الثلاثاء - 23 ذو القعدة 1441 هـ - 14 يوليو 2020 م

العقل المسلم في زمن الأوبئة (دفع البدع والأوهام، وبيان ما يشرع عند نزولها)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

توالتِ الأزمات التي أصيبت بها الأمَّة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، ووقع للناس فيها صنوفٌ شتى من المحن والابتلاءات؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك.

وقد دوَّن التاريخ الإسلاميُّ وقائعَ تلك المِحَن وأحداثها وآثارها، ولعلَّ أوضحها وأعظمها فتكًا الأوبئةُ والطواعين التي انتشرت مراتٍ عديدةً في بلادٍ كثيرة من بلاد الإسلام؛ مِن ذلك مصرُ والشام والمغرب والعراق والأندلس، ومات فيها الآلاف من البشر، ومن تلك الأوبئة على سبيل التمثيل لا الحصر: طاعون عمواس (18هـ/ 693م)، وطاعون الجارف (69هـ/ 688م)، وطاعون الفتيات أو الأشراف (87هـ/ 705م)، وطاعون مسلم بن قتيبة (131هـ/ 748م)، والأوبئة والطواعين في العصر العباسي والمملوكي والأيوبي في المشرق الإسلامي، وكذلك الأوبئة والطواعين في المغرب الإسلامي.

وقد صوَّر لنا أهلُ العلم والمؤرِّخون الذين عاصروا تلك المحن والابتلاءات -مثل ابن كثير والمقريزي وابن تغري بردي وابن إياس وابن بطوطة وابن عذارى المراكشي- صُورًا متنوعة عنها وعن آثارها وعواقبها في سائر أرجاء بلاد المسلمين، كما بحثَتها كذلك كتبُ النوازل الفقهية على مختلف المذاهب الفقهيّة؛ ومن ذلك كتاب القاضي عياض: “مذاهب الحكام في نوازل الأحكام” و”الفتاوى البزَّازية” لمحمد بن أحمد البزّاز وهو من علماء القرن التاسع، وأيضًا كتاب “المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقيا والأندلس والمغرب” للونشريسي وهو من علماء القرن العاشر من المالكية.

وفي هذه الأيام وُلِعت الأمةُ الإسلامية -بل العالم كله- بأخبار ذلك الوباء العالميِّ الذي يزداد انتشارًا يومًا بعد يوم، والمسمَّى بفيروس كورونا، وقد تسبَّب هذا الوباء في عدد كبير من الوفيات، إضافةً إلى حالات الخوف والذعر؛ خصوصًا في البلدان التي استفحل فيها خطرُه.

وقد تباينَ تعامُلُ الناس في الماضي والحاضر في الوقاية من الوباء ودرء أسبابه، فمنهم من أخذ بالأسباب الدنيوية وتمسَّك بالمسنون والمشروع من الدين في الوقاية من هذا البلاء، ومنهم من انحرف نحو البدَع بل وبعض الخرافات للوقاية من هذا البلاء.

والقارئ للتاريخ الإسلامي يجد أن كثيرًا من الناس قد جنَحوا إلى التمسُّك ببعض البدع أثناء وقوع مثل هذه النوازل والأوبئة، وتتكرَّر تلك البدع بين الحين والآخر كلما جدَّ وباء أو نزلت نازلة، فجاءت هذه الورقة تعالج الموضوع من جهتين:

1- من جهة إلقاء الضوء على البدع التي تمارَس في زمن الأوبئة ومناقشتها على ضوء الكتاب والسنة.

2- ومن جهة بيان ما يُشرع للمسلم فعله عند وقوع الطاعون.

ولم أجد في حدود بحثي كتابًا ناقش هذا الموضوع بخصوصه، اللهمَّ إلا بعض النّقاط في بعض الكتب ومنها: “بذل الماعون في فضل الطاعون” لابن حجر، وكتاب “ما رواه الواعون في أخبار الطاعون”، وبعض المقالات على الشبكة.

وستكون هذه الورقة العلمية في تمهيد ومحورين كما يلي:

التمهيد: وفيه بيان لمعنى البدعة وخطرها.

المحور الأول: الأوهام والخرافات والبدع التي حدثت عند وقوع الطاعون وموقف الشرع منها.

المحور الثاني: ما يشرع للمسلم فعله عند وقوع الطاعون.

وهذا أوان الشروع في المقصود:

تمهيد:

البدعة في اللغة ترجع إلى معنى الاختراع على غير مثال سابق، يقال: “ابتدعت الشيء قولًا أو فعلًا إذا ابتدأته عن غير مثال سابق”([1])، ومنه قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [البقرة: 117، الأنعام: 101]، أي: مخترعهما من غير مثال سابق متقدِّم.

وعرَّف العلماء البدعة في الاصطلاح فقالوا: “هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب”([2]).

ولا ريب أن البدع لها مظاهر وآثار في المجتمع المسلم؛ خاصة ذلك المجتمع الذي يقرُّ تلك البدع ولا يعالجها ولا ينكرها، وتظهر هذه المظاهر والآثار جلية على الأفراد المبتدعين ومن تبعهم ومن أقرهم، وهم جزء لا يتجزّأ من المجتمع، وعدم الإنكار عليهم ومحاربة بدعهم يجعل هذه الآثار تشمل المجتمع كله.

وهذه الظواهر والآثار منها ما يختص بالأفراد المبتدعين، ومنها ما يعمُّ المجتمع بأسره، ومن هذه الآثار على سبيل الإيجاز:

1- القول على الله بغير علم:

فالنَّاظر في سير المبتدعة يجدهم أكثر الناس كذبًا على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد حذر الله تعالى عن التقول عليه، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44-46].

وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب عليه، وتوعَّد من فعل ذلك بالعذاب الشديد، فقال صلى الله عليه وسلم: «من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار»([3]).

2- إماتة السنة:

فمن الآثار الضارة للبدعة: إماتة السنة؛ فكلما شاعت البدع انزوت السنن، حتى تموت السنن، وتفشو البدع؛ لأنه ما ظهرت بدعة إلا وماتت سنة من السنن في مقابلها، وما أشيعت إلا بعد أن تخلّى الناس عن السنة الصحيحة، وفسدت نفوسهم، فكانت البدعة كالعلامة الدالة على ترك طريق السنة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “لا يأتي على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن”([4]).

3- مفارقة الجماعة:

اتباع أهل البدع يؤدّي إلى مفارقة الجماعة، وشقّ عصا الطاعة على جماعة المسلمين؛ لأن أهل الأهواء إنما يدعون إلى التحزب على بدعهم، وهو ما يؤدِّي إلى التفرق، وقد حذر الله من ذلك بقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105].

هذه جملة من آثار البدع على الفرد والمجتمع، بدأت بها حتى نعرف ضررها الكبير على الأمة، ولا شك أن أزمنة الأوبئة أرض خصبة لنشوء البدع وانتشارها نظرا لحالة الضعف النفسي الذي يعيشه الفرد، وهو ما أريد بيانه في المحور الآتي.

المحور الأول: الأوهام والخرافات والبدع التي حدثت عند وقوع الطاعون وموقف الشرع منها:

رافق ظهورَ الطواعين في البلاد الإسلامية ظهورُ عدد من البدع، وبعض مظاهر الخرافة، وكثير من الأوهام، ولم يختلف الأمر في واقعنا المعاصر؛ فحينما ظهر الوباء العالمي الذي يزداد انتشارًا يومًا بعد يوم -والمسمى بفيروس كورونا- وجدنا بعض هذه البدع التي كانت بالماضي تظهر بين الناس، بل وظهرت بعض الأوهام والخرافات التي لم تكن في أسلافهم، فحاولت تتبُّع ذلك بالنسبة لمن قبلنا في مظانِّه، وأيضًا حاولت التقصِّي فيما أُحدِث في واقعنا المعاصر، فمن تلك البدع والخرافات:

1- الاجتماع للدعاء والابتهال الجماعي:

وهذه بدعة قديمة حديثة، بل مظاهرها في العصر الحديث أكبر نظرًا لسهولة جمع الناس أكثر، وكوننا في عصر التواصل المفتوح، فقد جاء مثل هذه الدعوات اليوم لتكون حتى في وسائل التواصل الاجتماعي والبيوت ونحوها بنِيَّة دفع البلاء ورفع الوباء.

وهي بدعةٌ قديمةٌ كما بيَّنَّا، فقد ذكر ابن حجر أنه قرأ لشمس الدين المنبجي (ت 785هـ) أنَّ الناس بدمشق اجتمعوا -كما في الاستسقاء- في موضع واحدٍ للدعاء أثناء الطاعون الكبير سنة (749هـ)، لكن بعد دعائهم واجتماعهم انتشر الطاعون كالنَّار في الهشيم، وقضى الآلافُ جراء ذلك!

ثم علق ابن حجر على كلام المنبجي فقال: “ووقع هذا في زماننا، حين وقع أول الطاعون بالقاهرة، في السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة (833هـ)، فكان عدد من يموت بها دون الأربعين، فخرجوا إلى الصحراء في الرابع من جمادى الأولى، بعد أن نودي فيهم بصيام ثلاثة أيام كما في الاستسقاء، واجتمعوا ودَعَوا وأقاموا ساعةً ورجعوا، فما انسلخ الشهر حتى صار عدد من يموت في كل يوم بالقاهرة فوق الألف ثم تزايد([5]).

وحدث ذلك في واقعنا المعاصر في عدَّة أماكن بمصر والمغرب وتركيا وفلسطين وغيرها من البلدان([6]).

ومعلوم أنَّ الدعاء غير ممنوع ولا محظور؛ بل رغب فيه رب العزة جل جلاله، وكذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]، وقال أيضًا: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء»([7])، في أحاديث كثيرة.

إلا أننا لا نتحدث عن مجرد الدعاء، وإنما عن صفة مخصَّصة لأداء هذه العبادة، والصفة التي حكاها ابن حجر ووقعت في وقتنا المعاصر طريقة بدعية؛ لأن شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف، ومعنى هذا أن ثبوت الأصل لا يستلزم ثبوته بهذا الوصف، فالدعاء ثابت بالكتاب والسنة، أمَّا كونه بهذا الوصف والتحديد والاجتماع فلم يثبت لا في كتاب ولا سنة ولا عن أئمة الهدى، ولكون هذا عملًا تعبديًّا والعبادة تفتقر في ثبوتها للدليل الصحيح الصريح فيمنع لعدم توفّر الدليل.

وأيضًا لا حجَّة لمن قال بسلامة المقصد؛ لأن سلامة القصد ليس بمسوغ للمخالفة، فلا بد مع سلامة القصد من موافقة العمل للسنة، فسلامة القصد لا تغني عن صاحبها إذا أساء العمل، والعبد الموفَّق هو من يحرص على الأمرين جميعًا: سلامة القصد، وإحسان العمل، وإذا ما وقعَت منه هفوة بادر بالتوبة والإقلاع وتصحيح المسار إلى الله تعالى.

والدعاء الجماعيّ ورد في مواضع معيّنة في السنة، ولم يرد ذلك حال وقوع الأوبئة ونحوها، وقد وُجِد المقتضي والسبب عند السلف، ولم يسلكوا هذا المسلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فحدَثت الأوبئة في أزمان وأماكن متعددة، كما حصل الطاعون في عهد عمر رضي الله عنه وغيره، والطاعون جاء ذكره في السنة في عدة أحاديث، وبينت آثاره وعظم أمره، ولم يرد منه صلى الله عليه وسلم الحثُّ على الدعاء الجماعي والفزع لذلك كما في الكسوف، وقد وجد في عهد عمر رضي الله عنه طاعون عمواس، ومات فيه مئات الصحابة رضوان الله عليهم، وتألم عمر وأبو عبيدة وعمرو بن العاص رضي الله عنهم وخافوا على الصحابة، وقيل لهم: تفرقوا في الجبال، ومع هذا كلِّه لم يقم أحد منهم بفعل الدعاء الجماعي أو الحث عليه، أفلا يسعنا ما وسعهم؟! وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»([8])، وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ»([9]).

وقد رجَّح ابن حجر الهيتمي كونَ الاجتماع للدعاء بسبب الطاعون ونحوه بدعةً، وقال: “لو قيل بتحريمه لكان ظاهرًا؛ لأنه إحداث كيفية يظن الجهال أنها سنة”([10]).

إضافة إلى هذا كله فإنه مخالف للأحاديث التي تدعو إلى الحفاظ على النفس، ونفي الضرر، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا ضَرَرَ ولا ضِرار»([11])، ولئن كان المنع من الواجبات كصلاة الجماعة عند خوف وجود الضرر سائغًا ومشروعا فمنع المندوبات من باب أولى، فكيف لو كان هذا المندوب يؤتى به بطريقة بدعية؟!

والخلاصة أن شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف، والعبادة تفتقر في ثبوتها للدليل الثابت؛ خاصة أنه قد وجد المقتضي عند السلف ولم يسلكوا هذا المسلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وكذلك فإن سلامة القصد ليس بمسوغ للمخالفة، فلهذه القواعد وغيرها يمنع هذا الفعل ويحكم عليه بالبدعة.

2- قراءة القرآن لرفع الوباء:

وهذه أيضًا بدعة قديمة حديثة، ففي الأزمان السابقة يذكر ابن كثير أنه كان يُقرأ القرآن في المحاريب لرفع البلاء، يقول: “وتواترت الأخبار بوقوع الوباء في أطراف البلاد، فذكر عن بلاد القرم أمر هائل، وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل: إن أهل قبرص مات أكثرهم أو ما يقارب ذلك، وكذا وقع بغزة أمر عظيم في أوائل هذه السنة. وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفًا، وقرئ البخاري في ربعة يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الأول في هذه السنة، وحضر القضاة وجماعة من الناس، وقرأت بعد ذلك المقرئون، ودعا الناس برفع الوباء عن البلاد، وذلك أن الناس لما بلغهم من حلول هذا المرض في السواحل وغيرها من أرجاء البلاد يتوهمون ويخافون من وقوعه بمدينة دمشق حماها الله وسلمها، مع أنه قد بلغهم أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء، وفي صبيحة يوم الأحد تاسعه اجتمع الناس بمحراب الصحابة، وقرؤوا متوزعين سورة نوح ثلاثة آلاف مرة، وثلاثمائة وثلاثةً وستين مرةً، عن رؤيا رجل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشده إلى قراءة ذلك كذلك”([12]).

وفي واقعنا المعاصر قد تعالت الأصوات لرفع القرآن بالمآذن لدفع البلاء الواقع على البلاد([13])، بل إن مجلس المفتين بإحدى الدول أوصى بتلاوة القرآن 24 ساعة بالمسجد الكبير لرفع الوباء([14])، وقد تنادى بعض الناس لقراءة القرآن بشكل جماعي لرفع وباء كورونا، ودعي إلى فعله على أسطح المنازل والشرفات، أو في الطرقات، أو المساجد، أو وضع ذلك من خلال هواتف الجوال([15]).

وهذا عمل غير مسنون، بل هو إلى البدعة أقرب؛ لما تقدّم تقريره في مسألة الدعاء من أنَّ شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف، والعبادة تفتقر في ثبوتها للدليل الثابت، وخاصة أنه قد وجد المقتضي عند السلف ولم يسلكوا هذا المسلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وكذلك فإن سلامة القصد ليست بمسوغ للمخالفة.

3- التكبير الجماعي:

وهذه البدعة قديمة حديثة([16]) أيضًا، فالكثير من الناس يخرجون إلى الأماكن العامة أو أسطح المنازل للتكبير بصورة جماعية، أو يدعون إلى الخروج في مسيرات ليلية؛ للتضرع إلى الله تعالى ودعائه لرفع وباء كورونا عن بلاد المسلمين.

وقد يستدلون على تجويز ذلك ببعض الأدلة العامة، مثل:

– ما ذكره ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى عن قوم يونس عليه السلام: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98]، من أنهم: “جأروا إلى الله واستغاثوا به، وتضرعوا له وأحضروا أطفالهم ودوابَّهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب”([17]).

– خروج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الكسوف، وقوله: «والله، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا»([18]).

– أن هذا الخروج والاجتماع مثل الخروج في صلاة العيدين والتكبير فيهما، ومثل صلاة الاستسقاء، ورفع الصوت بالتأمين في الصلاة، ومثل هذا أيضًا في دعاء القنوت؛ فإن الإمام يدعو ويقوم المأمومون بالتأمين على دعائه، ولأن في التأمين بصوت مرتفع يقظة وافتقارًا إلى الله؛ لأن اليهود يحسدوننا على التأمين، فهذا جهر بالدعاء وليس فيه تعدٍّ حتى يمنع منه.

وكلامهم هذا واستدلالهم مردود، وعملهم غير مشروع، بل هو إلى البدعة ما أقربه؛ لما أصلنا سابقًا في مسألة الدعاء من أنَّ شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف، والعبادة تفتقر في ثبوتها للدليل الثابت، وخاصة أنَّه قد وجد المقتضي عند السلف ولم يسلكوا هذا المسلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وكذلك فإنَّ سلامة القصد ليس بمسوغ للمخالفة، لهذه القواعد وغيرها يمنع هذا الفعل ويحكم عليه بالبدعة.

أما استدلالاتهم فيمكن الإجابة عنها بالآتي:

أولًا: ليس في الآية إلا أنهم آمنوا، وخروجهم ليس في حديث صحيح تبنَى عليه الأحكام، ثم لو صح لكان من شرع من قبلنا الذي ورد شرعنا بخلافه في النهي عن كلِّ محدثة.

ثانيًا: أن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم خاصّ بصلاة الخسوف؛ ولهذا فإننا نلتزم بالنص، ونخرج في صلاة الخسوف بالصورة التي ذكِرت؛ لكن لا يصحّ ذلك في الأوبئة لعدم ورود الدّليل، ولعدم فعل الصحابة.

ثالثًا: وأما القياس على التأمين في الصلاة والقنوت برفع الصوت فقياس مع الفارق؛ لأن هذا ورد به الدليل، وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدعاء الجماعيَّ والتأمين في الكسوف، ولم يجتمع الصحابة رضي الله عنهم على الدعاء في الطاعون، ولا رفعوا أصواتَهم بالدعاء الجماعيّ والتأمين؛ فضلًا عن التكبير في البلكونات، والخروج في مسيرات.

رابعًا: أما الاحتجاج بالقياس على صلاة العيد أو الاستسقاء فنقول لهم: هل كانت العلة في الخروج في العيد والتكبير -وكذا في صلاة الاستسقاء- غير معلومة عند الصحابة ولم يفعلوها، وعلمتموها أنتم دونهم حتى تقيسوا عليها هذا القياس الذي لم يقل به إمام من أئمة العلم؟!([19]).

4- ختمة البخاري لرفع البلاء:

وهذه عادة قديمة حديثة([20])، فقد ذكرها ابن كثير في أحداث سنة 749ه فقال: “وتواترت الأخبار بوقوع الوباء في أطراف البلاد، فذكر عن بلاد القرم أمر هائل، وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل: إن أهل قبرص مات أكثرهم أو ما يقارب ذلك، وكذا وقع بغزة أمر عظيم في أوائل هذه السنة. وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفًا، وقرئ البخاري في ربعة يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الأول في هذه السنة، وحضر القضاة وجماعة من الناس”([21]).

والأحداث كثيرة في هذا السياق يصعب تقصّيها.

وهذا عمل غير مشروع، بل هو محدث؛ لما أصلنا سابقًا في مسألة الدعاء من أنَّ شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف، ولا شك أن صحيح البخاري كتاب يحتوي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مباركة؛ لكن العبادة تفتقر في ثبوتها للدليل الثابت، وخاصة أنه قد وجد المقتضي عند السلف ولم يسلكوا هذا المسلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وكذلك فإن سلامة القصد ليست بمسوغ للمخالفة، لهذه القواعد وغيرها يمنع هذا الفعل ويحكم عليه بالبدعة.

5- ختمة كتاب عمدة الأحكام عند نزول الوباء:

قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى: “واتفق أنه في بعض الأوقات حوصرت حلب، فرأى بعض أهلها في المنام السراج البلقيني، فقال له: ليس على أهل حلب بأس، ولكن رح إلى خادم السنة إبراهيم المحدث، وقل له يقرأ عمدة الأحكام ليفرج الله عن المسلمين، فاستيقظ فأعلم الشيخ، فبادر إلى قراءتها في جمع من طلبة العلم وغيرهم بالشرفية يوم الجمعة بكرة النهار، ودعا للمسلمين بالفرج، فاتفق أنه في آخر ذلك النهار نصر الله أهل حلب”([22]).

وهذا عمل غير مشروع، بل هو محدث؛ لما أصلنا سابقًا من أنَّ العبادة تفتقر في ثبوتها للدليل الثابت، وكذلك فإن سلامة القصد ليست بمسوِّغ للمخالفة، لهذه القواعد وغيرها يمنع هذا الفعل ويحكم عليه بالبدعة.

6- دعوة الأمة إلى صيام في وقت معين لرفع الوباء:

فقد وُجِد في هذه الجائحة من يدعو لِصيام مخصوص بأيام معيَّنة يجتمع فيها الناس([23]).

وهذا لا ريب أنه من البدع، ويقال فيه ما قيل في الدعاء، ونضيف لذلك كلام الشيخ ابن عثيمين حيث قال: “أهمُّ شيء الاتفاق على الصيام، نحن نرى أنَّ هذا مبدأ لم يكن عليه الصحابة، أنهم يتواعدون أن يصوموا الاثنين والخميس وما أشبه ذلك، ويخشى أن تتطوَّر المسألة حتى يرتقِي إلى ما هو أشدّ، ثم نشبه أهل التصوّف الذين يتَّفقون على ذكر معين يفعلونه جماعةً، فلذلك يقال للشباب: من صام غدًا فسيكون الإفطار عند فلان مثلًا، هذا لا بأس به، لكن الاتِّفاق على صوم يومٍ معيَّن هذا ليس من هديِ الصحابة، ثم كون الإنسان يعوِّد نفسه أنه لا يصوم إلا إذا صام معَه غيره هذا بَعدُ مشكلةٌ، فكون الإنسان يصوم من طوع نفسِه سواء كان معه غيره أو لا هذا هو الذي عليه السلف الصالح”([24]).

7- زيارة الأضرحة والتمسح بها وتقبيلها:

من المؤسف المحزن ما تداولته بعض المواقع المنسوبة لبعض الدول الإسلامية، وتحدثوا أن زوال الوباء يكون بزيارة الأضرحة وتقبيلها بل ولعقها([25])، وهذا لا شك أنَّه من وسائل الشرك، وأبعد ما يكون عن الوقاية من الوباء ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نجاة للبشر إلا بتوحيد الله جل جلاله. وحكايةُ هذا المنكر الكبير والباطل المستطير تغني عن ردِّه.

8- جمع الأشراف وصلاتهم بالناس:

لَمَّا تواصل البلاء بالنَّاس اخترعوا طقوسًا وعبادات ونسبوها إلى ما عُرف عندهم بالمجرَّبات؛ حيث يدَّعون أنَّها جُرِّبت في زمان أو مكان معيَّن فارتفع البلاء، ومن أغرب ما نطالعه من هذه الطقوس: ما ذكره المؤرخون عن كاتب السِّرِّ بالديار المصرية أنه لما تواصل البلاء بمصر أمره سلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر أن يجمع أربعين شريفًا، اسم كل شريف منهم محمَّد، وأن يفرِّق فيهم من ماله خمسة آلاف درهم، ويجلسهم بالجامع الأزهر؛ فقرَؤوا ما تيسر من القرآن الكريم بعد صلاة الجمعة، ثم قاموا هم والناس على أرجلهم ودعوا الله تعالى -وقد غصَّ الجامع بالنَّاس-، فلم يزالوا يدعون الله حتى دخل وقت العصر، فصعد الأربعون شريفًا إلى سطح الجامع وأذَّنوا جميعا، ثم نزلوا وصلّوا مع الناس صلاة العصر وانفضّوا، وكان هذا بإشارة بعض الأعاجم، قال ابن حجر: “كان بعض العجم قال للشريف: إن هذا يدفع الطاعون، ففعل ذلك فما ازداد الطاعون إلا كثرة”([26]).

9- تخصيص بعض الأذكار والأدعية المحدثة التي لم تثبت:

وهذا أيضًا مما يحدثه بعض الناس في زمان الأوبئة، يجاب عنه بمثل ما أجيب في قضية الدعاء والتكبير الجماعي([27]).

المحور الثاني: ما يشرع للمسلم فعلُه عند وقوع الطاعون:

بعيدًا عن هذه البدع والأوهام فإنه يشرع للمسلم عند وقوع الطاعون وغيره من الأوبئة عددٌ من الأمور، منها:

1- التوبة:

فإنَّ من سنة الله عز وجل أن التوبة من جملة أسباب رفع البلاء، وفي هذا يقول ابن القيم: “ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تُحدِث لهم من الفسادِ العامّ والخاصّ ما يجلب عليهم من الآلام والأمراض والأسقام والطواعين والقحوط والجدوب وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها وسلب منافعها أو نقصانها أمورًا متتابعةً يتلو بعضها بعضًا، فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41]”([28]).

ويذكر أيضًا عن الذنوب أنها: “تزيل النعم، وتحلّ النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلَّت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة)، وقد قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وقال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: 53 ]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]، فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمَهُ التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغيّر ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غيّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلام للعبيد، فإن غيَّر المعصية بالطاعة غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد: 11]. وقد أحسن القائل:

إذا كنت في نعمة فارعها        فإن الذنوب تزيل النعم

وحطها بطاعة رب العباد               فرب العباد سريع النقم”([29])

2- حسن الظن بالله:

نعم، هذا هو الدواء الناجع والملاذ الآمن في هذه الابتلاءات والأوبئة، قال الله عز وجل: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6]، وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه قائلًا: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظنِّ عبدي بي»([30])؛ فمن ظن خيرًا وجد خيرًا، ومن ظن غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.

3- التوكل على الله:

التوكل على الله هو الثقة به، وإسناد الأمور وتفويضها إليه مع تعاطي الأسباب؛ لأن الله أمر بها، ولا بد مع تعاطيها من الثقة بأنه لا يقع إلا ما أراد الله تعالى([31])، فاعتماد القلب على الله مع اتخاذ الأسباب الوقائية توكُّلٌ على الله، ومن توكَّل على الله حق توكله فإن الله حسبه وكافيه، وكفى بالله حسيبًا، وليس من الشرع ترك الأسباب الوقائية؛ فإن تركها إخلال بالشرع، ومن اتِّخاذ الأسباب في مثلِ ما نحن فيه من الوباء لزوم البيت وعدم مخالطة الناس.

4- المحافظة على الأذكار:

قال ابن القيم رحمه الله في فوائد الذكر: “ذكر الله عز وجل يسهِّل الصعب، وييسِّر العسير، ويخفِّف المشاقَّ، فما ذُكر الله عز وجل على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا تيسَّر، ولا مشقَّةٍ إلا خفَّت، ولا شدةٍ إلا زالت، ولا كربةٍ إلا انفرجت، فذكر الله تعالى هو الفرج بعد الشدّة، واليسر بعد العسر، والفرج بعد الغمّ والهمّ… ذكرُ الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفَه كلّها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل؛ إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه، حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له أدنى حِسّ قد جرب هذا وهذا”([32]).

5- صدق الدعاء:

قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، فمهما عظُم البلاء فعند صدق الدعاء يكون كالهباء، فالهج -يا عبد الله- في مثل هذه الابتلاءات إلى الله بالدعاء؛ فهو مجيب دعوة المضطر، وكاشف الضر، لا يكشفه إلا هو، وهل كشف الله البلاء الذي وقع بالأنبياء إلا بعد الدعاء؟!

ولك أن تتأمَّل في سورة الأنبياء قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} بعد دعاء نوح وأيوب ويونس وزكريا عليهم السلام، وبعد التأمّل تدبَّر النجاة من الكرب العظيم، ودفع الضر، والنجاة من الغمّ، ووهب الولد؛ تعرف منزلة الدعاء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله العافية ويحثّ على ذلك([33])، وكان يستعيذ من الأمراض والأوجاع والأسقام.

6- لا تعمل في زمن المحن بما يخالف السنن:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»([34])، فعندما تحل الفتن والابتلاءات يضطر العباد إلى الرجوع إلى الله بفعل العبادات، فمن لم تكن له قاعدة علمية شرعية ردَّه الشَّيطان إلى عبادات بدعية أو شركية؛ كدعاء غير الله، أو دعاء الله بأدعية محدثة، كمن يدعو بدعاء يظنّه خاصًّا بالوباء، أو ذكر الله بطريقة مخترعة، كالذي أحدث في بعض وسائل التواصل من تحديد ساعة للاستغفار في جميع العالم، أو الصلاة لله بصلاة محدثة كتحديد ساعة ليصلّي فيها جميع العالم، وكل تلك الأعمال مردودة لعدم موافقتها للشريعة، أما من كانت عنده قاعدة شرعية علمية فإنه يرجع إليها؛ فيؤدى العبادات مخلصًا لله، متّبعًا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو المسلم الواعي بما يتطلَّبه الوضع في هذه الأوبئة.

7- الحذر من الإشاعات:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6]، فليس كل خبر مقبولًا؛ وإنما تؤخذ الأخبار من مصادرها الموثوقة المعتمدة، ومن أهل التخصُّص في هذا الشأن، فعلى المسلم الحذر من الإشاعات ونقلها دون تثبت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»([35])، وكذلك علينا الحذر ممن يتكلم في غير فنه، أو من المجاهيل الذين يتصدرون المشهد.

8- لكل داء دواء:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً»([36])، فليبشر المسلم وليؤمّل؛ فإن الدواء عما قريب سيُعرف، والمرض -بإذن الله- ينجلي ويُكشَف؛ لأن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء ليرفعَه ويعالجه؛ لكن ينبغي أن يتفطَّن لأمر مهمّ وهو أنَّ الذي أنزل الدواء هو الذي يهدي العبادَ لمعرفته، وأنَّ هذا الدواء لا يشفي إلا بإذن من أنزله، فرجع الأمر إلى الله؛ فلزم الرجوع إلى الله.

9- الرضا بالقدر:

قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].

فكل ما يصيب الأرض من الأوبئة والأمراض فإنه بإذن الله، وبقدر من الله، فعلى العبد أن يؤمن به ويسلِّم لقدره تعالى؛ حتى يهتدي قلبه وينشرح صدره، فلا يجزع ولا يهلع، بل عليه بالصبر، فما من مصيبة نزلت إلا رفعت، ولا توالت إلا تولَّت، ولا كبرت إلا صغرت، ولا جلَّت إلا تجلَّت.

وهنا وقفة مهمة: قال ابن القيم رحمه الله: “إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا والمحن فإن ردَّه ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه؛ فهو علامة سعادته وإرادة الخير به، والشدَّة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجلَّ عوض وأفضله؛ وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائيًا عنه، وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا، وكانت البلية في حق هذا عين النعمة”([37]).

10- احفظ الله يحفظك:

فمن حفظ شرع الله وعمل به حفظه الله، فعلى قدر الحفظ يكون الحفظ، فمن أخطر الأمور أن يكون العبد في زمن البلاء مضيعًا لشرع الله، قال النعمان بن بشير رضي الله عنه: “إنَّ الهلكة كل الهلكة أن تعمل السيئات في زمان البلاء”([38])، وأخص بالذكر الصَّلاة، لا سيما وقد عُلِّقت الصلاة في المساجد وأُمر بأدائها في البيوت، فإياك ثم إياك أن تضيِّع صلاتك، بل اجتهد في أدائها وإقامتها على شروطها وأركانها، وأكثر من النوافل ما استطعت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتمَّ ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه»([39]).

11- الالتزام بتوجيهات أهل الاختصاص وتعليماتهم:

قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83]، فهذه النوازل العامة ترد إلى ولاة الأمر، ليس لأفراد الناس أن يفتاتوا أو يتقدّموا فيها بقرارات أو توجيهات حتى لا تحدُث الفوضى والاختلافات، وقد وجه ولاة الأمر ببعض القرارات الوقائية التي تحفظ للشعب صحته، من أهمها عدم السفر والخروج من البلاد عملا بقول النبي صل الله عليه وسلم: «إذا وقَعَ الطَّاعونُ بأرضٍ فلا تَدخُلوها، وإذا وقَعَ وأنتم بها فلا تَخرُجوا منها»([40])، فلزم على الشعب الأخذ بها، والتعاون على تحقيقها.

وليحذر المسلم من الدخلاء والمتطفلين الذي يريدون إرباك المجتمعات وتخويفها، أو إضعاف المبادرات الوقائية، أو قلب تلك المبادرات إلى مذمة أو جريمة مجتمعية أو مخالفة شرعية؛ كما فعل بعض دعاة الفتنة في قلب مفاهيم قرارات تعليق الصلاة في المساجد.

لفتة مهمة: من السمع والطاعة لولاة الأمر الالتزامُ بقرار المكث في البيوت، وعدم التجول والخروج، سواء كان منعًا كلّيًّا أو منعًا جزئيًّا؛ لأن ذلك يندرج تحت نصوص السمع والطاعة لهم بالمعروف، ولَك في أئمة الدين القدوةُ في ذلك، فقد قال فقير: قلت ليلةً لأبي وهب: قم بنا لزيارة فلان، قال: وأين العلم؟! وليُّ الأمر له طاعة، وقد منع من المشي ليلًا([41]).

12- الرجوع إلى بالعلماء الربانيين:

قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، في زمن الابتلاءات وانتشار الأوبئة يحتاج الناس إلى من يرجعون إليه؛ فيوجههم الوجهة الصحيحة، ويسكِّن نفوسهم المضطربة وقلوبهم الخائفة، وليس ذلك لأحد مثل أهل العلم الربانيين، يقول علي رضي الله عنه: “ألا أخبركم بالفقيه حقّ الفقيه؟ الذي لا يقنِّط الناس من رحمة الله، ولا يرخِّص للمرء في معاصي الله”([42])، فهذه من صفات العلماء الربانيين، أما غيرهم فهم بين تقنيط للعباد وإثارتهم ضدّ ولاة أمرهم، أو فتح أبواب البدع والفساد عليهم([43]).

وخلاصة ما نقوله: أن المسلم إنما يتمسك بشرع الله ودينه، وتعاليم الإسلام، ففيها النجاة، ومن خطل الرأي أن يسلّم الإنسان عقله لكل أحد يأخذ به حيث يهوى ويشاء، فتارة ببدعة الدعاء الجماعي، وأخرى في الصلاة البدعية، وغير ذلك من البدع التي تكثر في زمن الأوبئة، ولا منجى منها للإنسان إلا أن يكون على شرع الله وفق السنة الصحيحة، ففيها كلّ النجاة، وعليه بالتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (ص: 119).

([2]) انظر: مجموع الفتاوى (1/ 313).

([3]) أخرجه البخاري (108)، ومسلم (2).

([4]) أخرجه الطبراني في الكبير (10/ 319)، وابن وضاح في البدع (ص: 25-26)، وابن بطة في الإبانة (1/ 176)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (124، 125).

([5]) بذل الماعون في فضل الطاعون (ص: 329).

([6]) انظر الروابط التالية:

https://sabq.org/JcNVzf

https://www.youtube.com/watch?v=ziW3GyszX7U

([7]) أخرجه الترمذي (3370)، وابن ماجه (3829)، وأحمد (8748)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: “هذا حديث غريب”، وصححه ابن حبان (870).

([8]) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).

([9]) أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17144)، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وقال الترمذي: “حديث حسن صحيح”.

([10]) الفتاوى الفقهية الكبرى (4/ 27).

([11]) أخرجه ابن ماجه (2341)، وصححه الألباني.

([12]) البداية والنهاية (18/ 502-503).

([13]) انظر:

https://www.youtube.com/watch?v=Qx9hzZhI19Y

([14]) انظر:

https://www.youm7.com/story/2020/3/17/%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-

https://arabic.rt.com/russia/1094664-%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%A9-

https://www.saharamedias.net/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AC%D8%AF-

([15]) انظر:

http://almoslim.net/elmy/291826

([16]) انظر:

https://www.youtube.com/watch?v=5y9OPIn_E

https://sabq.org/JcNVzf

https://www.youtube.com/watch?v=ziW3GyszX7U

([17]) تفسير ابن كثير (4/ 258).

([18]) أخرجه البخاري (1044)، ومسلم (901).

([19]) انظر:

http://almoslim.net/elmy/291826

([20]) انظر:

https://twitter.com/almukhtar24/status/586568834024243201

([21]) البداية والنهاية (18/ 503).

([22]) الضوء اللامع (1/ 89).

([23]) انظر:

https://twitter.com/kadou_walid/status/1249777136271007751

([24]) لقاء الباب المفتوح (174/ 29).

([25]) انظر:

https://www.almarjie-paris.com/14106

https://elaph.com/Web/News/2020/03/1283741.html

([26]) إنباء الغمر (3/ 438). وانظر:

https://www.islamweb.net/ar/article/230089

([27]) وينظر ورقة علمية بعنوان: “هل ثمة أدعية للوقاية من الأسقام والأوبئة؟” في موقع مركز سلف للبحوث والدراسات على الرابط:

https://salafcenter.org/4817/

([28]) زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 329).

([29]) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: 39).

([30]) أخرجه البخاري (7405)، ومسلم (2675).

([31]) انظر: معارج الصعود (ص: 307).

([32]) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 105-106).

([33]) أخرجه البخاري (2966)، ومسلم (2712)، وسنن أبي داود (5074)، وسنن ابن ماجه (3871).

([34]) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).

([35]) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح (5)، وأبو داود (4992).

([36]) أخرجه البخاري (5678).

([37]) طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 259).

([38]) ينظر: مجمع الزوائد (10/ 239).

([39]) أخرجه أبو داود (425)، والنسائي (461)، وابن ماجه (1401)، وأحمد (22756).

([40]) أخرجه البخاري (5728)، ومسلم (2218).

([41]) انظر: سير أعلام النبلاء (15/ 507).

([42]) انظر: العلم لأبي خيثمة (ص: 33).

([43]) انظر مقالا بمركز سلف بعنوان: “العقيدة الصحيحة في زمن الأوبئة” على الرابط:

https://salafcenter.org/4862/

كما استفدت في هذا المحور من مقال: “قواعد إيمانية وعلمية عند انتشار الأمراض والأوبئة” على الرابط:

https://www.baynoona.net/ar/article/527

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض وتعريف بكتاب حماية علماء المالكية لجناب التوحيد

معلومات الكتاب: العنوان: حماية علماء المالكية لجناب التوحيد. المؤلف: الدكتور أحمد ولد محمد ذي النورين. نشر: مركز البحوث والدراسات/ البيان، الطبعة الأولى، 1434ه. موضوعات الكتاب: ليس الكتاب مبوَّبًا وفق خطَّة بحثيَّة على طريقة الكتب الأكاديمية، وإنما هو معنوَن وفقَ عناوين مترابطة يخدم بعضها بعضًا، وهي كالتالي: أولا: المقدمة: تحدث المؤلف فيها بإجمال عن اعتقاد السلف […]

المنهج الجدلي وطريق القرآن في تقريره

لقد جاء القرآنُ بيانًا للحقِّ وشفاءً لما في الصدورِ وهدًى ورحمة للمؤمنين، وقدِ استخدم لذلك أفضل أساليبِ البيان وأقوى طرقِ الحجاج الموصِلة للحقِّ، وقد جمع قربَ المأخذ وسهولةَ الإقناع وقلَّة المقدِّمات، كما جمع بين برهان العقل والتأثير على العاطفة. وفي الحديث عن أسلوب القرآن تقريبٌ للحقيقة التي غيَّبتها عن الناس الدِّعاية الشيطانية المطالِبَةُ بالاستغناء عن […]

مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أحبائي الكرام: عنوان لقائنا: “مناهج الإصلاح السلفيَّة وأثرها في نهضة الأمَّة”.   كما يعتاد الأكاديميون بأن يُبدأ بشرح العنوان، نشرح عنواننا فنقول: ما هو المقصود بكلمة (مناهج الإصلاح)؟ مناهج الإصلاح هل تعني طرق الإصلاح؟ […]

رمتني بدائها وانسَـلّـت (1) الإسقاط من تقنيات أسلاف الحداثيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: تزوَّجت رُهم بنتُ الخزرج بنِ تيم الله بن رُفيدة بن كلب بن وَبْرة من سعد بن زيد مَناة ابن تميم، وكانت ذاتَ جمال، وكان لها ضرائر، فكنَّ يشتمنَها ويعيِّرنها ويقُلن لها: يا عَفلاء، فأرهقها ذلك من ضرائرها، فذهبت تشتكي ذلك الحال لأمِّها، ولكن أمها نصحتها بأن تبدأ […]

تأثير المعتزلة في الفكر الأشعري -قضية التنزيه نموذجًا-

لا يخفى على قارئٍ للفكر الإسلاميِّ ولحركتهِ أنَّ بعض الأفكار كانت نتيجةَ عوامل عدَّة أسهَمَت في البناء المعرفي لتلك الأفكار التي ظهرت وتميَّزت على أنها أفكار مجردة عن الواقع المعرفي للحقبة التي ظهرت فيها، ومن بين الأفكار التي مرت بمسارات عدَّة فكر الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله؛ فإن نشأته الاعتزالية لم يتخلَّص منها في […]

الهجومُ على السَّلفية وسبُل الوقاية منه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين وبعد، بادئ ذي بَدءٍ أسأل الله عز وجل أن يوفق هذا المركز المتسمي باسم “حبل القرآن”، وأن يبارك في القائمين عليه، والدَّارسين فيه، ويجعل […]

عرض ونقد لكتاب:(نظرة الإمام أحمد بن حنبل لبعض المسَائل الخلافية بين الفرق الإسلامية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على متابع أن الصراع الفكريَّ الحاليَّ بين المنهج السلفي والمنهج الأشعري على أشدِّه وفي ذروته، وهو صراع قديم متجدِّد، تمثلت قضاياه في ثلاثة أبواب رئيسية: ففي باب التوحيد كان قضية ماهية عقيدة أهل السنة هي محل الخلاف والنزاع. وفي باب الاتباع كانت قضية المذهبية، وما يكتنفها […]

العقل المسلم في زمن الأوبئة (دفع البدع والأوهام، وبيان ما يشرع عند نزولها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: توالتِ الأزمات التي أصيبت بها الأمَّة الإسلامية عبر تاريخها الطويل، ووقع للناس فيها صنوفٌ شتى من المحن والابتلاءات؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك. وقد دوَّن التاريخ الإسلاميُّ وقائعَ تلك المِحَن وأحداثها وآثارها، ولعلَّ أوضحها وأعظمها فتكًا الأوبئةُ والطواعين التي انتشرت مراتٍ عديدةً في بلادٍ كثيرة من […]

عرض وتعريف بكتاب (الاتجاه السلفي عند الشافعية حتى القرن السادس الهجري)

تمهيد: في خضم الصراع السلفي الأشعري يستطيل الأشاعرة دائمًا بأنهم عَلم على المذهب الشافعي ومرادف له، في استغلالٍ واضحٍ لارتباط المدرسة الشافعية بالمدرسة الأشعرية عبر التاريخ الفكري للمذهبين. هذا الارتباط بين الشافعية والأشعرية صار من العوائد التي تتكرر كثيرًا، دون الانشغال بحقيقتها، فضلًا عن التدليل عليها، أو ما هو أبعد من ذلك: البحث في مدى […]

ترجمة الشيخ د. عبد الشكور بن محمد أمان العروسي([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ الدكتور عبد الشكور بن محمد أمان بن عبد الكريم بن علي الغدمري الأمالمي العروسي. مولده: ولد في أثيوبيا، وتحديدًا في منطقة بالي الإسلامية، عام ألف وثلاثمائة وثلاثة وستين للهجرة النبوية (1363هـ). نشأته العلمية: امتنَّ الله تعالى عليه بأن نشأ في بيت علم وفضل وتقى؛ حيث […]

تميُّز الإسلام في إرساء العدل ونبذ العنصريَّة “كلُّكم من آدم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: افتتح إبليس تاريخ العنصريَّة عندما أعلن تفوُّق عنصره على عنصر التُّراب، فأظهر جحوده وتكبُّره على أمر الله حين أمرَه بالسُّجود، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]. كانَ هذا البيان العنصري المقيت الذي أدلى به إبليس في غَطرسته وتكبره مؤذنًا بظهور كثيرٍ ممن […]

أبعدت النُجعة يا شيخ رائد صلاح   (الكلمات الموجزة في الرد على كتاب (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  وقع في يدي كتابان من تأليف الشيخ أشرف نزار حسن -عضو المجلس الإسلامي للإفتاء في بيت المقدس- وهو أشعري المعتقد؛ الكتاب الأول: (المسائل الخلافية بين الحنابلة والسلفية المعاصرة)، والثاني: (قضايا محورية في ميزان الكتاب والسنة). والذي دعاني لأكتبَ هذا المقال كونُ الشيخِ رائد صلاح هو من قدَّم لهما، ولم […]

ترجمة العلامة السلفي التقي بن محمد عبد الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة شهد القرن الماضي في شنقيط أعلامًا سلفية ضنَّ الزمان بمثلها، وكانوا أئمةً في كل الفنون، وإليهم المنهى في علوم المنقول والمعقول، هذا مع زهد ظاهر وعبادة دائمة، فنفع الله بهم البلاد والعباد، وصحَّحوا العقائد المنحرفة، ووقفوا في وجه الخرافة. ومن هؤلاء: الشيخ العلامة محدث شنقيط وشيخ الشيوخ التقي ابن […]

تعريف بكتاب عناية الإسلام بالصحة والنظافة للدكتور محمد بن إبراهيم الحمد

هذا تعريف موجز بكتاب (عناية الإسلام بالصحة والنظافة) للمؤلف د. محمد بن إبراهيم الحمد، من منشورات دار ابن الجوزي بالدمام، في طبعته الأولى عام 1436هـ، ويقع في غلاف (58) صفحة:   – انطلق في مقدمته من شمول الإسلام وإحاطته بعامة منافع الإنسان، ومنها حفظ الصحة والعناية بالطهارة، وعلى هذين الموضوعين قسم الكتاب إلى شقين: العناية […]

هل كلُّ من يؤمن بوجود الله مسلم؟! وهل يصح وصف اليهود والنصارى بالمسلمين؟!

يكفي لكي ترى العجب أن تعيشَ، وهذا عجبٌ أيضا؛ لأن الناس يتوقَّعون العجبَ عند المكابدَة، ولا يتوقَّعونه بهذه السهولة، وإن تعجب من هذا فعجبٌ أن يتكلَّم مسلم منتَمٍ لأهل القبلة بتصحيح إيمانِ مَن كفَر بالنبي صلى الله علي وسلم، وقال: ما أنزل الله من شيء؛ لأن في قوله: ما أنزل الله من شيء إثباتًا لوجود […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017