دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
استكمالًا للجزء الأول الذي بيَّنَّا فيه إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنزلتَه عند المتأخرين، وأن ذلك قول جمهور العلماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة صنَّفوا فيه التصانيف من كثرة الثناء عليه وتعظيمه، وناقشنا أهمَّ المسائل المأخوذة عليه باختصار وبيان أنه مسبوقٌ بها، كما بينَّا أيضًا دخوله في المنظومة الفقهية الحنبلية وكونَه أحدَ مواردها الأساسيّة بما يعني تلقِّي علومه بالقبول.
وفي هذا الجزء سنناقش -إن شاء الله- ما يتترَّس به بعض المعاصرين لإثبات جدلية ابن تيمية من ذمِّ بعض العلماء له. وسيدور حديثنا في النقاط التالية:
5- درجة من ذمّوا ابن تيمية، وهل يُعتد بقولهم؟
6- بيان موقف التقي السبكي وتلامذته.
7- ابن حجر الهيتمي وردود العلماء عليه.
خامسًا: درجة من ذمّوا ابن تيمية، وهل يُعتد بقولهم؟
من المقاييس الهامّة التي ينبغي الانتباه إليها تحديدُ منزلة من ذمّوا ابن تيمية، والحقيقة أنه لم يذمَّ ابنَ تيمية في الغالب أحدٌ ممن يُعتدّ بقوله إلا تقيّ الدين السبكي، وقد رجع عن قوله وقلَّده الهيتميّ دون أن يعلم برجوعِه، وقد تتابع العلماء على الردّ عليه كما سيأتي بيانه.
وأما البقية -كابن جملة، والحصني، وعلاء البخاري، ونحوهم- فهم في درجة أقلَّ علميًّا من السبكي وابن دقيق العقيد وابن حجر والسخاوي ونحوهم؛ ولذا لم يأبه بقولهم العلماء، ومن راجع تراجمهم عند السخاوي وغيره عرف منزلتهم الحقيقية، وعرف أنهم كانوا يُعرفون بسلاطة اللسان والكلام في الناس، ويذمون الحنابلة بإطلاق وبنفس درجة ذمِّهم لابن تيمية، بينما يوهِم المعاصرون تدليسًا أنَّ مَن تكلموا في ابن تيمية من أكابر أهل العلم المنصفين، وهذا فيه تلبيس وإيهام، واستسمان ذات أورام؛ لأن التترس بأقوال الغلاة المُهدر قولهم ليس من الأمانة العلمية في شيء.
فأما ابن جملة: فيقول الإمام الذهبي: “وبلغني أنه حضر عنده [أي: القونوي] ابن جملة، وحطّ على كلام الشيخ تقي الدين، فقال القونوي الفاضل -بالتُّركي-: هذا ما يَفهمُ كلام ابن تيمية، لو فهم لما قال هذا”([1]).
وقد جرى حبس ابن جملة، وعُزِل من منصبه، وعلق المؤرخ أبو الفداء -ملك حماة- على ذلك بقوله: “فكان الناس يرون أن حادثة القاضي وحبسه بالقلعة بقيامه على ابن تيمية جزاءً وفاقًا”([2]).
وقد ذكر البرزالي بأنه لم يمتنع عن جنازة ابن تيمية إلا ثلاثة -منهم ابن جملة- خافوا على أنفسهم أن يُهلكهم الناس، ثم قال: “فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قُتلوا وأَهلكهم الناس”([3]).
فلم يكن ابن جملة من الأكابر، ولا ممن يعوَّل عليه.
فأما تقي الدين الحصني: فقد حمل عليه العلماء في تراجمهم وعاملوه بما هو أهله، ومن ذلك ما ذكره ابن حجر في الإنباء: “وأخذ عن الصدر الياسوفي، ثم انحرف عن طريقته، وحطَّ على ابن تيمية، وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة… -إلى أن قال:- يطلق لسانه في القضاة وأصحاب الولايات”([4]).
ونقل السخاوي أيضًا أن الحصني لما دخل حلب جعل يتحاشى لقاء سبط ابن العجمي المعروف بالبرهان محدّث حلب، ونقل قوله: لعلك التقيّ الحصني! فقال: أنا أبو بكر. ثم سأله عن شيوخه فسماهم له، فقال له: إن شيوخك الذين سمَّيتهم هم عبيد ابن تيمية، أو عبيد من أخذ عنه، فما بالك تحطّ أنت عليه؟! فما وسع التقي إلا أن أخذ نعله وانصرف ولم يجسر يرد عليه([5]).
ونقل السخاوي أيضًا عن النجم بن حجي أنه رآه وهو جالس على مكان مرتفع يشبه الإيوان العالي، ولكن رآه مُقعدًا، قال: وخطر لي أن ذلك بسبب إطلاق لسانه في الناس([6]).
ويقول الحافظ السخاوي أيضًا ناقلًا عن المقريزي: “كان شديد التعصب للأشاعرة، منحرفًا عن الحنابلة انحرافًا يخرج فيه عن الحدّ، فكانت له معهم بدمشق أمور عديدة وتفحّش في حقّ ابن تيمية وتجهر بتكفيره من غير احتشام، بل يصرح بذلك في الجوامع والمجامع بحيث تلقَّى ذلك عنه أتباعه، واقتدوا به جريًا على عادة أهل زماننا في تقليد من اعتقدوه، وسيعرضان جميعًا على الله الذي يعلم المفسد من المصلح، ولم يزل على ذلك حتى مات عفا الله عنه”([7]).
وقال ابن قاضي شهبة في ترجمته: “وكان أشعريًّا منحرفًا على الحنابلة، يطلق لسانه فيهم، ويبالغ في الحط على ابن تيمية”([8]).
أما علاء الدين البخاري:
فقد كان من الغلاة الذين حذَّر منهم العلماء؛ لأنه طعن في الإمام محيي الدين النووي بسبب اختلاف المذهب، وقال عنه: “لا يجوز النَّظر في كتبه، وإنه رجل ظاهري”([9]). فحسبك برجل طعن في النووي، فكيف لا يطعن في ابن تيمية؟!
وقال الحافظ ابن حجر: “وفي رجب كائنة القاضي سراج الدين الحمصي بطرابلس مع الشيخ شمس الدين ابن زهرة شيخ الشافعية بطرابلس، وذلك أنه بلغه ما وقع بين علاء الدين البخاري والحنابلة في أمر الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأن البخاري أفتى بأن ابن تيمية كافر، وأن من سماه شيخ الإسلام يكفر، فاستفتى عليه بعض من يميل لابن تيمية من المصريين، فاتفقوا على تخطئته في ذلك وكتبوا خطوطهم، فبلغ ذلك الحمصي فنظم قصيدة تزيد على مائة بيت بوفاق المصريين، وفيها أن من كفر ابن تيمية هو الذي يكفر”([10]).
قال السخاوي: “ثم صَار يُصَرح فِي مَجْلِسه بِأَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام فَهُوَ بِهَذَا الْإِطْلَاق كَافِر، واشتهر ذَلِك، فَانْتدبَ حَافظ الشَّام الشَّمْس بن نَاصِر الدّين لجمع كتاب سَمَّاهُ: (الرَّد الوافر على من زعم أَن من أطلق على ابْن تَيْمِية أَنه شيخ الْإِسْلَام كَافِر)، جمع فِيهِ كَلَام من أطلق عَلَيْهِ ذَلِك من الْأَئِمَّة الْأَعْلَام من أهل عصره من جَمِيع أهل الْمذَاهب سوى الْحَنَابِلَة، وَذَلِكَ شَيْء كثير، وَضَمّنَهُ الْكثير من تَرْجَمَة ابْن تَيْمِية، وَأرْسل مِنْهُ نُسْخَة إِلَى الْقَاهِرَة، فقرظه من أئمتها شَيخنَا [يعني: ابن حجر] وَالْعلم البُلْقِينِيّ والتفهني والعيني والبساطي بِمَا هُوَ عِنْدِي”([11]).
وقال الشوكاني: “قال المقري فِي عقوده: كَانَ يسْلك طَرِيقا من الْوَرع، فيسمح فِي أَشْيَاء يحملهُ عَلَيْهَا بعده عَن معرفَة السّنَن والْآثَار وانحرافه عَن الحَدِيث وَأَهله، بِحَيْثُ كَانَ ينْهَى عَن النظر فِي كَلَام النووي وَيَقُول: هُوَ ظَاهري، ويحضّ على كتب الغزالى. انْتهى. ومن هَذِه الْحَيْثِيَّة قَالَ فِي ابْن تَيْمِية مَا قَالَ، وَلَيْسَ فِي علم إنسان خير إِذا كَانَ لَا يعرف علم الحَدِيث وَإِن بلغ فِي التَّحْقِيق إِلَى مَا ينَال”([12]).
والقصد مما سبق: معرفة درجات الأئمة الذين تكلموا في ابن تيمية، وأن من تكلّم في ابن تيمية من السابقين بسوء لم يُعوِّل عليهم العلماء -كما قال ذلك الحافظ ابن حجر وغيره- بل وصفوهم بالغلو، وانبرَوا للرد عليهم، وأفتى الإمام الأذرعي الشافعي بتعزيرهم وحبسهم -وسيأتي كلامه-، بل قد أفتى بعض العلماء أن الذي يُكِّفر ابن تيمية هو الذي يكفر ويخرج من الملة، منهم الحمصي والبدر العيني وغيرهما.
وقد أظهرَ مقالاتِ هؤلاء الغلاة من جديد بعض الأشعرية في العصور الحديثة كالشيخ الكوثري وغيره، وحاول طبع كتبهم من جديد بعدما حذَّر منها علماء الأمة.
سادسًا: بيان موقف التقي السبكي وتلامذته:
زعم بعض المعاصرين أن التقي السبكي كفَّر ابن تيمية، وهذا الكلام بعيد كل البعد عن الحقيقة العلميّة؛ فالسبكي -مع الاختلاف معه- كان من أورع الناس عن التكفير، وقد ترجم الذهبي وابن حجر وغيرهما للتقي السبكي ولم يذكروا أنه كفَّر ابن تيمية، ومعلومة محورية كهذه لا يمكن أن تفوتهم دون ذكرٍ لها.
وإنما قد يقول السبكي كلمة -في معرض الانفعال والرد- هي إلزامٌ لمذهب ابن تيمية، من جنس وصف ابن تيمية للمتكلمين بأن مذهبهم هو الإلحاد، وأنهم يتَّبعون أصول اليونان، ولا يعرفون دين التوحيد الذي بعث الله به رسله، ونحو ذلك من العبارات الإلزامية، ومعلوم أن ابن تيمية لا يكفِّرهم، فكذلك الأمر في السبكي معه.
وشدّة العبارة عند التقي السبكي -سواء على شيخ الاسلام أو تلميذه ابن القيم- ما هي وليدة اللحظة في الرد والمناظرة، وإلا فالسبكي لم يظلّ على حاله طيلة عمره، بل رجع عن قوله -كما سيأتي- ولقد أكثر التقي السبكي من النقل عن ابن تيمية في كتابه (السيف المسلول على من سب الرسول) الذي ألفه على غرار (الصارم المسلول)، ولو أنه يكفره لم يكن لينقل عنه حرفًا واحدًا، حتى في كتابه (شفاء السقام) الذي هو ردٌّ عليه، كان يناقشه مناقشة علمية دون تعرضٍ لشخص ابن تيمية.
وقد ذكر المؤرخون أنه ما تخلف أحد من العلماء عن جنازة ابن تيمية إلا نفر كانوا منبوذين، وخافوا أن يحضروا حتى لا يفتك بهم العامة، وواضح أن الغائبين لم يكونوا من الكبار أو المشاهير، وقد حدَّد البرزالي أسماء من تخلفوا ووصفهم بأنهم (من الصغار).
قال الحافظ ابن كثير نقلًا عن علم الدين البرزالي: “ولم يتخلَّف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدّرات، وما علمت أحدًا من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلّف عن الحضور في جنازته، وهم ثلاثة أنفس، وهم: ابن جملة، والصدر، والقفجاري، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته، فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم، بحيث إنهم علموا أنهم متى خرجوا قُتلوا وأهلكهم الناس، وتردّد شيخنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيام الثلاثة، وكذلك جماعة من علماء الشافعية، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكبا على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله”([13]).
فلو كان ابن تيمية شخصية جدلية -عند كبار أهل العلم- لما وصف البرزالي مخالفيه الذين تخلَّفوا عن جنازته بهذه الأوصاف.
رجوع السبكي عن ذمّ ابن تيمية:
زعم بعض الناس أنّ ذمَّ ابن تيمية هو ما استقرّ عليه أمر السبكي، والحقُّ أن التقي السبكي بعد وفاة ابن تيمية رجع عن ذمه له؛ وذلك لما عاتبه الحافظ الذهبي في رأيه فيه؛ لأن التقي السبكي كان ممن يُجلّ الحافظ الذهبي، وقد أثبت رجوعَ السبكي وأن هذا آخر حاله جماعة من أهل العلم، منهم ابن حجر في الدرر الكامنة، وابن ناصر الدين الدمشقي في الرد الوافر، وابن رجب في ذيل الطبقات، وابن العماد في شذرات الذهب، وغيرهم.
يقول الحافظ ابن حجر: “وكتب الذهبي إلى السبكي يعاتبه بسبب كلام وقع منه في حق ابن تيمية، فأجابه، ومن جملة الجواب: وأما قول سيدي في الشيخ تقي الدين فالمملوك يتحقَّق كبير قدره وزخارة بحره وتوسّعه في العلوم النقلية والعقلية وفرط ذكائه واجتهاده وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان”([14]).
وقد استبعد بعض المعاصرين صدور هذا من التقي السبكي، ونسبوه إلى ابنه التاج، وهذا الكلام غلط من قائله، فالعلماء نسبوه للتقي السبكي وليس للتاج السبكي.
ويقول الحافظ ابن رجب: “ومما وجد في كتابٍ كتبه العلامة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين -يعني ابن تيمية-: أما قول سيدي في الشيخ فالمملوك…” وذكره([15]).
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي بعدما نقل قول بهاء الدين السبكي: “والله يا فلان لا يبغض ابن تيمية إلا جاهل” قال: “فكيف هذا لو سمع مما صحت به الرواية عن شيخ الإسلام تقي الدين السبكي من مدحه لابن تيمية لطار فرحا من السرور، ولأنشد متمثلا بذلك البيت المشهور:
ومليحة شهدت لها ضراتها *** والفضل ما شهدت به الأعداء”([16])
وأما ابنه التاج السبكي فلا يذكر ابن تيمية إلا بخير؛ لأنه من طبقة شيوخه، ومن ذلك أنه لما أراد أن يدلّل على مسألة قال: “وهو رأي الشيخ الإمام الوالد -تغمده الله تعالى برحمته-، والشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية”([17]).
وقال السبكي الابن أيضًا: “وأما الحافظ أبو الحجاج المزي فلم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلا له -أي: لوالده تقي الدين السبكي-، وللشيخ تقي الدين ابن تيمية، وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر”([18]).
ويقول مرعي الكرمي: “ولقد افتخر قاضي القضاة تاج الدين السبكي رحمه الله في ترجمة أبيه الشيخ تقي الدين السبكي في ثناء الأئمة عليه بأن الحافظ المزي لم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلا لأبيه وللشيخ تقي الدين ابن تيمية وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، فلولا أن ابن تيمية في غاية العلو في العلم والعمل ما قرن ابن السبكي أباه معه في هذه المنقبة التي نقلها، ولو كان ابن تيمية مبتدعا أو زنديقا ما رضي أن يكون أبوه قرينا له. نعم قد نُسب الشيخُ تقي الدين ابن تيمية لأشياء أنكرها عليه معاصروه، وانتصب للرد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في مسألتي الزيارة والطلاق، وأفرد كلًّا منهما بتصنيف، وليس في ذلك ما يقتضي شينَه أصلًا، وكل أحد يؤخَذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر -يعني النبي ﷺ- والسعيد من عدَّت غلطاته وانحصرت سقطاته”([19]).
الصلح بين التقي السبكي وابن القيم:
بعد موت شيخ الإسلام ابن تيمية اشتدَّ الخلاف بين السبكي وابن القيم، لا سيما بعد أن كتب ابن القيم قصيدته النونية المسماة (الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية)، ونقم عليه أيضًا فتواه بفتيا الطلاق، ولكن حصل الصلح بينهما قبل موت ابن القيم بعامٍ واحد.
قال الحافظ ابن كثير في أحداث 750هـ: “وفي يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الآخرة حصل الصلح بين قاضي القضاة تقي الدين السبكي وبين الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، على يد الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب”([20]).
وتوسُّطُ العلماء المُحايدين بين ابن القيم والسبكي دليل على أنهما عندهم من جملة أئمة هذا الدين، إذ لا يضطر السبكي وغيره إلى مثل هذا الصنيع مع أتباع ابن عربي وابن سبعين وأشباههما.
تلاميذ تقيّ الدين السبكي:
إذا كان المخالفون يتترّسون بالخلاف الحاصل بين ابن تيمية والسبكي ويجعلونه تكأة لإثبات أن ابن تيمية شخصية جدلية مُختلفٌ فيها، نقول لهم: لماذا لم يأخذ تلاميذ السبكي بقول شيخهم في ابن تيمية؟!
الواقع أن أحدًا من تلامذة السبكي الفحول لم يتابعه على قوله، بل علماء تلك الفترة -المشهود لهم بالإمامة- ليس فيهم من ذم ابن تيمية، لا من تلامذة السبكي ولا غيره، بل الجميع أقروا بإمامته وسمَّوه شيخ الإسلام وإن خالفوه في مسائل.
ومن أمثلة تلامذة السبكي:
1- الشهاب الأذرعي:
شهاب الدين الأذرعي أحد كبار تلامذة السبكي، وأحد أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، ذهب إلى عقوبة من يقع في شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول رحمه الله: “الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحد أئمَّة الإسلام الأعلام، وكان رحمه الله بحرًا من البحور في العلم، وجبلًا شامخًا لا يختلف فيه اثنان من أهل العصر، ومن قال خلافَ ذلك فهو جاهلٌ أو معانِد، مقلدٌ لمثله، وإن خالف الناسَ في بعضِ مسائلَ فأمره إلى الله تعالى. والوقيعة في أهل العلم -ولا سيّما أكابرهم- من كبائر الذنوب… -إلى أن قال:- ويُثاب وليُّ أمور المسلمين -أيده الله تعالى- على زَجْر هذا المعتدي الظالم لنفسه ولغيره. وكأنَّ المسكين المفتون لم يبلغه قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبّوا الأموات؛ فإنهم قد أفْضَوا إلى ما قدّموا»، وغير ذلك مما جاء من التحذير من الوقيعة في أعراض آحاد الناس، فكيف في أكابر العلماء؟! وكأنه لم يبلغه قول بعضهم للرَّبيع بن خُثَيم: ما نراك تَعِيب أحدًا! فقال: لستُ عن نفسي براضٍ فأتفرّغ من عيبها إلى عيب غيرها. وقد قال بعض الأئمة: لي في عيوب نفسي شُغْل عن عيوب الناس. والله سبحانه وتعالى أعلم”([21]).
2- السراج البلقيني:
الإمام سراج الدين البلقيني -أجلّ تلامذة السبكي وأحد شيوخ الحافظ ابن حجر-، كان يُسمِّي ابن تيمية بشيخ الإسلام، قال ابن ناصر الدين: “شيخ الإسلام سراج الدين أبو حفص البلقيني، ذكر في بعض دروسه مسألة لم يرها لغيره، فاستطرد وحكى فيما ذكره لي بعض من كان حاضرا من الأئمة، قال: سمعته يقول: كان شيخ الإسلام ابن تيمية مرة يلقي درسا، فذكر مسألة قال عنها: هذه مسألة ليست في كتاب”([22]).
وقد قرأ الحافظ ابن حجر (الرد الوافر) المتضمن كلام البلقيني السابق وأقرَّه عليه، ولو أنه يعلم خلاف ذلك عن شيخه البلقيني لنبَّه على ذلك.
3- صلاح الدين الصفدي:
أحد كبار تلامذة السبكي وملازميه، وقد قرأ عليه كتاب (شفاء السقام)، ومدح تصنيفه ردًّا على ابن تيمية([23]).
ولم يمنعه ذلك من الثناء على ابن تيمية، يقول الصفدي رحمه الله: “وعلى الجملة فكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مائة سنة، وهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، وشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، وقلت في ذلك:
ثلاثة ليس لهم رابع … فلا تكن من ذاك في شكّ
وكلُّهم منتسبٌ للتُّقى … يقصُر عنهم وصفُ من يحكي
فإن تشأْ قلت ابن تيمية … وابن دقيق العيد والسبكي([24])
4- بهاء الدين الإخميمي:
هو أحد تلامذة السبكي، وصاحب الرسالة المشهورة (الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها). وعلى عكس ما هو شائع عند طلاب العلم، فالإخميمي من المُحبين لابن تيمية، ومن معظميه، ويُسمّيه بشيخ الإسلام، وسمَّى رسالته: (رسالة في الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية)([25]).
هكذا عنوان هذه الرسالة في المخطوط، وقد حذف د. سعيد فودة عبارة “شيخ الإسلام” من العنوان في المطبوع؛ بدعوى أنه من المحتمل أن تكون من كتابة بعض النُسَّاخ القدامى أو من محبِّ الدين الخطيب. وحتى لا يُتَّهم بالخيانة العلمية نبَّه على تصرّفه في العنوان في مقدمة تحقيقه.
ودليل سعيد فودة: أن الإخميمي لم يُلقّب ابن تيمية في أثناء الكتاب بشيخ الإسلام قطّ، وإنما لقبه بالشيخ الإمام العالم العلامة في بداية كتابه، وأما في أثناء الكتاب فذكره بالشيخ ابن تيمية أو بالعلامة ابن تيمية. فهل هذه تُعَدّ قرينة كافية للتصرُّف في عنوان المخطوط؟! كلا، فكثيً من العلماء ذكروا ابن تيمية بالشيخ اختصارًا، كما يذكرون النووي في تراجمه بـ”الشيخ النواوي”، ولم يمنع ذلك تلقيبهم له بشيخ الإسلام.
ومن ذلك مثلًا شيخ الأزهر الدمنهوري (1192هـ) فقد ذكر ابن تيمية في كتابه (إقامة الحجة الباهرة على هدم كنائس مصر والقاهرة)، ذكر ابن تيمية في كل المواضع بالشيخ ابن تيمية، وأما في نهاية الكتاب فقد نقل عنه فتواه ولقَّبه الدمنهوري بشيخ الإسلام، وكان هو الموضع الوحيد الذي لقبَّه فيه بذلك.
ونخلص من ذلك: أن تلقيب ابن تيمية بالشيخ لا يمنع من تلقيبه بشيخ الإسلام، فهذه لا تُعارض تلك.
ويعترف سعيد فودة قائلًا: “والإمام الإخميمي في رسالته هذه عفُّ اللسان، مؤدَّب في ردِّه، فتجده مثلًا يلقِّب ابن تيمية بقوله: الشيخ الإمام العلامة، ثم يحاول أن يحمل قوله على أحسن المحامل التي يُمكن أن تُنزه ابن تيمية عن الاعتقاد بهذا القول الشنيع، بل ويُصحِّح لأتباع ابن تيمية ما أخطؤوا فيه من فهم كلام شيخهم، ويحاول شرح كلام ابن تيمية شرحًا صحيحًا يوافق مراده”([26]).
ورسالة الإخميمي هي ردٌّ على أحد أتباع ابن تيمية، حصلت بينه وبين الإخميمي خصومة في هذه المسألة، بينما حاول الإخميمي أن يتأوَّل لابن تيمية وأن يحمل كلامه محملًا حسنًا، وينزِّهه عن القول بقدم الحوادث، ويوضّح للمعترض أنه لم يفهم كلام شيخه. وبغض النظر عن مدى دقَّة الإخميمي في شرح كلام ابن تيمية، فالرسالة أقرب إلى إعذار ابن تيمية منها إلى الردّ عليه. فتأمل.
ومما سبق يتبيَّن: أن تلاميذ السبكي مدَحوا شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يتابع أحدٌ قولَ شيخه القديم، بل الكل مجمعون على إمامته وذمّ من يتكلَّم فيه.
سابعا: ابن حجر الهيتمي وردود العلماء عليه:
يحتج غلاة المعاصرين بقول ابن حجر الهيتمي في شيخ الإسلام ابن تيمية، والهيتمي على كونه متأخرًا فإنه قلَّد كلام السبكي ولم يعلَم برجوعه، وقد ردَّ العلماء من الأشاعرة وغيرهم على الهيتمي وأبطلوا قوله بالأدلة؛ لأنهم يعلمون أنه قول مهدور، وليس قولًا معتبرًا عند أهل العلم، وهي زلة من الهيتمي نرجو أنه معذورٌ فيها -إن شاء الله- لعدم اطلاعه على حقيقة مذهب ابن تيمية.
– رد العلامة المناوي على الهيتمي:
قال العلامة عبد الرؤوف المناوي الشافعي (1029هـ) في شرحه بعد سوقه لكلام ابن حجر في اتهامه لشيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم في إثبات حديث «أتاني ربي في أحسن صورة» ما نصه: “فقول ابن حجر غير مستقيم، أما أولًا: فلأنهما قالا: إن الرؤية المذكورة كانت في المنام، وهذه كتبهما حاضرة، وأما ثانيًا فلأنا نؤمن بأن له يدًا لا كيد المخلوق، فلا مانع من وضعها وضعًا لا يشبه وضع الخلوق، بل وضع يليق بجلاله، وعجبتُ من الشيخ ابن حجر كيف أنكر هذا مع وجود خبر الترمذي: «أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري! فوضع كفه بين كتفي، فوجدتُ بَردها بين ثندوتي -أي: ثديي- وتجلى لي علم كل شيء»“([27]).
– رد الشبراملسي على الهيتمي:
الشبراملسي الشافعي الأشعري (1087هـ) أحد كبار محققي الشافعية، صاحب الحواشي المعروفة في فقه الشافعية كحاشية (نهاية المحتاج) وغيرها.
يقول في (حاشيته) ردًّا على ابن حجر الهيتمي عند قول الهيتمي: “ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام السبكي”، فعلق الشبراملسي قائلًا: “ومن هنا تعلم أن أكثر ما في الجواب تحامُل؛ لما هو معلوم مما كان بين السبكي وبين ابن تيمية؛ ولذلك رد غير واحد على السبكي في ذلك، ومنهم: السيوطي، وترجم لابن تيمية ترجمة عظيمة، وأنه من الأئمة الحفاظ فراجعه، وحرره من (طبقات الحفاظ) له، وعبارة السيوطي في (طبقات الحفاظ) ما نصه: ابن تيمية الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد، الفقيه المجتهد، المفسر البارع، شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد بن المفتي شهاب الدين”([28]).
وفي موضع آخر في حاشيته على (شرح المواهب اللدنية) تحت حديث «فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أصابعه في صدري»، ونقل عن ابن تيمية كلاما في إثبات الحديث.
ثم نقل عن الحافظ أبي زرعة العراقي: “إن ثبت ذلك -أي: عن ابن تيمية- فهو رَجُلُهُ، وليس يلزم منه التجسيم”([29]).
– رد الملا علي القاري على الهيتمي:
ملا علي القاري (1014هـ) من تلاميذ الهيتمي، قال في (جمع الوسائل في شرح الشمائل): “قال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: إنه ذكر شيئا بديعا، وهو أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى ربه واضعا يده بين كتفيه أكرم ذلك الموضع بالعذبة. قال العراقي: لم نجد لذلك أصلا، قال ابن حجر [يعني: الهيتمي]: (بل هذا من قبيح رأيهما وضلالهما إذ هو مبني على ما ذهبا إليه، وأطالا في الاستدلال له، والحط على أهل السنة في نفيهم له، وهو إثبات الجهة والجسمية لله تعالى، ولهما في هذا المقام من القبائح، وسوء الاعتقاد ما تصم عنه الآذان ويقضى عليه بالزور والبهتان). أقول [أي: القاري]: صانهما الله تعالى من هذه السمة الشنيعة والنسبة الفظيعة، ومن طالع شرح (منازل السائرين) تبين له أنهما كانا من أكابر أهل السنة والجماعة، ومن أولياء هذه الأمة.. وعجبت من الشيخ ابن حجر كيف أنكر هذا مع وجود خبر الترمذي: «أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدرى! فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثنوتي -أي: ثديي- وتجلى لي علم كل شيء»“.
ثم نقل العلامة القاري شيئا من عقيدة الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله، ثم عقّب بقوله: “انتهى كلامه، وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف، فالطعن الشنيع والتقبيح الفظيع غير موجّه عليه ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ما نصه: وله تعالى يد ووجه ونفس، فما ذكر الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف”([30]).
– رد العلامة السفاريني على الهيتمي:
نقل الحديث العلامة السفاريني (1188هـ) في (غذاء الألباب) وكلام ابن القيم نقلًا عن ابن تيمية، ثم نقل تأييد أبي زرعة العراقي له، ثم رد على ابن حجر الهيتمي ردًّا قاسيًا.
قال السفاريني: “قال الإمام ابن القيم في الهدي: كان شيخنا أبو العباس بن تيمية رضي الله عنه يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة لما رأى رب العزة تبارك وتعالى فقال: يا محمد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري! فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض. الحديث رواه الترمذي وقال: إنه سأل البخاري عنه فصححه. قال شيخ الإسلام: فمن تلك الغداة أرخى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذؤابة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم. قال: وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم. قال: ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره. وقال الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ أبي الفضل العراقي -رحمهما الله تعالى- في تذكرته بعد أن ساق ما تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية: إن ثبت ذلك فهو رجُلُه، وليس يلزم منه التجسيم”([31]).
ثم قال السفاريني رادًّا على الهيتمي بقسوَة: “ورأيت بعض من أعمى الله بصيرته، وأفسد سريرته، وتشدَّق وصال، ولقلق في مقالته وقال: هذا على اعتقاده، وأخذ في الحط على شيخ الإسلام وتلميذه، وزعم أنه نصر الحق في اعتقاده، وهو مع ذلك هوى في مهاوي هواه، وله ولهما موقف بين يدي الله، وحينئذ تنكشف الستور، ويظهر المستور. وأما أنا فلا أخوض في حقّ من سلف، وإن كانت مقالته أقرب إلى الضلال والتلَف؛ لأن الناقد بصير. ولله عاقبة الأمور”([32]).
– رد إبراهيم الكوراني على الهيتمي:
تعقب الهيتميَّ الشيخُ إبراهيم الكوراني الشافعي الأشعري في (إفاضة العلام) بقوله: “أما إثبات الجهة والجسمية المنسوب إليهما فقد تبين حاله، وأنهما لم يثبتا الجسمية أصلًا، بل صرحا بنفيهما في غير ما موضع من تصانيفهما، ولم يثبتا الجهة على وجه يستلزم محذورًا، وإنما أَقرا قوله تعالى: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} على ظاهره الذي يليق بجلال ذات الله تعالى، لا الظاهر الذى هو من نعوت المخلوقين حتى يستلزم الجسمية.
وأما قول العراقي: لم نجد له أصلًا، ففيه أن ما ذكر ابن القيم ليس فيه أن ما عزاه لشيخه منقول حتى يتجه عليه أنه لا أصل له، وإنما فيه أن ما عزاه لشيخه إبداء مناسبة بديعة لإرخاء العذبة فهمها مما هو منقول، وهو الحديث الذى أخرجه جماعة منهم أحمد والترمذي وغيرهما، وصححوه: «إن الله تجلى لي في أحسن صورة»، وفي رواية: «أتاني الليلة ربي في أحسن صورة… -إلى أن قال:- فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بَرد أنامله بين ثدييَّ» الحديث. وإذا كان هذا فهمًا منه واستنباطًا لا نقلًا لم يرد عليه قول العراقي: ولم يجد له أصلًا. فالمناسبة التي أبداها ابن تيمية مناسبة صحيحة غير مستلزمة للتجسيم، ولا مبنية عليه أصلًا كما ظنه ابن حجر”([33]).
ومما سبق يتبيَّن ما يلي:
أولًا: الثناء على ابن تيمية وتسميته بشيخ الإسلام هو قول جمهور المتأخرين، بل يكاد يكون إجماعًا إلا ما كان من تقيّ الدين السبكي كسائر ما يحصل بين الأقران، وقد رجع عن قوله بشهادة ابن ناصر الدين وابن رجب وغيرهما، وقلَّده الهيتمي في المتأخرين ولم يعلم برجوعه، واعتبرها العلماء زلَّة منه.
ثانيًا: المنتقَد على ابن تيمية من معاصريه -وهو قليل- هو مسبوقٌ به، وقال بقوله الفحول، وهو في نطاق دائرة الفكر الإسلامي.
ثانيًا: المعاصرون من الأشعرية -أو أكثرهم- ممن يذمون ابن تيمية هم أتباع الغلاة الذين ذمَّهم جمهور علماء الأمة وأفتوا بعقوبتهم وتعزيرهم، أمثال الأذرعي وابن حجر والبدر العيني والسخاوي وغيرهم، بل هم غلاة في نظر السبكي أيضًا الذي استقر أمره على تعظيم ابن تيمية.
ومما سبق يتبيَّن فساد دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية، أو أنه شخصية قلِقة، أو أن خلافه من جنس خلاف ابن عربي الطائي ونحوه.
هذا، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) ذيل تاريخ الإسلام (ص: 333)، ونقله الحافظ في الدرر الكامنة (4/ 32).
([2]) المختصر في أخبار البشر (4/ 112).
([3]) البداية والنهاية (14/ 160).
([9]) الرد الوافر (ص: 21)، ونقل كلامه في النووي أيضًا المقري في عقوده. انظر: البدر الطالع، الشوكاني (2/ 138).
([13]) البداية والنهاية (14/ 160).
([14]) الدرر الكامنة (1/ 95). وانظر: شذرات الذهب، ابن العماد (6/ 244).
([15]) ذيل الطبقات الحنابلة (4325).
([16]) الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، مرعي الكرمي الحنبلي (ص: 58).
([17]) معيد النعم ومبيد السقم (ص: 24).
([18]) طبقات الشافعية (10/ 195).
([19]) الشهادة الزكية في ثناء العلماء على ابن تيمية (ص: 46).
([20]) البداية والنهاية (7/ 228).
([21]) سؤال ورد إلى الشيخ الأذرعي عن شيخ الإسلام؛ وهو ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام خلال سبعة قرون (1/ 119-120).
([23]) الوافي بالوفيات والأعيان (21/ 56).
([24]) أعيان العصر وأعوان النصر (1/ 154).
([25]) أعيان العصر وأعوان النصر (1/ 154).
([26]) مقدمة سعيد فودة لرسالة الرد على ابن تيمية للإخميمي (ص: 21).
([27]) نقله عنه صاحب جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (ص: 648).
([28]) حاشية الشبراملسي على الفتاوى الحديثية -مخطوط- (اللوحة: 64-ب). ونقله محمد أبو حيان في كُناشته.
([29]) حاشية الشبراملسي على شرح المواهب اللدنية -مخطوط- (الجزء الثاني/ اللوحة: 607-ب). ونقله محمود أبو حيان في كُناشته.
([30]) جمع الوسائل شرح الشمائل (ص: 208-209).














