لماذا يوجد الكثير منَ المذاهِب الإسلاميَّة معَ أنَّ القرآن واحد؟
مقدمة:
هذه الدعوى ممَّا أثاره أهلُ البِدَع منذ العصور المُبكِّرة، وتصدَّى الفقهاء للردِّ عليها، ويَحتجُّ بها اليومَ أعداءُ الإسلام منَ العَلمانيِّين وغيرهم.
ومن أقدم من ذكر هذه الشبهة منقولةً عن أهل البدع: الإمام ابن بطة، حيث قال: (باب التحذير منِ استماع كلام قوم يُريدون نقضَ الإسلام ومحوَ شرائعه، فيُكَنُّون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين وعَيْبهم بالاختلاف)([1]).
والاختلاف ليس ممَّا يُطعَن به في الإسلام، ونحن لا نُريد أنْ نُذكِّر السائل بحجْم الاختلاف في مذهَبه، إنْ كان مُبتدعًا منَ الرافضة أوِ المُعتزِلة ونحوهم، ولا حجْم الاختلاف في دِينه، إنْ كان نصرانيًّا أو يهوديًّا، وإنَّما نُجيب جوابًا علميًّا عامًّا نُبيِّن فيه الفَرق بين مراتب الاختلاف، مع بيان أسباب اختلاف العلماء.
وبناءً عليه؛ فإنَّ تحرير هذه المسألة يكون وفق منهج السلف الصالح في فَهْم الخلاف وضبطه، وهو ما يحرص مركز سلف على بيانه تأصيلًا ودفعًا للشبهات.
مركز سلف للبحوث والدراسات
أولًا: درجات الاختلاف والفرق بين الخلاف السائغ وغير السائغ:
الاختلاف ليس على درَجة واحدة؛ فمنه الاختلاف السائغ والاختلاف غيرُ السائغ، فمِنَ الاختلاف ما هو اختلافٌ سائغٌ، وهو ما لم يُخالِف نصًّا أو إجماعًا، والمُجتَهِد المُصيب في تلك المسائل له أَجْران، والمُجتَهِد المُخطئ له أجرٌ، وذلك كعموم المسائل المُختَلَف فيها بيْن الصحابة والتابِعين، ومَن بعدَهم من فقهاء الأمصار.
يقول النووي رحمه الله تعالى: (ولم يزل الخلافُ بين الصحابة والتابعين في الفروع، ولا يُنكرُ أحدٌ على غيره مُجتَهَدًا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا)([2]).
وهذا الاختلاف لم يُؤدِّ إلى فُرقة، ولا شَتاتٍ، ولا مُعاداة، ولا تقاطُع وتباغُض، فاختَلَف العلماء في فروع الأحكام، والنوافل التابِعة للفرائض، فكان لهم وللمسلمين فيه مَندوحةٌ ونَفَس وفُسحة ورَحمةٌ، ولم يَعِب بعضُهم على بعض ذلك، ولا كفَّره، ولا سبَّه، ولا لعَنه؛ فإنَّ الاختلاف السائغ لا يَبلُغ مَبلَغ الفُرقة إلا بسبب البَغيِ لا لمُجرَّد الاختلاف([3]).
ومنَ الاختلاف ما هو غيرُ سائغ، وهو ما خالَف النصَّ والإجماعَ، كاختلاف أهل السُّنة معَ الرافضة والجَهميَّة والقَدَريَّة.
فإنَّ أهل السُّنة يُجمِعون على الإقرار بالتوحيد وبالرسالة، وبأنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ، وبأنَّ القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوق، ومُجمِعون على أنَّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، وعلى أنَّ الله خالق الخير والشر ومُقَدِّرهما، وعلى أنَّ الله يُرى يومَ القيامة، وعلى أنَّ الجنَّة والنار مخلوقتانِ باقيتانِ ببقاء الله، وأنَّ الله على عرْشه بائنٌ من خَلْقه، وعِلمه مُحيط بالأشياء، وأنَّ الله قديمٌ، لا بدايةَ له، ولا نهايةَ، ولا غاية، بصفاته التامَّة، لم يَزِل عالِمًا، ناطقًا، سميعًا، بَصيرًا، حيًّا، حليمًا، قد عَلِم ما يكون قبلَ أنْ يكون، وأنَّه قدَّر المقادير قبل خَلْق الأشياء، ومُجمِعون على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلِي رَضيَ الله عنهم، وعلى تقديم الشيخَين أبي بكر وعُمر، وعلى أنَّ العَشَرة المُبَشَّرين في الجنَّة جَزمًا وحَتمًا، لا شكَّ فيه، ومُجمِعون على الترَحُّم على جميع أصحاب رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والاستغفار لهم، ولأزواجه وأولاده وأهْلِ بيته، والكَفِّ عن ذِكرهم إلا بخيرٍ، والإمساك وتَرْك النظر فيما شجَر بينهم([4]).
وكلُّ مَن خالَف في شيء من ذلك فقولُه بِدْعة وضَلالة.
وكذلك قطعيات الشريعة ومحكماتها، وما علم منها من الضرورة، فذلك مما لا يسع الخلاف فيه.
يقول شيخ الإسلام: (والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمتكلمون فيها -سواء اتفقوا أو اختلفوا- كلهم متفقون على الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ووجوب اتباعه، وأن الحلال ما حلَّله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم ووجوبَ تصديقهم واتباعهم فيما أوجبوه وحرموه.
والقائل منهم عن فعل: إنه حرام أو مباح أو واجب إنما يقول: إن الرسول حرمه أو أباحه أو أوجبه، ولو أضاف الإيجاب والتحريم والإباحة إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إليه ولم يكن من علماء المسلمين.
وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل سنيهم وبدعيهم، كلّهم متفقون على وجوب اتباع ما بلّغه الرسول عن الله، وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة المفسرة لمجمل القرآن. وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها، وهو فاسد من وجوه كثيرة.
ومن رد نصًّا إنما يردّه إما لكونه لم يثبت عنده عن الرسول، أو لكونه غير دالّ عنده على محلّ النزاع، أو لاعتقاده أنه منسوخ ونحو ذلك، كما قد بسطتُ الكلام فيه على ما كتبتُه في “رفع الملام عن الأئمة الأعلام”، وبينت أعذارهم في هذا الباب، وإن كان الواجب هو اتباع ما علم من الصواب مطلقًا)([5]).
ثانيًا: الاختلاف بين العلماء له أسبابٌ موضوعيَّة:
فلم يكُن الاختلاف بين أهل العلمِ لمجرَّد الهوى والتشهِّي، أو طلَبًا لحظوظ الدنيا منَ الرئاسة أوِ الجاهِ أوِ المال، بل له أسبابٌ موضوعيَّة.
وما أحسنَ قولَ شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر طائفة من أقوال العلماء: (وهؤلاء أهل العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرضٌ مع أحد، بل يرجّحون قول هذا الصاحب تارة، وقول هذا الصاحب تارة، بحسبِ ما يرونه من أدلة الشرع)([6]).
ويمكن إرجاع أسباب اختلاف العلماء إلى ما يأتي([7]):
السبب الأول: تعارُض الأدلَّة، وهو أغلَبُ أسباب الخلاف.
السبب الثاني: الجهْل بالدليل، وأكثر ما يَجيء في الأخبار؛ لأنَّ بعض المُجتَهِدين يَبلُغه الحديثُ فيَقضي به، وبعضهم لا يَبلُغه فيَقضي بخلافه.
السبب الثالث: الاختلاف في صِحة نقْل الحديث بعد بُلوغه إلى كلِّ مُجتَهدٍ، إلا أنَّ منهم مَن صَحَّ عنده فعَمِل بمُقتضاه، ومنهم مَن لم يصِحَّ عنده؛ إمَّا لقَدْح في سَنَده، أو لتَشديده في شروط الصحة.
السبب الرابع: الاختلاف في نَوع الدليل: هل يُحتَج به أم لا؟ وهذا السببُ أوجَب كثيرًا منَ الخلاف، وذلك كعمَل أهل المدينة، وهو حجَّةٌ عند مالكٍ فعَمِل بمُقتضاه، وليس حجَّةً عند غيره، فلم يَعمَلوا به، وكالقياس، وهو حُجَّة عند الجمهور، فعمِلوا به، وليس حُجَّة عند الظاهريَّة فلم يَعمَلوا به.
السبب الخامس: الاختلافُ في قاعدةٍ منَ الأصول يَنبَني عليها الاختلافُ في الفروع، كحمْل المُطلَق على المُقيَّد، وشِبه ذلك.
السبب السادس: الاختلافُ في القراءات في القرآنِ، فيأخُذ مُجتهِدٌ بقراءة، ويَأخُذ غيرُه بأُخرى، كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6]، قُرئ بالنصب فاقتَضى غَسلَ الرجْلَيْن؛ لعَطفه على الأيدي، وقُرئ بالخَفْض فاقتَضى مسحَهما؛ لعَطفه على الرؤوس، إلا أنْ يُتَأوَّل على غير ذلك. قال الطوفي: (واعلم أن الرافضة أكثر ما يتعرضون بأهل السنة في هذه المسألة، لقوة شبههم من الكتاب والسنة فيها)([8]).
السبب السابع: الاختلاف في الرِّواية في ألفاظ الحديث، كقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاة أُمِّه» رواه أبو داود والترمذي وصححه وغيرهم.
فقد رُويَ لَفظ «ذكاة» الثاني بالرفع، فأخَذ بمعناه مالكٌ والشافعيُّ، وبالنصْب فأخَذ بمعناه أبو حَنيفةَ، وبنى كل واحد منهم حكما بحسب فهمه.
السبب الثامن: اختلاف وجْه الإعراب مع اتِّفاق القُرَّاء في الرِّواية، مثل قوله عليه السلام: «أكلُ كلِّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ فأكلُه حَرامٌ» رواه مسلم، فبعضُهم جعَل الأكلَ مَصدرًا مُضافًا إلى المفعول، فحرَّم أكلَ السباع، وبعضُهم جعَله مُضافًا إلى الفاعل، بمعنى قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: 3]، فأجاز أكْلَ السِّباع.
السبب التاسع: كَوْن اللفظِ مُشتَرَكًا بيْن مَعنيَين فأكثرَ، فأخَذ بعضُ المُجتَهِدين بمعنًى، وغيرُه بمعنًى، كقوله تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، فحَمَلها مالكٌ والشافعيُّ على الأطْهار، وأبو حَنيفةَ على الحَيْض؛ لاشتراك اللفظ بين المَعنَيَين.
السبب العاشر: الاختلاف في حمْل اللفظ على العموم أوِ الخُصوص، مثل قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: 23]؛ هل يُحمَل على الزوجات والمملوكات، أو على الزوجات خاصَّةً؟
السبب الحادي عَشرَ: الاختلاف في حمْل اللفظ على الحقيقة أو على المَجاز.
والسبب الثاني عَشرَ: الاختلاف هل في الكلام مُضمَرٌ أم لا؟ كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، فحَمَله الجمهورُ على إضمارِ (فأفْطَر)، خلافًا للظاهريَّة.
السبب الثالث عَشرَ: الاختلاف هلِ الحُكم منسوخٌ أم لا؟ وهذا أوجَبَ كثيرًا منَ الخلاف.
السبب الرابع عَشرَ: الاختلاف في حمْل الأمر على الوجوب أو على النَّدْب؟ وهذا أيضًا أوجَبَ كثيرًا منَ الخلاف.
السبب الخامس عَشرَ: الاختلاف في حمْل النهي على التحريمِ أو على الكراهة.
السبب السادس عَشرَ: الاختلاف في فِعل النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هل يُحمَل على الوجوب، أو على النَّدْب، أو الإباحة؟
فهذه (16) سببًا للاختلاف بين الفقهاء، ذكَرها بعضُ أهل العلم([9])، ولم نستطرد في شرحها والتمثيل عليها، فإن المقصود بيان أن جميعَ هذه الأسباب عند التأمُّل لا يدُل على طعْن في الدين الإسلامي، ولا في حَمَلتِه ونَقَلَته.
وخلاصة القول:
أن الاختلاف بين العلماء ليس متعلِّقًا بأسباب ترجِع إلى تناقُض في النصِّ نفْسه، وإنَّما ترجِع إلى أسباب أُخرى، كعدَم بُلوغ الدليل، أوِ الاختلاف في قاعدة أُصوليَّة في فَهْمه، ونحو ذلك.
وقد أرجع بعض المعاصرين جميع تلك الأسباب إلى ثلاث: أسباب تعود إلى اللغة، وأسباب تعود إلى رواية السنن، وأسباب تعود إلى القواعد الأصولية وضوابط الاستنباط.
ثم إنَّ ثمَّةَ أصولًا للمسائل العِلمية والعمليَّة في دِين الإسلام، لا يسوغ الاختلافُ فيها، بل أجمَع عليها الصحابة والتابِعون، والمُخالِف فيها مُبتَدِع.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
ـــــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) «الإبانة الكبرى» (2/ 521).
([2]) «روضة الطالبين» (10/ 220).
([3]) «الاستقامة» لابن تيمية (1/ 31).
([4]) «الإبانة الكبرى» لابن بطة (2/ 557-558).
([5]) «الإخنائية» (ص: 214-215).
([6]) «منهاج السنة النبوية» (6/ 52).
([7]) كثرت الدراسات المعاصرة والرسائل العلمية التي أُفردت في دراسةِ سببٍ من أسباب اختلاف الفقهاء أو أكثر، وها هنا إشارة لبعضها: «نظرية التعقيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء» محمد الروكي، «أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» مصطفى سعيد الخن، «أثر اللغة في اختلاف المجتهدين» عبد الوهاب طويلة، «أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي» مصطفى ديب البغا، «أثر التعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله في اختلاف الفقهاء» الحسن بن علي الكوم، «أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء» ماهر ياسين الفحل، «أسباب اختلاف الفقهاء» عبد الله التركي، «الألفاظ المدرجة في أحاديث الكتب الستة وأثر ذلك في اختلاف الأئمة الأربعة: دراسة حديثية فقهية» عزت الجرحي.
وأما الكتب المتقدمة فأشهرها رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»، ورسالة الولي الدهلوي «الإنصاف لمعرفة أسباب الخلاف». والعلم عند الله.














