الأربعاء - 03 ذو الحجة 1447 هـ - 20 مايو 2026 م

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة 

مدخل:

من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 58، 59]، وقد كان كلامه صريحا في الكشف عن جهة التأسيس في ذلك فقال: «وهذه الرسالة مبنية على آيتين في كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا…. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ…﴾»[1]، وبيان ذلك في تفاصيل هذه الرسالة اللطيفة في بابها المسماة “السياسة الشرعية بين الراعي والرعية“، وقد أثار هذا الانتباه للنظر في مسالك “مصدرية” أخرى يمكن أن تكون استثارت مكنون هاتين الآيتين بطريقة مختلفة، وقد رأى مركز سلف للبحوث والدراسات أن يجعل ذلك عن طريق ما حرره العلامة الطاهر ابن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير“، ووُضِعت نتائج الدراسة في هذه الورقة العلمية المسماة: “العلاقة بين الحاكم والمحكوم: قراءة بلاغية من خلال التحرير والتنوير للعلامة الطاهر بن عاشور“.

تعد “السياسة” فرعا من الفلسفة العملية، إلى درجة أن علقت جدارية كبيرة للوحة “مدرسة أثينا” التي تصور اجتماعا كبيرا للفلاسفة من مختلف العصور في وجه ممثلي الشعب الفرنسي في “الجمعية الوطنية“، وقد كتب في هذا الفرع المتقدمون والمتأخرون من بني البشر في حضارات مختلفة، في الصين والهند، وفي اليونان، ثم في فرنسا وبريطانيا، ثم تواترت الكتابات في ذلك إلى “التخمة“، وكان المقصد من ذلك هو استنباط قوانين يحسن بها “تدبير” الدولة ضمن أخلاق عملية ناظمة للمصالح والقيم، ومن أشهر من نظّر لهذا جون جاك روسو، الذي كتب في “عقده“: «أريد البحث عن إمكان وجود قاعدة إدارية شرعية صحيحة في النظام المدني عند النظر إلى الناس، كما هم عليه وإلى القوانين كما يمكن أن تكون عليه، وسأحاول أن أمزج دائما بين ما يبيحه الحق وما تأمر به المصلحة، وذلك لكيلا يفصل بين العدل والمنفعة مطلقا»[2].

وقد كان الكتاب قائما على إيجاد عقد يقوم على تحقيق المبدأين: المنفعة والمصلحة مع العدل في ذلك، وهذا هو روح القوانين أو روح الشرائع عند مونتسكيو، وعليهما بنى أصل رعاية نوعي الحقوق في الدولة، قفال: «والناس إذ هم عائشون في مجتمع يجب حفظه تكون لهم قوانين سائدة لصلة الحكام بالرعية، وهذه هي الحقوق السياسية، ويكون للناس أيضا من القوانين ما يسود صلة جميع الأهلين فيما بينهم وهذه هي الحقوق المدنية»[3]، فسواء تعلق الأمر بالعلاقة بين الراعي والرعية أو بين أفراد الرعية، فهناك قوانين وضعت لحفظ المصالح في محفظة العدل.

المصطلحات الأصول في هذا البحث:

إن المعرفة المصطلحية من أهم ما ينبغي الاشتغال به تأسيسا ودفعا، أما دفعا فإن للأمة حدودا اصطلاحية تحمي بها نفسها من كل مصطلح طارئ يهدم جزءا من البناء المفهومي للشريعة، وأما التأسيس فإن المصطلح القرآني أس لكل انطلاقة حضارية لما يحتمله من زخم كبير من المفاهيم النفسية والاجتماعية والتاريخية وغيرها. فالمصطلح القرآني -وهو المصطلح الأم- مصطلح محكم في بنيته اللغوية، مبين ومفصل المعنى في مفهومه… ويكفي أن معرفة المصطلح القرآني شرط في تحصيل العلوم القرآنية… قال الراغب الأصفهاني في مقدمة المفردات: «إن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية.. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة.. فتحصيل معاني ألفاظ القرآن…»[4].

وأما في خصوص هذا البحث، فيمكن معرفة طبيعته وأهميته بملاحظة المصطلحات المستعملة في نصه، لأنه عليها مدار البناء المفاهيمي، ولأنها أركان الخطاب ومحددات المجال، واعتبار هذا الضابط يكشف عن محل مثل هذا البحث من تفسير الطاهر ابن عاشور، فيكفي استعراض ذلك النوع من النص العاشوري لتأكيد هذا، فمنها العقل والعلم والشريعة، والأمانة والعدل، والولاية والمصلحة والأمة، والحكام والأمير والوالي، والرعية والنظام والتدبير، وغيرها، وهذا كاف لبيان الوجهة التي ولاها الطاهر ابن عاشور في تحليل مضمون الآيتين وتركيب النموذج القرآني للعلاقة بين الراعي والرعية.

الراعي والرعية والرعاية:

يسخر بعض العلمانيين من استعمال عبارات “الراعي” و”الرعية” في التراث السياسي الإسلامي، زاعمين أنه الدليل على أن نظرة الإسلام إلى الشعوب نظرية احتقار لأنه يعتبرهم خرفانا تساق وترعى، ولم ينتبه هؤلاء إلى أن أصل المعاني المضمنة في “الراعي” و”الرعية” راجعة إلى مفهوم “الرعاية” عن قرب، لا “الرعي“، والأول أعم، والثاني أخص، أخص برعاية البهائم في إخراجها إلى المواضع التي تجد فيها علفها النابت في الأرض، وحفظها من المعتدين، وقد نبه الراغب الأصفهاني على أن هذا المعنى مجعول «للحفظ والسياسة، قال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوهَا ‌حَقَّ ‌رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27] أي: ما حافظوا عليها حق المحافظة، ويسمى كل سائس لنفسه أو لغيره راعيا»[5]، ومعنى الحفظ موجود في الرعي، لأن إثباته في الأعم يستلزم إثباته في الأخص، ولذلك قال الطاهر ابن عاشور: «والرعي الحفظ، أي: ما حفظوها حق حفظها، واستعير الحفظ لاستيفاء ما تقتضيه ماهية الفعل»[6]، ومما ينتقد على الشيخ الطاهر هنا أنه مال عن الكلمة القرآنية الواردة في الآية -وهي “الرعاية“- ميلا غير مستساغ إلى كلمة “الرعي“.

يثير انتباه القارئ ربط الراغب بين “الرعاية والحفظ” و”السياسة“، وهو ربط مطابقة، فالسياسة مبنية على رعاية مصالح المسوس، وقد صح في الحديث: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء»[7]، أي: تقوم على رعاية وحفظ وإقامة مصالحهم أنبياؤه، ولا يكون ذلك إلا عن طريق عقد وعهد بين الطرفين.

العقد بين الحاكم والمحكوم:

الأصل في هذا آيات من كتاب الله، وأقتصر منها هنا على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة: 1] لأنها أشمل وأعم، وهي أصل من أصول الباب، قال العلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «التعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها ربّهم وهو الامتثال لِشريعته، وشَمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين، ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم»[8]، وقبله قال ابن العربي المالكي: «وربط العقد تارة يكون مع الله، وتارة مع الآدمي، وتارة بالقول، وتارة بالفعل»[9]، وقد لاحظ بعض العلماء -واعتبره الآلوسي من المتأخرين- في العقد بهذا المفهوم معنى الإلزام، فقال الآلوسي: «واختار بعض المفسرين أن المراد بها ما يعم جميع ما ألزمه الله تعالى عباده وعقد عليهم من التكاليف والأحكام الدينية، ‌وما ‌يعقدونه ‌فيما ‌بينهم ‌من ‌عقود ‌الأمانات ‌والمعاملات ونحوهما مما يجب الوفاء به، أو يحسن دينا، ويحمل الأمر على مطلق الطلب ندبا أو وجوبا، ويدخل في ذلك اجتناب المحرمات والمكروهات لأنه أوفق بعموم اللفظ، إذ هو جمع محلى باللام وأوفى بعموم الفائدة»[10]، ويعرفه العلماء بأنه: “ارتباط إيجاب وقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله“، فالعقد على هذا منشئ لالتزام من طرف واحد أو بين طرفين, وعليه قامت “نظرية الالتزامات” في القوانين المدنية الوضعية الحديثة التي راعت جانب الإرادة والإلزام والحق بين أصحابه وأولي الأمر.

أولو الأمر عند ابن عاشور:

يحقق الطاهر ابن عاشور معنى أولي الأمر في الآية بكونهم «من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضا أهل الحل والعقد»[11].

أولو الأمر إذن أصناف: الخليفة، وأقل منه الملك والأمير، وولاة الأمصار وقواد الجيش والفقهاء، وكل هؤلاء يجمعهم شيء واحد، وهو “إسناد تدبير شؤون الرعية” كلا أو بعضا، وكانت عبارة الطاهر ابن عاشور: «فأولو الأمر من الأمة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شئونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذوو الأمر وأولو الأمر، ويقال في ضد ذلك: ليس له من الأمر شيء»[12]، فخاصتهم إذن أنهم “المسند إليهم” ذلك و”المعتمد عليهم” فيه، ولذلك أضيف الأمر والشأن الذي هو “تدبير الشؤون” إليهم، فهي علاقة إسناد للتدبير ووكالة بالإدارة.

باطنية العلاقة بين الحاكم والمحكوم:

يصف الطاهر ابن عاشور العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها “استئمان” على رعاية مصالح المحكوم، وذلك هو أداؤها، ويستعمل عبارة “الإسناد“، وفي الحديث: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة»، قالوا: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»[13]، وعبارة ابن عاشور كما سبق التنبيه عليه: «فأولو الأمر من الأمة ومن القوم هم الذين يُسند إليهم تدبير شؤونهم، ويعتمدون في ذلك عليهم فيصير الأمر كأنه من خصائصهم»[14]، فهي مصالح المحكوم يدبر أمرها الحاكم.

تقوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أمرين يعدهما الطاهر “قوام الأمة“، هما: تناصح الأمراء والرعية، وانبثات الثقة بينهم[15]، أما التناصح فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ فقال: «لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[16]، فنصيحة المحكوم للحاكم بطاعته وإعانته بالقول والعمل، ويتولى التصحيح والتنبيه والوعظ والتذكير نيابة عن الأمة من يسمون “أهل الحل والعقد“… وأما الثقة فأصل خطير، وترجع هذه الثقة إلى اعتقاد العدالة والأمانة في الحاكم المُوَلَّى، المسند إليه أمر رعاية مصالح الرعية المحكومة، وهذه الثقة تنتج المحبة بين الجهتين، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، قلنا: يا رسول الله، أفلا ننازعهم؟ قال: «لا، ما أقاموا الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية، ولا ينزعن يدا من طاعة»[17].

هي إذن علاقة مبنية على الثقة والتناصح المنتجين للمحبة بين الجهتين، فإذا تحققت المحبة قويت العلاقة وأثمرت إقامة كل طرف الواجب الذي عليه، وهو ما يعني قوة الدولة وصحتها وسريان دم التنمية فيها، ولضمان هذا لا بد من تحقيق جودة التدبير من الجهة الموكل إليها إقامة القوة السلطوية التنفيذية، ويكون ذلك باشتراط ما يؤهل هذه الجهة للقيام بهذا العمل.

شروط الراعي:

وضع العلماء متابعة لظواهر النصوص واستنباطا من بواطنها شروطا شرعية للراعي تؤهله وتصحح وكالته شرعا، باعتبارها الشروط الذاتية الطبيعية لسلامة التصرف والتدبير فـ «لمَّا أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أن أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معينة، وهم قدوة الأمة وأمناؤها، فعلمنا أن تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية»[18].

يُرجع الطاهر ابن عاشور في تصحيح ثبوت هذه الصفات في الشخص المرشح إلى جهة أعلى مستأمنة على “التعيين“، وهي “الخليفة” ومن يقاربه في مكانته، أو من جهة أدنى، وهي الرعية صاحبة الحق الموكلة له إن لم يكن من ينوب عنهم في ذلك، فإن التعيين داخل فيما تفوضه الرعية للراعي الأكبر من أمور تدبير “الأمر” و”الشأن” بعد أن تختاره أو تقره، ومدار تلك الشروط على ثلاثة أشياء، وهي صفة جامعة مركبة: الإسلام، والعلم، ويدخل تحته العقل، و”العدالة“، ونص الطاهر ابن عاشور: «وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إما الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلمين إذا لم يكن لهم سلطان، وإما صفات الكمال التي تجعلهم محل اقتداء الأمة بهم، وهي الإسلام والعلم والعدالة، فأهل العلم العدول: من أولي الأمر بذاتهم، لأن صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية، بل هي صفة قائمة بأربابها الذين اشتهروا بين الأمة بها، لما جرب من علمهم وإتقانهم في الفتوى والتعليم، قال مالك: أولو الأمر أهل القرآن والعلم، يعني: أهل العلم بالقرآن والاجتهاد»[19].

شرط العقل:

من لطيف إبداعات الطاهر ابن عاشور أنه جعل “العقل” أداة تصريف هذه الأخلاق العملية، وهي في باب السياسة آكد، فإنه قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: 72]: «ومعنى عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال يندرج في معنى تفسير الأمانة بالعقل، لأن الأمانة بهذا المعنى من الأخلاق التي يجمعها العقل ويصرفها»[20]، فالعقل هو المكلف بجمع الأخلاق السياسية وتصريفها تصريفا يقتضي تحقيق المقاصد الكبرى من الولاية على أمور الرعية، بإقامة مصالحها ودرء المفاسد عنها، وإزالة الضرر ورفع الضيق والحرج عنها، فيكون العقل هنا الشرط الأول في صلاحية “الراعي” للرعاية.

من فروع هذا أن من مقتضى العقل أن يكون الراعي الموكل له أمر تدبير الشأن العام -كما يقال- له علم بطرق ومسالك التدبير والإدارة، مؤهلا بالحكمة القاضية بوضع الشيء في موضعه، ويتوسع هذا باتخاذ المشورة لسد الخلل في هذه “القدرة العلمية“، ويدخل فيها العلم بالشرع، والقصد أن يكون عنده ما يعقله عن مخالفته، فيعتصم بمعرفة الأدلة وطرق النظر والاستشارة للفقهاء لتحصيل الإحسان عند النظر والعمل.

الأمانة والعلم:

قال الطاهر ابن عاشور عند تفسير عرض يوسف عليه الصلاة والسلام نفسه على العزيز ليجعله القائم على تنزيل تأويل رؤيا البقرات والسنبلات: «علّل طلبه ذلك بقوله: ﴿إِنِّي ‌حَفِيظٌ ‌عَلِيم﴾ [يوسف: 55] المفيد تعليل ما قبلها لوقوع (إنّ) في صدر الجملة، فإنه علم أنه اتصف بصفتين يعسر حصول إحداهما في الناس بله كلتيهما، وهما الحفظ لما يليه، والعلم بتدبير ما يتولاه، ليعلم الملك أن مكانته لديه وائتمانه إياه قد صادفا محلهما وأهلهما، وأنه حقيق بهما لأنه متصف بما يفي بواجبهما، وذلك صفة الحفظ المحقّق للائتمان، وصفة العلم المحققّ للمكانة»[21].

أما الأمانة فقد مر كشف محلها، وأما العلم فقد قرن بها، وخلاصة ابن عاشور من هذا أن من صفات الراعي المطلوبة “الأمانة والعلم”، ومن طريق الاقتران يفهم أن العدل فرع العلم مع الأمانة، وقد جعل الله العلم والعدل أساسي الأمانة، فقال: ﴿وَحَمَلَهَا ‌ٱلإِنسَٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا[الأحزاب: 72]، أي: أن سبب الخيانة الجهل والظلم، وهما نقيضا العلم والعدل، وتتبع شبكة الارتباطات بين هذه القيم يكشف عن وعورة السير في هذه المسالك، وعن خطورة الأمر، ولذلك لا يتكلم، بل لا يخوض فيه إلا الراسخون في العلم والإيمان.

قال الطاهر ابن عاشور: «فمعنى ﴿إِنَّهُ كَانَ ‌ظَلُومًا ‌جَهُولًا﴾ أنه قصّر في الوفاء بحق ما تحمله تقصيرًا: بعضُه عن عمْد وهو المعبر عنه بوصف ظلوم، وبعضه عن تفريط في الأخذ باسباب الوفاء وهو المعبر عنه بكونه جهولًا، فظلوم مبالغة في الظلم وكذلك جهول مبالغة في الجهل، والظلم: الاعتداء على حق الغير، وأريد به هنا الاعتداء على حق الله الملتزم له بتحمل الأمانة، وهو حق الوفاء بالأمانة، والجهل: انتفاء العلم بما يتعين علمه، والمراد به هنا انتفاء علم الإِنسان بمواقع الصواب فيما تحمل به، فقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ‌ظَلُومًا ‌جَهُولًا﴾ مؤذن بكلام محذوف يدل هو عليه، إذ التقدير: وحملها الإِنسان فلم يف بها، إنه كان ظلومًا جهولًا، فكأنه قيل: فكان ظلومًا جهولًا، أي: ظلومًا، أي: في عدم الوفاء بالأمانة، لأنه إجحاف بصاحب الحق في الأمانة أيًّا كان، وجهولًا في عدم تقديره قدر إضاعة الأمانة من المؤاخذة المتفاوتة المراتب في التبعية بها»[22].

العدل والأمانة في مقابل الطاعة:

استطاع الطاهر ابن عاشور أن يستخلص أجزاء العقد الاجتماعي والسياسي بين الراعي والرعية من مجموع من استخرجه من الآيتين ومقتضياتهما، فقد جعل الأمانة والعدل أساس الواجب المناط بالراعي، استحضر الواجب على الرعية له، وهي الطاعة، ثم ربط بين هذه الأجزاء الثلاثة ربطا محكما، جاعلا إقامة العدل وأداء الأمانة وفق ما حققه في مقابل طاعة الرعية للراعي المكلف بهما، بل جعل الطاعة واجبة، باعتبار أنه لا يمكن للراعي تحقيق المطلوب منه بالعدل والأمانة إلا بهذه الطاعة، فهذ عنده شرط إجرائي لتحققهما، ولذلك يقول في نص تحفة: «لما أمر الله الأمة بالحكم بالعدل، عقب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكام ولاة أمورهم، لأن الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشروع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أن الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف، ولهذا قال علي: (حق على الإمام أن يحكم بالعدل ويودي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا[23].

هذا نص كعود فاخر، يكاد يحترق من شدة ازدحام المعاني فيه، ولو لم تمسسه شرارة النظر، فقد بلغ فيه الطاهر ابن عاشور المدى البعيد في بيان “هندسة العقد الاجتماعي“، فإنه جعل طاعة ولاة الأمور تنفيذا للعدل، أي: أن مقتضى العدل من الراعي هو طاعة الرعية له، فبهم يكون العدل، ولهم، وهذا تنبيه مهم جدا، وهذا الذي يفسر سبب اشتراط الشرع طاعة الرعية للراعي في المعروف، لأن ذلك من طبيعة العلاقة بينهما في الأصل، فإنما أمرت الرعية بالطاعة لأجل أن يستطيع الراعي إقامة العدل وأداء الأمانة، ويزين الطاهر ابن عاشور هذا الكشف القرآني بملاحظة رائعة، وهي أن طاعة الرعية للراعي في ذلك هي في الأصل طاعة للشريعة التي بنت هذه العلاقة بينهما، وهو الوكيل بذلك، ونص كلام الطاهر ابن عاشور: «أمر الله بطاعة الله ورسوله، وذلك بمعنى الطاعة للشريعة، فإن الله هو منزل الشريعة، ورسوله مبلغها والحاكم بما في حضرته»[24]، فإن كانت الطاعة شرطا كونيا في حصول العدل والأمانة، فإنهما في نفس الوقت شرطان شرعيان في الطاعة، وهي دائرة عجيبة تجمع الشرطية الكونية والشرعية، وتنغلق انغلاقا محكما لأجل تحصيل المقصد الأكبر منها، وهو إقامة مصالح الدين والدنيا للرعية، ولذلك تميل نفسي إلى تصوير هذه العلاقة بالدائرة المغلقة، وكلها استمر دورانها حول نفسها اتسعت، ويمتلأ داخلها بتحقق المصالح للدارين.

العدل:

عرف الطاهر ابن عاشور العدل في سياق الآيتين بقوله: «العدل ضد الجور، فهو في اللغة التسوية، يقال: عدل كذا بكذا، أي سواه به ووازنه عدلا، ﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]، ثم شاع إطلاقه على إيصال الحق إلى أهله، ودفع المعتدي على الحق عن مستحقه، إطلاقا ناشئا عما اعتاده الناس أن الجور يصدر من الطغاة الذين لا يعدون أنفسهم سواء مع عموم الناس، فهم إن شاءوا عدلوا وأنصفوا، وإن شاءوا جاروا وظلموا، قال لبيد:

ومقسم يعطي العشيرة حقها *** ومغذمر لحقوقها هضامها

فأطلق لفظ العدل الذي هو التسوية، على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، وذلك فك الشيء من يد المعتدي، لأنه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين، فهو كناية غالبة، ومظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحق بأخذ حقه ممن اعتدى عليه، ولذلك قال تعالى هنا: ﴿وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ أَن تَحكُمُواْ بِٱلعَدلِ﴾ [النساء: 58]،  ثم توسعوا في هذا الإطلاق حتى صار يطلق على إبلاغ الحق إلى ربه، ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع.

والعدل مساواة بين الناس أو بين أفراد أمة في تعيين الأشياء لمستحقها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأول هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق.

فالعدل وسط بين طرفين، هما الإفراط في تخويل ذي الحق حقه، أي: بإعطائه أكثر من حقه، والتفريط في ذلك، أي بالإجحاف له من حقه، وكلا الطرفين يسمى جورا، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته، كإعطاء المال بيد السفيه، أو تأخيره، كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤتُواْ ٱلسُّفَهَاءَ أَموَٰلَكُمُ﴾ [النساء: 5] إلى قوله: ﴿إِن ءَانَستُم مِّنهُم رُشدا فَٱدفَعُواْ إِلَيهِم أَموَٰلَهُم﴾ [النساء: 6]، فالعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو حسن في الفطرة، لأنه كما يصد المعتدي عن اعتدائه، كذلك يصد غيره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى: ﴿لَا تَظلِمُونَ وَلَا تُظلَمُونَ [البقرة: 279]»[25].

هذا نص مليء مركز المعاني، قوي البناء، يحتاج إلى جهد لفكه وإعادة تركيبه، وليس هذا غريبا عن النص العاشوري، وهو ما يرفع قيمته ويشجع على وضع يد التحليل عليه، فقد أقام الطاهر ابن عاشور هذا التحقيق في معنى العدل في مجال “السياسة” على أصل بلاغي لطيف، فجعل الأصل في العدل “المساواة”.

ومن تفريعات الطاهر ابن عاشور المهمة أنه جعل العدل أصلا واجب الاعتبار في وضع الشرائع الأرضية سواء كان ذلك بإطلاق، أو كان ذلك في مجالات المصلحة المرسلة، وعبارته: «وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة تعين أن تسن الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرعين ومصطلحات المشرع لهم، على أنها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الأحوال»[26].

يقسم ابن عاشور إذن العدل الواجب على الحاكم إجرائيا إلى قسمين، عدل في تعيين الحقوق، وعدل في التنفيذ، وهما عند التحقيق مرحلتان، الأولى: تعيين أهل الحق وتعيين حقوقهم المستحقة لهم عند سن الشرائع التنظيمية، وهذا عمل ما يسمى اليوم “السلطتين التشريعية والقضائية“، ومعها المؤسسات والإدارات المساعدة، وأغلبها داخل في ما يسمى “وزارة الداخلية“، والثانية مرحلة تنفيذ ذلك وتنزيلها، وهذا عمل “الحاكم” و”حكومته” وتسمى لأجل ذلك “السلطة التنفيذية“.

الأمانة:

    يعرف الطاهر ابن عاشور الأمانة -وهي من الأخلاق السننية عنده والتي اعتبرها خلقا فطريا[27]– بطريقة بديعة، بعد تقسيمها إلى أمانة حسية وأمانة معنوية مثل أمانة الدين، والعلم، والحق، والنعمة[28]، فيربطها بأصلها الاشتقاقي، وهو ربط ذكي ومحكم فيقول: «والأمانة مصدر آمنه إذا جعله آمنا، والأمن اطمئنان النفس وسلامتها مما تخافه»[29]، و«الأمانة اسم لما يحفظه المرء عند غيره، مشتقة من الأمن لأنه يأمنه من أن يضيعها»[30]، فتكون النتيجة أن الأمانة حفظ للحقوق حفظا يوقع في قلوب أصحابها الإحساسَ بالأمن مما تخافه عليها، واطمئنانَ النفس بحفظها وعدم ضياعها.

وأما سننيتها فثمّ نص رائع للطاهر ابن عاشور يكشف فيه عن سننية خلق الأمانة ومتعلقاته الاجتماعية للدولة حاكما ومحكوما، والاقتصادية خاصة بطريقة حبيرة يقول فيه: «لأن المعاملات تعتمد الثقة المتبادلة بين الأمة، وإنما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط الناس للتعامل، فالمنتج يزداد إنتاجا وعرضا في الأسواق، والطالب من تاجر أو مستهلك يقبل على الأسواق آمنا لا يخشى غبنا ولا خديعة ولا خلابة، فتتوفر السلع في الأمة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويعيش الناس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختل حال الأمة بمقدار تفشي ضد ذلك»[31]، ويوسع متعلقاتها السننية فيقول: «وللأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين، ما ثبتوا عليها وتخلقوا بها، وهي دليل نزاهة النفس واعتدال أعمالها، وقد حذر النبيء صلى الله عليه وسلم من إضاعتها والتهاون بها، وأشار إلى أن في إضاعتها انحلال أمر المسلمين…»[32].

ومن بديع تنبيهاته أيضا أنه جعل الصدق وجها من وجوه الأمانة «لأن الكذبَ الخبرُ بأمر غير واقع في صورة توهم السامع واقع، فذلك خيانة للسامع، والصدق إبلاغ الأمر الواقع كما هو، فهو أداء لأمانة ما علمه المخبر»[33]، وهذا أيضا بديع، وسننيته بهذا ظاهرة تابعة لسننية الأمانة، وقد أكدت الملاحظة والدراسة أن «انتشار الأكاذيب داخل دولة ما قد يدمر كيانه ويضعف من استقرارها وأمنها الداخلي، فلا يمكن للدولة أن تستمر بكفاءة وفعالية إذا ظل أفرادها يكذب بعضهم على بعض طوال الوقت»[34]، وهذا الخطاب يسري على الحاكم والمحكوم معا، فعلى الحاكم أن يكون صادقا مع رعيته قولا وعملا، وكذلك الرعية، وإلا انهارت الثقة وضعف الرابط الحيوي بينهما، وانقلب كل طرف على الآخر، فتفشل الدولة وتنحل عراها وتذهب ريحها.

الفرق بين خطاب العدل وخطاب الأمانة:

من لطائف القراءة البلاغية العاشورية في هذا أنه لاحظ الفرق بين أمر الشرع بالعدل وأمره بالأمانة، فقد انتبه إلى أن خطاب العدل خطاب مقيد، بخلاف الأمانة، فإن خطابها كان مطلقا، فقال: «وإنما قيد الأمر بالعدل بحالة التصدي للحكم بين الناس، وأطلق الأمر برد الأمانات إلى أهلها عن التقييد، لأن كل أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة لغيره، لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات، الشامل لما يجب على المرء إبلاغه لمستحقه كما تقدم، بخلاف العدل، فإنما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس، وليس كل أحد أهلا لتولي ذلك، فتلك نكتة قوله ﴿وَإِذَا حَكَمتُم بَينَ ٱلنَّاسِ﴾ [النساء: 58].

قال الفخر[35]: قوله: ﴿ وَإِذَا حَكَمتُم﴾ هو كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم، فالآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت الدلائل على أنه لا بد للأمة من إمام وأنه ينصب القضاة والولاة وصارت تلك الدلائل لهذه الآية»[36].

وعند قيام وكالة التدبير نبه الشرع على أن هذه العلاقة قد يشوبها خلاف بسبب نوع تفريط أو إفراط من جهتي التعاقد، فكان لا بد من مرجع عند التنازع.

الخلاف بين الراعي والرعية:

إن مما تضمنته الآيات من أصول العلاقة بين الراعي والرعية الآليات المردود إليها التنازع بينهما، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعتُم فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، وقد جرت عادة الكتاب على الاحتجاج بهذا الموضع على وجوب الاحتجاج بالسنة وصحته، وقد تناول الطاهر ابن عاشور الخطاب الشرعي المضمن فيها بيد “الصانع الخبير” فقلبه على وجوهه، وأظهر سره، وجعل ذلك في عبارات حاملات لألطف المعاني فيه فقال: «لما كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعية، وبينهم وبين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالرد إلى الله وإلى الرسول، ومعنى الرد إلى الله الرد إلى كتابه، كما دل على ذلك قوله في نظيره: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ﴾»[37]، وقد جعل الطاهر ابن عاشور للوصول إلى سر هذا الخطاب وليجتين، الأولى قوله تعالى: ﴿تَنَٰزَعتُم﴾، فقال: «وضمير ﴿تَنَٰزَعتُم﴾ راجع للذين آمنوا، فيشمل كلّ من يمكن بينهم التنازع، وهم مَن عدا الرسولَ، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين، وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمّة، ولذلك نجد المفسّرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري: “يعني فإن اختلفتم -أيّها المؤمنون- أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه”، وعن مجاهد: فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله»[38]، فجعل رتاج الباب إلى معنى العموم عودة الضمير ﴿ـتم﴾ إلى ﴿الذين آمنوا﴾، وهو عموم لمن قام بهم التنازع، جهتان فصاعدا، لكنه أخرج النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز منازعته، ويخلص من العموم بعد هذا الاستثناء غيره، وهو يشمل لزوما التنازع بين ولاة الأمر بعضهم مع بعض، وتنازع العلماء بعضهم مع بعض، وتنازع الراعي والرعية، وإن كان سبب النزول يدخل هذا النوع الأخير في العموم دخولا قطعيا، وهو الذي عناه الطاهر بتنبيهه على ما أورده الطبري، فسبب النزول عند العلماء قطعي الدخول في العموم.

وأما الوليجة الثانية فعبارة ﴿شَيْء﴾، فإنه قال: «لفظ (شيء) نكرة متوغّلة في الإبهام، فهو في حيّز الشرط، يفيد العموم، أي في كلّ شيء، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل ما، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمّة، ولقد حسَّن موقع كلمةِ (شيء) هنا تعميمَ الحوادث وأنواع الاختلاف، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبد القاهر، وقد تقدّم تحقيق مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيء مِّنَ ٱلخَوفِ وَٱلجُوعِ﴾ [البقرة: 155]»[39]، وقد طربت طربا لطيفا لقوله: «فكان من المواقع الرشيقة»، وقد صدق، فلفظ ﴿شيء﴾ من أدل الكلمات النكرات على العموم إن وضعت في سياق الشرط مثلا، وهو موقع حسَّن هذا التعميم وزينه بظهوره وسعته، فزينة العموم اتساعه، فيكون معنى ﴿شيء﴾، كل الحوادث وأنواع الخلاف الواقعة بين الراعي والرعية خاصة، وفي غير هذا المحل عامة، فإن انضافت هذه الدلالة العمومية في ﴿شيء﴾ على الأولى في ضمير ﴿تنازعتم﴾ لم يفلت من عموم الخطاب شيء إلا كما يفلت الزيت من وكاء قربته، فالأولى عمت محل التنازع، والثانية في المتنازع، وكلاهما ذوات مادية أو معنوية يلزم منهما عموم الأماكن والأزمنة والأحوال، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وأما ما يخص موضوع هذه الورقة، فدخول أنواع من التنازع في العموم، مما له مناط بالعلاقة بين الراعي والرعية، فيدخل تحت العموم ثلاثة، “التنازع بين الرعاة” و”التنازع بين الراعي والرعية” و”التنازع بين أفراد الرعية“.

خاتمة:

لم يكن القصد من هذه الورقة بيان أصول الفكر السياسي عند الطاهر ابن عاشور، إنما هي قراءة جزئية، وإلا فإن القراءة الاستقرائية قد تنتج دراسة موسعة وافية في مجلد، وقد وجدت صعوبة في التعامل مع نصوص الطاهر ابن عاشور لأنها كالبنيان المرصوص، يصعب انتزاع المضمون منها دون أن يعلق بها مصطلحات النص الأصلي أو تعابيرها لإحكامه “الكلام”، وغاية ما فعلته أن عرضت نموذجا ومدخلا محفزا لمزيد نظر، عسى أن يقدّر الله دراسة وافية للفكر السياسي القرآني عند الطاهر ابن عاشور.

كانت خلاصاتي من هذه الورقة مثيرة للانتباه، فقد رأيت بعيني كيف يمكن استنباط الأصول الناظمة للفكر السياسي الشرعي من آيتين، فما بالك بكل الآيات الواردة التي هي مظان للأمر، وقد لاحظت ما يوفره كتاب الله تعالى من المساحات البلاغية لذلك، وأن التزام كتاب الله تعالى في التنظير والبناء الفكري يعصم من الضلال في البحث عن مقاصده، ويضمن التناسقية في التركيب، وأن السياسة كما تريدها الشريعة هي الكافية الشافية، والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

[1] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (ص: 8).

[2] العقد الاجتماعي (ص: 27)، نقله إلى العربية عادل زعيتر، مؤسسة الأبحاث العربية، 1995م.

[3] روح الشرائع (1/ 17)، ترجمة عادل زعيتر، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1953م.

[4] مفردات القرآن (ص: 54)، تحقيق صفان داوودي، دار القلم، الطبعة الرابعة، 1444هـ، 2022م.

[5] مفردات القرآن (ص: 292).

[6] التحرير والتنوير (28/ 425).

[7] رواه البخاري (3268)، ومسلم (1842) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] التحرير والتنوير (7/ 74).

[9] أحكام القرآن (2/ 8)، دار الكتب العلمية، تحقيق محمد عبد القادر عطا، الطبعة الثالثة، 1424هـ – 2003م.

[10] روح المعاني (3/ 223)، تحقيق علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، 1415هـ – 1994م.

[11] التحرير والتنوير (5/ 98).

[12] المصدر نفسه (5/ 97).

[13] رواه البخاري (6131) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية عنده (59): «إذا وسد».

[14] التحرير والتنوير (5/ 97).

[15] المصدر نفسه (5/ 98).

[16] رواه مسلم (55) عن تميم الداري رضي الله عنه.

[17] رواه مسلم (1855) عن عوف بن مالك رضي الله عنه.

[18] التحرير والتنوير (5/ 98).

[19] المصدر نفسه.

[20] المصدر نفسه (22/ 129).

[21] المصدر نفسه (9/ 13).

[22] المصدر نفسه (22/ 130).

[23] المصدر نفسه (5/ 96).

[24] المصدر نفسه (5/ 96).

[25] المصدر نفسه (5/ 94).

[26] المصدر نفسه (5/ 95).

[27] المصدر نفسه (22/ 131).

[28] المصدر نفسه (5/ 91).

[29] المصدر نفسه (3/ 122).

[30] المصدر نفسه (9/ 323).

[31] المصدر نفسه (8/ 244).

[32] المصدر نفسه (9/ 323).

[33] المصدر نفسه (8ب/ 204).

[34] لماذا يكذب القادة؟ (ص: 26).

[35] مفاتيح الغيب (10/ 111)، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1240هـ.

[36] التحرير والتنوير (5/ 95).

[37] المصدر نفسه (5/ 98).

[38] المصدر نفسه (5/ 99).

[39] المصدر نفسه (5/ 99).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  أولا – ملخص : في هذا المقال تطرقت إلى الكتابة حول معاني الكشف والإلهام عند المتصوفة ، وهما من مصادر الاستدلال والتلقي والحكم عندهم ، مبينا أنهم مع استدلالهم بالقرآن الكريم والحديث النبوي استدلوا بالرؤى والمنامات والإلهامات في أقوالهم وأذكارهم وأورادهم وأحوالهم . وتتمثل إشكالية البحث في الأسئلة الآتية […]

مدخل إلى النوحية اليهودية… ديانة الإنسانية

تعريف النوحية: النوحية أو “النصرانية الإسرائيلية“: نسبة إلى نوح عليه الصلاة والسلام، ومعناها عند من يدعو إليها: “التزام الوصايا السبع” التي أوصى بها نوح البشريةَ، بعد أن تعاهد هو وأبناؤهم مع الله للقيام بها، ويُرمز لها بألوان قوس قزح[1]، وأصلها ما وضعه حاخامات اليهود في “التلمود“، وهي تحريم الوثنية وعبادة الأصنام، ووجوب تنزيه اسم الله […]

ما قولك في أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم

لا نقر للميتين أياً كانوا بأي نصيب من الدعاء ، إذ ليسو شفعاء وليسو وسطاء ؛وحتى لو علمنا وجاهتهم عند ربهم ،فليس لوجاهتهم في حياتنا ما يجعلنا نُسَيِّرُ شيئا من دعائنا إليهم ، إذ هم اليوم في حاجة ماسة إلى أن ندعوَ لهم ونرجوا لهم الخير من باريهم ؛ فالله وحده هو الذي ندعوه ونسأله […]

علماء الأزهر الشريف ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتوارُد العلماء والمفكرين على مدحه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    مقدمة: هذه السطور ليست من باب التعصب لشخصية تاريخية، ولا اصطفافًا في معركةٍ مذهبية معاصرة، وإنما محاولة علمية هادئة لإعادة الميزان إلى موضعه الصحيح، بعد أن اختلّ هذا الميزان في زمنٍ غلب فيه خطاب الشحن والكراهية على التحقيق العلمي، والمواقف المُسبقة على الشهادات الموثَّقة. لقد تعرّض الشيخ محمد […]

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة استكمالًا للجزء الأول الذي بيَّنَّا فيه إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنزلتَه عند المتأخرين، وأن ذلك قول جمهور العلماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة صنَّفوا فيه التصانيف من كثرة الثناء عليه وتعظيمه، وناقشنا أهمَّ المسائل المأخوذة عليه باختصار وبيان أنه مسبوقٌ بها، كما بينَّا أيضًا […]

لماذا يوجد الكثير منَ المذاهِب الإسلاميَّة معَ أنَّ القرآن واحد؟

مقدمة: هذه الدعوى ممَّا أثاره أهلُ البِدَع منذ العصور المُبكِّرة، وتصدَّى الفقهاء للردِّ عليها، ويَحتجُّ بها اليومَ أعداءُ الإسلام منَ العَلمانيِّين وغيرهم. ومن أقدم من ذكر هذه الشبهة منقولةً عن أهل البدع: الإمام ابن بطة، حيث قال: (باب التحذير منِ استماع كلام قوم يُريدون نقضَ الإسلام ومحوَ شرائعه، فيُكَنُّون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين […]

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   يُعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كبار علماء الإسلام في عصره والعصور المتأخِّرة، وكان مجاهدًا بقلمه ولسانه وسنانه، والعصر الذي عاش فيه استطال فيه التتار من جهة، واستطالت فيه الزنادقة وأصحاب الحلول والاتحاد والفرق الملحِدة من جهةٍ أخرى، فشمَّر عن ساعديه، وردّ عليهم بالأصول العقلية والنقلية، […]

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يفتقِر كثيرٌ من المخالفين لمنهجية الحكم على المناهج والأشخاص بسبب انطلاقهم من تصوراتٍ مجتزأة، لا سيما المسائل التاريخية التي يكثر فيها الأقاويل وصعوبة تمييز القول الصحيح من بين ركام الباطل، ولما كانت الشبهات حول تاريخ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كثيرة ومُتشعبة رأيت أن أضع قواعد عامة […]

تَعرِيف بكِتَاب (مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح. اسم المؤلف: أ. د. عبد الله بن عمر الدميجي، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى في دار الهدي النبوي بمصر ودار الفضيلة بالرياض، عام 1436هـ/ 2015م. […]

الحالة السلفية عند أوائل الصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: تعدَّدت وجوه العلماء في تقسيم الفرق والمذاهب، فتباينت تحريراتهم كمًّا وكيفًا، ولم يسلم اعتبار من تلك الاعتبارات من نقدٍ وملاحظة، ولعلّ أسلمَ طريقة اعتبارُ التقسيم الزمني، وقد جرِّب هذا في كثير من المباحث فكانت نتائج ذلك محكمة، بل يستطيع الباحث أن يحاكم الاعتبارات كلها به، وهو تقسيم […]

إعادة قراءة النص الشرعي عند النسوية الإسلامية.. الأدوات والقضايا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: تشكّل النسوية الإسلامية اتجاهًا فكريًّا معاصرًا يسعى إلى إعادة قراءة النصوص الدينية المتعلّقة بقضايا المرأة بهدف تقديم فهمٍ جديد يعزّز حقوقها التي يريدونها لا التي شرعها الله، والفكر النسوي الغربي حين استورده بعض المسلمين إلى بلاد الإسلام رأوا أنه لا يمكن أن يتلاءم بشكل تام مع الفكر الإسلامي، […]

اختلاف أهل الحديث في إطلاق الحدوث والقدم على القرآن الكريم -قراءة تحليلية-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يُعَدّ مبحث الحدوث والقدم من القضايا المركزية في الخلاف العقدي، لما له من أثر مباشر في تقرير مسائل صفات الله تعالى، وبخاصة صفة الكلام. غير أنّ النظر في تراث الحنابلة يكشف عن تباينٍ ظاهر في عباراتهم ومواقفهم من هذه القضية، حيث منع جمهور السلف إطلاق لفظ المحدث على […]

وقفة تاريخية حول استدلال الأشاعرة بصلاح الدين ومحمد الفاتح وغيرهما

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يتكرر في الخطاب العقدي المعاصر استدعاء الأعلام التاريخيين والحركات الجهادية لتثبيت الانتماءات المذهبية، فيُستدلّ بانتماء بعض القادة والعلماء إلى الأشعرية أو التصوف لإثبات صحة هذه الاتجاهات العقدية، أو لترسيخ التصور القائل بأن غالب أهل العلم والجهاد عبر التاريخ كانوا على هذا المذهب أو ذاك. غير أن هذا النمط […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017