الثلاثاء - 12 صفر 1442 هـ - 29 سبتمبر 2020 م

قصة خالد بن الوليد ومالك بن نويرة..تحرير تاريخي

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدّمة:

كتبُ التاريخِ إرث كبير يحتاج لنظرةٍ فاحِصة ناقِدة مدقّقة، فتجد المؤرِّخ -كما ذكر د. أكرم العمري- “يذكر روايات تاريخيَّه بالإسناد، ورغم أنه ينتقيها من كتب الأخباريين، لكنه لم يحاول استخلاصَ الروايات الموثقة، بل ترك للقارئ حريةَ النقد والترجيح؛ مكتفيًا بالعزو إلى مصادره التي نفد معظمها، وبذلك حفِظ لنا مادَّة تأريخية واسعة، تحتاج دراستها إلى موازين نقدية واضحة، قبل اعتمادها في التدليل والتعليل؛ لأنها تمثل مدارسَ شرعية وفكرية وسياسية متنوعة، فلا غرابة إذا تضاربت آراؤها ورواياتها في الأحداث”([1]).

بل إنَّ مجرّد وجود الروايات المنكرة أو المستشنعة التي لا أصل لها من الصحَّة حسب تعبير الطبري وتراكمها لقرون طويلة دون تمييزها إلى صحيح وضعيف أدّى إلى ترسيخ أباطيل وأوهام وطامات في أذهان الناس عن أحداث التاريخ الإسلامي، ولكن لا حقيقة لها في الأصل، أو كما قال الطبري: لم يعرف له وجها في الصحة([2]).

وتجد في عامة هذه الكتب التركيزَ على الجانب السياسيّ لا الشرعيّ، وهو ما فعله أكثر المؤرخين الذين كتبوا في التاريخ العام؛ ولذلك قال السخاوي عندما تعرّض لكتاب من كتب التاريخ: “وهو جامع لطرق الروايات وأخبار العالم، لكنه مقصور على ما وضعه لأجله من علم التاريخ والحروب والفتوحات”([3]).

وتجد بهذه الكتب الإسراف بذكر الإِسْرائيليات والخُرافات والأوهام والحكايات فيما يتعلق ببدء الخلق وقصص الأنبياء والتاريخ القديم، دون أن يُمحِّص ذلك ويَعْرِضه على النقد والمنطق والعقل وما جاء في القرآن والسنة، فتجد المؤرخين أنفسهم يعترفون بوجود المستشنع من القصص في كتبهم، فقال الطبري في ذلك: “فما يكن من كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا صحيحًا ولا معنى في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا، وإنما أوتي من بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا”([4]).

ومما سبق يُعلم أنه يجب على كلّ باحث للحق أن يتنبه لما في هذه الكتب من طوام، وبناء على هذا الواجب فإننا نقدم هذه الورقة لننبه على إحدى تلك الروايات المنكرة والمسُتشنعة، التي نالت سهامُها الصحابيّ الكبير والخليفة الراشد أبا بكر الصديق، والصحابيّ الجليل القائد الفذّ خالد بن الوليد رضي الله عنهما، فكان لهما نصيبٌ وافر من الطعن الجائر، حيث تسابق المتربصون بالصحابة ومن شايعهم إلى اعتماد تلك الروايات الباطلة للنيل منهما، وكَيل التهم الباطلة لهما، ووقع في شراكهم بعضُ مَن ينتسب إلى أهل السنّة؛ لذا لزم الحذر من هذه الروايات، والتسلُّح ضدَّ ما بها من بهتان بالعلم والبرهان.

روايات الاتهام ومصادرها:

قال الواقدي: تَوَسَّطَ خَالِدٌ أَرْضَ الْبِطَاحِ، وَبِالْبِطَاحِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ: الْجفُولُ -وهو مالك بن نويرة، سمّي الجفول لأنه جفل إبل الصدقة أي: ذهب بها-؛ لأَنَّهُ جَفَلَ إِبِلَ الصَّدَقَةِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، وَجَعَلَ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يَا بَنِي تَمِيمٍ، إِنَّكُم قَدْ عَلِمْتُمْ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ قَدْ جَعَلَنِي عَلَى صَدَقَاتِكُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَدْ هَلَكَ مُحَمَّدٌ وَمَضَى لِسَبِيلِهِ، وَلا بُدَّ لِهَذَا الأَمْرِ مِنْ قَائِمٍ يَقُومُ بِهِ، فَلا تُطْمِعُوا أَحَدًا فِي أَمْوَالِكُمْ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِكُمْ.

 قَالَ: فَلامَهُ بَعْضُ قَوْمِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَحَمِدَ بَعْضُهُمْ وَسَدَّدَ لَهُ رَأْيَهُ، فَأَنْشَأَ مَالِكٌ يَقُولُ:

يَقُولُ رِجَـــــالٌ: سُدِّدَ الْيَوْمَ مَالِـــــكٌ … وَقَوْمٌ يَقُولُوا: مَـــــالِكٌ لَمْ يُسَـــــدَّدِ

وَقُلْتُ: خُذُوا أَمْوَالَكُمْ غَيْرَ خَائِفٍ … وَلا نَاظِرٍ فِيمَا تَخَافُونَ مِنْ غد

وَدُونَكُمُـــــوهَـــــا إِنَّهَـــــا صَدَقـــــاتُــــــــــكُمْ…مُــــــــــصَرَّرَةٌ أَخْلافُهَــــــــــا لَمْ تُجَـــــدَّدِ

سَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونَهُ … وَأَرْهِنُكُمْ يَوْمًا بما أفلتــت يـــــدي

فَإِنْ قَامَ بِالأَمْرِ الْمُخَوَّفِ قَـــــائِمٌ … أَطَعْنَـــــا وَقُلْنَـــــا: الدِّينُ دِينُ مُحَمَّـــــدِ

وَإِلا فَلَسْنَـــــا فِقَعَـــــــــــــــةً بِتَنُوفَـــــــــــــــةٍ …وَلا شَحْمَ شَاءٍ أَوْ ظِبَاءٍ بِفَدْفَـــــدِ

قَالَ: وَبَلَغَ شِعْرُهُ وَكَلامُهُ أَبَا بَكْرٍ وَالْمُسْلِمِينَ، فَازْدَادُوا عَلَيْهِ حَنَقًا وَغَيْظًا، وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ حَلَفَ وَعَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَيَقْتُلَنَّهُ، وَلَيَجْعَلَنَّ رَأْسَهُ أَثْفِيَّةً لِلْقِدْرِ.

قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ خَالِدٌ عَسْكَرَهُ بِأَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي الْبِلادِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً، قَالَ: فَوَقَفَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ السَّرَايَا عَلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، قَالَ: فَلَمْ يعلم مالك إلا والخيل قَدْ أَحْدَقَتْ بِهِ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا، وَأَخَذُوا امْرَأَتَهُ مَعَهُ، وَكَانَتْ بِهَا مُسَيْحَةٌ مِنْ جَمَالٍ.

قَالَ: وَأَخَذُوا كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَأَتَوْا بِهِمْ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حَتَّى أَوْقَفُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.

قَالَ: فَأَمَرَ خَالِدٌ بِضَرْبِ أَعْنَاقِ بَنِي عَمِّهِ بَدْيًا، فَقَالَ الْقَوْمُ: إِنَّا مُسْلِمُونَ، فَعَلامَ تَضْرِبُ أَعْنَاقَنَا؟! قَالَ خَالِدٌ: وَاللَّهِ لأَقْتُلَنَّكُمْ، فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْهُمْ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ تَقْتُلُوا مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَةِ؟! فَقَالَ خَالِدٌ: بَلَى قَدْ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّكُمْ لَمْ تُصَلُّوا سَاعَةً قَطُّ. قَالَ: فَوَثَبَ أَبُو قَتَادَةَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِمْ، قَالَ خَالِدٌ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟! قَالَ: لأَنِّي كُنْتُ فِي السَّرِيَّةِ الَّتِي قَدْ وَافَتْهُمْ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْنَا قَالُوا: مَنْ أَنْتُمْ؟ قُلْنَا: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ أَذَّنَّا وَصَلَّيْنَا وَصَلَّوْا مَعَنَا، فَقَالَ خَالِدٌ: صَدَقْتَ يَا قَتَادَةُ، إِنْ كَانُوا قَدْ صَلَّوْا مَعَكُمْ فَقَدْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَلا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِمْ، قَالَ: فَرَفَعَ شَيْخٌ مِنْهُمْ صَوْتَهُ يَقُولُ:

يَا مَعْشَرَ الأَشْهَادِ إِنَّ أَمِيرَكُمْ … أَمَرَ الْغَدَاةَ بِبَعْضِ مَـــا لَمْ يُؤْمَرِ

حَرُمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُنَا بِصَلاتِنَا … وَاللَّهُ يَعْلَـــــمُ أَنَّنَـــــــــــــــا لَمْ نَكْــــــــــفُرِ

إِنْ تَقْتُلُونَا تَقْتُلُوا إِخْوَانَكُـــــمْ … وَالرَّاقِصَاتِ إِلَى منى والمشفـــــر

يا ابن الْمُغِيرَةِ إِنَّ فِينَا خُطَّةً … شَنْعَاءَ فَاحِشَةً فَخُذْهَا أَوْ ذَرِ

قَالَ: فَلَمْ يَلْتَفِتْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى مَقَالَةِ الشَّيْخِ، فَقَدَّمَهُمْ وَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لا يَشْهَدَ مَعَ خَالِدٍ مَشْهَدًا أَبَدًا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

قَالَ: ثُمَّ قَدَّمَ خَالِدٌ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَتَقْتُلُنِي وَأَنَا مُسْلِمٌ أُصَلِّي الْقِبْلَةَ؟! فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لَوْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَمَا مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَلا أَمَرْتَ قَوْمَكَ بِمَنْعِهَا، وَاللَّهِ لَمَا قِلْتَ بِمَا فِي مَنَامِكَ حَتَّى أَقْتُلَكَ، قَالَ: فَالْتَفَتَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: يَا خَالِدُ، بِهَذَا تَقْتُلُنِي، فَقَالَ خَالِدٌ: بَلْ للَّه أَقْتُلُكَ بِرُجُوعِكَ عَنْ دين الإسلام، وجفلك لإبل الصدقة، وَأَمْرِكَ لِقَوْمِكَ بِحَبْسِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: ثُمَّ قَدَّمَهُ خَالِدٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ صَبْرًا. فَيُقَالُ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ مَالِكٍ([5]).

وقال اليعقوبي: “فلما رآها خالد أعجبته، فقال: والله، لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك، فنظر مالكًا، فضرب عنقه، وتزوَّج امرأته، فلحق أبو قتادة بأبي بكر، فأخبره الخبر، وحلف ألا يسير تحت لواء خالد؛ لأنه قتل مالكًا مسلمًا، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، إن خالدا قتل رجلًا مسلمًا، وتزوج امرأته من يومها، فكتب أبو بكر إلى خالد، فأشخصه، فقال: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني تأوّلت، وأصبت، وأخطأت، وكان متمّم بن نويرة شاعرًا، فرثى أخاه بمراث كثيرة، ولحق بالمدينة إلى أبي بكر، فصلى خلف أبي بكر صلاة الصبح، فلما فرغ أبو بكر من صلاته قام متمّم فاتَّكأ على قوسه، ثم قال:

نعم القتيل إذا الرياح تناوحت … خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور

أدعـــــوتـــــه بالله ثـــــم غــــــــــدرتــــــــــه …لو هــــــــــو دعــــــــــاك بذمــــــــــة لـــــم يغدر

فقال: ما دعوته ولا غدرت به([6]).

قال شمس الدين أبو المظفر يوسف المعروف بسبط ابن الجوزي: “قال أبو قتادة: كنا مع خالد بن الوليد حين خرج إلى أهل الردّة، فلما نزل البُطاح ادّعى أن مالكًا ارتدّ، واحتجَّ عليه بكلام بلغَه عنه، فأنكر مالك ذلك، وقال: أنا على الإِسلام، وما غيَّرتُ ولا بَدَّلتُ، وشهد له أبو قتادة وعبد الله بن عمر، فقدَّمه خالد، وأمر ضِرار بنَ الأزور الأسدي فضرب عنقه، وكان من أكثر الناس شَعرًا، وقبض خالد امرأة مالك وهي أم تميم، فتزوَّجها، وبلغ عمر بن الخطاب ما فعل، فقال لأبي بكر: إنه قد زنى فارجمه، فقال أبو بكر: إنه تأوَّلَ فأخطأ، ما كنت لأُشيمَ سيفًا سَلَّه الله عليهم أبدًا([7]).

قال الطبري: “فلما أن دخل المسجدَ قام إليه عمر، فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها، ثم قال: أرياء؟! قتلتَ امرأ مسلمًا، ثم نزوت على امرأته! والله لأرجمنَّك بأحجارك”([8]).

وقال أيضًا: “وقُتلت غدانة وثعلبة أشدَّ القتل، وقامت ليلى بنت سنان بن ربيعة بن حنظلة امرأة مالك عريانة دون مالك، فأنفذت الرَّماح ساقيها، ولبس مالك أدَاتَه، وخرج فنادى: يا آل عبيد، فلم يُجبْه أحدٌ غير بني بَهان، ففرغ خالد منهم، وبقي مالك، فقال له خالد: يا ابن نويرة، هلمَّ إلى الإِسلام، فقال مالك: وتعطيني ماذا؟ فقال: أُعطيك ذِمَّةَ الله وذِمَّة رسوله وذِمَّة أبي بكر وذمة خالد أنْ لا أجاوزَ إليك، وأن أقبلَ منك، فأعطاه مالك يدَه وخالد على تلك العزيمة من أبي بكر في قتله، فقال: يا مالك إني قاتلُك، فقال: لا تقتلني، فقال: لا بدّ، وأمر بقتله، فتهيب المسلمون ذلك، وقال المهاجرون: أتقتل رجلًا مسلمًا وقد أعطيتَه ذمَّةَ الله وذمة رسوله؟! فقام ضِرارُ بن الأَزْوَر من بني كُوز فقتله، وقيل: قتله عَبد بن الأزور أخو ضرار([9]).

مناقشة روايات الاتهام وبيان الراجح:

هذه الرواية تشتمل على سهام طعنٍ شتى في الصحابيين الجليلين، منها:

  1. أن خالدً قتل مالكًا تشفيًا ورغبة في زوجته.
  2. أن خالدًا قتل مالكًا غدرًا بعدما أعطاه ذمة الله ورسوله.
  3. أن عمر رضي الله عنه اتهم خالدًا بالقتل والزنا.
  4. أن أبا بكر الصديق لم يقتص لمالك، ولم يُقم الحد على خالد.

وكل هذا من الجور والظلم والبهتان، وسنوضح ذلك بتفنيد تلك الروايات، وبيان ضعفها، وذكر الذي صحّ في بابها. فهذه الشبه باطلَة من عدَّة أوجهٍ، وسنتناول الردَّ عليها من خلال عدَّة محاور:

المحور الأوَّل: قتل خالدِ بن الوليد لمالكِ بن نُوَيرة:

يجاب عن ذلك بجوابين:

الجواب الأول: أنَّ قتلَ خالدِ بن الوليد لمالكِ بن نُوَيرة كان عن تأويل، وبيان ذلك أن مالك بن نويرة كان الناس مختلفين فيه، فمن مُثبتٍ لإسلامه، ومن قائل بردَّته وكفره، وكان خالد رضي الله عنه ممَّن يرى كفره، فقتله على الردَّة تأوّلًا.

وذلكَ أنَّه لما توفّي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ارتدَّ فئامٌ مِن الناس في الجزيرة العربيَّة، وكانوا في ذلك على أصناف، وبين ذلك ابن عبد البر فقال: “كَانَتِ الرِّدَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: قَوْمٌ كَفَرُوا وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَقَوْمٌ آمَنُوا بِمُسَيْلِمَةَ وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَامَةِ، وَطَائِفَةٌ مَنَعَتِ الزَّكَاةَ وَقَالَتْ: مَا رَجَعْنَا عَنْ دِينِنَا وَلَكِنْ شَحَحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا وَتَأَوَّلُوا مَا ذَكَرْنَا”([10]). وهذا القِسمُ الثالِث هو الّذي وقعَت فيه المناظرة بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما بين ذلك ابن عبد البر فقال: “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ، لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ”([11]).

وأمرُ مالك بن نويرة تحيَّر فيه الناس، يقول ابن كثير رحمه الله: “إلا ما كان من مالك بن نويرة فإنه مُتَحَيرٌ في أمره، فقد جاءته السرايا فأسروه، وأسروا معه أصحابه، واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة الحارث بن ربعيّ الأنصاري أنهم أقاموا الصلاة، وقال آخرون: إنهم لم يؤذِّنوا ولا صلَّوا”([12])؛ ولذلك نجد بعض المحدثين والمؤرخين أثبتوا أن مالكًا كان قد ارتدَّ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد اختلفت أسباب ردَّتِه عند من قال بذلك، فأشار القاضي عياض إلى من وجَّه ذلك بقوله: إن خالدًا قتله لتنقُّصه من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “أجْمَع الْعُلمَاء أَنّ شَاتِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم الْمُتَنَقّص لَه كَافِر، وَالْوَعِيد جَار عَلَيْه بِعَذَاب اللَّه لَه، وَحُكْمُه عند الأمة القتلُ، وَمَن شَكّ فِي كُفْرِه وَعَذَابِه كَفَر، وَاحْتَجّ إبْرَاهِيم بن حُسَيْن بن خَالِد الْفَقِيه فِي مِثْل هَذَا بِقَتْل خَالِد بن الْوَلِيد مَالِكَ بن نُوَيْرَة لِقَوْلِه عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم: صَاحِبُكُم([13]).

وهناك من قال: إنه ارتدَّ لمنعه الزكاة ومتابعته سجاح، وعلى هذا قولُ الذهبي: “رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا كَانَ فَارِسًا شُجَاعًا، مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَفِيهِ خُيَلَاءُ، كَانَ يُقَالُ لَهُ: الْجَفُولُ، قدِم عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمَ، فَوَلَّاهُ صَدَقَةَ قَوْمِهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ”([14])، وقال الهيتمي: “على أَن الْحقَّ عدم قتل خَالِد؛ لِأَن مَالِكًا ارْتَدَّ وردَّ على قومه صَدَقَاتهمْ لما بلغه وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا فعل أهل الرِّدَّة، وَقد اعْترف أَخُو مَالك لعمر بذلك”([15]).

فمن أهل العلم من أثبتَ أن مالكًا كان قد ارتدَّ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقاتل في صفوف سجاح، ولم يكن يؤدِّي الزكاة، وفرَّق الصدقات بين قومه. وعندما جيء به لخالد وجادَله بأمر الزكاة قال له: “قد كان صاحبكم يزعم ذلك”([16]).

بل قد ذكر المؤرِّخون دليلًا آخَر على موت مالك مرتدًّا، فقالوا: التقى عمرَ بن الخطاب متمِّمُ بن نويرة أخو مالك، واستنشد عمرُ متمّمًا بعضَ ما رثى به أخاه، وأنشده متمّم، فلما سمع عمر ذلك قال: هذا والله التأبين، ولوددتُ أني أحسِن الشعرَ فأرثي أخي زيدًا بمثل ما رثيتَ أخاك، قال متمّم: لو أنَّ أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيتُه، فسُرَّ عمر رضي الله عنه لمقالة متمّم وقال: ما عزَّاني أحد عن أخي بمثل ما عزاني به متمّم([17]).

وجاء في سياق آخر قولُ متمَّم صريحًا: يا أمير المؤمنين، إنَّ أخاك ماتَ مؤمنًا وماتَ أخي مرتدًّا، فقال عمر رضي الله عنه: ما عزَّاني أحد عن أخي بأحسنَ مما عزَّيتني به عنه([18]).

والشاهد من هذا كلِّه أنَّ خالدًا لم يقتل مالكًا بغيًا وظلمًا وعدوانًا، وإنما قتله متأوِّلًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “معلوم أنَّ خالدا قتل مالك بن نويرة لأنه رآه مرتدًّا… وبالجملة فنحن لم نعلم أنَّ القضيةَ وقعت على وجهٍ لا يسوغ فيها الاجتهاد، والطعن بمثل ذلك من قول من يتكلَّم بلا علم، وهذا ممَّا حرمه الله ورسوله”([19]).

الجواب الثاني: أنَّ قتلَ خالدِ بن الوليد لمالكِ بن نُوَيرة كان عن خطأ، فقد جاء في بعض روايات القصَّة أنَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه لـمَّا كلَّم قومَ مالك بن نويرة، وزجرهم عن هذا الأمر، وأسَرَ منهم من أسر، قال لأحد حُراسه: أدفِئوا أَسراكم؟ وكانت ليلةً شاتية، وكان من لغة ثقيف (أدفئوا الرجل) تعني: اقتلوه، فظنَّ الحارس أن خالدًا رضي الله عنه يريد القتلَ، فقتلَهم وفقَ فهمه لأمر خالد بن الوليد رضي الله عنه([20]).

وعلى هذا الجواب الثاني فإنَّ خالدًا لم يكفِّر مالك بن نويرةَ، وإنما كان قتلُه خطًا.

وخلاصةُ ما تقدَّم أن قصَّة قتل خالد بن الوليد رضي الله عنه لمالك بن نويرة جاء فيها ثلاث روايات:

الأولى: أنّه قتله متأولًا ردَّته؛ لأنه منع الذكاة ولم يقِم الصلاة وتابَع سَجاحَ.

والثانية: أنه قتله لأنه وقع في النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالثة: أنه قتله خطأ.

وكلُّ هذه الحالاتِ تمنع إقامةَ الحدّ على خالدٍ رضي الله عنه والقصاصَ منه، بل وليست مسوِّغًا لعزله، فأبو بكر رضي الله عنه في موقفه من هذه الحادثة مقتدٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ حصل لخالد في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مثلُ ما حصل له في قصته مع مالك بن نويرة بل أشدّ، ومع ذلك لم يعزله النبي صلى الله وعليه وسلم، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بَعَثَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ إلى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إلى الإسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أنْ يقولوا: أسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يقولونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ منهمْ ويَأْسِرُ، ودَفَعَ إلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أسِيرَهُ، حتَّى إذَا كانَ يَوْمٌ أمَرَ خَالِدٌ أنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أسِيرَهُ، فَقُلتُ: واللَّهِ لا أقْتُلُ أسِيرِي، ولَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِن أصْحَابِي أسِيرَهُ، حتَّى قَدِمْنَا علَى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَدَهُ فَقالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ ممَّا صَنَعَ خَالِدٌ» مَرَّتَيْنِ([21]).

قال الحافظ ابن كثير: “واستمر أبو بكر بخالدٍ على الإمرة، وإن كان قدِ اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطَأ في قتله، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى بني جذيمة فقتل أولئك الأسارى الذين قالوا: صبأنا صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ردَّ إليهم ميلغة الكلب([22])، ورفع يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، ومع هذا لم يعزل خالدًا عن الإمرة”([23]).

إذا تقرَّر بأنَّ خالد بن الوليد قتل مالكَ بن نويرة خطأ أو متأوّلا فقد يقول قائل: إذن فلماذا أنكر بعض الصحابة على خالد بن الوليد كما فعل عمر وابنه عبد الله وأبو قتادة الأنصاري؟!

ويجاب عن هذا بما تقدَّم من أنَّ أمر مالك بن نويرة كان مشتَبهًا، ولهذا اختلَف الصحابة في قتلة، فمنهم من كان على رأي خالد، ومنهم من كان على رأي عمر في تخطِئه خالدٍ في قتله، وقد كان الصدِّيق يرى أنَّ خالدًا كان مجتهدًا في ذلك معذورًا؛ ولذا قال لعمر: “هبه يا عمر، تأوَّل فأخطأ”([24]).

المحور الثاني: زواج خالد من امرأة مالك بعد مقتَله مباشرة:

دعوَى زواجِ خالد بن الوليد رضي الله عنه بامرأة مالك بن نويرة ودخولِه بها في نفس ليلة مقتل زوجها دعوى عارية عن الصحة، فلم يُذكر ذلك من طريق صحيحٍ معتبر، والروايات الصحيحة تثبت خلافَ زعمهم، فقد ذكر الطبري زواج خالد بقوله: “وتزوَّج خالد أمّ تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طُهرها”([25])، وذكر ابن كثير أن خالدًا اصطَفى امرأةَ مالك، ولما حلَّتْ بَنَى بها([26])، وقال ابن خلكان: “وقبض خالد امرأتَه، فقيل: إنه اشتراها من الفيء وتزوَّج بها، وقيل: إنها اعتدَّتْ بثلاث حيض، ثم خطبها إلى نفسه فأجابته”([27]).

ويعلق شيخ الإسلام على ذلك فيقول: “معلوم أنَّ خالدا قتل مالك بن نويرة؛ لأنه رآه مرتدًّا، فإذا كان لم يدخل بامرأته فلا عدَّة عليها عند عامّة العلماء، وإن كان قد دخل بها فإنه يجب عليها استبراء بحيضة لا بعدّة كاملة في أحدِ قوليهم”([28]).

وبهذا يتبيَّن زيفُ دعواهم، وعدم صدق ادِّعائهم، وأن ما يزعمونه غير قائم على روايات ثابتة صحيحة.

المحور الثالث: كلام عمر بن الخطاب الشديد في خالد بن الوليد:

ومما جاء في الروايات من طعنٍ في خالد بن الوليد رضي الله عنه على ما رُوي من أنَّ عمرَ قال له: (يا عدوَّ الله، قتلتَ امرًا مسلمًا، ثم نزوتَ على امرأته! والله، لأرجمنَّك بالأحجار).

والجواب: أنَّ هذه الرواية تالفةٌ لا تثبت، فقد أخرجها الطبري قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أن أبا بكر كان من عَهده إلى جيوشه: أن إذا غشيتُم دارًا من دور الناس، فسمعتم فيها أذانا للصلاة، فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم: ما الذي نقموا؟ وإن لم تسمعوا أذانا، فشنوا الغارة، فاقتلوا وحرقوا، وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، وقد كان عاهد الله ألا يشهد مع خالد بن الوليد حربًا أبدًا بعدها، وكان يحدّث أنهم لما غشوا القومَ راعوهم تحت الليل، فأخذ القوم السلاح قال: فقلنا: إنا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟! قالوا لنا: فما بال السلاح معكم؟! قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال: فوضعوها، ثم صلينا وصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال له وهو يراجعه: ما إخال صاحبَكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا، قال: أوَمَا تعدُّه لك صاحبًا؟! ثم قدَّمه فضرب عنقَه وأعناق أصحابه، فلما بلغ قتلُهم عمرَ بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدوّ الله، عدا على امرئٍ مسلم فقتله، ثم نزَا على امرأتِه! وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد، وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجِرا بعمامة له، قد غرز في عمامته أسهما، فلما أن دخل المسجدَ قام إليه عمر، فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها، ثم قال: أرياء؟! قتلتَ امرأ مسلما، ثم نزوت على امرأته! والله، لأرجمنَّك بأحجارك، ولا يكلمه خالد بن الوليد، ولا يظنّ إلا أن رأيَ أبي بكر على مثل رأيِ عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر، فلما أن دخل عليه أخبره الخبر، واعتذر إليه فعذَره أبو بكر، وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك، قال: فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالس في المسجد، فقال: هلمّ إلي يا ابن أم شملة، قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلّمه، ودخل بيته([29]).

وهذا إسنادٌ تالف؛ فشيخ الطبري ابن حميد هو محمد بن حميد بن حيان الرازي، كان حافظًا من بحور العلم، لكنه في غايةِ الضعف، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير، وقال البخاري: فيه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، بل كذَّبه أبو زرعة وصالح جزرة وابن خراش وغيرهم، وقال أبو علي النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو أخذتَ الإسناد عن ابن حميد؛ فإن أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه، قال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلا([30]).

ومحمد بن إسحاق صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين([31])، ولم يصرِّح بالسماع في هذه الرواية.

وطلحةُ بن عبد الله بنِ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق لم يدرك أبا بكر الصديق([32])، ولم يعاصر هذه الواقعة، فحديثه منقطِع.

والنتيجة أن هذه الرواية سَاقِطَةُ الإِسْنَاد باطلةٌ لا يـُحْتَجُّ بِهَا.

ولو فرضنا تنزلًا أنَّ عمرَ قد أشار بقتله فيقال: غايةُ هذا أن تكونَ مسألة اجتهاد، كان رَأْيُ أبي بكر فيها ألا يقتصَّ من خالد، وكان رأْي عمر فيها الاقتصاص منه، ورأي أبي بكر في ذلك هو الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بني جذيمة، وموافق لقاعدة درء الحدود بالشبهات.

وهنا يحسن ذكر كلامٍ لشيخ الإسلام يحاجِج به الرافضة يقول فيه: “وإذا قالوا: عمر أشار على أبي بكر بقتل خالد بن الوليد، قيل: وطلحة والزبير وغيرهما أشاروا على عليّ بقتل قتَلة عثمان، مع أن الذين أشاروا على أبي بكر بالقوَد أقام عليهم رضي الله عنه حجَّة سلَّموا لها؛ إما لظهور الحقّ معه، وإما لكون ذلك مما يسُوغ فيه الاجتهاد، وعليّ لما لم يوافق الذين أشاروا عليه بالقوَد جرى بينه وبينهم من الحروب ما قد علم، وقتلُ قتلةِ عثمانَ أهون مما جرى بالجمل وصِفِّين، فإذا كان في هذا اجتهاد سائغ ففي ذلك أولى. وإن قالوا: عثمان كان مباحَ الدم، قيل لهم: فلا يشك أحد في أن إباحةَ دم مالك بن نويرة أظهرُ من إباحة دمِ عثمان، بل مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصومَ الدم، ولم يثبت ذلك عندنا، وأما عثمان فقد ثبت بالتواتر ونصوص الكتاب والسنة أنه كان معصومَ الدم، وبين عثمان ومالك بن نويرة من الفَرق ما لا يحصِي عدده إلا الله تعالى”([33]).

والمقصود من كلام شيخ الإسلام أن كل جواب يجيب به الرافضة في الدفاع عن علي بن أبي طالب، فهو جوابنا عليهم في أمر خالد بن الوليد رضي الله عن الجميع.

ويؤيّد رجحانَ فعل أبي بكر أن عمر لما آل الأمر إليه لم يعاتب خالدًا في ذلك قط، يعلق الهيتمي على هذا فيقول: “فَالْحق مَا فعله أَبُو بكر لَا مَا اعْترض بِهِ عَلَيْهِ عمر رَضِي الله عَنْهُمَا، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن عمر لما أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة لم يتَعَرَّض لخَالِد وَلم يعاتبه، وَلَا تنقصه بِكَلِمَة فِي هَذَا الْأَمر قطّ، فَعلم أَنه ظهر لَهُ حقِّية مَا فعله أَبُو بكر، فَرجع عَن اعتراضه، وَإِلَّا لم يتْركهُ عِنْد استقلاله بِالْأَمر؛ لِأَنَّهُ كَانَ أتقى لله من أَن يداهن فِي دين الله أحدًا”([34]).

وأما اتهام عمر لخالد رضي الله عنهما بالزنا فقد رواها شمس الدين أبو المظفر يوسف المعروف بسبط ابن الجوزي([35]) بدون إسناد، فمثل هذه الأباطيل لا أصل لها، وهي من قبيل الخرافات.

المحور الرابع: موقف أبي بكر رضي الله عنه:

إن أبا بكر رضي الله عنه مقتدٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم في إرسال خالد بن الوليد رضي الله عنه لقيادة الجيوش، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا رضي الله عنه وبعثه في عدة معارك لنشر الإسلام، كبعثه إلى الطائف، وأهل اليمن، والعزى، والبحرين، ودومة الجندل([36])، وغيرها كثير، وأيضـًا فإرسال خالد كان بإقرار الصحابة على ذلك؛ بدليل أنه لم يؤثَر عن أحد من الصحابة اعتراضُه على قيادة خالد لحروب الردّة.

والصحيح الثابت أنَّ أبا بكر لـمَّا علم بمقتل مالك جزع من ذلك، ودفع ديته لأهله، وردَّ عليهم المال والسبي، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قدمَ أبو قتادة على أبي بكر، فأخبره بمقتل مالكٍ وأصحابه، فجزع من ذلك جزعـًا شديدًا، فكتب أبو بكر إلى خالد، فقدم إليه، فقال أبو بكر: هل يزيد خالدٌ على أن يكون تأوّل فأخطأ؟! وردَّ أبو بكر خالدًا، وَوَدَى مالك بن نويرة، وردَّ السبي والمال([37]).

قال شيخ الإسلام: “وأما ما تفعله الرافضة من الإنكار على أبي بكر في هذه القضية الصغيرة وترك إنكار ما هو أعظم منها على علي، فهذا من فرط جهلهم وتناقضهم. وإذا قال القائل: علي كان معذورا في ترك قتل قتلة عثمان؛ لأن شروط الاستيفاء لم توجد؛ إما لعدم العلم بأعيان القتلة، وإما لعجزه عن القوم لكونهم ذوي شوكة ونحو ذلك. قيل: فشروط الاستيفاء لم توجد في قتل قاتل مالك بن نويرة؛ لوجود الشبهة في ذلك، والحدود تدرأ بالشبهات”([38]).

وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) عصر الخلافة الراشدة (ص: 19).

([2]) تاريخ الطبري (1/ 8).

([3]) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمَّ أهل التوريخ (ص: 669).

([4]) تاريخ الطبري (1/ 8).

([5]) كتاب الردة (ص: 104).

([6]) تاريخ اليعقوبي (ص: 157).

([7]) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (5/ 62).

([8]) تاريخ الطبري (3/ 279-280).

([9]) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (5/ 62).

([10]) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (9/ 226).

([11]) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (9/ 224).

([12]) البداية والنهاية (6/ 322) بتصريف يسير.

([13]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 216).

([14]) تاريخ الإسلام (2/ 24).

([15]) الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (1/ 91).

([16]) ينظر: تاريخ الطبري (2/ 273-274)، تاريخ ابن الأثير (2/ 217-218)، البداية والنهاية (6/ 326-327).

([17]) الكامل لابن الأثير (2/ 218).

([18]) ينظر: الأمالي لأبي عبد الله اليزيدي (ص: 25-26) بواسطة: موسوعة شبه الرافضة والرد عليها (171/ 187).

([19]) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (5/ 520).

([20]) ينظر: تاريخ الطبري (2/ 153)، والبداية والنهاية (6/ 354).

([21]) أخرجه البخاري (4339).

([22]) أي: الظرف الذي يلغ فيه الكلب إذا شرب، وأراد أنه أعطاهم قيمة كلّ ما ذهب لهم حتى ميلغة الكلب التي لا قدرَ لها ولا ثمن. غريب الحديث لابن قتيبة (2/ 142).

([23]) البداية والنهاية (9/ 465).

([24]) ينظر: تاريخ الطبري (3/ 378).

([25]) تاريخ الطبري (3/ 278).

([26]) البداية والنهاية (6/ 322).

([27]) وفيات الأعيان (6/ 14).

([28]) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (5/ 520).

([29]) تاريخ الطبري (3/ 279-280).

([30]) تنظر جميع هذه الأقوال في: ميزان الاعتدال (3/ 530).

([31]) ينظر: طبقات المدلسين لابن حجر (ص: 52).

([32]) ينظر: جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي (ص: 201).

([33]) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (5/ 515).

([34]) الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (1/ 91).

([35]) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (5/ 62)

([36]) انظر خالد بن الوليد (ص: 1-23)، وغزوات الرسول وسراياه (ص: 72).

([37]) ينظر: تاريخ خليفة بن خياط (ص: 150)، وكتاب الردة للواقدي (ص: 106)، وتاريخ الطبري (3/ 279)، والبداية والنهاية (6/ 354)، وانظر: دراسة مطولة لتحليل موقف خالد: حركة الردة، لعلي العتوم (ص: 222-227).

([38]) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (5/ 515).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مُحاكَمَة الملِحد إلى بَدَهيَّات العَقلِ

مِن مآزقِ العقل البشريِّ الحيرةُ في وجود الخالِق، وهي عَرَض مَرَضيٌّ يَدخُل في دائرة الوسوَسَة وليس في نطاق العِلم؛ لأنه في صورته النهائيَّة يعني الخروجَ بالإنسان من دائرة العَقل إلى الجنونِ، ومن هنا اقترحَ كثيرٌ من العقلاءِ معالجتَه على أنه ظاهرةٌ مَرَضِيّة، وليس ظاهرةً فِكريَّة أو علميَّة وإن حاول أصحابُه ذلك؛ لأنَّ الأعمى قد تراه […]

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (2)

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    7- طريقة في الاستسقاء: ذكر المؤلف في حوادث سنة 1291هـ: وفي يوم السادس والعشرين من شهر ذي القعدة أمر الباشا بالقراءة على سبعين ألف حجر آية: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الآية، وكل مائة مرة يقرأ هذا الدعاء: (اللهم لا تهلك عبادك بذنوب عبادك، ولكن برحمتك الشاملة اسقنا ماء […]

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (1)

   للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: يُعدُّ كتاب (الحوادث المكية) للمؤرخ المكي أحمد بن أمين بيت المال (1255-1323هـ) المسمّى بـ: (النّخبة السّنيَّة في الحوادث المكية) أو (التحفة السنية في الحوادث المكية)([1]) مِن أهمِّ الكتب في تاريخ مكة المكرمة في الحقبة ما بين (1279هـ) و(1322هـ)؛ لما يتميَّز به من تدوين الحوادث الحوليَّة والانفراد بذكر […]

سنُّ أمّ المؤمنين عائشةَ عندَ زواج النبيِّ ﷺ بها تحقيقٌ ودَفعُ شبهة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدّمة: يتفنَّن المخالِفون في تَزيين ادِّعاءاتهم الباطلةِ بزخرُفِ مُوافقة العَقل والمبالغةِ في الحسابات الموهومة؛ فتراهم يحاولون إضفاءَ الصّبغة الأكاديميّة والموضوعيَّة العلميَّة عليها، والواقعُ يكذِّب دعواهم، والمنهَج العلميُّ يثبت خلافَ مزاعمهم، وبالمثال يتَّضح المقال. مِن ذلك ما ادَّعاه بعضُ الكُتّاب من عدَم دقَّة كثير من الأحاديث والروايات المتعلِّقةِ بالإسلام والتي […]

علاقةُ الجن بالبشر في حدود النصوص الشرعية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدَّمة: عالم الغيب عالم محجوبٌ عن الإنسان، لا يطَّلع عليه إلا بقدرِ ما تسمح به السنَن الكونيَّة، وما يقدِّمه الوحيُ مِن معلومات يقينيَّة عنه، ومع ندرةِ المعلومات عن العوالم الغيبية وقلة الوسائل لمعرفتها فإنَّ الإنسان يأبى إلا أن يحاول الاطِّلاع عليها، ويظلُّ طلبُ الحقيقة عنها سؤالًا يشغل بالَ […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب:الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا. اسم المؤلف: د. فضة بنت سالم العنزي، أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية. دار الطباعة: مركز دلائل، الرياض، المملكة العربية السعودية. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1440هـ-2019م. حجم الكتاب: […]

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو […]

تلخيص كتاب جلاء الحداثة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» بيان ورد التباس

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ شهرةَ المبطِل في باطله لا تنفُخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه؛ فما يقوم به أصحاب الأهواء من اتخاذهم بعض الأحاديث الصحيحة متكَأً لهم؛ فيحمِلُونها على غير محاملها، ويُحمِّلُونها ما لا تحتمله من التحريفات والتأويلات الفاسدة؛ تمهيدًا لاستخدامها بالباطل لتكون برهانًا ودليلًا على نشر شبهاتهم […]

عرض وتعريف بكتاب: صيانة الجناب النبوي الشريف

بيانات الكتاب: عنوان الكتاب: صيانَة الجَناب النَّبوي الشَّريف (ردُّ الإشكالات الواردة على سبعة أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم). المؤلف: د. أسامة محمد زهير الشنطي (الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة). الناشر: مبرة الآل والأصحاب. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة 1441هـ. حجم الكتب: 535 صفحة. التعريف العام بموضوع الكتاب: يهدف هذا الكتاب إلى تحليل ومناقشة سبعة […]

جواب شبهةٍ حول حديث: «من تصَبَّح بسبعِ تَمرات»

من المسلَّم به أنَّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم محمولٌ على التشريع والإخبار، ويستحيل في حقِّه الكلام بالظنِّ والتخمين، وإن جُوِّز من باب الاجتهاد فيمتنع إقرارُه من القرآن، ولذلك أمثلةٌ كثيرة في القرآنِ، منها قضيَّة أسرى بدرٍ، فقد أنزل الله فيهم قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ […]

خلاصة كتاب معالم المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

  المفاضلة بين الأنبياء – تحرير مفهوم ودفع إيهام –

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فقد خلق الكون كله، واختار من ذلك ما شاء من الأمكنة والأزمنة ففضل بعضها على بعض. والمفاضلة مفاعلة من الفضل، وهي المقارنة بين شيئين أو جهتين وتغليب أحدهما على الآخر في الفضل، إذا فالمفاضلة إثبات الفضل لشيءٍ على آخر، وتقديمه بذلك عليه، ولذا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017