الخميس - 08 جمادى الآخر 1442 هـ - 21 يناير 2021 م

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا-(1)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

المقدمة:

الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، وقد تواترت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، يقول تعالى وهو يبين مراتب أوليائه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فالله سبحانه وتعالى قد رتب أولياءه حسب الأفضلية، وجعل في مقدّمتهم الأنبياء، فالآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر، فهم أفضل أولياء الله وأرفعهم درجة على الإطلاق.

ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83-86]. قال الحسن: “فضلهم الله على العالمين بالنبوة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المصطفين لربهم”([1]).

أما الأدلة من السنة فهي كثيرة متوافرة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»([2])، وفي الحديث الآخر عن مصعب بن سعد قال: قال سعد: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، حتى يبتلى العبد على قدر دينه، ذاك فإن كان صلب الدين ابتلي على قدر ذاك»([3]).

يقول ابن تيمية رحمه الله: “وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب، فقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]”([4]).

فالأنبياء والرسل هم أفضل البشر، وقد اصطفاهم الله لحمل أمانته للخلق، وإبلاغ رسالته لهم، فإذا تقرر هذا فإن الرسل قد أعدَّهم الله إعدادا خاصًّا، وجعل لهم من الصفات الحميدة والخصال الكريمة الكثير، وطهَّرهم من دنس الشرك ورذائل الاخلاق.

تمهيد:

اتَّفقَت كلمةُ الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- على دعوة الناس إلى عبادة الله وحده دون ما سواه، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، فما من رسول إلا قال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]، وهذا الذي كانت الخصومة فيه بالأساس بين الرسل وأقوامهم؛ إذ إن أكثر الأمم ما أنكروا كونَ الله خالقهم ولا رازقهم ولا كونه محييهم ومميتهم؛ إنما أنكروا أن يكون وحده المستحقّ للعبادة دون ما سواه؛ ولهذا لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش إلى ذلك المعنى ما كان منهم إلا أن قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص: 5].

وعلى الرغم من وضوح ذلك إلا أن أهل البدع يأبون إلا تحريف الكلم عن مواضعه، ولبس الحق بالباطل؛ ليخدعوا عوام المسلمين بإلقاء الشبهات، ويقلِّلوا بها من شأن توحيد الألوهية، ويُهَوِّنوا من أمر الشرك فيه، وما القول بعدم عصمة الأنبياء بعد النبوة من الكفر والشرك إلا إحدى هذه الشبه التي يلقونها، ولم يلتفتوا في ذلك إلى أن عصمة الأنبياء في باب المعتقد والتوحيد مجمع عليها بين أهل العلم، ففي ذلك يقول القرطبي: “غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى رَسُولٌ يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى مُوَحِّدٌ وَبِهِ عَارِفٌ، وَمِنْ كل معبود سواه بريء”([5])، ويقول شيخ الإسلام: “فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِمْ وَتَبْلِيغِهِمْ عَنِ اللَّهِ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَنْزِيهِهِمْ عَنْهُ”([6])، ويقول أبو حيان الأندلسي: “مَنَعَتِ الْأُمَّةُ وُقُوعَ الْكُفْرِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ”([7])، ولم يخالف في هذا الإجماع إلا من لا يُعتد بخلافهم.

ورغم كل هذا لا يزال بعض الناس يلوكون بألسنتهم كثيرا من الآراء الباطلة والأقوال الواهية، ومن أعجب ما يتمسكون به في هذا الباب: ما ورد من الأقوال الضعيفة في نسبة الشرك إلى الأنبياء؛ متمسكين في ذلك ببعض الأقوال الواردة في التفسير، وبعض النصوص المأثورة عن الصحابة الكرام، وقد نُسب إلى الأنبياء عمومًا وقوعهم في الشرك، وخصوصًا إلى بعض الأنبياء؛ لكون بعض الآثار توهم ذلك، وسنتناول هنا ما وجه لنبي الله آدم وإبراهيم عليهما السلام علي وجه الخصوص وسنفرد لكل نبيٍّ منهما ورقة نبين فيها خطأ هذا الادِّعاء وخطورته، وما يحتويه من مآلات خطيرة.

فهذه ورقة علمية تتبعها ورقات آخرى نتناوَلْ فيهم هذه الشبهةَ المزعومة بشيء من التفصيل يريح القلوب ويطمئِنُها ويُبرز معالم إفك القائلين بها ويحقق ويحرر مُشكل زعمهم، سائلاً الله العون والتوفيق وحسن التحرير والتحقيق.

وقد تناول المسألة بالبحث عدة كتب، منها الشرك في القديم والحديث لأبي بكر محمد زكريا، والإبطال لما نسب إلى الأنبياء من شبه الشرك والضلال، للدكتور سليمان بن صفية، وتنزيه آدم عليه السلام عما نسب إليه من الشرك الجلي، للدكتور سعيد بن محمد بن حسين بن معلوي، والمسائل العقدية المتعلقة بآدم عليه السلام، للشيخ ألطاف الرحمن بن ثناء الله، وكل ما سبق من كتب أبحاث نافعة أفدت منها في تحرير هذه الورقة.

 وسنبدأ هنا بالحديث عن نسبة الشرك إلى أبينا آدم عليه السلام، ولكون بعض النصوص فَهم منها البعض نسبة الشرك إلى آدم صراحة سنقسم هذه الورقة إلى جزأين:

في الجزء الأول سنقرر أن آدم عليه السلام لم يقع في الشرك، وسنبين تفسير الآية التي قد توهم وقوعه في الشرك.

وفي الجزء الثاني سنورد المذهب الذي ينسب الشرك إلى آدم عليه السلام مستندين في ذلك إلى آية وآثار، وسنضع ذلك المذهب وأدلته تحت النقد العلمي لنرى مدى صحة استدلالهم بتلك الآثار([8]).

فنقول:

قد نسب بعض الناس الشرك إلى آدم عليه السلام، واستندوا في ذلك إلى عدة أدلَّة سيأتي بيانها في الجزء الثاني، لكن أهمها وأشهرها قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف:189، 190].

فهذه الآية ظنَّها بعض الناس صريحة في نسبة الشرك إلى آدم عليه السلام، مؤيدين ذلك بعدة شواهد من الآية الكريمة، ومستندين على بعض الآثار عن الصحابة الكرام ([9])،كما سيأتي، أما العلماء الربانيون فإنهم رأوا أن هذه الآية لا تدل على نسبة الشرك إلى آدم عليه السلام، وأنه لم يقع فيه هو، فآدم عليه السلام نبيٌّ من الأنبياء لم يتلبس بالشرك يومًا من الأيام، ويؤكد على هذا المحاور الآتية:

المحور الأول: أن الأمر مستقر عند المسلمين بأن الأنبياء معصومون:

وعصمة الأنبياء بحث طويل له فروع ومباحث عديدة، لكن الذي ينبغي التنبيه عليه هنا هو أن الله سبحانه وتعالى حين خلق الله الخلق، كان من مقتضيات حِكمته وعدلِه ألا يتركهم هملًا، فكان من رحمةِ الله وعدله وحكمتِه أن أرسل الرُّسل، ووظيفتهم الكبرى هي تبليغ الرسالة، وهذا يقتضي أن يكونوا معصومين في عدة أمور، وليس هنا أوان التفصيل في هذه الأمور كلها؛ ولكن تجدر الإشارة إلى أمر واحد منها، وهو: العصمة في الاعتقاد.

والعصمة في الاعتقاد تنقسم إلى قسمين:

أولًا: العصمة في الاعتقاد بعد النبوة، وهذا قول أكثر الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد بخلافه، يقول الرازي: “أَمَّا اعْتِقَادُهُمُ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ أَكْثَرَ الْأُمَّةِ”([10]).

أما المخالفون لهذه القضية فهم: الفضيلية من الخوارج([11])، والأزارقة([12])، والرافضة حين أجازت إظهار الكفر تقية([13])، والسمانية([14])، والخلاف مقابل ظهور الأدلة الصريحة خلاف لا يعتد به.

ثانيًا: العصمة في الاعتقاد قبل النبوة، وهذا قد اختلف فيه أهل السنة والجماعة، وقد حكى إسحاق بن عزوز المكي إجماع من يعتد بهم على القول بالعصمة([15])، إلا أنَّ هناك علماء كبارًا قد اختاروا القول بعدم العصمة قبل النبوة، منهم: ابن جرير الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله، إلا أنه بين أن المسألة اجتهادية لا تلزم تبديعًا للمخالف فيها، يقول رحمه الله: “وكثير من أهل السنة يقولون: إن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة كما قال ذلك: ابن الأنباري، والزجاج، وابن عطية، وابن الجوزي، والبغوي… والمقصود: أن هذا النزاع في وقوع الذنوب منهم قبل النبوة ليس هو قول المعتزلة فقط، بل هو بين أصحاب الحديث وأهل السنة”([16]).

ولذلك حين رجَّح ابن الوزير اليماني القول بعصمة الأنبياء قبل النبوة بين أن أدلة هذا القول ظنية، يقول رحمه الله: “والمختار أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام معصومون قبل النُّبوَّة بدلائل ظنّيّة، وبعدها بدلائل قطعية”([17]).

والرَّاجح أن الأنبياء معصومون قبل النبوة من الكفر والشرك، وعلى هذا أكثر أهل السنة، يقول ابن تيمية رحمه الله: “وكثير من أهل السنة يقولون: إن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة”([18]).

المحور الثاني: تفسير العلماء لهذه الآية ينفي وقوع الشرك من آدم عليه السلام، وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الآية على مذهبين هما:

المذهب الأول: إجراء الآية على ظاهرها -والصحيح أنه إجراء أول الآية فقط على ظاهرها- والذي يقتضي نسبة الشرك إلى آدم وحواء عليهما السلام لقوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190]، وسيأتينا من ذهب إلى هذا القول وأدلتهم الأخرى بالتفصيل في الجزء الثاني.

المذهب الثاني: توارد عددٌ كبير من المفسرين إلى أن المراد من الآية ظاهرها، لكن ظاهر كل الآية، فآخرها يفسر أولها، كما أن مجموع الأدلة في ذات الموضوع يصيِّرنا إلى هذا القول، وهو أن المراد بالآية: ليس هو آدم وحواء عليهما السلام، ثم اختلفوا في المراد من الآية إلى عدة أقوال، أهمُّها:

القول الأول: أن الشرك نُسب إلى آدم وحواء، والمعني به أولادهما، كاليهود والنصارى، والمشركين.

فآدم وحواء بريئان من الشرك، والآية فيها انتقال من ذكر النوع إلى الجنس؛ فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل الكلام إلى الجنس من أولادهما، وآخر الآية يفسر أولها ويوضحه.

وقد اشتهر هذا القول عن الحسن البصري رحمه الله، قال الحسن في تفسير الآية: “كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم”([19])، وعنه قال: “عُنيَ بهذا ذرية آدم من أشرك منهم بعده”([20])، وعنه قال: “هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصَّروا”([21])، فالمراد بالآية إذن بيان وقوع الشرك من ذرية آدم وحواء عليهما السلام لا منهما، وإن نسب هذا الشرك إليهما فإن المراد منه نسبة ذلك إلى ذريتهما، وقد اختار هذا القول جمع من المفسرين والمحققين، ومنهم: أبو عبد الله القرطبي([22])، والنسفي([23])، وابن جزي([24])، وابن القيم([25])، وغيرهم.

قال ابن كثير رحمه الله: “وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ الله في هذا، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمُ وَحَوَّاءُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِه؛ِ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190]… فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} الآية [الملك: 5]، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم”([26]).

القول الثاني: أن الآية معنيٌّ بها المشركون من بني آدم عمومًا، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه.

والفرق بين هذا القول والذي قبله أن القول الذي قبله يقول بنسبة الشرك في الآية إلى آدم وحواء عليهما السلام لكن المعني بهذا الشرك ذريتهما، والقول الثاني يجزم بأن الآية لم تنسب الشرك إلى آدم وحواء عليهما السلام أصلًا، وإنما المراد من الآية أصالة: ذرية آدم عليه السلام، فالقولان متفقان في النتيجة في أن المراد ذرية آدم عليه السلام، مختلفان في وقوع النسبة في الآية إلى آدم وحواء.

وهذا القول الثاني هو اختيار: النحاس([27])، وابن حزم([28])، وابن العربي([29])، والرازي([30])، وابن المنيِّر([31])، وغيرهم([32])، وقد بيَّن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن هذه الآية مرتبطة بالتي قبلها وهي قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] وأن المراد هنا الجنس لا آدم وحواء، فالآية الثانية مرتبطة بهذه، وهو أسلوب عربي فصيح، ويمكن أن يتخلص الإنسان بهذا القول من الإشكالات، يقول رحمه الله: “ومن تأمل الآية وجدها دالة على أن قوله: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: من جنس واحد، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه، ويكون السياق فيها جاريا على الأسلوب العربي الفصيح الذي له نظير في القرآن; كقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] أي: من جنسهم، وبهذا التفسير الواضح البين يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة”([33]).

وهذا المذهب هو الرَّاجح، وهو الذي دلت عليه أدلة أخرى كثيرة، ومن المعلوم أن الإنسان متى ما أراد أن يحقق المسألة وجب عليه أن يجمع كل الأدلة فيها، وبجمع كل الأدلة نجد أن هذا المذهب هو الراجح، وقد استدلَّ القائلون بهذا القول بجملة من الأدلة منها:

الدَّليل الأول: قوله تعالى في آخر الآية: {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهذا يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، ولو كان المراد آدم وحواء -عليهما السلام- لعبَّرَ عنهما بصيغة التثنية([34])، أو المراد اثنان من هذا الجنس كما يقول ابن عثيمين رحمه الله: “وأما قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فجمع لأن المراد بالمثنى اثنان من هذا الجنس، فصح أن يعود الضمير إليهما مجموعًا”([35]).

الدليل الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}، وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وليس المراد بها آدم وحواء عليهما السلام([36]).

الدليل الثالث: لو كان المراد ممن أشركوا به إبليس لقال: “أيشركون من لا يخلق شيئًا”، ولم يقل “ما”؛ لأن العاقل إنما يُذكر بصيغة “من” لا بصيغة “ما”([37])، والنصُّ الآخر الذي استدلوا به إنما كان في طاعتهم لإبليس في هذه القضية، وهي تسمية الابن بعبد الحارث، كما سيأتي بيانه في الجزء الثاني، وعلى هذا فإن الآية ليست في طاعة إبليس وإنما الأصنام.

الدليل الرابع: أن هذا القول فيه تنزيه لمقام آدم عليه السلام من الشرك، والقول الذي فيه تنزيه لمقام الأنبياء وإجلال لمقامهم مقدم في التفسير على القول الذي فيه قدح بعصمتهم، وحطٌّ من منزلتهم([38]).

الدليل الخامس: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء؛ لكان حالهما إمَّا أن يتُوبا من ذلك الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه كان هذا القول فيه فرية عظيمة؛ لأنه لا يجوز موت أحد من الأنبياء على الشرك، وإن كان تابا من الشرك فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا ثم لا يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة هو وزوجه وتابا من ذلك([39]).

الدليل السادس: أنه ثبت في حديث الشفاعة أنَّ الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة([40]) التي عصى الله تعالى بالأكل منها في الجنة، فلو كان وقع منه الشرك لكان اعتذاره منه أقوى وأولى وأحرى([41]).

الدليل السابع: أن الله تعالى أسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] أي: بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم، بدليل قوله بعده: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ}([42]).

الدليل الثامن: أن الله تعالى قال في هذه الآية: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}، وقال في سورة النساء: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]، وآية النساء معني بها آدم وحواء باتفاق، وعبر بقوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}؛ لأن حواء مخلوقة من نفس آدم، وأما في آية الأعراف فقال: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}؛ لأن المراد ذكر الجنس، لا ذكر النوع وهو آدم، والفرق بين الخلق والجعل: أن الخلق هو ابتداء الشيء من غير مثال سابق، وأما الجعل فهو إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه([43])، وهذا هو حال كل فرد من بني آدم؛ فإنهم يتناسلون ويتوالدون من بعضهم البعض، وأما حواء فإنها خُلِقَتْ ابتداء من آدم من غير أمٍّ ولا أبٍ، فيكون المراد بالنفس: الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه ولم يجعل زوجه من جنسٍ آخر([44]).

وقد وردت عدة آيات تدل على أنه إذا ورد لفظ “جعل” فالمراد به الجنس، منها: قوله تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72]، وقوله تعالى: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر:6]، وقوله تعالى: {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} [الشورى:11].

الدليل التاسع: ممَّا يؤكد أن الآية معنيٌّ بها المشركون على وجه العموم: أنه لم يصرح بذكر آدم وحواء عليهما السلام في الآية، والمتأمل في قصص الأنبياء الواردة في القرآن الكريم يلاحظ التصريح بذكر أسمائهم، ومن هؤلاء آدم عليه السلام؛ فإنه إذا ذكرت قصته يذكر باسمه الصريح غالبًا.

الدليل العاشر: ويدل على أن الآية في المشركين عامة: الاستطراد في الآيات التي بعد هذه الآية في وصف حال مشركي العرب، وهي صريحة بأنهم هم المعنيون بهذا الشرك، لا آدم وحواء عليهما السلام، قال تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 191-194].

الدليل الحادي عشر: أنه لم يثبت دليل على أن الآية معني بها آدم وحواء عليهما السلام إلا ما روي من حديث سمرة رضي الله عنه، وهو ضعيف، وما روي عن ابن عباس في الآية يعد من الإسرائيليات المتلقفة عن مسلمة أهل الكتاب، وكلا الأثرين سيأتي مناقشتهما، وإنما التبس على كثير من المفسرين الأمر، وظنوا أنها في آدم وحواء بسبب هذه الروايات، وهذه آفة من آفات الإسرائيليات التي تعتبر من الدخيل السيئ في التفسير، قال الحافظ ابن كثير بعد أن أورد أثر ابن عباس رضي الله عنهما في الآية: “وَقَدْ تَلقّى هَذَا الْأَثَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ. وَمِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ: قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَلَفِ، وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ جَمَاعَاتٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَأَنَّهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُبي بْنِ كَعْبٍ”([45])([46]).

والخلاصة: أن هذه الآية لم ترد لنسبة الشرك إلى آدم وحواء عليهما السلام، وإنما المراد بهذه الآية ذريتهما من المشركين، سواء كانت الآية نسبت الشرك إلى آدم وحواء وعنى به ذريتهما، أو أنها من الأصل لم تنسب الشرك إليهما وإنما إل ذريتهما، ومما يؤيد ترجيح هذا القول ما ذكرناه من أدلة عديدة وجماعها:

1- أنه يقتضي براءة آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

2- أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته لقوله تعالى: {تَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُون} بضمير الجمع.

3- أن ما ذكروه من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة([47]).

إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة، وسيأتي في الجزء الثاني من هذه الورقة بيان من قال: إن المراد بالآية نسبة الشرك إلى آدم وحواء عليهما السلام، وسنستعرض أدلتهم على ذلك ونناقشها.

ـــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تفسير الطبري (6/ 327).

([2]) أخرجه أحمد (27079)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (145).

([3]) أخرجه أحمد (1555)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (143).

([4]) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص: 89).

([5]) تفسير القرطبي (7/ 25).

([6]) منهاج السنة النبوية (1/ 472).

([7]) البحر المحيط في التفسير (1/ 261).

([8]) كُتب حول هذا الموضوع عدة أبحاث، ومن ذلك:

1- الإبطال لما نسب إلى الأنبياء من شبه الشرك والضلال، للدكتور سليمان بن صفية.

2- تنزيه آدم عليه السلام عما نسب إليه من الشرك الجلي، للدكتور سعيد بن محمد بن حسين بن معلوي.

3- المسائل العقدية المتعلقة بآدم عليه السلام، للشيخ ألطاف الرحمن بن ثناء الله.

وهي أبحاث نافعة أفدت منها في تحرير هذه الورقة.

([9]) أنظر: https://www.youtube.com/watch?v. و https://www.youtube.com/watch?v.

([10]) تفسير الرازي (3/ 455).

([11]) انظر: تفسير الرازي (3/ 455)، البحر المحيط في التفسير (1/ 261).

([12]) انظر: كتاب المواقف (3/ 426).

([13]) انظر: تفسير الرازي (3/ 455)، البحر المحيط في التفسير (1/ 261).

([14]) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (1/ 393).

([15]) انظر: إعلام المسلمين بعصمة النبيين (ص: 18).

([16]) تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء (1/ 181-186).

([17]) الروض الباسم في الذب عن سنة أبى القاسم (1/ 243).

([18]) تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء (1/ 181-186).

([19]) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 147).

([20]) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 245)، وابن جرير في تفسيره (6/ 147).

([21]) أخرجه ابن جرير في تفسيره (6/ 147).

([22]) تفسير القرطبي (7/ 215).

([23]) تفسير النسفي (2/ 130).

([24]) التسهيل لعلوم التنزيل (1/ 316).

([25]) روضة المحبين (ص 289)، والتبيان في أقسام القرآن (ص 165).

([26]) تفسير ابن كثير (3/ 477).

([27]) معاني القرآن (3/ 116).

([28]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/ 288).

([29]) أحكام القرآن (2/ 355).

([30]) مفاتيح الغيب (15/ 71).

([31]) الانتصاف (2/ 180).

([32]) التحقيق فيما نسب لآدم وحواء في قوله تعالى جعلا له شركاء (ص: 10).

([33]) القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 304).

([34]) ينظر: معاني القرآن، للنحاس (3/ 116)، والكشاف (2/ 180)، ومفاتيح الغيب (15/ 70، 73)، وتفسير القرطبي (7/ 215)، وتفسير النسفي (2/ 130)، والتسهيل لعلوم التنزيل (1/ 316)، وأضواء البيان (2/ 343).

([35]) القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 305).

([36]) ينظر: مفاتيح الغيب (15/ 70).

([37]) انظر: مفاتيح الغيب (15/ 70).

([38]) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي (2/ 355)، ومفاتيح الغيب (15/ 71)، والتسهيل لعلوم التنزيل (1/ 316)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 67).

([39]) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 67).

([40]) حديث الشفاعة أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194).

([41]) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (3/ 67).

([42]) انظر: أضواء البيان (2/ 341).

([43]) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب (196، 296).

([44]) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (2/ 299).

([45]) تفسير ابن كثير (3/ 528).

([46]) التحقيق فيما نسب لآدم وحواء في قوله تعالى جعلا له شركاء (ص: 20).

([47]) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (1/ 545).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

حكم الصلاة خلف الوهابي ؟!

فِرَق أهل البدع الذين أنشأوا أفكاراً من تلقاء عقولهم وجعلوها من كتاب الله وماهي من الكتاب في شيء ،وزادوا في دين الإسلام مالم يأذن به الله تعالى ، طالما قال الراسخون في العلم من أتباع منهج السلف إن أولئك أشد انغماساً في تكفير المسلمين مما يفترونه على  الملتزمين منهج السلف ، وعلى ذلك أدلة كثيرة […]

هل انتشرت الأفكار السلفية بأموال النفط؟ “مناقشة ونقد”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  غالبًا ما يلجأ الطرفُ المنهزم في أيِّ مواجهة أو الفاشلُ في أيِّ مشروع إلى إيجاد مبررات لهزيمته وفشَله، كما أنه يسعَى للنيل من خصمِه بالحرب الإعلاميَّة بعد عجزه عن مواجهته في الميدان.  هذه حكايةُ الدعوى التي نناقِشها في هذه الورقة، وهي الزَّعم بأن الأفكار السلفية انتشرت في العالم الإسلامي […]

ترجمة الشيخ محمد السعيدي بن محمد الجردي (1)

  اسمه ونسبه وكنيته ونسبته: هو الشيخ الفقيه الأصولي محمد السعيدي بن محمد بن عبد السلام أبو عبد الرحمن الجردي، مفتي طنجة. مولده: ولد في إقليم تطوان، وتحديدًا في قرية الجردة إحدى قرى منطقة أنجرة، وكانت ولادته عام ألف وثلاثمائة وثمانية وخمسين للهجرة النبوية (1358هـ-1940م). نشأته العلمية: حفظ الشيخ القرآن في صباه، وأتم حفظه وهو […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا- (2)

تحقيق قول القرافي في حُكم المجسمات

  المعلوم أن علماء الإسلام أجمعوا على حُرمة عمل المجسمات ذوات الظل التي على هيئة ذوات أرواح تامات الخِلقة ، ولم يكن ذلك خاصاً بمذهب من مذاهب أهل السنة دون مذهب ، وليس خاصاً بالسلفيين أو مدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب ، كما يُثيره البعض ، قال النووي الشافعي :”وأجمعوا على منع ما كان […]

المفاضلة بين الصحابة.. رؤية شرعية

لا يختَلِف اثنانِ على وجود التفاضُل بين المخلوقات؛ سواء كانت أمكنةً أو أزمنةً أو أعيانًا، حيوانًا أو بشرًا أو ملائكةً، لكن الاختلاف يقع وبشدَّة في معيار هذا التفاضل وطريقة إدراكه، هل هو بمجرَّد الحسِّ والمشاهدة، أم بمجرَّد مسائل معنوية، أم بقضايا مركبة، وهل هذا التركيب عقلي أو شرعي أو حسي، والنظر الشرعي يقول بوجود التفاضل، […]

بيان الإفك في نسبة الأنبياء إلى الشِّرك -آدم عليه السَّلام أنموذجًا-(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، وقد تواترت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، يقول تعالى وهو يبين مراتب أوليائه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]، فالله سبحانه وتعالى قد رتب أولياءه حسب الأفضلية، […]

عرض وتعريف بكتاب “نظرات في مناهج الفرق الكلامية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا يخفى على المتابع للحركة الفكرية البعثُ الأشعريّ الجديد في مواجهة التيار السلفي الممتدّ، ولم تعد النقاشات مقتصرةً على المحاضِن العلمية ومجالس الدراسة، بلِ امتدَّت إلى الساحة الإعلامية ليشارك فيها عامّة الناس ومثقَّفوهم؛ ولذا كانت الحاجة ماسَّةً إلى كتاب يتناول منهج الأشاعرة بالبيان والنقد بالأسلوب الهادئ المناسب لغير […]

دلالة الترك عند الأصوليين والموقف السلفي

  مما يُرمى به السلفيون في الآونة الأخيرةِ أنهم يخترعون قواعدَ لا أصلَ لها عند الأصوليين، ويدلِّل أصحابُ هذا الاتهام على ذلك بمسألة التَّرك، فإذا ما استدلَّ السلفيون على بدعيَّة بعض الأمور بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تركها وأعرض عنها، وأن تَرْكه حجة؛ فيزعمون أنَّ هذه قاعدةٌ منِ اختراع السلفيين، وأنَّ الترك لا يدلُّ […]

التراجُع عنِ المنهج السلفيِّ قراءة موضوعيَّة للمسوِّغات([1])

مِنَ الواردِ جدًّا أن يتراجعَ أيُّ تجمُّع بشري عن فكرةٍ ما أو دِين، ومن المقبولِ عَقلًا وشرعًا أن يكونَ لهذا التراجع مسوِّغات موضوعية، بعضها يرجع إلى المنهج، وبعضها يرجع إلى الدّين أو التديُّن، لكن هذه الحالة ليست مَقبولة في الدين الإسلامي، ولا في المنهج الحق؛ فلذلك يضطرُّ أصحاب ترك المناهج الجادَّة إلى محاولة إيجاد مسوِّغات […]

العلامة محمد البشير الإبراهيمي فخرُ علماءِ الجزائر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه الترجمة مُستقاة من الترجمتين اللَّتين كتبهما الشيخ الإبراهيمي لنفسه، إحداهما بعنوان: (خلاصة تاريخ حياتي العلمية والعملية)، وكان كتبها بطلبٍ من مجمع اللغة العربية بالقاهرة عندما انتُخِب عضوًا عاملًا فيه سنة 1961م، وهي منشورة في آثاره (5/ 272-291)، والأخرى بعنوان: (من […]

هل كل ما خلقه الله يحبه؟

  مقدمة: “ليس -الله تعالى- منذ خلق الخلق ‌استفاد ‌اسم ‌الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى استحقَّ هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم؛ ذلك بأنه على كل شيء قدير”([1]). والخلق خلقُه، والأمر أمرهُ، سبحانه لا يعزب عن […]

قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا} ومُحدَثَة البيت الإبراهيمي

ردُّ الابتداع والإحداث في الدّين أصلٌ عظيم من أصول دين الإسلام، يدلُّ على ذلك ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردٌّ»([1])؛ ولهذا يقول الإمام النووي: “وهذا الحديث قاعدة عظيمةٌ من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017