الجمعة - 17 شعبان 1441 هـ - 10 ابريل 2020 م

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

مقدمة:

قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين والآخر تطوُّر شبهاتها وتجديدها وتحديثها، فكلما أتى أهل العلم على شبهاتهم من القواعد طرحوهَا في ثوبٍ جديد.

ورَسُولنا ﷺ أرشدَنا للتَّمسُّك بسنَّته، وحذَّرنا من تتبُّع مسالك المنحرفين، فقال ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»([1])، وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»([2]).

فَحذرَ ﷺ المسلمين من اتباع أهل البدعِ؛ حتى لا يشوِّشوا عليهم عقيدتهم، وعليه فَلَا بُد لِلْمُؤمنِ أَن يعرف حَال المخالفين؛ حَتَّى يتَمَيَّز عَنْهُم ويصون عقيدته عَمَّا هم عَلَيْهِ من البدع([3]). قال الدارمي رحمه الله: “إِنَّ الَّذِي يُرِيدُ الشُّذُوذَ عَنِ الْحَقِّ يَتَّبِعُ الشَّاذَّ مِنَ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَعَلَّقُ بِزَلَّاتِهِمْ، وَالَّذِي يَؤُمُّ الْحَقَّ فِي نَفْسِهِ يَتَّبِعُ الْمَشْهُورَ مِنْ قَوْلِ جَمَاعَتِهِمْ، وَيَنْقَلِبُ مَعَ جُمْهُورِهِمْ، فَهُمَا آيَتَانِ بَيِّنَتَانِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى اتِّبَاعِ الرَّجُلِ وَعَلَى ابْتِدَاعِهِ”([4]).

والابتداعُ في الدّين جاء ذمُّه في الكتاب والسنة في نصوص كثيرة، والبدعة المذمومة في الشرع على مراتب، فمنها المكفرة، ومنها غير المكفرة، ومن عموم النصح للمسلمين توضيحُ مناهج الفرق والجماعات والمذاهب المنحرفة المخالفة لأهل السنة والجماعة، ومن تلك الفرق في عصرنا الحاضر فرقة الأحباش. وقد كتب عنهم كتابات عديدة من أبرزها كتاب (فرقة الأحباش: نشأتها عقائدها آثارها) للدكتور سعد الشهراني، وجملة من كتابات د. عبدالرحمن دمشقية وغيرها.

وسَيكونُ الحديث في هذه الورقة العلميَّة ملخصًا لأبرز مخالفاتها هذه الفرقة في العقيدة على وجه الخصوص، وسينتظم ذلك في مبحثين:

المبحث الأول: التعريف بالأحباش وأبرز دعاتهم وأنشطتهم.

المبحث الثاني: بعض مسائل الاعتقاد عند الأحباش.

وهذا أوانُ الشروع في المقصود:

المبحث الأول: التعريف بالأحباش وأبرز دعاتهم وأنشطتهم:

المطلب الأول: نسبة الأحباش:

ينتسب الأحباش إلى شيخهم عبد الله الهرري الحبشي، والهرري نسبة إلى بلاد (هرر) في الحبشة([5]).

وهو عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن جامع الهرري الشيبي العبدري الشافعي الرفاعي القادري النقشبندي، أبو عبد الرحمن. ولد في مدينة هرر حوالي سنة 1339هـ-1920م، وتلقى العلوم المختلفة على أيدي علماء كُثر، أكثرهم على الطرق الصوفية([6])، ورحل إلى مكَّة، وتعرَّفَ علماءَها، ورحل إلى المدينة المنورة، ثم إلى بيت المقدس في أواخر العقد الخامس من هذا القرن، ومنه توجَّه إلى سوريا. ولما لم يجد الحبشيّ في سوريا أرضًا خصبة لترويج عقيدته وأفكاره انتقَل إلى لبنان، واتَّخذ من بيروت مستقرًّا له في منطقة (برج أبي حيدر)، ثم أخذ يتردَّد على طرابلس، ويجالس الناسَ في المقاهي، ويجمعهم حولَه، ويؤوِّل لهم الرؤى والأحلام، ويروي لهم القصص، فاجتذبهم من هذا الباب، وبهذا الأسلوب تزايد أتباعُه([7]).

له مجموعة من المؤلَّفات، منها:

1- الصراط المستقيم في التوحيد.

2- الدليل القويم على الصراط المستقيم في التوحيد.

3- مختصَر عبد الله الهرريّ الكافل بعلم الدين الضروريّ.

4- المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية.

5- الشرح القويم.

6- إظهار العقيدة السنية.

المطلب الثاني: أبرز دعاة الأحباش:

اغترَّ بهذه الفرقة ثلَّة من الناس، وكان منهم دعاةٌ إليها، منهم:

1- نزار حلبي: ويعتبر الرجل الثاني في جماعة الأحباش بعد عبد الله الهرري، والرجل الأول في إدارة شؤون جماعة الأحباش، تسلَّم رياسة الجمعية (جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية) عام 1983م، وقد تخرَّج في كلية الشريعة في جامعة الأزهر سنة 1975م([8]).

2- حسام قراقيرة: تولى رياسة جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية بعد مقتل سلفه الحلبي، وقد تدرَّج قراقيرة في العمل داخل مؤسسات الأحباش، حيث تولى في عام 1983م رياسة مكتب شؤون الدعوة، ثم تولى منصب المدير العام إضافة إلى نائب الرئيس([9]).

3- عدنان طرابلسي: ويعتبر أحد أركان جمعية المشاريع، تتلمذ على يد عبد الله الحبشي في شبابه، وشغل منصب نائب رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، ورياسة الاتحاد الكشفي للبرلمانيين العرب، ورياسة نادي المشاريع الرياضي، ورياسة جمعية كشافة المشاريع([10]).

ولديهم العديدُ من الشخصيات العامّة الأخرى مثل: طه ناجي، وكمال الحوت، وعماد الدين حيدر، وعبد الله البارودي، وهؤلاء يُشرفون على أكبر أجهزة الأبحاث والمخطوطات مثل: المؤسسة الثقافية للخدمات([11]).

المطلب الثالث: أنشطة الأحباش والمؤسَّسات التابعة لها:

للأحباش عددٌ كبير من المؤسَّسات والأنشطة؛ وذلك لبثّ أفكارهم، منها:

1- جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية: تأسَّست عام 1983م([12])، ومركزها بيروت، ولها فروع في كافة المحافظات اللبنانية، وكذلك لها فروع في عدد من دول العالم؛ كالأردن، وأستراليا، والسويد، وفرنسا، وأمريكا، وبريطانيا، وبلجيكا، وألمانيا، وروسيا، وتايوان، وغيرها، ويبلغ عدد هذه الفروع ثلاثة وثلاثين فرعًا([13]).

2- المدارس: قام الأحباش ببناء مدارس خاصة بهم لجميع المراحل الدراسية، وهم يقيمون في هذه المدارس دوراتٍ صيفية دينية، بالإضافة إلى التعليم الشتوي؛ وذلك لكي ينشروا عقيدتهم بين أبناء المسلمين([14]).

3- الإعلام: كان للأحباش إذاعة محلية خاصَّة بهم، تبَث من بيروت، ولهم أيضًا مجلة شهرية باسم: (منار الهدى) تقوم بنشر مذهبهم، والطعن في أئمة المسلمين وعلمائهم، كما تقوم بعض المجلات والجرائد المحلية والدولية بلقاءات ومقابلات وتحقيقات مطولة مع أقطابهم، كما فعلتْ جرائد السفير، والنهار، والأنوار، والمسيرة اللبنانية، وكذلك مجلة الوطن العربي، ومجلة الأسبوع العربي، وغيرها من المجلات والجرائد. وأيضًا للأحباش نشاط كبير في التلفزيون اللبناني وغيره من القنوات الخاصة بلبنان، حيث تعرض اللقاءات والدروس([15]).

4- الغناء والطرب والأندية: لدى الأحباش في لبنان كثير من فرق الغناء والأناشيد الدينية، حيث يحرصون على نشر أشعار المتصوفة، كالبوصيري وابن الفارض وغيرهما، ويهتمّ الأحباش كثيرًا بالألعاب الرياضية المختلفة من كرة قدم وسلة وكاراتيه وغير ذلك؛ لجذب الشباب والشابات والتودّد إليهم، وأشهر أنديتهم: (نادي الفوز الرياضي) بطرابلس، وكذلك: (مجمع ناجي الرياضي) بطرابلس أيضًا، وهي أندية مختلطة للرجال والنساء([16]).

المبحث الثاني: بعض مسائل الاعتقاد عند الأحباش:

من خلال دراسة عقيدة الأحباش يتجلَّى لكلّ مَن له مسكة مِن علم أنَّ الحبشيَّ خالف الكتاب والسنة في كثير من مسائل العقيدة([17])، ودونك بيان بعضها:

1- معنى العبادة عند الأحباش:

زعم الحبشي أن العبادة هي: “نهاية التذلُّل والخضوع لله”، وقال: إن هذا معنى العبادة عند أهل اللغة، ورتَّب على هذا الفهم جوازَ دعاء غير الله تعالى وسؤال غيره وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؛ بشرط عدم التذلّل إلا لله تعالى، وفي ذلك يقول الحبشي: “العبادة نهاية التذلل، فلا يجوز أن يتذلَّل العبد هذا التذلّل لغير الله، فمن صرف ذلك لغير الله فقد عبد غير الله، وليس عبادةً لغير الله مجرّد النداء لحيّ أو ميت، ولا مجرد التعظيم، ولا مجرد الاستغاثة بغير الله، ولا مجرد قصد قبر ولي للتبرّك، ولا مجرد طلب ما لم تجر به العادة بين الناس، ولا مجرد صيغة الاستعاذة بغير الله تعالى، أي: ليس ذلك شركـًا”([18]).

ودعوَى الحبشيّ أنّ العبادةَ في اللغة لا تأتي إلا بمعنى الخضوع فقط دعوى عارية عن الصحة، ودونك أقوال أهل اللغة في معنى العبادة:

قال ابن منظور: “وأصل العبودية: الخضوع، والتذلل.. والتعبد، والتنسُّك، والعبادة الطاعة، قال ابن الأنباري: فلان عابد: هو الخاضع لربه المستسلم المنقاد لأمره”([19])، وقال الزجاج: “ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع”([20])، وقال الفيروز آبادي: “العبادة: الطاعة”([21])، قال أبو بكر الرازي: “العبادة: الطاعة”([22]).

وعلى هذا فتعريفُ العبادة في لغة العرب: الذلُّ والخضوع المستلزِم طاعة المعبود أمرًا ونهيًا، ومعنى كلام أهل اللغة: أن أيَّ فعلٍ فيه طاعة يكون عبادةً، وبالتالي لا يجوز صرف العبادة لغير الله تعالى.

وبهذا يتبيَّن خطأ قول الحبشيّ هذا، والذي يفضي بأن يكون الرسول ﷺ -وحاشاه- قد أخطأ عندما قاتل مشركي العرب واستحلَّ دماءهم وأموالهم.

2- اعتقاد الأحباش في صفات الله تعالى:

لقد أطالَ الحبشيّ وأتباعُه النفَس في هذه القضيّة، فلا يكاد يخلو كتابٌ لهم أو مطوية إلا ناقشت هذه القضية، سواء في كتاب «الشرح القويم» أو «صريح البيان» أو «المطالب الوافية» أو «إظهار العقيدة السنية»، بل ألَّف رسالة بعنوان: «شرح الصفات الثلاث عشرة الواجبة لله تعالى».

والحبشي متأثّر بمناهج الكُلَّابية والأشاعرة والماتُرِيدية، وأبرز الملاحظات على الحبشي في هذا الباب أنه حصر الصفات لله تعالى في ثلاث عشرة صفة وهي: الوجود، والقِدَم، والبقاء، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام([23]). وفي حصره هذا تحكُّم بلا دليل، فلا يوجد دليل على ذلك، لا من كتاب الله، ولا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، بل المنهج الحق في هذا إثبات كل ما أثبته الله لنفسه من غير تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل.

قال ابن عبد البر: “أَهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ كُلِّهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِيمَانِ بِهَا، وَحَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُكَيِّفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَحُدُّونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهَا وَالْخَوَارِجُ فَكُلُّهُمْ يُنْكِرُهَا، وَلَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَا مُشَبِّهٌ، وَهُمْ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ، وَالْحَقُّ فِيمَا قَالَهُ الْقَائِلُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَهُمْ أَئِمَّةُ الْجَمَاعَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ”([24]).

بل نجد أنَّ إمام الأشاعرة -الذي يدَّعي الحبشيّ انتماءه إليه- قد نَصَّ على هذا الأصل، حيث قال أبو الحسن الأشعري: “وأجمعوا على وصف الله تعالي بجميع ما وصف به نفسه، ووصفه به نبيّه، من غير اعتراض فيه، ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب، وترك التكييف له لازم”([25]).

وقد أوَّل الحبشيّ كثيرًا من صفاتِ الباري تعالى، فهو يقول في تأويل صفة العلو: “الفوقية هي فوقية القدرة والقهر، وهو معنى العلو الذي وصف الله به نفسه في قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، وبقوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]؛ لأن علو الجهة مستحيلٌ عليه؛ لأنه من صفات الخلق”([26]). وهذا مخالفة صريحة لما عليه أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام: “قد وصف الله نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صل الله عليه وسلم بالعلو، والاستواء على العرش، والفوقية في كتابه، في آيات كثيرة، حتى قال بعض كبار أصحاب الشافعي: في القرآن ألف دليل أو أزيد تدلّ على أن الله عال على الخلق، وأنه فوق عباده”([27]).

وقرَّر في صفة الاستواء مذهبَ المعتزلة، فأوَّلها بالاستيلاء، فقال: “ويراد به الاستيلاء، أي: القهر، كما يقال: استوى فلان على بلدة كذا”([28]). وفي هذا مخالفةٌ واضحة لمذهب أهل السنة، فالاستواء ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، قد ورد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، والشرع والعقل ينفيان هذا التأويل؛ لأن الاستيلاء هو الاستحواذ على ملك الغير، وهذا محال في حق الله تعالى؛ لأن جميع ما في الكون ملك له سبحانه.

وله غير ذلك الكثير من التأويل لصفات الله تعالى([29]).

3- عقيدة الأحباش في القرآن:

الحبشي يرى أنَّ القرآنَ ليس من كلام الله؛ لأن الله منزه عن الكلام، وأن المنشئ الحقيقيَّ لألفاظ القرآن هو جبريل وليس الله، واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40] أي: قول جبريل، وكذلك قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18]([30])، والمعنى: اقرأ -يا محمد- قرآن جبريل، وقال في موضع آخر: “فكلام الله النفسي الذي ليس هو حرفًا ولا لغة هو كلام الله الحقيقي، أما القرآن المتضمّن للألفاظ فهو مخلوق، لكن يمكن إطلاق لفظ القرآن عليه من باب المجاز”([31])، وقال: “هو عبارة عن كلام الله الذاتي”([32])، وقال أيضًا: “فلو كان القرآن يراد به حيث ذكر كلام الله الذاتي لم يضفه الله تبارك وتعالى إلى جبريل”([33]).

أي: أن القرآن في الحقيقة -بزعمه- هو كلام جبريل، وليس هو كلام الله تعالى، وهذا خلاف ما دلّ عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بأن القرآن كلام الله تعالى حروفه ومعانيه، منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، تكلّم الله به حقًّا، وأوحاه إلى جبريل صدقًا، فنزل به جبريل -عليه السلام- على محمد ﷺ، أنزله الحكيم الخبير بلسان عربي مبين، ونقل إلينا بالتواتر الذي لا يرقى إليه شكّ ولا ريب، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195]، وقال تعالى لنبينا محمد ﷺ: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113]، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]، وقال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. فأهل السنة يؤمنون بأن القرآن الكريم أنزله الله، بحرف وصوت، مكتوب في اللوح المحفوظ، وتحفظه الصدور، وتتلوه الألسن، ومكتوب في الصحف([34]).

4- عقيدة الأحباش في حقيقة الإيمان:

لقد وافق الأحباش المرجئة في تعريف الإيمان، فهم يرون أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب والنطق باللسان، أما الأعمال فلا تدخل في مسمى الإيمان، أي: أن الذي لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحجّ ويفعل الموبقات لا يكفر ما دام أنه مصدِّق بالله تعالى بقلبه ناطق بالشهادة بلسانه، وأنه لا بد أن يدخل الجنة ولا تمسه النار.

يقول الحبشي في تعريف الإيمان: “الإيمان لغة: التصديق، وشرعًا: تصديق مخصوص بما جاء به النبي ﷺ، فمن آمن بما جاء به النبي ﷺ، وصدق ذلك بالنطق بالشهادتين بلسانه، فهو مسلم مؤمن، إن مات على ذلك لا بد أن يدخل الجنة”([35])، وقال أيضًا: “من آمن بالله ورسوله ثم لم يعمل شيئًا من الفرائض ليس بكافر”([36]).

وهنا يتبين أن حاصل قول الحبشي في الإيمان إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، فليستِ الصلاة والحج وغيرهما من الأعمال الواجبة من الإيمان في نظر الحبشي، وهذا يناقض صريح القرآن والسنة وإجماع السلف أن الأعمال من الإيمان([37]).

قال الإمام الشافعي: “وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر”([38])، وقال البُخاري: “لقيتُ أكثرَ من ألْف رجلٍ منَ العلماء بالأمصار، فما رأيتُ أَحَدًا يختلف في أن الإيمانَ قوْل وعمل، ويزيد وينقص”([39])، وقال الآجري: “إني قد تصفحت القرآن، فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضعًا من كتاب الله عز وجل أن الله تبارك وتعالى لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح، وهذا ردّ على من قال: الإيمان المعرفة، وردّ على من قال: المعرفة والقول وإن لم يعمل”([40]).

 5- موقف الأحباش من الصحابة:

يمتنع الحبشي من القول بعدالة جميع الصحابة، وخصّص وصفَ العدالة بطبقة عُليا منهم، أما ما عداهم فلا يدخلون في هذه العدالة؛ لذلك قام الحبشي بتحريف الأحاديث الصحيحة الدالة على الثناء عليهم جميعًا، والنهي عن سبِّهم، فالحبشي لم يكفَّ عمَّا شجر بينهم، بل يصِف معاوية ومن معه من الصحابة بالبغاة، فيقول: “وليس مِن سبِّ الصحابة القول: إن مقاتلي عليٍّ منهم بغاة؛ لأنَّ هذا مما صرح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين”([41])، ويقول أيضًا: “ثم إنّ وصف النبيّ لمعاوية وفئته الذين قاتلوا عليًّا بالبغي صريح في أنهم آثمون”([42])، ويزعم أن القول بفسق مقاتلي عليٍّ هو قول أكثر الأشاعرة([43])، وقوله هذا لا دليلَ عليه.

وذكر الحبشي حديث: «من خلع يدًا من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة لا حجّةَ له، ومن مات وليس في عنقِه بيعةٌ مات ميتة جاهلية»([44])، ثم قال: “الجزء الثاني من الحديث ينطبق على كل من قاتل عليًّا، ولم يتب من ذلك”([45]). وهذا جراءة متناهيةٌ في حقّ ثلة كبيرة من الصحابة، وهو مخالف لموقف أهل السنة وقولهم فيما دار بين الصحابة وموقفهم من الآثار التي رويت في ذلك، ويوضح شيخ الإسلام ذلك فيقول: “إنَّ هَذِهِ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ، وَمِنْهَا مَا قَدْ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ وَغُيِّرَ عَنْ وَجْهِهِ، وَالصَّحِيحِ مِنْهُ هُمْ فِيهِ مَعْذُورُونَ؛ إمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعْصُومٌ عَنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَصَغَائِرِهِ؛ بَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ الذُّنُوبُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ مِنْ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إنْ صَدَرَ، حَتَّى إنَّهُ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مِنْ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ([46])، وَأنَّ الْمُدَّ مِنْ أَحَدِهِمْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ([47]). ثُمَّ إذَا كَانَ قَدْ صَدَرَ مِنْ أَحَدِهِمْ ذَنْبٌ فَيَكُونُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، أَوْ أَتَى بِحَسَنَاتِ تَمْحُوهُ، أَوْ غُفِرَ لَهُ بِفَضْلِ سَابِقَتِهِ، أَوْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي هُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِشَفَاعَتِهِ، أَوِ ابْتُلِيَ بِبَلَاءِ فِي الدُّنْيَا كَفَّرَ بِهِ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ فَكَيْفَ بِالْأُمُورِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا مُجْتَهِدِينَ؛ إنْ أَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَؤوا فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مَغْفُورٌ لَهُمْ؟! ثُمَّ الْقَدْرُ الَّذِي يُنْكَرُ مِنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ قَلِيلٌ نَزْرٌ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ فَضَائِلِ الْقَوْمِ وَمَحَاسِنِهِمْ مِن الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمِ وَبَصِيرَةٍ وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَضَائِلِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهُمْ، وَأَنَّهُمْ هُم الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى”([48]).

بل تجرأ الحبشيّ على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ووصمها بارتكاب المعصية، يقول: “وكان معصيتها وقوفها في معسكر الذين تمرَّدوا على (عليّ) الخليفة الراشد”([49])، وهذا القول بأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها شاركتْ بالفعل غير صحيح، يقول شيخ الإسلام: “فإنَّ عائشة لم تقاتِلْ، ولم تخرجْ لقتالٍ، وإنَّما خرجتْ لقصْد الإصلاح بين المسلمين، وظنَّتْ أنَّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّنَ لها فيما بعد أنَّ ترْكَ الخروج كان أَوْلَى، فكانتْ إذا ذَكَرَتْ خروجَها تبكي حتى تبُلَّ خمارَها، وهكذا عامَّة السابقين نَدِموا على ما دَخَلوا فيه من القتال، فنَدِم طلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكنْ يوم الجَمَل لهؤلاء قصدٌ في الاقتتال، ولكن وقَعَ الاقتتال بغير اختيارهم”([50]).

وقد نقل غير واحد الإجماع على عدالة جميع الصحابة، فقال ابن الصلاح “ثمَّ إنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على تعديلِ جميع الصحابة، ومَن لابس الفتنَ منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتدُّ بهم في الإجماع؛ إحسانًا للظَّنِّ بهم، ونظرًا إلى ما تمهّد لهم من المآثر، وكأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أتاح الإجماعَ على ذلك لكونهم نقلة الشريعة، واللهُ أعلم([51])، وكذلك نقله النووي([52]).

6- الاستغاثة والاستعانة والاستعاذة بغير الله من الأموات وغيرهم، والسجود للصنم، والتبرك بالأحجار عند الأحباش:

الحبشي يعتقد مشروعية الاستغاثة والاستعاذة بالأموات، وأنهم يخرجون من قبورهم لكشف كُربة الداعي، قال: “وليس مجرد الاستغاثة بغير الله ولا الاستعاذة بغير الله يعتبر شركًا كما زعم بعض الناس”([53])، فلا الاستغاثة بغير الله ولا الاستعاذة بغير الله تعتبر عنده شركًا!

وصرّح الحبشي أن الله جعل الأولياء أسبابًا لنا لندعوهم ونستغيث بهم، وأن ذلك يجوز من الموحِّد ما دام يعتقد أن الضرّ والنفع بيد الله، قال: “وليس مجرد الاستعاذة بغير الله تعتبر شركًا، أما إن كان يعتقد أن غير الله ينفع أو يضر من دون الله فقد وقع في الشرك”.

ولا شكَّ أن هذا يخالف عقيدة الإسلام ومنهج أهل السنة الذين يعتقدون بأن الاستغاثة بالأنبياء أو بغيرهم من الأموات والغائبين أو الجنّ أو الأصنام أو غيرها من الجمادات أنها من الشرك الأكبر، وهو من عمل المشركين الأولين والآخرين، قال الله سبحانه: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون: 117]، فسمَّى سبحانه دعاءهم غير الله كفرا، وحكم عليهم بعدم الفلاح، وقال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13، 14]، فسَمَّى دعاءهم غير الله شركًا، والله سبحانه يقول: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، ويقول جل وعلا: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].

فالله هو الذي يُدعى، وهو الذي يكشف الضّرَّ، وهو الذي يجلب النفع؛ يقول سبحانه: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، ويقول سبحانه: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، ويقول جل وعلا: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].

أما دعاء الأنبياء أو الأولياء أو غيرهم من الناس عند قبورهم، كل هذا منكر، وهو شرك بالله تعالى يجب الحذر منه، قال الله جل وعلا: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وقال سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]، ويقول جل وعلا في حق نبيه ﷺ: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].

7- اعتقاد الأحباش خروج الولي من قبره:

يعتقد الأحباش بأن أحمد الرفاعي عندما زار قبر الرسول ﷺ أخرج الرسول ﷺ يده للرفاعي، وقام بتقبيلها([54])، يقول فادي علم الدين أحد تلاميذ الحبشي في ذلك: “وإثباتُ مديد المصطفى ﷺ له -يعني للرفاعي- وتقبيلها أمام خلق عظيم”([55])، وجاء في أحد كتب الأحباش تأكيدٌ ذكره فادي علم الدين، حيث فيه: “ما المانع شرعًا أو عقلًا على أن يخرج الأولياء من قبورهم؟!”([56]).

والقصة من أساسها لا تثبت، والأدلة على عدم ثبوتها ما يلي:

1- أن أصحاب كتب تراجم الصوفية الأوائل كالسبكي والشعراني وابن الملقن والمناوي لم يتعرَّضوا لذكر هذه الحادثة، مع أنهم كانوا أقرب إلى عصر الرفاعي من المتأخرين كالصيادي، وليس من المعقول أن يحرصوا على جمع كل ما روي عنه، فيروون قصة الجرادة والبعوضة ويهملون هذه الحادثة التي اهتزت لها بقاع الأرض على حد تعبير الصيادي!

2- أن المؤرخين -غير المتصوفة- كالذهبي وابن كثير وابن خلكان لم يتعرضوا لذكر هذه الحادثة إطلاقًا، ولو أنها وقعت حقيقة لتسابقوا إلى كتابتها. وقد ذكروا ما اشتهر به الرفاعيون من دخول النيران واللعب بالحيات وركوب السباع، غير أنهم لم يتطرّقوا إلى ذكر هذه الحادثة، الأمر الذي يبعث على الجزم بأن حبكها كان متأخرًا عنهم.

3- أن رواة هذه الحادثة هم الصوفية الذين شهد الرفاعي نفسه بأنهم يكذبون على مشايخهم وأئمتهم، حيث قال: “واحذر الفرقة التي دأبها التفكّه بحكايات الأكابر وما ينسب إليهم؛ فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم”، وقال: “يا بني، إذا نظرت في القوم الذين ادعوا التصوّف وجدت أن أكثرهم من الزنادقة الحرورية والمبتدعة”([57]).

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (43)، وأحمد (17144)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وقال الترمذي: “حديث حسن صحيح”.

([2]) أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401).

([3]) ينظر: كتاب التبصير في الدين (ص: 15).

([4]) الرد على الجهمية (ص: 78).

([5]) ينظر: مجلة الفرقان، عدد (33)، بتاريخ 14/ 1/ 1993م (ص: 13)، وانظر أيضًا: لقاء مع نزار الحلبي (خليفة الحبشي) في جريدة (المسلمون)، العدد (407).

([6]) انظر: الشرح القويم في حلّ ألفاظ الصراط المستقيم عبد الله الهرري (الحبشي) (ص: 4-10)، الناشر: دار المشاريع، بيروت، ط الثانية، 1420هـ-1990م، إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية عبد الله الهرري (الحبشي) (ص: 7-13)، الناشر: دار المشاريع، بيروت، ط الثالثة، 1417هـ-1997م.

([7]) ينظر: مجلة البيان (110/ 68).

([8]) انظر: مجلة منار الهدى، العدد (9)، المحرم 1414هـ (ص: 58). وانظر: فرق وطوائف (5/ 2).

([9]) انظر: نزار حلبي -موقع الأحباش على شبكة المعلومات-، تحت عنوان: (منهاج الجمعية)، على الرابط: www.aicp.de

([10]) المصدر السابق (د. عدنان طرابلسي).

([11]) ينظر: فرق وطوائف (5/ 2).

([12]) مجلة (المجلة)، العدد (679)، 16/ 2/ 1993م.

([13]) ينظر: فرق وطوائف (9/ 2).

([14]) ينظر: المصدر السابق.

([15]) ينظر: المصدر السابق (10/ 2).

([16]) الأحباش لعبد الرحمن بن عبد الله (ص: 38)، مجلة المجتمع، العدد (1447)، بتاريخ 21/ 4/ 2001م، شبكة المعلومات: www.almujtamaa-mag.com؛ مجلة البيان، العدد (111)، ذو القعدة 1417هـ (ص: 93)، مقال بعنوان: “جماعة الأحباش حقيقتهم واتجاهاتهم – الجزء الثاني”.

([17]) ينظر: الرد على الحبشي للشامي (ص: 218).

([18]) الدليل القويم على الصراط المستقيم (ص: 173).

([19]) لسان العرب (2/ 664) -طبعة دار لسان العرب، بيروت-.

([20]) معاني القرآن (1/ 48)، وتهذيب اللغة (2/ 234).

([21]) القاموس المحيط، مادة: عبد.

([22]) مختار الصحاح (ص: 172).

([23]) انظر: شرح الصفات الثلاث عشرة الواجبة لله تعالى (ص: 64).

([24]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (7/ 145).

([25]) رسالة إلى أهل الثغر (ص: 133).

([26]) إظهار العقيدة السنية (ص: 201-202).

([27]) مجموع الفتاوي (5/ 226).

([28]) العقيدة السنية (ص: 199-200).

([29]) فرقة الأحباش أصولها وفروعها (ص: 33-41).

([30]) إظهار العقيدة السنية (ص: 58-59).

([31]) النهج السليم (ص: 26).

([32]) إظهار العقيدة السنية (ص: 59)، وبغية الطالب (ص: 18).

([33]) إظهار العقيدة السنية (ص: 59)، وبغية الطالب (ص: 18).

([34]) انظر: الرد على الجهمية (ص: 155)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة (1/ 374).

([35]) إظهار العقيدة السنية (ص: 227).

([36]) النهج السليم (ص: 31).

([37]) ينظر: فرقة الأحباش (ص: 18).

([38]) ينظر: شرح أصول الاعتقاد للالكائي (5/ 886)، ومجموع فتاوى ابن تيمية (7/ 208).

([39]) ينظر: فتح الباري (1/ 47).

([40]) الشريعة (ص: 118).

([41]) بغية الطالب (ص: 376).

([42]) صريح البيان (ص: 213).

([43]) المرجع السابق.

([44]) أخرجه مسلم (1851).

([45]) صريح البيان (ص: 244).

([46]) أخرجه البخاري (3651) ، ومسلم (2533).

([47]) أخرجه البخاري (3673)، ومسلم (2541).

([48]) العقيدة الواسطية (ص: 120-122).

([49]) صريح البيان (ص: 198).

([50]) منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (4/ 316).

([51]) المقدمة في علوم الحديث (ص: 171).

([52]) شرح النووي على صحيح مسلم (15/ 149).

([53]) بغية الطالب (ص: 8)، وصريح البيان (ص: 57، 58).

([54]) ينظر: قلادة الجواهر (ص: 15، 20، 108)، حكم الرفاعي (ص: 5)، المعارف المحمدية (ص: 34، 59)، تنوير الأبصار (ص: 6)، ذخيرة المعاد في سيرة بني صياد (ص: 33) .

([55]) المراقب اليفاعية (ص: 4، 16).

([56]) تفنيد مزاعم المدعي -إعداد قسم الأبحاث والدراسات- (ص: 45).

([57]) ينظر: موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام -الدرر السنية- (8/ 111).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تفسير قول الله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ودفع شبهة تقدُّم خلق حواء

الحمد لله الذي أنار بصائر المؤمنين بنور الوحي، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك؛ فقال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]. أما بعد: فما أصدقَ قولَ الشاعر: وكَمْ مِن عَائبٍ قولًا صَحِيحًا        وآفَتُه مِنَ الفَهمِ السَّقيمِ([1]) هذا هو حال كثيرٍ ممن […]

إبطال دعوى انتشار الإسلام بالسَّيف وإكراه الناس على اعتناقه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة لقد وقفَ أعداءُ الإسلام حيارى أمام واقع التاريخ الإسلاميّ، وأمام حقيقة انتشار الإسلام الذي أضاء بنوره معظمَ أرجاء العالم في مدَّة قصيرةٍ جدًّا، وحتى يسلب هؤلاء الأعداء من الإسلام علامات صدقِه ودلالات إعجازه المستمدَّة من حقيقة انتشاره السريع، وحتى يحجبوا عظمة انتشاره الدالة على صدقِه انتهى رأيهم بل انتهت […]

حديث «فيضع الرب فيها قدمه» ودفع إشكال

لا يشُكُّ مسلمٌ أنَّ في الدين محكَمًا ومُتشابهًا؛ إلا أنَّ المحكم لن يهتدِيَ إلى تمييزه مَن اضطربَت عنده الأصول وتفرَّقت به السبل في فهمِ الحقِ؛ لأن ثمَّةَ خيطًا ناظمًا للشرع، لا يستقيم للشخص إيمانٌ ولا يستقِرُّ له إسلامٌ مَا لم يُدركه، ألا وهو مبدأُ التسليم المطلَق للوَحيِ، وحُسن الظنِّ بكلام الله تعالى وكلام رسولِه صلى […]

بيانُ عُلماءُ الإسلامِ لـموطِنِ بني إسرائيل

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة ذكر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل كثيرًا في القرآن الكريم، وبين كثرًا من الأحداث التي عاشوها، وكان لأنبياء بني إسرائيل حضورٌ بارزٌ في القرآن الكريم، وكل الأحداث التي وردت في القرآن الكريم عن بني إسرائيل كانت شاهدةً لنمط حياة بني إسرائيل، وموطن استقرارهم، والأماكن التي جرت فيها أحداثهم. وقد […]

عرض وتعريف ببحث: نقد المتن من خلال معرفة خصائص الحديث النبوي وضوابطه

اهتمَّ المحدِّثون بنقد الحديث سندًا ومتنًا، فلم يهملوا نقدَ المتن؛ بل أعمَلوا فيه منهجَهم النَّقديَّ الدقيق، وقد أُلِّفت كتبٌ كثيرة حول نقدِ المتن عند المحدِّثين قديمًا وحديثًا، تناولته من عدَّة جهات، منها هذا البحث الذي بين أيدينا، والذي تناول نقدَ المتن من خلال معرفة خصائص الحديثِ النبويِّ. عنوان البحث: نقد المتن من خلال معرفة خصائص […]

عرض وتعريف بكتاب:المدارس الأشعرية -دراسة مقارنة-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: مَن أراد الاطِّلاع على المذهب الأشعريِّ سيجد اختلافًا وتباينًا في منهج المذهب وأقوال أعلامه، بل في منهج العلَم الواحد وأقواله، مع كثرة أعلامهم ومصنفاتهم، مما قد يدفعه إلى الخلط والاضطراب في الأخذ والاتباع للمذهب أو النقل عنه والحكم عليه، فلا يكاد يجزم بالمعتَمَد عليه في منهج المذهب أو […]

الشَّواهد القرآنيَّة على أنَّ موطن بني إسرائيل ليس جنوب الجزيرة العربية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بنو إسرائيل نعني بهم: صَحيحِي النَّسب إلى يعقوب عليه السلام، دون الأدعياء الذين هم اليوم غالب يهود العالم، وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام كما هو مقرَّر ومعروف، يقول ابن كثير رحمه الله: “يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيِّجًا […]

نفي تقرير الشؤم في القرآن الكريم

مقدمة: من الأمور التي ذمها الله ونهى عنها وزجر: الطِّيَرة؛ ذلك لأن الطيرة تفسد النية، وتصدّ عن الوجهة، وتفتح أبواب الشرّ والضرّ، وتعِد بالهلاك أو الخسران، فمبناها على الوهم وسوء الظنّ، ولحمتها وسداها التشبّه بأهل الجاهلية والشرك في الربوبية بنسبة شيء من التصرف والتدبير لأحد من البريّة ولأمور وهمية، فهي نقص في العقل، وانحراف في […]

عرض وتعريف بكتاب: (ما زلتُ سلفيَّاً) – حوارٌ هادىء مع الحنابلةِ الجُدُد والمَابَعْدِيَّة –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: لا يدَّعي عاقلٌ يدافع عنِ المنهج السَّلفي أنَّ السلفيِّين معصومون من الأخطاء! فعِصمة المنهَج لا يلزم منها عِصمة أتباعِه، فوجودُ الأخطاء في الأفراد والمجموعاتِ أمرٌ واقعٌ لا محالةَ، لا يجادِل في ذلك أحدٌ، هذه طبيعةُ الإنسان، والسلفيّون ليسوا عنهم بمعزلٍ، وبيانُ هذه الأخطاء وتصحيحُها وإنكارها على من يفعلُها […]

خطَر الفلسَفات الروحيَّة على العقيدة -الطاقة ووحدة الوجود نموذجًا-

الروحُ من أمرِ الله سبحانه وتعالى، وما يُصلِحها هو كذلك، فلا سعادةَ لها إلا بقدر ما يمدُّها به الله سبحانه من المعارف ويصلحها به من العلوم، وهي في ذلك لا تزال غامضةً عن الإنسانِ، لا يدرك كنهها، ولا يعرف علاقتها بالكون، خصوصًا في مرحلة ما بعد غيابِ الوعي بنوم أو موتٍ، فهي في كلِّ ذلك […]

موقفُ الغزاليِّ منَ التَّقليدِ في العقَائِد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: يقولُ الغزالي رحمه الله: “فقد سأَلتَني -أيها الأخ في الدِّين- أن أبثَّ إليك غايةَ العلوم وأسرارها، وغائلةَ المذاهب وأغوارها، وأحكي لك ما قاسيتُه في استخلاص الحقِّ من بين اضطراب الفِرَق مع تبايُن المسالك والطُّرقِ، وما استجرأتُ عليهِ من الارتفاعِ عن حضيض التَّقليد إلى يفاع الاستبصار، وما استفدته أولًا […]

حديثُ عمومِ العذاب الدُّنيويِّ ودَفع دعوَى معارضةِ القرآن

جميعُ ما ثبتَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لا يُعارِض القرآنَ الكريم البتَّةَ، ولا يخالِف الواقعَ بحالٍ؛ ومِن ثمَّ جاء الخطابُ عامًّا في قَبول ما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم؛ فقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]. نعم، قد يُشكل فهمُ بعض الأحاديث الثابتةِ على بعضِ […]

الأوبئة بين السنن الكونية والحقائق الشرعية

حقيقة الأوبئة: الدنيا دارُ ابتلاءٍ، والإنسانُ فيها خُلِق في كَبَد، أي: في مُكابدَةٍ، فحياتُه لا تستقيمُ إلا على نحوٍ من المشقَّة لا ينفكُّ عنه الإنسان في أغلب أحوالِه، ولا يستقرُّ أمرُه إلا بهِ، وهو في ذلك كلِّه ومهما فعَل ممَّا ظاهرُه التَّخليصُ من هذه المشقَّة فإنه لا يخرُج منها إلا بالقَدْر الذي تسمَح بها السنَن […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017