الاثنين - 14 شعبان 1447 هـ - 02 فبراير 2026 م

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

يُعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كبار علماء الإسلام في عصره والعصور المتأخِّرة، وكان مجاهدًا بقلمه ولسانه وسنانه، والعصر الذي عاش فيه استطال فيه التتار من جهة، واستطالت فيه الزنادقة وأصحاب الحلول والاتحاد والفرق الملحِدة من جهةٍ أخرى، فشمَّر عن ساعديه، وردّ عليهم بالأصول العقلية والنقلية، وكان سدًّا منيعًا أمام انتشار فكرهم وآرائهم.

يقول الحافظ الذهبي: “ولقد نصَرَ السنةَ المَحْضة والطريقة السلفية، واحتجَّ لها ببراهين ومقدِّمات وأمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجمَ عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسَر هو عليها، حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يُداهن ولا يُحابي، بل يقول الحقَّ المُرَّ الذي أدَّاه إليه اجتهادُه وحِدَّةُ ذهنه وسَعَة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر منه من الوَرَع وكمال الفكر وسرعة الإدراك والخوف من الله والتعظيم لحُرمات الله”([1]).

وقد كان رحمه الله قويَّ الشكيمة على أعداء الإسلام، فبعدما اجتاحت جيوش التتار الشام وانسحب محمد بن قلاوون إلى مصر دخل ابن تيمية على قازان ملك التتار، وكلَّمه بنفسه ولم يهَبْه، وطالب ابن قلاوون بالعودة إلى الشام، وشارك في معركة شقحب التي انتصر فيها المسلمون نصرًا مؤزرًا، وشارك أيضًا في فتح عكّا وانتزاعها من الصليبيين.

يقول أبو حفص البزار: “وأخبر غير واحد أن الشيخ رضي الله عنه كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعًا أو رقة أو جبانة شجَّعه وثبَّته وبشَّره ووعده بالنصر والظفَر والغنيمة، وبيَّن له فضل الجهاد والمجاهدين وإنزال الله عليهم السكينة. وكان إذا ركب الخيل يتحنَّك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبِّر تكبيرا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوضَ رجل لا يخاف الموت. وحدَّثوا أنهم رأوا منه في فتح عكّا أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملّك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره”([2]).

ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية هو أبرز المدافعين عن المنهج السلفي في المتأخرين، ومن أشهر الذابِّين عن حياضه أصوليًّا ومعرفيًّا وكلاميًّا درج بعض الغلاة في الحطّ عليه، وتصويره وكأنه مخالف لمجموع المسلمين؛ من أجل تنفير الناس منه.

ومن تلك الدعاوى المُنفِّرة عنه قول بعض المعاصرين: (إن ابن تيمية من الشخصيات الجدلية في التاريخ الإسلامي، ولا يُبتّ في إيمانه، شأنه شأن ابن عربي الطائي، ولذلك على المسلم أن يتَّبع جماهير المسلمين، ولا يتَّبع من هو مختلَفٌ فيه؛ حتى يكون في مأمن في دينه).

وفي الحقيقة: إن هذا القول السابق ليس قولًا وسطيًّا كما يُصوِّره قائله، بل هو من أقوال الغلاة الذين رد َّعليهم الأئمة، ورفضهم جمهور علماء الأمة الإسلامية، كما سنعرف إن شاء الله.

وسينتظم الجواب على تلك الدعوى من في النقاط التالية:

1- بيان أن ذم المصلحين أمرٌ لا بد منه.

2- بيان شذوذ من تكلم في ابن تيمية.

3- تأمل موارد الخلاف بين ابن تيمية ومنتقديه.

4- دخول ابن تيمية ضمن البناء الفقهي لمذهب الحنابلة.

5- درجة من ذمّوا ابن تيمية، وهل يُعتد بقولهم؟

6- بيان موقف التقي السبكي وتلامذته.

7- ابن حجر الهيتمي وردود العلماء عليه.

مركز سلف للبحوث والدراسات

 

 

 

 

أولا: بيان أن ذم المصلحين أمرٌ لا بد منه:

مِن سنةِ الله عز وجل أنه لا بد من وجود محنة للعالم الرباني، لا سيما للمجدِّدين في الإسلام، وهذه سنةُ الله في أنبيائه وأوليائه، ولقد امتُحن الإمام البخاري من أكابر عصره، وكان الأئمة في زمانه أفضلَ ممن هم في زمان ابن تيمية، وتكلَّم فيه أحمد بن يحيى الذهلي وهو من أقران الإمام أحمد، وتركه علماء بغداد، ولقد كانت هذه المحنةُ سببًا للطعن في هذا الإمام العظيم، والقدح في عدالته عند بعض الأئمّة، ومع ذلك كله لم يصحَّ اعتبار البخاري شخصيّة جدليةً في التاريخ، بل هو من أكابر العلماء المخلصين ولو تكلَّم فيه من تكلَّم.

وقد تكلَّم فيه ابن أبي حاتم الرازي في كتابه فقال: “قدم محمد بن إسماعيل الريَّ سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي وأبو زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظَه بالقرآن مخلوقٌ”([3]).

قال الذهبي رحمه الله: “إن تركا حديثه أو لم يتركا البخاري ثقة مأمون يُحتَجّ به في العالم”([4]).

فإذا حصل ذلك للبخاري ومعاصرُوه من أهل السُنة الصِّرفة، فكيف بالمجدِّدين الذين ظهروا في عصورٍ متأخِّرة حيث انتشار البدع والأهواء؟! وقد دخلت البدع حتى في المساق العلميّ والمعرفيّ حيث دخل علم المنطق في أصول الفقه، ودخلت علوم اليونان في أصول الدين، وادَّعوا معارضة القواطع العقلية للأدلة النقلية، وساد التقليد الفقهي دون نظرٍ، وشبَّ الصغير وشاب الكبير على تلك المحدثات، فمن الطبيعي أن يُنكر التقليديون على المُجدِّد المخالف لما نشؤوا عليه.

ولو أنَّ الخطَّ العلميَّ للأمة الإسلامية سيكون مستقيمًا أبدَ الدهر ولن يدخلَه البدع -كما يزعم المخالفون- لما كان هناك حاجة للتجديد والإصلاح أساسًا، ولكانت الأحاديث النبوية الدالة على حدوث البدع وظهورها في آخر الزمان ضربًا من العبَث، وكذا ظهور المجدِّدين في الأمة ليس له معنى، ويكون خلوًا من الفائدة. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»([5]).

وقد امتُحن كثير من الأئمَّة المصلحين الذين جهروا باعتقاد السلف الصالح، وقالوا ما أدَّاهم إليه اجتهادهم، وحصل لهم محنةٌ من أهل زمانهم، وهي سنّة الله السائرة في كلّ زمانٍ ومكانٍ.

ومن أمثلة هؤلاء: الحافظ أبو النصر السجزي (444هـ):

يقول أبو المعالي الجويني في الحافظ السجزي: “قد ذكر هذا اللَّعين الطريدُ المهينُ الشريدُ فصولًا، وزعم أنَّ الأشعرية يكفِّرون بها، فعليه لعائن الله تترَى، واحدة بعد أخرى، وما رأيتُ جاهلًا أجسر على التكفير وأسرع إلى التحكّم على الأئمة من هذا الأخرق”. وتكلَّم السجزي في النزول والانتقال والزوال والانفصال والذهاب والمجيء، فقال الإمام: “ومن قال بذلك حلَّ دمه”. وتبرم الإمام كثيرا من كلامه معه. وقد نقل التقي السبكي كلام إمام الحرمين مقرًّا له([6]).

ورغم ما قيل في السجزي من قِبَل الأشاعرة لا يمكن اعتبارُه شخصية جدليّةً، ومن راجع ترجمة الإمام السجزي لا يمكنه أبدًا قبول ما قاله الجويني فيه. يقول الحافظ الذهبي: “أبو نصر السجزي الإمام العالم الحافظ المجوِّد، شيخ السنة، أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم بن أحمد، الوائلي البكري السجستاني، شيخ الحرم، ومصنف (الإبانة الكبرى) في أن القرآن غير مخلوق، وهو مجلَّد كبير دالّ على سَعَة علم الرجل بفنّ الأثر”([7]).

ومن هؤلاء: الحافظ الفقيه عبد الغني المقدسي (600هـ):

وهو صاحب المصنّفات السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف، قد ظُلم واضطُهد طيلة حياته، ومات طريدًا؛ بسبب اتهامه بالتجسيم، وحكم عليه الأشاعرة بالكفر والبدعة، فطرده القضاة والعلماء من أصبهان والموصل ودمشق ومصر.

يقول ابن كثير: “وكان رقيقَ القلب سريعَ الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدًّا.. فذكر يومًا عقيدته على الكرسي، فثار عليه القاضي ابن الزكي وضياء الدين الدولعي، وعقدوا له مجلسًا في القلعة يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين. وتكلَّموا معه في مسألة العلو ومسألة النزول، ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام، وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كلّ هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق؟! قال: نعم. فغضب برغش من ذلك، وأمره بالخروج من البلد. فارتحَل بعد ثلاثٍ إلى بعلبك، ثم إلى القاهرة، فآواه الطحانيون، فكان يقرأ الحديث بها، فثار عليه الفقهاء بمصر أيضًا، وكتبوا إلى الوزير صفيّ الدين بن شكر، فأقرَّ بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب”([8]).

فهل يقول عاقل: إن الحافظ عبد الغني من الشخصيات الجدليّة في التاريخ الإسلامي كابن عربي الطائي؟! وهل يخرُج هذا القول إلا من سفيه لا يعرف قدر أئمة هذا الدين؟!

ولا عبرةَ بقول غلاة الأشاعرة فيه، فالحافظ عبد الغني يعرف قدرَه الكبارُ، وتتابع الفحول على كتابه (الكمال في أسماء الرجال) تهذيبًا وترتيبًا، كالحافظ المزي، ثم الحافظ الذهبي، ثم الحافظ ابن حجر، وغيرهم. وكان للشيخ عبد الغني منَّة لكل صاحب حديث جاء بعده.

قال ابن رجب في ترجمة عبد الغني المقدسي: «أخذوا عليه مواضع، منها قوله: (ولا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول)، ومنها قوله: (كان ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان)، فقالوا له: إذا لم يكن على ما قد كان فقد أثبت له المكان، وإذا لم تنزّهه تنزيهًا تنفي حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال… -إلى أن قال:- فأما قولهم: (أجمع الفقهاء على الفتوى بكفره وأنه مبتدع) فيا لله العجب! كيف يقع الإجماع وأحفظ أهل وقته للسُّنة وأعلمهم بها هو المخالف؟! -يعني عبد الغني- هذا مع مخالفة فقيه الإسلام في وقته -يعني ابن قدامة- الذي يُقال: إنه لم يدخل الشام بعد الأوزاعي أفقه منه، ومعه خلق أئمة وفقهاء”([9]).

ومن هؤلاء: الحافظ أبو الحجاج المزي (742هـ):

وهو شيخ الذهبي والتاج السبكي وغيرهم، وقد ثار قضاة الأشاعرة ضدَّ الحافظ المزي وسجنوه مرتين، وهؤلاء القضاة الذين سجنوه هم أنفسُهم من سجنوا ابن تيمية، فهل يقال: إنَّ المزِّيَّ شخصية جدلية في التاريخ؟!

قال ابن حجر: “وأوذي ]أي: المزي[ مرة في سنة 705 بسبب ابن تيمية؛ لأنه لما وقعت المناظرة له مع الشافعية وبحث مع الصفي الهندي ثم ابن الزملكاني بالقصر الأبلق شرع المزي يقرأ كتاب (خلق أفعال العباد) للبخاري، وفيه فصل في الرد على الجهمية، فغضب بعضهم وقالوا: نحن المقصودون بهذا، فبلغ ذلك القاضي الشافعي يومئذ، فأمر بسجنه، فتوجه ابن تيمية وأخرجه من السجن، فغضب النائب فأعيد، ثم أفرج عنه، وأمر النائب -وهو الأفرم- بأن ينادَى بأن من يتكلَّم في العقائد يُقتَل”([10]).

ثم إننا نقول: لا يوجَد أحدٌ من أرباب الفكر الإسلاميّ الذين أثَّروا في تاريخ الحضارة الإسلامية إلا وتكلم معاصروه فيه.

فهذا الإمام الغزالي (505هـ) مثلًا لم يكن كلمةَ إجماع من بني جلدته الأشعريّة فضلًا عن أهل الحديث؛ فقد حطَّ عليه الحافظ ابن الصلاح وابن الجوزي والقاضي عياض وغيرهم لدخوله في مادة فلسفية، ولشطحاته الصوفية البعيدة عن الكتاب والسُنة.

قال القاضي عياض: “والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة والتصانيف الفظيعة، غلا في طريقةِ التصوُّفِ وتجرَّد لنصر مذهبهم، وصار داعيةً في ذلك، وألَّف فيه تواليفه المشهورة، أُخذ عليه فيها مواضعُ، وساءتْ به ظنونُ أمَّةٍ، والله أعلم بسرِّه”([11]).

وقال أبو عمرو بن الصلاح: “فصلٌ لبيان أشياء مهمة أُنكرت على أبي حامد: ففي تواليفه أشياء لم يرتضها أهل مذهبه من الشذوذ، منها قوله في المنطق: هو مقدّمة العلوم كلِّها، ومن لا يحيط به، فلا ثقةَ له بمعلوم أصلًا. قال: فهذا مردود، إذ كلّ صحيح الذهن منطقيٌّ بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسًا”([12]).

يقول ابن تيمية: “ولهذا كان الشيخ أبو عمرو بن الصلاح يقول -فيما رأيته بخطه-: أبو حامد كثر القول فيه ومنه، فأما هذه الكتب -يعني المخالِفة للحق- فلا يُلتفَت إليها. وأما الرجل فيُسكَت عنه ويُفوَّض أمره إلى الله”([13]).

فهذا القول ينقله ابن تيمية فيما رآه بخطِّ ابن الصلاح: أن الغزالي كثُر القول فيه، ويُفوَّض أمره إلى الله، ومع ذلك فقد درج الأشعرية المتأخِّرون بتلقيبه بحجة الإسلام، ولم يجعلوه بذلك شخصيةً جدليةً.

والشاهد مما سبق: أنه ما مِن إمامٍ له تأثير في التاريخ الإسلاميّ إلا رَدَّ ورُدَّ عليه، ولو كان الأمر كذلك لأسقطنا كلَّ أعلام الأمَّة الإسلامية، فتأمل هذا.

ثانيا: بيان شذوذ من تكلَّم في ابن تيمية:

بيَّنَّا أنَّ محنة العالم مِن سنة الله عز وجل التي أجراها على المجدِّدين في الإسلام، ومع ذلك فإنّا لا نُسلم أن ابن تيمية مختلَفٌ في إمامته، بحيث يكون من الشخصيات الجدلية في التاريخ، من جنس الاختلاف في ابن عربي وابن سبعين وأشباههما؛ وذلك لأن الثناءَ على ابن تيمية هو قول جمهور علماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة بعد موته صنَّفوا فيه التصانيفَ، وحشدوا فيه المناقب والمدائح؛ مِن كثرة الثناء عليه وتعظيمه، مثل:

  • العقود الدُّرِّيّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، للحافظ ابن عبد الهادي.
  • الأعلام العلِيَّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، للحافظ أبي حفصٍ البزَّار.
  • الردّ الوافر على من زعم أن من سمَّى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي.
  • الرسالة الزكية في الثناء على ابن تيمية، للعلامة مرعي الكرمي الحنبلي.
  • القول الجليّ في ترجمة تقيّ الدين الحنبليّ، للعلامة محمد صفي الدين البخاري الحنفي.

وغير ذلك من الكتب التي حشدت مئات من الثناءات والمديح وذكر المناقب، حتى كاد يكون كلمةَ إجماع، بعكس ابن عربي الطائيّ؛ فإن الجمهور على ذمِّه وتكفيره.

وقد أجاب بعض غلاة المعاصرين بأن العلماء مدَحوا ابن تيمية في بادئ الأمر قبل أن يُظهر اعتقادَه وقبل يعرفوا حقيقته.

لكن لا يستقيم هذا القول تاريخيًّا؛ فإننا لو سلَّمنا بذلك فيمن عاصر ابن تيمية، فماذا عن تلامذتهم الذين جاؤوا من بعدهم كالبلقيني والحافظ ابن حجر والبدر العيني والسخاوي وغيرهم؟! فإنهم جاؤوا بعد موت ابن تيمية، ويُفترض أنهم عرفوا حقيقتَه من مشايخهم؛ فلماذا مدحوه وسمَّوه بشيخ الإسلام؟! فلا شك أن هذه عقبةٌ تعترض الدعوَى القائلة بأن المدح كان في أول الأمر.

بل أكثر من ذلك، فقد اعتبر الحافظ ابن حجر أن القول بذم ابن تيمية وتضليله هو قولٌ مهدور لا يُعوَّل عليه([14])، ولا عبرة لمن يقول إن ابن حجر لا يعلم عقيدة ابن تيمية؛ بل ابن حجر كان من أعلم الناس بالمنتقَد على ابن تيمية، وأعلَم بحقيقة قوله من أعدائه، وكثيرًا ما ينقل ابن حجر قول ابن تيمية في الأمور التي خالف فيها أهل زمنه، ثم يتعقبه في فتح الباري والدرر الكامنة وغيرها، فكيف يُقال عن ابن حجر: لم يعرف حقيقته؟!

ولقد تتابع الأئمة الأعلامُ منذ عصر ابن تيمية إلى يومنا بتلقيبه بشيخ الإسلام وإن خالفوه في مسائل، كسائر ما يُخالَف فيه الأئمة.

وانظر ما يقوله الحافظ السخاوي في (الأجوبة المرضية) بعدما نقل قول ابن تيمية في حديث «كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد» قال: “وحينئذٍ فيُعتمَد مقالة الشيخ تقي الدين ابن تيمية حيث حكم على اللفظ المسؤول عنه بالوضع، وناهيك به اطلاعًا وحفظًا، أقرَّ له بذلك المخالف والموافق، وكيف لا يُعتمَد كلامه في سبيل هذا وقد قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي: ما رأيت أشدَّ استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكأنَّ السنةَ نصب عينيه وعلى طرف لسانه. ووصفه الإمام فتح الدين ابن سيد الناس مصنف (السيرة النبوية) المشهورة وغيرها فقال: وكان يستوعب السنن والآثار”([15]).

وانظر أيضا ما يقوله البرهان سبط ابن العجمي في (نور النبراس) بعدما نقل حكمًا لابن تيمية في أحد الأحاديث: “والذي يظهر أنه ليس له إسناد صحيح؛ وذلك لأن ابن تيمية رجل عالم كبير، وما أنكر هذا إلا بثبت، وكلامه ظاهر ومعقول”. ثم نقل ثناء الذهبي وابن سيد الناس عليه، ثم قال: “وثناء الناس عليه كثيرٌ جدًّا، ولكن ذكرت هذين الحافظين من أهل الفن ليُعرف أن ابن تيمية إذا قال شيئًا لم يكن هاجمًا عليه، بل إنما يقول شيئًا بعد تروٍّ وتفكّر”([16]).

ويقول جلال الدين السيوطي: “كنت قديمًا في سنة سبع أو ثمان وستين وثمانمائة ألفتُ كتابا في تحريم الاشتغال بفن المنطق، سميته: (القول المشرق)، ضمَّنته نقول أئمة الإسلام في ذمّه وتحريمه، وذكرت فيه أن شيخ الإسلام أحد المجتهدين تقيّ الدين ابن تيمية ألَّف كتابًا في نقض قواعده، ولم أكن إذ ذاك وقفت عليه”([17]).

ويقول العلامة شيخ الأزهر أحمد الدمنهوري: “ولقد وقفتُ على فتوى وجوابها في هذا الشأن للعلامة المجتهد شيخ الإسلام ابن تيمية، وأطال الكلام على ذلك والأدلة والبراهين”([18]). ثم نقل طرفًا منها.

وجميع من أنكروا على ابن تيمية في زمنه أقرُّوا له بالإمامة والدين، فكان إنكارهم مُقيَّدًا بمسائل، ولم يُعرَف في العلماء الكبار (ممن يُعوَّل عليه) من ذمّ ابن تيمية بإطلاق إلا التقي السبكي؛ لأجل المعاصرة واختلاف المذهب، وقد رجع عن قوله -كما سيأتي- وقد قلَّده في زمن المتأخّرين ابن حجر الهيتمي دون أن يعرف برجوعه، وقد ردَّ على الهيتمي تلميذه ملّا عليّ القاري وعددٌ من العلماء، وأغلظوا عليه، كالشبراملسي، والسفاريني، والنعمان الآلوسي، وغيرهم، وسيأتي كلامهم.

وإذا ثبت رجوع السبكي فقول الهيتمي مهدَر؛ لأنه إنما قال ذلك متابعةً له، وسيأتي تفصيل ذلك.

وقد نقل ابن ناصر الدين ردًّا على علاء البخاري ما يربو عن نيف وثمانين إمامًا -ممن يُعتدّ بقولهم ويُشار إليهم بالبنان- سمَّوه بشيخ الإسلام، وأرسل ابن ناصر الدين الدمشقي كتابه إلى علماء الأمصار في زمنه لكي يقولوا قولهم فيه أيضًا، فوافقه على الكتاب علماء عصره كابن حجر العسقلاني والبدر العيني وغيرهما، وتلقوَّه بالقبول، وكتبوا تقريظًا للكتاب، وبيَّنوا أن الذامَّ لابن تيمية هو شاذٌّ عن مجموع المسلمين. فهل هذا الصنيع يحصل مع شخصية مثل شخصية ابن عربي؟!

يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني فيمن أنكروا عليه: “ومع ذلك فكلُّهم يعترف بسعةِ علمه وزهدِه، ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نُصرة الإسلام، والدعاء إلى الله تعالى في السرِّ والعلانية”([19]).

ويقول الأذرعي شيخ الشافعية وتلميذ السبكي: “الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحد أئمَّة الإسلام الأعلام، وكان رحمه الله بحرًا من البحور في العلم، وجبلًا شامخًا لا يختلِف فيه اثنان من أهل العصر، ومن قال خلافَ ذلك فهو جاهلٌ أو معانِد مقلّدٌ لمثله، وإن خالف الناسَ في بعضِ مسائلَ فأمره إلى الله تعالى”([20]).

ويقول البدر العيني الحنفي: “وما هم -أي: المنكرون على ابن تيمية- إلا صلقع بلقع سلقع صلمعة بن قلمعة وهيان بن بيان وهي بن بي وصل بن ضل وضلال بن التلال.. فمن قال: إنه كافر فهو كافر حقيق، ومن نسبه إلى الزندقة فهو زنديق، وكيف ذاك وقد سارت تصانيفه في الآفاق وليس فيها شيء مما يدلّ على الزيغ والشقاق، ولم يكن بحثه فيما صدر عنه في مسألة الزيارة والطلاق إلا عن اجتهاد سائغ بالاتفاق، والمجتهد في الحالتين مأجور ومثاب، وليس فيه شيء مما يُلام ويُعاب، لكن حملهم على ذلك حسدُهم الظاهر وكيدهم الباهر، وكفى للحاسد ذمًّا آخرُ سورة الفلق في احتراقه بالقلق”([21]).

ثالثًا: تأمُّل موارد الخلاف بين ابن تيمية ومنتقديه:

من المهمِّ في هذه القضايا تأمّل موارد الخلاف ودراستها ومعرفة درجاتها، لا الاكتفاء بمجرد التقليد فيها؛ وذلك لأن المُعطيات التي جعلت البعض يتكلَّم في ابن تيمية مختلفةٌ كلّيًّا عن تلك المعطيات في ابن عربي؛ فإن الأول أخذوا عليه مسائل هو مسبوقٌ بها من الأئمة الأعلام وإن لم تكن مشتهرة في زمانهم.

وسوف نشير إليها إشارة سريعة على سبيل الاختصار وبيان من سبقوا شيخ الإسلام ووافقوه عليها:

1- مسائل فقهية:

كانت أهم المسائل التي انتُقدت على ابن تيمية من مسائل الفقه، ولا تثريب على المخالف فيها إن كان مجتهدًا، وهي فتواه في الطلاق ثلاث، وشدّ الرحال، ومسألة التوسّل. هذه المسائل المعدودة هي زبدة ما أخذه معاصروه عليه، كما ذكر ذلك ابن رجب وابن عابدين الحنفي والكشميري واللكنوي وغيرهم، وكلها من مسائل الفقه، وهو مسبوقٌ بها.

أما مسألة التحريم شدّ الرحل إلى القبور فهي وجه في المذهب الحنبلي، وهو اختيار ابن بطة وابن عقيل -وابن عقيل من أصحاب الوجوه-، يقول مرعي الكرمي عن مسألة شد الرحل للزيارة: “ومنهم من قال بالتحريم، واختار هذا القول ابن بطة وابن عقيل إماما الحنبلية، والإمام أبو محمد الجويني إمام الشافعية، وهو اختيار القاضي عياض في إكماله وهو إمام المالكية، ومال إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية. والحجة في ذلك الحديثُ الصحيح، وهو قوله عليه السلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد الحديث»، وقد انتصب للردّ على السبكي ابنُ عبد الهادي في مجلّد كبير سماه: (الصارم المنكي في الرد على السبكي)”([22]).

وقد نقل الحافظ ابن كثير دعوى مخالفيه أنه يمنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ثم قال: “فانظر الآن هذا التحريفَ على شيخ الإسلام! فإنَّ جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياءِ والصالحين، وإنما فيه ذكرُ قولَينِ في شد الرِّحَال والسَّفَر إلى مجرد زيارة القبور. وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى. والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شد رحل، بل يستحبها ويندب إليها، وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرَّض إلى هذه الزيارة على هذا الوجه في الفتيا، ولا قال: إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة». والله سبحانه لا يخفى عليه شيء، ولا تخفى عليه خافية: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]”([23]).

وأما مسألة وقوع الطلاق فاعتبرها الحنابلة وجهًا في المذهب؛ وهو قول المجد بن تيمية -جدّ شيخ الإسلام- وإن لم يعتمدوا هذا الوجه، قال ابن مفلح: “لم يوقع شيخنا طلاق حائض وفي طهر وطئ فيه، وأوقع من ثلاث مجموعة أو مفرقة قبل رجعة واحدة، وقال: إنه لا يعلم أحدا فرق بين الصورتين، وحكاه فيها عن جده”([24]).

وجوَّز تقليده -من أئمة المذهب- مرعي الكرمي([25]) والرحيباني([26]) من المتأخرين. واعتمد قوله المجامع الفقهية المعاصرة ودور الفتوى في العالم الإسلامي كالأزهر الشريف وغيره.

2- مسألة الصفات:

وأما الخلاف في مسائل الصفات فلا حاجة لحكايته؛ فإنه لا خصوصية لابن تيمية فيها، ولم تكن من المسائل المركزية التي أنكروها على ابن تيمية ومنعوه من الفتوى بسببها؛ لأنهم يعلمون أنه خلافٌ أشعري حنبلي، بل اشتدَّ الخلاف بعدما أفتى بمسألة الطلاق والزيارة ونحوهما.

كما لم يذكر المتأخّرون مسألة الصفات فيما أُخذ على ابن تيمية إلا مصحوبًا بذكر الحنابلة معه، فالذين ذمّوه لأجلها ذمّوا معه الحنابلة أيضًا، وقد سبق أن ذكرنا كيف نكَّلوا بالحافظ عبد الغني المقدسيّ، وحكموا عليه بالكفر والبدعة.

3- مسألة حلول الحوادث:

مسألة حلول الحوادث هي من المصطلحات المُجملة، وابن تيمية يقول بإثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل كما دلَّ الكتاب والسنة، ولا يعنيه تسميته بحلول الحوادث أو لا، والإمام البخاري ممن أثبت الحدَث غير المخلوق في أفعال الله تعالى، قال الإمام البخاري: “وأنَّ حدثه تعالى لا يُشبه حدث المخلوقين”([27]).

وليس الغرض هنا مناقشة المسألة، فلها مقام آخر، ولكنَّ الغرض بيان أن ابن تيمية مسبوقٌ بالمسألة، بل هو حقيقة مذهب أهل الحديث.

وقد رجع الفخر الرازي إلى القول بها في كتابه (المطالب العالية) حيث يقول: “هل يعقل أن يكون الله محلا للحوادث؟ قالوا: إن هذا قول لم يقل به إلا الكرامية. وأنا أقول: إن هذا القول قال به أكثر أرباب المذاهب، أما الأشعرية فإنهم يدَّعون الفرار من هذا القول، إلا أنه لازم عليهم من وجوه”([28]).

وقد نقل الحافظ ابن حجر اعترافَ الرازي في (المطالب العالية) بقول من قال: “إنه تعالى مُتكلّم بكلام يقوم بذاته وبمشيئته واختياره هو أصح الأقوال نقلًا وعقلًا”([29]).

4- مسألة تسلسُل الحوادث:

مسألة تسلسل الحوادث أزلًا لم ينفرد بالقول بها ابن تيمية أيضًا، بل هي مسألة تُناقش داخل الإطار الإسلاميّ، ولم يبتّ فيها علماء الإسلام؛ لأنها من المسائل المُخرَّجة على دوام أفعال الله تبارك وتعالى.

وبهاء الدين الإخميمي الذي ردَّ على ابن تيمية في حوادث لا أول لها لقَّب ابن تيمية في أول كتابه بـ (الشيخ الإمام العالم العلامة)([30])، وحاول أن يتأوّل قوله على محمل حسن، ولم يجعل هذه المسألة من موجبات تكفيره([31]).

وقد ألف في نصرة ابن تيمية الإمام ابن قاضي الجبل -وهو إمام أصوليِّي الحنابلة في وقته- كتابه (الرد على من رد على شيخ الإسلام في مسألة حوادث لا أول لها)([32]).

والفخر الرازي في (المطالب) بعدما ذكر أدلة الطرفين توقَّف في المسألة لصعوبتها، وأقرَّ أن حجج المجوِّزين للتسلسل قوية لا يمكن دفعها. وأما في كتابه (المناظرات) فقد مال إلى القول بإمكان حوادث لا أول لها.

قال الرازي بعدما نقل معارضة مجوِّزي التسلسل: “واعلم أن هذه المعارضة قوية وواقعة جدًّا، لأن المسألة في نفسها مُشكلة. فإن سلمنا أنه لا أول لإمكان وجودها كان معناه أن إمكان وجودها حاصل في الأزل، فإذا قلنا: إنه يمتنع كونه أزليًا، كان معناه أن إمكان وجوده غير حاصل في الأزل، فهذا يقتضي الجمع بين الضدين. وهب أن هذه المسألة صعبت على الكل في الصورة المذكورة، لكن كيف اجتمع فيها صدق القولين مع كونهما متناقضين؟! ولا شك أنه في غاية الصعوبة، والله أعلم”([33]).

وقد مال الرازي إلى القول بإمكان التسلسل في كتابه (مناظرات في بلاد ما وراء النهر)، وحكى مناظرته مع الشيخ الغيلاني الذي ألف كتابًا في حدوث العالم ردًّا على ابن سينا، فأحب الرازي أن يُبيِّن له أن المسألة محتملة وجائزة عقلًا، وليست بالبساطة التي يتصورها، وجادله بأدلة القائلين بالتسلسل وانتصر عليه، ولم يُحر الغيلاني جوابًا([34]).

وفي الجملة، فإن تصرّفات الرازي تدل على أنه كان يذهب -في آخر عمره- إلى إمكان التسلسل في الأزل ولا يُحيله، ولذلك كان حذَّاق المتكلمين ممن يفهمون مذهب الرازي ذهبوا إلى جواز تسلسل الحوادث مثل: سراج الدين الأرموي، وهو الذي اختصر محصول الرازي، وسيأتي كلامه.

ومعلوم أن الإمام ابن رشد صاحب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) كان ممن يحتمل هذه المسائل، وله ردود على الأشاعرة في (مناهج الأدلة).

يقول ابن رشد مبطلًا قول المتكلمين: “قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي ‌سِتَّةِ ‌أَيَّامٖ ‌وَكَانَ ‌عَرۡشُهُۥ ‌عَلَى ‌ٱلۡمَآءِ} [هود: 7] يقتضي بظاهره أن وجودًا قبل هذا الوجود.. وقوله تعالى: {‌ثُمَّ ‌ٱسۡتَوَىٰٓ ‌إِلَى ‌ٱلسَّمَآءِ ‌وَهِيَ ‌دُخَانٞ} [فصلت: 11] يقتضي بظاهره أن السموات خلقت من شيء. فالمتكلمون ليسوا في قولهم أيضًا في العالم على ظاهر الشرع، بل متأوّلون له؛ فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجودًا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه نصًّا أبدًا. فكيف بتصوَّر في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انعقد عليه”([35]).

أما من ذهب إلى جواز تسلسل الحوادث من الأشعرية -الأرموي والأبهري والجلال الدواني والكلنبوي ومحمد بخيت المطيعي الحنفي- فهؤلاء خمسة من أجلة علماء الأشاعرة -غير الرازي- اختاروا القول بإمكان حوادث لا أول لها، وهذا لا يتنافى مع أصولهم الأشعرية بحسب رأيهم؛ وذلك لأن وجود عوالم سابقة لهذا العالم المشهود مما لا يُحيله العقل، ولا يعارضه النقل، وقولهم بالتعلق الصلوحي والتنجيزي جائز وقوعه في عوالم أخرى سابقة، وحصرُ جمهور المتكلمين لها في العالم المشهود فقط خوفًا من قدم العالم وسدًّا للذريعة مجرد تحكُّم لا دليل عليه؛ لأن قاعدة سد الذرائع إنما تكون في أمور الفقه، لا في أمور العقائد الثابتة التي لا تتغير.

يقول الكلنبوي الأشعري مؤيّدًا القدم النوعي للعالم: “وأنت مما سبق خبير أنه يمكن صدور العالم مع حدوثه، وعلى هذا الوجه، فلا يلزم القدم الشخصي في شيء من أجزاء العالم، بل القدم الجنسيّ بأن يكون فرد من أفراد العالم لا يزال على سبيل التعاقب موجودًا”([36]).

قال الإسنوي: “وأجاب في التحصيل [وهو مختصر العلامة الأرموي لمحصول الرازي] بجوابين… -إلى أن قال:- الثاني: أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل، وأما التسلسل في الآثار فلا نسلّم أنه ممتنع، وهذا التسلسل إنما هو في الآثار. فقال الأصفهاني في شرح المحصول: وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها، وهو باطل على رأينا”([37]).

قال العلامة محمد بخيت المطيعي الحنفي -شيخ الأزهر- مؤيّدًا كلام الأرموي: “كلامٌ جيد، وأما قول الأصفهاني: (وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها وهو باطل على رأينا) فنقول: لا يلزم من كونه باطلًا على رأيه أنه باطل في الواقع ونفس الأمر؛ فإنه لغاية الآن لم يقم دليل على امتناع التسلسل في الآثار الموجودة في الخارج، وإن اشتهر أن التسلسل فيها محال، ولزوم حوادث لا أول لها لا يضر بالعقيدة إلا إذا قلنا: لا أول لها بمعنى لا أول لوجودها، وهذا مما لم يقل به أحد، بل الكل متفق على أن ما سوى الله تعالى -لما كان أو يكون- حادث، أي: موجود بعد العدم بقطع النظر عن أن يقف آحاده عند حدّ من جانبي الماضي والمستقبل أو لا تقف عند حدٍّ من جانبيهما”([38]).

والقصد مما سبق:

تأمّل موارد النزاع بين ابن تيمية ومخالفيه، وتحقيق القول في المسائل المنتقدة على ابن تيمية والنظر في كونها محتملة أم لا، وهل هو مسبوقٌ بها أم لا؟ وهل قالها تشهِّيًا أم أقام عليها مئات الأدلة العقلية والنقلية؟

وتلك المسائل -على كونها قليلة- فإن جميعها من المسائل الدقيقة وهو مسبوقٌ بها، وفي نطاق الدائرة الإسلامية الواسعة، أما المأخوذ على ابن عربي الطائي فهو في قضايا الحلول والاتحاد والكفر الصريح الذي لا تأويل فيه.

رابعًا: دخول ابن تيمية ضمن البناء الفقهي لمذهب الحنابلة:

من الدلائل على تلقّي علوم ابن تيمية بالقبول في الأمة الإسلامية -ولو في مجمله- وفساد قول القائل أنه شخصية جدلية في التاريخ: دخوله ضمن البناء المعماريّ للمذهب الحنبلي عند المتأخرين، فلا يصح بذلك دعوى جدليته مع تلقيه بالقبول في مذهبٍ معتبر.

وهذا يتجلَّى من خلال ثلاثة أمور:

أولها: بنى الإمام علاء الدين المرداوي -مُصحح المذهب ومنقحه- قول المذهب على اتفاق الشيخين ابن قدامة والمجد، فإن اختلفا فصَل بينهما شيخ الإسلام بن تيمية أو ابن رجب([39]).

وبهذا دخل ابن تيمية في البناء المعماري لأصول المذهب الحنبلي، ومعلوم أن المذهب الحنبلي أحد المذاهب الأربعة المعتبرة في الأمة الإسلامية، فإسقاط ابن تيمية هو إسقاط لأحد أعمدة المذهب وموارده بلا ريب.

أما قول القائل: لو كان الحنابلة يعتبرون ابن تيمية أعلمهم، فلماذا لم يعتمدوا عليه وحده ويجعلوا اجتهاداته هي معتمد المذهب بدلًا من جعله أحد رجال الترجيح؟

والجواب: أن هذا غلط من قائله؛ وذلك لأن المذهب مبني على تحرير قول الإمام أحمد لا على قول ابن تيمية، ولا يجوز نسبة قول إمام مجتهد إلى إمام مجتهد آخر، وإلا كان هذا من قبيل نسبة الأقوال إلى غير قائليها.

والحنابلة يعتبرون ابن تيمية ممن وصل إلى رتبة المجتهد المطلق، وقد ذكر هذا الإمام المرداوي في مقدمة كتابه (الإنصاف) حيث قسَّم المجتهدين إلى أربعة أصناف، ولما أراد التمثيل للقسم الأول -أي: المجتهد المطلق- مثَّل بابن تيمية، ولم يذكر أحدًا غيره، فتأمل.

قال المرداوي رحمه الله: “واعلم أن المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه، أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل… -إلى أن قال:- قد ألحق طائفة من الأصحاب المتأخرين بأصحاب هذا القسم الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمة الله عليه، وتصرفاته في فتاويه وتصانيفه تدل على ذلك”([40]).

ثانيها: جعل الإمام المرداوي اختيارات شيخ الإسلام -جمع القاضي علاء الدين ابن اللحام البعلي- وجملة من مجاميعه وفتاويه ضمن موارده في كتابه الجليل (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)، وهو أحد الكتب المعوَّل عليها في معرفة المعتمد في مذهب الإمام أحمد([41]).

ثالثها: تلقيبُ ابن تيمية بقلب “الشيخ” في كتب الفقه الحنبلي أحدُ دلائل تعظيم رتبته مذهبيًّا، إذ قد كان لقب الشيخ مصروفًا لابن قدامة لمكانته في المذهب، فلما ظهر ابن تيمية صرفوا لقب “الشيخ” إليه، فإذا قيل في كتب الفقه الحنبلي: قال الشيخ كذا، قصدوا به ابن تيمية؛ لأنه شيخ المتأخرين ومجتهدهم، وإذا قيل: (قال الشيخان) قصدوا بهما المجد وابن قدامة؛ لأنهما شيخا المذهب، وهذه من اصطلاحات مذهب الحنابلة.

والقصد ممّا سبق أن ابن تيمية داخل في البناء الفقهيّ والأصوليّ للمذهب الحنبليّ، فبُني المذهب ونُسج بساطه وفق معادلة هو داخل فيها، بحيث لا يمكن أن يُستغنَى عنه.

ولما كان المذهب الحنبلي مما تلقته الأمة بالقبول وهو أحد المذاهب الأربعة المعمول بها، كان ابن تيمية مُتلقًّى -هو الآخر- بالقبول تبعًا للمذهب.

ونستكملُ بقيَّة النقاش في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.

هذا وصلِّ اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.

يُتبع…

ـــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) العقود الدرية (ص: 117).

([2]) الأعلام العليَّة (ص: 69-70).

([3]) الجرح والتعديل (7/ 191).

([4]) سير أعلام النبلاء (12/ 463).

([5]) رواه أبو داود (4291). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (599).

([6]) السيف الصقيل (ص: 25).

([7]) سير أعلام النبلاء (13/ 270).

([8]) انظر: البداية والنهاية (7/ 40).

([9]) ذيل طبقات الحنابلة (4/ 16)، وفيات المائة السابعة.

([10]) الدرر الكامنة (6/ 230).

([11]) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (19/ 327).

([12]) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (19/ 329).

([13]) مجموع الفتاوى (6/ 65).

([14]) ينظر تقريظ الحافظ ابن حجر للرد الوافر (ص: 14).

([15]) الأجوبة المرضية فيما سُئل عنه السخاوي من الأحاديث النبوية (ص: 168).

([16]) نور النبراس (8/ 277).

([17]) صون المنطق والكلام عن علم المنطق والكلام (ص: 7-8).

([18]) إقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة (ص: 114).

([19]) تقريظ لابن حجر على الردِّ الوافر (ص: 13).

([20]) سؤال ورد إلى الشيخ الأذرعي عن شيخ الإسلام؛ وهو ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام خلال سبعة قرون (1/ 119-120).

([21]) الشهادة الزكية للشيخ مرعي الكرمي (ص: 67).

([22]) الشهادة الزكية (ص: 41).

([23]) البداية والنهاية (18/ 270).

([24]) انظر: الفروع لابن مفلح (9/ 19). والإنصاف للمرداوي (8/ 334).

([25]) انظر: غاية المنتهى (2/ 565).

([26]) انظر: مطالب أولي النهى (6/ 447).

([27]) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/ 414).

([28]) المطالب العالية (2/ 106).

([29]) فتح الباري لابن حجر (13/ 445).

([30]) رسالة في الرد على ابن تيمية (ص: 29).

([31]) وسيأتي بيان ذلك في الكلام عن موقف مدرسة السبكي من ابن تيمية.

([32]) مخطوط – دار الكتب المصرية، برقم (323).

([33]) المطالب العالية (4/ 22).

([34]) انظر: مناظرات ما وراء النهر (ص: 59-63).

([35]) مناهج الأدلة (ص: 42-43).

([36]) حاشية الكلنبوي على شرح العقائد العضدية (1/ 85).

([37]) نهاية السول شرح منهاج الوصول -بحاشية بخيت المطيعي- (2/ 94-95).

([38]) نهاية السول شرح منهاج الوصول -بحاشية بخيت المطيعي- (2/ 95).

([39]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (1/ 17). وإنما جعل المرداويُّ ابنَ رجب مقرونا بابن تيمية لأن ابن رجب كانت له عناية خاصة بتحرير روايات المذهب من حيث الإسناد والترجيح، فقطع بذلك على الحنابلة شوطًا كبيرًا، فجعله المرداوي أحد موارد الترجيح مع ابن تيمية لهذه المزيَّة الخاصة.

([40]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (30/ 383-384).

([41]) الإنصاف للمرداوي (1/ 14).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة استكمالًا للجزء الأول الذي بيَّنَّا فيه إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنزلتَه عند المتأخرين، وأن ذلك قول جمهور العلماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة صنَّفوا فيه التصانيف من كثرة الثناء عليه وتعظيمه، وناقشنا أهمَّ المسائل المأخوذة عليه باختصار وبيان أنه مسبوقٌ بها، كما بينَّا أيضًا […]

لماذا يوجد الكثير منَ المذاهِب الإسلاميَّة معَ أنَّ القرآن واحد؟

مقدمة: هذه الدعوى ممَّا أثاره أهلُ البِدَع منذ العصور المُبكِّرة، وتصدَّى الفقهاء للردِّ عليها، ويَحتجُّ بها اليومَ أعداءُ الإسلام منَ العَلمانيِّين وغيرهم. ومن أقدم من ذكر هذه الشبهة منقولةً عن أهل البدع: الإمام ابن بطة، حيث قال: (باب التحذير منِ استماع كلام قوم يُريدون نقضَ الإسلام ومحوَ شرائعه، فيُكَنُّون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين […]

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   يُعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كبار علماء الإسلام في عصره والعصور المتأخِّرة، وكان مجاهدًا بقلمه ولسانه وسنانه، والعصر الذي عاش فيه استطال فيه التتار من جهة، واستطالت فيه الزنادقة وأصحاب الحلول والاتحاد والفرق الملحِدة من جهةٍ أخرى، فشمَّر عن ساعديه، وردّ عليهم بالأصول العقلية والنقلية، […]

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يفتقِر كثيرٌ من المخالفين لمنهجية الحكم على المناهج والأشخاص بسبب انطلاقهم من تصوراتٍ مجتزأة، لا سيما المسائل التاريخية التي يكثر فيها الأقاويل وصعوبة تمييز القول الصحيح من بين ركام الباطل، ولما كانت الشبهات حول تاريخ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كثيرة ومُتشعبة رأيت أن أضع قواعد عامة […]

تَعرِيف بكِتَاب (مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح. اسم المؤلف: أ. د. عبد الله بن عمر الدميجي، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى في دار الهدي النبوي بمصر ودار الفضيلة بالرياض، عام 1436هـ/ 2015م. […]

الحالة السلفية عند أوائل الصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: تعدَّدت وجوه العلماء في تقسيم الفرق والمذاهب، فتباينت تحريراتهم كمًّا وكيفًا، ولم يسلم اعتبار من تلك الاعتبارات من نقدٍ وملاحظة، ولعلّ أسلمَ طريقة اعتبارُ التقسيم الزمني، وقد جرِّب هذا في كثير من المباحث فكانت نتائج ذلك محكمة، بل يستطيع الباحث أن يحاكم الاعتبارات كلها به، وهو تقسيم […]

إعادة قراءة النص الشرعي عند النسوية الإسلامية.. الأدوات والقضايا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: تشكّل النسوية الإسلامية اتجاهًا فكريًّا معاصرًا يسعى إلى إعادة قراءة النصوص الدينية المتعلّقة بقضايا المرأة بهدف تقديم فهمٍ جديد يعزّز حقوقها التي يريدونها لا التي شرعها الله، والفكر النسوي الغربي حين استورده بعض المسلمين إلى بلاد الإسلام رأوا أنه لا يمكن أن يتلاءم بشكل تام مع الفكر الإسلامي، […]

اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يُعَدّ مبحث الحدوث والقدم من القضايا المركزية في الخلاف العقدي، لما له من أثر مباشر في تقرير مسائل صفات الله تعالى، وبخاصة صفة الكلام. غير أنّ النظر في تراث الحنابلة يكشف عن تباينٍ ظاهر في عباراتهم ومواقفهم من هذه القضية، حيث منع جمهور السلف إطلاق لفظ المحدث على […]

وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يتكرر في الخطاب العقدي المعاصر استدعاء الأعلام التاريخيين والحركات الجهادية لتثبيت الانتماءات المذهبية، فيُستدلّ بانتماء بعض القادة والعلماء إلى الأشعرية أو التصوف لإثبات صحة هذه الاتجاهات العقدية، أو لترسيخ التصور القائل بأن غالب أهل العلم والجهاد عبر التاريخ كانوا على هذا المذهب أو ذاك. غير أن هذا النمط […]

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة خامسًا: الاستدلال بإباحة التوسل وشدّ الرحل لقبور الصالحين: استدلّ المخالفون بما أجازه جمهور المتأخرين من التوسّل بالصالحين، أو إباحة تحرّي دعاء الله عند قبور الصالحين، ونحو ذلك، وهاتان المسألتان لا يعتبرهما السلفيون من الشّرك، وإنما يختارون أنها من البدع؛ لأنّ الداعي إنما يدعو الله تعالى متوسلًا بالصالح، أو عند […]

الاستدلال بتساهل الفقهاء المتأخرين في بعض بدع القبور (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من المعلوم أن مسائل التوحيد والشرك من أخطر القضايا التي يجب ضبطها وفقَ الأدلة الشرعية والفهم الصحيح للكتاب والسنة، إلا أنه قد درج بعض المنتسبين إلى العلم على الاستدلال بأقوال بعض الفقهاء المتأخرين لتبرير ممارساتهم، ظنًّا منهم أن تلك الأقوال تؤيد ما هم عليه تحت ستار “الخلاف الفقهي”، […]

ممن يقال: أساء المسلمون لهم في التاريخ

أحد عشر ممن يقال: أساء المسلمون لهم في التاريخ. مما يتكرر كثيراً ذكرُ المستشرقين والعلمانيين ومن شايعهم أساميَ عدد ممن عُذِّب أو اضطهد أو قتل في التاريخ الإسلامي بأسباب فكرية وينسبون هذا النكال أو القتل إلى الدين ،مشنعين على من اضطهدهم أو قتلهم ؛واصفين كل أهل التدين بالغلظة وعدم التسامح في أمورٍ يؤكد كما يزعمون […]

كيفَ نُثبِّتُ السُّنة النبويَّة ونحتَجُّ بها وَقَد تأخَّر تدوِينُها؟!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ إثارةَ الشكوك حول حجّيّة السنة النبوية المشرَّفة بسبب تأخُّر تدوينها من الشبهات الشهيرة المثارة ضدَّ السنة النبوية، وهي شبهة قديمة حديثة؛ فإننا نجدها في كلام الجهمي الذي ردّ عليه الإمامُ عثمانُ بن سعيد الدَّارِميُّ (ت 280هـ) رحمه الله -وهو من أئمَّة الحديث المتقدمين-، كما نجدها في كلام […]

نقد القراءة الدنيوية للبدع والانحرافات الفكرية

مقدمة: يناقش هذا المقال لونا جديدًا منَ الانحرافات المعاصرة في التعامل مع البدع بطريقةٍ مُحدثة يكون فيها تقييم البدعة على أساس دنيويّ سياسيّ، وليس على الأساس الدينيّ الفكري الذي عرفته الأمّة، وينتهي أصحاب هذا الرأي إلى التشويش على مبدأ محاربة البدع والتقليل من شأنه واتهام القائمين عليه، والأهم من ذلك إعادة ترتيب البدَع على أساسٍ […]

كشف الالتباس عما جاء في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقوله تعالى في حق الرسل عليهم السلام: (وظنوا أنهم قد كُذبوا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: إن ابن عباس رضي الله عنهما هو حبر الأمة وترجمان القرآن، ولا تخفى مكانة أقواله في التفسير عند جميع الأمة. وقد جاء عنه في قول الله تعالى: (وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ) (يوسف: 110) ما يوهم مخالفة العصمة، واستدركت عليه عائشة رضي الله عنها لما بلغها تفسيره. والمفسرون منهم […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017