوارج مع أنهم لا يكفِّرون بالكبائر؟!.

وهذا السؤال ناشئ من تصور أن الخوارج هم الذين يكفرون مرتكب الكبيرة فقط، والحقيقة أن أوصاف الخوارج الذين أخبر عنهم الرسول –صلى الله عليه وسلم- ليس فيها حصرهم بهذا الوصف، بل أعظم أوصافهم التي ذمهم بها الرسول –صلى الله عليه وسلم-أنهم “يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ”([1])  فكل من خرج على جماعة المسلمين يستحل دماءهم ويفرق جماعتهم؛ فهو حقيق بهذا الوصف.

والخوارج الأوائل الذين كفَّروا الصحابةَ – رضي الله عنهم – رفعوا شعار “إن الحكم إلا لله”، ورأوا أن في قضية التحكيم مضادة لمبدأ إفراد الله بالحاكمية، وهذا تكفير بما ليس ذنبًا أصلًا، بل بالشبهة الخاطئة.

فالوصف الجامع للخوارج هو تكفير المسلمين بغير حق، والخروج على جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم، سواءٌ في ذلك من يكفِّر بالكبيرة، أو بمطلق الذنوب، أو بما ليس بذنب أصلًا، أو التكفير باللوازم الباطلة التي هي داخلة في الظن والشّبهات والأمور المحتملة، أو بالأمور التي يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد، أو التسرع في تكفير من تلبس بالكفر دون التّحقق من توفر الشروط وانتفاء الموانع التي اتفق عليها أهل العلم.

قال “عبد القاهر البغدادي” (ت: 429هـ) بعد أن تساءل عن الجامع لفرق الخوارج، التي عد منها عشرين فرقةً: “وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم. وذلك أن النجدات من الخوارج لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقيهم”([2]).

وكذا ليس لازمًا في وصفهم الخروج على الحاكم المسلم الذي لا يجوز الخروج عليه، بل هذا أحد أوصافهم. وكثيرًا ما يستشكلُ البعضُ وصفَ الخوارجِ، حالةَ عدمِ وجود حاكم مسلم شرعي.

وقد يصل بعض الخوارج لإقامة دولتهم فترة من الزمن، ومع ذلك لا ينتفي عنهم وصف الخوارج المذموم، والأمر بقتالهم والتحذير منهم. وأما تسميتهم بالخوارج؛ فلخروج أفعالهم عن الدين، ومفارقتهم جماعة المسلمين، قال النووي-رحمه الله-: “سُمُّوا خوارج لخروجهم على الجماعة، وقيل: لخروجهم عن طريق الجماعة، وقيل: لقوله صلى الله عليه وسلم يخرج من ضِئْضِئِ هذا”([3]).

وقد ذكر ابن كثير ما استشكله بعضُ أهلِ زمانه في توصيف التتار، وجَعْلِ قتالهم من جنس قتال البغاة أو الخوارج، رغم عدم خروجهم على الإمام الذي لم يبايعوه أصلًا، فقال رحمه الله: “وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر، من أيِّ قبيل هو؟ فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاةً على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقتٍ ثم خالفوه! فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أضعاف منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك”([4]).

وبغض النظر عن الأسماء الكثيرة الناشئة عن كثرة الانشطارات والانشقاقات، كما هي سمة أهل الأهواء عمومًا والخوارج خصوصًا؛ فإن الأصول والقواعد التي ينطلقون منها متقاربة، ومن أعظم أصولهم التي تؤدي بهم للغلو في التكفير “الغلو في قضية الحاكمية”.

وقصدًا، استخدمتُ لفظة الغلو، لأن هذا الأصل لا خلاف في كونه من مقتضى كلمة التوحيد، دل عليه القرآن والسنة وكلام أهل العلم قاطبة، ولكن الإشكال دومًا عند أهل الغلو في تحقيق مناطات المسائل.

وغرضنا في هذه الورقة، بيان منزلقات الانحراف والأخطاء المنهجية في تناول هذه القضية.

معنى الحاكمية:

نعني بالحاكمية: إفراد الله بالحكم والتشريع، وهذا من أصول الإيمان، ومقتضى كلمة التوحيد، وحق خالص لله تعالى لا ينازعه فيه أحد، كما قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}([5])  ووصف سبحانه تعالى من ينازعه في حكمه التشريعي بمن نصب نفسه ربًّا مع الله! فقال تعالى: {أمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}([6])  والآيات في القرآن على هذا الأصل كثيرة متظاهرة قاطعة بوجوب التحاكم إلى شريعة الله تعالى، ونفي الإيمان عمَّن أبى التحاكم إلى شرعه، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([7]).

ويترتب على ذلك، أن تشريع القوانين التي تحرم الحلال، أو تحلل الحرام القطعي المعلوم من الدين بالضرورة، هي من نواقض الإسلام، و منازعة الرب في ربوبيته وألوهيته، كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ}([8])  وتفسيرها الذي لا شك فيه: أنهم أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال([9]).

ما سبق واضحٌ لا إشكال فيه، ويقرره عامة أئمة أهل السنة من السابقين واللاحقين، وبعضهم من فرسان قضية الحاكمية؛ كالأمين الشنقيطي، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ أحمد شاكر، وغيرهم ممن لا يتصور منهم مداهنة أو حتى مداراة، ومع ذلك لم يدفعهم لتكفير سائر مجتمعات المسلمين، كما فعلت جماعات الغلو، فما الفارق الرئيسي؟

يمكننا وضع عنوان عام للانحراف في هذا الباب، وهو “الخطأ في تحقيق المناط” حيث دومًا يتقدم البحث جملة من الآيات الدالة على كفر من تحاكم إلى الطاغوت، مع إسقاطها على غير مواضعها، متوصلًا إلى نتيجة مفادها، التكفير بالجملة. وإليك تفصيل هذه التطبيقات الغالية:

فمن ذلك:

1-عدم التفريق بين النظام الشرعي والإداري: حيث نظر البعض إلى كل تنظيم  قانون وضعي؛ باعتباره تشريعًا لم يأذن به الله تعالى، مع كونه قد يكون متعلقًا بالأمور الإدارية التي يسنها الولاة لتيسير أمور المسلمين، وتحقيق مصلحتهم، ولا يتضمن تحليلًا أو تحريمًا.

في كتابه المعنون ب “الكواشف الجلية” يقول “أبو محمد المقدسي”، أحد أبرز منظري القاعدة، تحت عنوان “السعودية والقوانين الوضعية” مدللًا على كفر الدولة السعودية –وغيرها من باب أولى- بسنها القوانين الوضعية، فيقول: “على المستوى الداخلي: فإنها تشرِّعُ في كثير من المجالات قوانين وضعية تُحَكِّمُها وتُلِزُم الخلق بها… ولكنها لا تطلق عليها قوانين، بل تسميها أنظمة، أو مراسيم أو تعليمات أو أوامر أو لوائح أو سياسات…. “، ثم يضرب أمثلةً لهذه القوانين الوضعية الكفرية – بحسب زعمه – بالـ “تشريعات في أصول المحاكمات، والقوانين التجارية، والقوانين الجزائية، والضرائب وغيرها… “، ثم يقول بخط بارز- وكأنه أتى بما لا راد له – عن القانون التجاري الذي صدر عام 1931م: “وهو على غرار القوانين التجارية الحديثة عربية كانت أم أوروبية يبحث في أصول المحاكمات التجارية وتسجيلها…”، ثم ينقل المقدسي عددًا من القوانين التي يراها أوضح في الكفر! مثل: “نظام الجنسية العربية السعودية، نظام المطبوعات والنشر، ونظام المؤسسات الصحفية المحلية، والمصادقة على السياسة الإعلامية، والزواج من غير السعودية، ونظام الجيش العربي السعودي…. “([10]). وعند تأمل هذه الأنظمة والمراسيم؛ نجد أن عامتها يندرج تحت ما يمكن تسميته بالنظام الإداري الذي يستحدث منه الولاة ما يرونه محققًا لمصلحة المسلمين، وليس فيه أبدًا تحليل أو تحريم لما شرعه الله.

وقد نبَّه العلامة الأمين الشنقيطي- رحمه الله تعالى – على ذلك في تفسيره، فقال: “اعلم، أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك.

وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري، وشرعي، أما الإداري: الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم، وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كَكَتْبِه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة (بني إسرائيل) في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك صلى الله عليه وسلم، وكاشترائه – أعني عمر رضي الله عنه – دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجنًا في مكة المكرمة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر، فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به؛ كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.

وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذَّكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك”([11]).

2- ومن الانحرافات المتعلقة بهذا الباب: اعتبار أن الانضمام لهيئة الأمم المتحدة وما ينبثق عنها؛ مناط في ذاته للحكم بالردة عن الإسلام، بحجة أنه يستلزم موافقة على ميثاقها الكفري، والتحاكم إلى محاكمها التي تحكم بغير ما أنزل الله تعالى.

وفي ذلك يقول “أبو محمد المقدسي” في كتابه المشار إليه آنفًا: “نحب أن نلفت انتباه الموحد؛ إلى أن هذا الكلام وما يتعلق به مما سيأتي ليس خاصًّا بهذه الدولة [السعودية] وحدها، بل هو يتنزل على كل من تحاكم راغبًا مختارًا إلى هذه المحكمة [ محكمة العدل] وقوانينها… أو دخل في دين هيئة الأمم وميثاقها، فحكمه[ أي: الكفر] حكمها، سواء كان دولة أو دويلة، أو منظمة، او حزبًا… “. ثم جعل ينقل عددًا من بنود هذا الميثاق التي يراها ردة صريحة عن الإسلام، ويمكننا تلخيص مناطات الكفر في كلامه في أربع نقاط: الرضا بالتحاكم للطاغوت، وموالاة الكفار بالتحالف مع سائر الدول الموقعة على الميثاق، وإقرار بالمساواة الكاملة بين ما فرق الله بينهما كالمؤمن والكافر والرجل والمرأة، وإلغاء جهاد الطلب بالموافقة على بنود الالتزام بالسلم والأمن الدوليين([12]).

وفساد هذا التقرير ناشئ عن فساد التصور لطبيعة عمل هذه المنظمة، وعلاقتها بالدول المنضوية تحتها، ثم ما يترتب على ذلك من فساد إسقاط الحكم على الواقع المطابق له. ولبيان ذلك، لا بد من توضيح ثلاث نقاط باختصار:

الأولى: أن من مقاصد هذه المنظمة وأهدافها، ما يمكن اعتباره من المصالح المشتركة، والمصالح العامة لجميع الدول المشاركة فيها، كما في الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة والذي يتضمن: حفظ السلم والأمن، وقمع العدوان، وحل النزاعات وفقًا لمبادئ العدل. وكذلك بعض الاتفاقيات التي تتضمن الحفاظ على البيئة والمناخ العالمي ونحوها من المصالح العامة التي لا تتعارض مع الشريعة، بل تقرها الشريعة.

ولا حرج على المسلم من الانضمام للتحالفات أو المعاهدات التي تتوافق مع الشريعة ولو كانت مع غير المسلمين. وقد شارك النبي-صلى الله عليه وسلم- في حلف الفضول الذي عقده مشركو قريش في دار عبد الله بن جدعان في الجاهلية، وكان متضمنًا لنصرة المظلوم، وأقره –صلى الله عليه وسلم- بعد بعثته قائلًا: “شهدتُ حلْف اَلمُطَيَّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحبُّ أن لي حُمْرَ النَّعَم وأنى أنكُثُه”([13])

والتفريق بينهما بأن حلف الفضول لا يتضمن إقرارًا للحكم بغير ما أنزل الله، بخلاف الانضمام للأمم المتحدة؛ غير دقيق، فالأمم المنضوية تحت هيئة الأمم غير ملزَمة بالتحاكم لمحكمة العدل الدولية، ولا بد من موافقة الأطراف محل التنازع للتحاكم لهذه المحكمة احترامًا لمبدأ سيادة الدول.

جاء في النشرة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية بعنوان “أسئلة وأجوبة حول محكمة العدل”([14])  على موقعها في الشبكة ما يلي: “لا يمكن لمحكمة العدل الدولية أن تنظر في قضية إلا إذا كانت الدول المعنية قد وافقت بطريقة أو بأخرى، على أن تكون أطرافًا في الدعوى المرفوعة امام المحكمة ( مبدأ موافقة الأطراف ). وهذا مبدأ أساسي بحكم تسوية المنازعات الدولية، لأن الدول ذات سيادة ولها حرية اختيار سبل حل منازعاتها”

وعليه، فالتلازم بين الانضمام للأمم المتحدة والرضا بالحكم بغير ما أنزل الله، والتشريعات المضادة لحكمه؛ غير مطابق للواقع. ويوضحه أكثر النقطة التالية.

الثانية: أن في ميثاق هذه المنظمة ما ينص على عدم التأثير على سلطان الدول المنضوية تحتها، كما في البند السابع من الفصل الأول من ميثاق الأمم المتحدة، والذي ينص على: “ليس في هذا الميثاق ما يسوغ ( للأمم المتحدة ) أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق”. ولهذا كثيرًا ما تتحفظ بعض الدول الإسلامية على بعض الاتفاقيات أو التوصيات التي تصدر عن هذه المنظمة أو المجالس التابعة لها.

ولذا تحفظت كثير من الدول الإسلامية؛ كالسعودية ومصر على اتفاقية إلغاء التمييز بين الرجل والمرأة ( السيداو ) ورفضت البنود التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية([15]).  الثالث: أن مصلحة المسلمين تقتضي الانضمام لهذه المنظمات الدولية، وبدونها تضيع مصالح المسلمين بالكلية، ويلحق الضرر العظيم ببلادهم بسبب عدم اعتراف دول العالم بهم، وعدم تمكنهم من استيفاء حقوقهم، ولا يصح ترك حقوق المسلمين تضيع بحجة أن الحاكم يحكم بغير ما أنزل الله تعالى.

ولك أن تتخيل حال المسلمين في البوسنة والهرسك، أو كوسوفا، أو غيرها من البلاد التي نكب فيها المسلمون إذا ما قررت الدول الإسلامية – رغم ما بها من ضعف وتسلط للعدوعليها – ان تعتزل كل هذه المنظمات الدولية وتقاطعها!

ولا شك أنه قد يضطر الإمام لقبول بعض الاتفاقيات التي تتضمن بعض المفاسد، دفعًا لمفسدة أعظم، وتحصيلًا لمصلحة أكبر، كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الحديبية، قال ابن القيم (رحمه الله تعالى) في سياق ذكر فوائد صلح الحديبية:

“ومنها: أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمرًا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى؛ أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له؛ أجيب إلى ذلك كائنًا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها على النفوس”([16]).

ولا يصح أن يقال هنا: الكفر أعظم المفاسد؛ لأنه ينطبق على من قَبِل الكفرَ وردّ حكم الله تعالى، وهذا غير لازم، كما أشرنا آنفًا.

وكذلك ليس كل تحالف مع الكفار؛ يكون موالاة كفرية بل ولا محرمة، إنما يكون بحسب ما اتفقوا وتعاهدوا عليه، فإن كان غرضًا شرعيًّا؛ فهو من جنس حلف الفضول. والتحالف الذي يدخل في الموالاة الممنوعة؛ هو ما كان من تناصر على باطل ومحرم ومناقضة للشرع.

وهذه العهود والمواثيق أقرب شيء للعهود المطلقة التي لا تتضمن مدة محددة، ولا تعني كذلك إبطال الجهاد متى قدر المسلمون عليه، وكل عاقل يعلم مدى مصلحة المسلمين في ذلك في ظل ضعفهم وتسلط عدوهم عليهم، وهذه العهود ليست منسوخة بل يعمل بها متى اقتضت مصلحة المسلمين ذلك.

وخلاصة هذه النقطة: أنه لا يصح أي مناط للكفر في هذه المسألة، طالما تبرأ المسلم مما يخالف شرع الله، وأعلن عدم التزامه بذلك، وهذا ممكن ومتاح بل واقع بفضل الله تعالى.

3- ومن أخطائهم المنهجية في هذا الباب: عدم التفريق بين الحكم القطعي والظني فى هذا الباب.

فكما ذكرنا لا يختلف العلماء في كفر من حلل الحرام أو حرم الحلال، ولكن هذا إنما ينطبق على من بدل الشرع المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، وأما المختلف فيه، أو ما يخفى حكمه على بعض الناس دون بعض؛ أو ما يكون فيه مدخل للتأويل – ولو كان تأويلًا باطلًا غير صحيح – فلا يصح التكفير بمثله.

مثال ذلك: لا يختلف العلماء في تحريم الربا، وأن ذلك معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ولكن في كون بعض الصور ربًا؛ خلافًا بين العلماء، وبعضها مجمع عليه ولكن يخفى حكمها على بعض الناس، أو يكون للبعض فيه تأويل باطل، فلا يتحقق مناط الحكم بالتكفير.

وفي هذا المقام: ينبغي التفريق بين التأويل الذي يمنع من التكفير والتأويل الذي يدل على سوغان القول وقبوله، والبعض يخلط بين البابين، فامتناع العلماء عن التكفير لهذه التأويلات؛ ليس معناه قبول هذه الأقوال الشاذة وسوغان الإفتاء بها مثلًا أو عدم إنكارها.

وقد بيَّن الخطابي (ت 388هـ) رحمه الله تعالى هذا الفرق الدقيق بين التأويل المانع من التكفير، والتأويل المخالف للقطعي المعلوم من الدين بالضرورة، فقال: “وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت عليه الأمة من أمور الدين إذا كان منتشرًا؛ كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم في نحوها من الأحكام إلاّ أن يكون رجل حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فإذا أنكر شيئًا منه جهلًا به لم يكفر وكان سبيله سبيل أولئك القوم في تبقية اسم الدين عليه. فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة؛ كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن قاتل العمد لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة وتفرد الخاصة بها”.([17])

فهناك تأويل يمنع من التكفير ولا يمنع من الإثم: كمن ينكر الحكم المجمع عليه الذي لم يصل لحد المعلوم من الدين بالضرورة، كما مثل له الخطابي بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها وعمتها.

وهناك تأويل لا يمنع من التكفير: وهو المخالف للقطعي المستفيض علمه بين العامة والخاصة؛ كمن ينكر تحريم الربا والخمر أو وجوب الصلوات الخمس ونحوها.

وهناك تأويل يمنع من الإثم بالكلية: وهو ما كان من مسائل الاجتهاد السائغ المشهورة بين الفقهاء.

وعليه، فلا يمكن التسوية بين من يقول: الربا حلال، ومن يقول: فوائد الإيداع في البنوك حلال. وإن كان القول الثاني باطلًا مخالفًا للإجماع، ولكن لا يرقى لأن يوصف بأنه تحليل للحرام.

وهذا بالطبع ليس تبريرًا لهذه التجاوزات، ولكن الكلام في مبدأ التكفير بمثل هذا.

4- ومن الأخطاء المنهجية في هذا الباب: رميهم من لم يكَفِّر الحكام، أو يثني عليهم، أو يعترف بولايتهم بالإيمان بالطاغوت وعدم الكفر به، وهو ما يعني الحكم بردته؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن في الإيمان، لا يصح إلا به، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}([18]).

في فتوى له على موقع “التوحيد والجهاد” يقول “أبو محمد المقدسي” في حكم الجيوش في الدول الإسلامية: “أما المسألة الثانية التي بلغني حولها كلام فهي مقولة (أن الأصل في جيوش هذه الحكومات الكفر).

فهذه مقالتي وأنا صاحبها ولا أتبرأ منها ولا أتراجع عنها إلا أن يوقفني أحد على دليل وحجة وبرهان من الكتاب والسنة يبطلها. وأصل هذه المقولة مستندٌ إلى قاعدةٍ ذَكَرَها الله تبارك وتعالى في كتابه بقوله: {الَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}([19])  فدل ذلك على أن كل من قاتل في سبيل الطاغوت وكان من أوليائه وأنصاره فإن الأصل أن يكون من جملة الذين كفروا. وقد فصلت الكلام على ذلك في” ملة إبراهيم “… ” إلخ كلامه في ذلك.

وفي رسالته المسماة “تحفة الأبرار في أحكام مساجد الضرار” يتحدث عن أحكام الصلاة في المساجد التي هي واقعة تحت ولاية الحكام المرتدين – حسب وصفه – ويخلص إلى أن الأئمة الذين يناصرون الحكام، أو يثنون عليهم، أويعمل عندهم في الجيش أو الشرطة، أو يكون نائبًا في البرلمان، أو وزيرًا في الحكومة؛ لا يصلى خلفهم؛ لأنهم متلبسون ببدعة كفرية، وظاهرهم الكفر.

وكل هذه فروع فاسدة، تولدت من الغلو في قضية الحاكمية، وترتيب هذه الأحكام باعتبارها كفرًا بالطاغوت.

ولو تجاوزنا تعميم الحكم بالردة، ووصف الطاغوت على جميع حكام الدول الإسلامية دون استثناء؛ فقد تضمن هذا الكلام غلوًّا وإسرافًا شديدين في إسقاط هذا الوصف على كل من يعمل بالجيش، أو يثني على حاكم، او يعمل في وزارة في الحكومة ونحو ذلك.

والكفر بالطاغوت، يعني اعتقاد بطلان ما ادعاه لنفسه، وبغضه على ذلك، والنطق باللسان بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) والتي تتضمن الكفر بكل الطواغيت، وترك عبادته ومتابعته على ما يعمل. فإذا اعتقد المسلم بطلان كل حكم يخالف حكم الله تعالى، وأقر ذلك بلسانه، ولم يعمل بجوارحه ما يناقض ذلك؛ فقد كفر بالطاغوت.

وأما تكفير الشخص المعين: فهذا يتوقف على تحقيق مناط الوصف المكفِّر أولًا، هل تحقق فيه أم لا؟ وما قد يعتبره البعض كفرًا، لا يلزم أن يكون كذلك، بل قد يكون شبهة عارضة له. ثم لو ثبت الوصف المكفِّر؛ فنحتاج إلى النظر في شروط تكفير المعين، فقد يتوقف العالم عن تكفير من أتى بشيء من أفعال أو أقوال الكفر؛ نظرًا لعدم استيفائه شرائط التكفير، وعدم التحقق من انتفاء موانعه.

وهذه الجماعات الغالية – كما رأينا في ساحة الشام – يكفر بعضهم بعضًا؛ بدعوى كل فريق أن مخالفه لم يكفر بالطاغوت؛ لأنه لم يكفر من رآه كافرًا. وأما قاعدة: “من لم يكفِّر المشركين أوشكَّ في كفرهم أو صحح مذهبهم” فهي صحيحة لا شك، ولكن هذا إنما ينطبق على الكافر المجمع على كفره نوعًا أو عينًا؛ كاليهود والنصارى وكل من دان بغير دين الإسلام، وكذا أبو جهل وفرعون وأبو لهب ونحوهم ممن صار كفرهم مجمعًا عليه معلومًا لدى الكافة. ولا ينطبق هذا على من اختلف العلماء فيهم؛ كالروافض والمعتزلة والخوارج وتارك الصلاة ونحوهم، فلا يقال فيمن امتنع عن تكفير هؤلاء – وهم جمهور الفقهاء – أنهم لم يكفروا بالطاغوت. وكذا من امتنع عن تكفير شخص ثبت عنه وصف مكفر؛ لعدم تحققه من قيام الحجة عليه، فلا يقال في هذا: إنه لم يكفر بالطاغوت.

وكذا دعوى مناصرة الطاغوت لا بد من التفريق في مثل هذه الأحكام بين الكفار المعلنين بكفرهم، ومن يَخْفَى حُكْمُهم على البعض، فلا يمكن التسوية بين الحالتين، قال ابن حزم رحمه الله تعالى، بعد أن بيّن ردة من أقام ببلاد الكفر والشرك، والتحق بجيشهم، وأعانهم على حرب المسلمين: “وليس كذلك: من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية؛ ومن جرى مجراهم، لأن [ كذا، ولعلها كأرض مصر.. ] أرض مصر والقيروان، وغيرهما، فالإسلام هو الظاهر، وولاتهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام، بل إلى الإسلام ينتمون، وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا. وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فكافرٌ بلا شك، لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام”([20]).  فانظر كيف لم يسحب الحكم الذي ذكره فيمن لحق بجيش الكفار المحاربين للإسلام على الدول التي استولى عليها العبيديون الغلاة؛ لكون أمرهم قد يخفى على الناس. فأين هذا من صنيع الغلاة الذين يسحبون الحكم على جيوش وجنود الدول الإسلامية، حتى تلك التي تعلن تمسكها بمنهج السلف؟.

4- ومن أخطائهم المنهجية في هذا الباب: تكفيرهم بإطلاق الألفاظ المجملة؛ كالديمقراطية، والدولة المدنية، والتعددية، والليبرالية، ونحوها من الألفاظ الدالة على مذاهب فلسلفية وسياسية غربية.

والإقرار بهذه الألفاظ عندهم، والدعوة إليها؛ مناطات للتكفير بذاتها. ويمكن للقارئ مطالعة تعليقات رموز التيار الجهادي على ما عرف بـ “بيان الرياض” حتى يقف بنفسه على التكفير بالجملة.

و هذه المصطلحات الوافدة قد شاعت عند قطاعات واسعة من المسلمين، واتسع مفهوم دلالتها، والواجب هو التفصيل في ذلك لا سيما عند إطلاق أحكام التكفير، خاصة أن البعض يستعملها- خاصة الديمقراطية – دون الإحاطة بمعناها الفلسلفي الكفري الذي يعطي حق التشريع المطلق لغير الله تعالى، والبعض قد يقيدها بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، والبعض يقصد بها بعض آلياتها؛ كالانتخابات التي يراها مخالفة للشريعة، أو على الأقل ليست كفرًا، والبعض يلفق بينها والشورى، فيراها لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية. وكل ما سبق – بغض النظر عن صحته من عدمه – موجود، ومانعٌ من إناطة التكفير بمجرد الموافقة على المصطلح أو حتى الدعوة إليه حتى يتبين مقصده من ذلك.

وهذا هو الواجب في كل الألفاظ المجملة، حتى وإن كان أصل وضعها كفرًا طالما تغيرت دلالتها في الاستعمال، قال شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى -: “وأما الألفاظ التي تنازع فيها من ابتدعها من المتأخرين، مثل لفظ” الجسم “و” الجوهر “و” المتحيز “و” الجهة “ونحو ذلك فلا تطلق نفيًا ولا إثباتًا حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان قد أراد بالنفي والإثبات معنى صحيحًا موافقًا لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم صوب المعنى الذي قصده بلفظه، ولكن ينبغي أن يعبر عنه بألفاظ النصوص، لا يعدل إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، وأما إن أريد بها معنى باطل نفي ذلك المعنى، وإن جمع بين حق وباطل، أثبت الحق وأبطل الباطل”([21]). مع أن لفظ الجسم مثلًا قد شاع استخدامه بالمعنى الكفري على من له لحم ودم ونحو ذلك مما يُنَزّه الله تعالى عنه إجماعًا، ولكن صار بعض أهل البدع يتوسل بهذا النفي إلى نفي الصفات الثابتة في الكتاب والسنة ويرمي من يثبتها بالتجسيم، فاحتاج الأمر للتفصيل، ولا يصح تكفير من استعملها نفيًا أو إثباتًا حتى يتبين مقصوده من كلامه.

وأما تكفير أعيان الداعين لذلك بمجرده، فغلو إضافي ناشئ من خلل منهجي في ضوابط تكفير المعين، وإهدار لموانع التأويل المعتبرة.

5- ومن غلوهم في هذا الباب: تكفير كل من شارك في المجالس النيابية بالترشيح أو الانتخاب أو مباشرة العمل النيابي:

في رسالته “الجواب المفيد بأن المشاركة في البرلمان وانتخاباته مناقض للتوحيد” يؤكد المقدسي على كفر المترشِّح للانتخابات ولو لم ينجح([22])، وكذا كفر من باشر الانتخابَ من عموم الناس([23])  ولم يتوقف غلوه عند جعل مجرد المشاركة مناطًا للكفر؛ بل ذهب إلى تكفير أعيان المشاركين ترشحًا أو انتخابًا بحجة أنه لا مجال للإعذار بالجهل في هذا الأمر! ولـ “أبي بصير الطرسوسي” كذلك رسالة لها نفس المؤدى سماها “حكم الإسلام في الديمقراطية والتعدد والحزبية”.

وهنا عدد من الانحرافات:

الأول: عدم التفريق بين المجالس النيابية التي تعطي حق التشريع المطلق لنوابها دون قيد، وهذا يتضمن حق تحليل الحرام وتحريم الحلال، وهذا لا شك أنه كفر ومناقضة للتوحيد؛ والمجالس التي تقيد مجالهم التشريعي بما لا يخالف الشريعة، كالدساتير التي تلتزم بعدم إصدار قوانين تخالف الشريعة، وتعتبر ما يصدر من ذلك باطلًا. وهنا يمكن حصر الدور التشريعي لهذه المجالس في الأمور الاجتهادية. ومصطلح التشريع في الاصطلاح القانوني الحديث أوسع مما هي في الاصطلاح الفقهي الإسلامي، فإنه مثلًا يعتبر الموافقة على ميزانية الدولة عملًا تشريعيًّا، وكذا ما يصدر من لوائح ومراسيم ونحوها يدخل في دائرة التشريع، والعبرة بالحقائق والمضامين.

الثاني: عدم التفريق بين من يدخل المجالس النيابية الكفرية مقرًّا بحق التشريع لغير الله تعالى، ومن يدخلها رغبة في الإصلاح، غير مقر بشيء من الباطل والكفر، فهذه مسألة اجتهادية تتفاوت فيها الأنظار بحسب موازنات المصالح والمفاسد، وليست من أعمال الكفر والردة، وقد ناقش مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة عشرة عام (1428هـ الموافق 2007م ) هذه المسألة، ومما جاء فيه: “مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية من مسائل السياسة الشرعية التي يتقرر الحكم فيها في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، والفتوى فيها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال”.

الثالث: أن في كلامهم تكفيرًا بلوازم غير لازمة أصلًا، كإلزامهم الداخل للبرلمان بالقسم على الدستور الكفري، أو الرضا بالتشريع الباطل الصادر عن البرلمان ولو كانوا معارضين له، أو جعلهم في حكم الخائضين في آيات الله تعالى بمجرد مجالستهم. وهذه كلها غير لازمة أصلًا، بل يمكن التحرز منها، واجتنابها كما في القَسَم، فإنه يمكن الاستثناء فيه، أو تكون نيته ما وافق الشرع ونحو ذلك، فهي ليست لوازم أصلًا، بل لو كانت لازمة؛ لما أمكن التكفير بمجرد اللازم الذي لم يلتزمه صاحبه.

الرابع: اعتبارهم المسألة من المقطوع به المعلوم للكافة! ولم يراعوا – تنزلًا معهم باعتبار مجرد المشاركة مناطًا للتكفير – جهلًا عند العوام، أو تأويلًا عند طلبة العلم والعلماء، بحجة أنه لا مجال للجهل في هذا الأمر. والمنازعة هنا ليست في انفراد الله تعالى بالتشريع، وإنما في إسقاط هذه النصوص على هذه الحالة، وهو ما يعرف بتحقيق المناط. وهذا مثل من يكفِّر من يبيح يسير النبيذ محتجًّا عليه بنصوص تحريم الخمر، أو من يسوِّي بين تحليل الربا، وفوائد البنوك، والتورق المختلف فيه محتجًّا عليهم جميعًا بكون تحريم الربا معلومًا من الدين بالاضطرار.

ولذا لا يهولنك أخي القارئ كثرة إيراد النصوص القاطعة، ولا نقولات العلماء في باب الحكم والتشريع، فإنها كما ذكرنا ليست محلًّا للنزاع، وإنما الشأن في تحقيق مناطاتها، وإسقاطها على واقعها الصحيح، طلبًا لحكم الله في نفس الأمر، بعيدًا عن الإفراط والتفريط.

وفي الختام: كانت هذه إشارات لبعض مقالات الغلاة حول قضية الحاكمية، حتى لا يتحول هذا الأصل العظيم إلى بوابة لتكفير المسلمين واستحلال دمائهم.. وهو ما يضر بأصل القضية ويشوِّه معالمها في نفوس الكثير.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه البخاري، رقم (3344)، ومسلم، رقم (1064).

([2]) الفرق بين الفرق (ص: 92 )، ط دار التراث.

([3]) شرح مسلم للنووي (7/146).

([4]) البداية والنهاية (18/24).

([5]) [يوسف: 40].

([6]) [الشورى: 21].

([7]) [النساء: 65].

([8]) [التوبة: 31].

([9]) انظر: تفسير الطبري (14/209).

([10]) الكواشف الجلية، بتصرف يسير واختصار ص: 20، 21.

([11])  أضواء البيان (2/260).

([12])  انظر: الكواشف الجلية، من ص 73: 85.

([13])  مسند أحمد (2/300) رقم (1655) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.

([14]) (ص: 24).

([15]) [ يمكن مراجعة هذا الرابط للاطلاع على كافة التحفظات التي أبدتها دول العالم حول هذه الاتفاقية http: //www. un. org/womenwatch/daw/cedaw/reservations-country. htm ].

([16]) زاد المعاد، (3/269).

([17]) معالم السنن (2/6).

([18])  [البقرة: 256].

([19]) [ النساء: 76].

([20])  المحلى، لابن حزم، ( 11/255)، ط دار التراث.

([21]) منهاج السنة (2/554).

([22]) (ص21).

([23]) (ص25).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تغريدات مقالة: شبهة مجافاة منهج السلف لتحفيظ القرآن

  لما كان منهج السلف قائمًا على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ لذا فإنهم كانوا أشد الناس حرصًا على حفظ القرآن الكريم، يؤثرونه على كل شيء، ولا يقدمون عليه شيئًا صاحب القرآن: هو الملازم له بالهمة والعناية، ويكون ذلك تارة بالحفظ والتلاوة، وتارة بالتدبر له والعمل به.   من حفظ جميع القرآن كان منزله الدرجة […]

بين الطبريّ السنّي والطبري الشِّيعيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: يذكر بعضهم أن الإمام الطبري “كان يضع للرَّوافض”! وأنه ألَّف كتابًا في عقيدة الإمامة المعروفة عن الشيعة! فهل يصحُّ ذلك عن الإمام الطبري؟ وكيف ذكر بعض علماء الإسلام ذلك؟ وهل ثبت هذا الكتاب عن الإمام الطبري؟ وهل المقصود هو الإمام الطبري أبو جعفر المعروف، أم أن هناك شخصًا […]

لماذا شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل؟!

المؤمن يؤمن أن الله خلق الإنسانَ وهو أعلم به سبحانه وتعالى، وهذا الإيمان ينسحب على الموقف من التشريع، فهو حين يصدِّق الرسل ويؤمن بما جاؤوا به فإنَّ مقتضى ذلك تسليمُه بكلِّ تشريع وإن خالف هواه وجهِل حكمتَه؛ لأن إيمانَه بأن هذا التشريع من عند الله يجعل قاعدةَ التسليم لديه جاهزةً لكل حكم ثابتٍ لله سبحانه […]

(ليسُوا سواء) وجوبُ اتِّباعِ النَّبي ﷺ على أهل الكتاب بينَ نصوصِ الإسلام ونظريَّة عدنان (الجزء الثالث)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أرادَ عدنان إبراهيم -كما مرَّ بنا- أن يأتيَ بما لم يأتِ بهِ الأوائل، فادَّعى أنَّ المطلوبَ من أهل الكتاب وبنصِّ القرآن أن يُؤمِنوا بالله ويصدِّقوا بالرَّسول محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم دونَ أن يتَّبعوا الإسلام كشريعَة، بل يبقون على ديانتهم اليهودية أو النصرانية، وهذا كافٍ في نزع وصفِ الكفر […]

(ليسُوا سواء) وجوبُ اتِّباعِ النَّبي ﷺ على أهل الكتاب بينَ نصوصِ الإسلام ونظريَّة عدنان (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   كانت نظرية عدنان إبراهيم التي أتى بها لينقُض كلَّ أقوال من سبقَه من العلماء هي تصحيح ديانةِ اليهود والنصارى، وقد ناقشنا في الجزء الأول من هذه الورقة الأغلاطَ المنهجية التي وقع فيها هو وأمثاله، وسنتناول في هذا الجزء الثاني أكبرَ دليل يستدلّ به، وهو قول الله تعالى: {إِنَّ […]

(ليسُوا سواء) وجوبُ اتِّباعِ النَّبي ﷺ على أهل الكتاب بينَ نصوصِ الإسلام ونظريَّة عدنان (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدِّمة: جاءَ الإسلامُ دينًا متكاملًا متماسكًا في عقائده وتَشريعاتِه وآدابهِ، ومِن العَوامِل التي كتبهَا الله لبقاءِ هذا الدين العظيم أن جعلَه مبنيًّا على المحكمات، وجعله قائمًا على أصولٍ ثابتَة وأركان متقنة، كفلَت له أن يبقَى شامخًا متماسكًا كاملًا حتى بعد مضيِّ أكثرَ من أربعة عشر قرنًا، وليسَ من الخير […]

همُّ علمائكم اللِّحية والإسبال!!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: إن من مفاخر دين الإسلام الاهتمام بجوانب الحياة البشرية كلِّها، دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، يقول الفارسي سلمان رضي الله عنه: “علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة”([1])، وما من شيء في هذه الحياة إلا ولدين الإسلام فيه حكمٌ، وفي ذلك يقول الشاطبي: “الشريعة بحسب المكلفين […]

فوائد عقدية وتربوية من فتح مكة

مكة هي أم القرى ومهبط الوحي وحرم الله وقبلة الإسلام، ومنها أذن أبراهيم لساكنة الكون يدعوهم لعبادة الله سبحانه وتعالى، وأُمِر بتطهير البيت ليختصّ بأهل التوحيد والإيمان، فكانت رؤية البيت الحرام مؤذِنة بالتوحيد ومعلمة به، {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [الحج: 26]؛ ولذا فإن […]

وقفاتٌ مع متَّهمي السَّلفية بالتعصُّب

الميولُ إلى الظُّلم والحَيف سلوكٌ بشريٌّ ملازم للإنسان إذا لم ينضبِط بالشرع ويعصِي هواه، فالإنسان كما قال الله عز وجل عنه: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]؛ ولذلك إذا اختلَف الناسُ وابتعَدوا عن الدين لم يكُن من رادٍّ له إلى الحقِّ إلا بعث الرسل لإبانة الحقِّ ودفع الخلاف، فكان من مقاصدِ بعثةِ النبي صلى الله […]

وقفات مع مقال: “المسلم التقليدي.. المتَّهم الضحية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   نشر موقع “السوري الجديد” مقالا بعنوان: “المسلم التقليدي.. المتَّهم الضحية”([1]) لكاتبه إياد شربجي، وقد اطَّلعت على المقال، وأعدتُ قراءته لأتلمَّس ما يريد صاحبُه من خلاله، فوجدتُ فيه أخطاء كثيرةً، وكاتبُ المقال صريحٌ في أنَّ نقدَه موجَّه للإسلام، وليس إلى تحقُّقات تاريخيَّة له، فالتحقُّقات بالنسبة له هي نموذج الدِّين […]

تعدُّد الزوجات.. حكمة التشريع وجهل الطاعنين

يسلِّم كلُّ مسلم بحسن حُكم الله تعالى وكمالِه وحكمةِ تشريعه، فلا يجد في نفسه حرجًا من شيء قضاه الله وقضاه رسوله صلى الله عليه وسلم، بل يسلِّم بكل ذلك ويرضى به، لكن أهل الشرك والنفاق بخلاف ذلك، فأحكام الله لا تزيدهم إلا شكًّا على شكِّهم، وضلالًا على ضلالهم، وهذا دليل صدق أخبار الله كما قال […]

نماذج من أجوبة السَّلف في مسائل المعتقد

لا شكَّ أنَّ الجوابَ عن السؤال يكشِف المستوى العلميَّ للمجيب، ومدى تمكُّنه من العلم الذي يتكلَّم به. ولأن السلفَ قدوةٌ في المعتقد والسّلوك فإن التعرُّف على أجوبتهم يعدُّ تعرُّفًا على منهجهم، كما أنه يحدِّد طريقتَهم في تناول مسائل العلم وإشكالاته، وخصوصًا في أبواب المعتقَد؛ إذ تكثر فيه الدَّعوى، ويقلّ فيه الصواب من المتكلِّم بغير عِلم. […]

ترجمة الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد (رحمه الله)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه: هو عبدالقادر بن شيبة الحمد بن يوسف شيبة الحمد الهلالي.  مولده: ولد رحمه الله بمصر في كفر الزيات في عام 1339هـ، وقد توفيت والدته وعمره سنة ونصف فربَّته خالته التي تزوجت من والده بعد وفاة أختها، وقد تربى في تلك المنطقة وترعرع فيها حتى التحق بالأزهر فيما بعد. […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017