الاثنين - 04 شوّال 1439 هـ - 18 يونيو 2018 م

قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم (11)

A A

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، النبي محمد الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا وبعد:

فلا يخفى على أحد تلك الهجمة المستعرة على كل ثوابت الدين وقضاياه، سواء من أعداء الأمة الظاهرين الذين تداعوا علينا كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، أو من أبناء هذا الدين ممن يتصرف بجهل وهوى فيفسد أكثر مما يصلح، ويخرب أكثر مما يبني، وهو يظن أنه من المحسنين.

ولقد كان الصنف الأول هو السبب المباشر في وجود الصنف الثاني، أعني أن ما يحصل للمسلمين في شتى بقاع الأرض من استضعاف وامتهان وتشريد وقتل؛ هذا كله: كان سببًا مباشرًا لأن يوجد على الجهة المقابلة من أبناء هذا الدين من يستفزه ذلك الماضي الأليم والواقع المر، فيتحرك بجهل وعاطفة لا يقودها الشرع، فيفسد أكثر مما يصلح؛ يرتكب المحرمات باسم الدين، ويشوه الدين بما لا يستطيع أعداءه فعله، ثم يتلقف الإعلام العالمي هذه التصرفات الخاطئة ليبرزها وينشرها، في تشويهٍ متعمدٍ ليضيف تشويهًا إلى تشويه.

ولأن الخطأ لا يقابل بخطأ مثله، فلا يصح أن يكون ما يحصل من استضعاف للمسلمين سببًا لقتل كل كافرٍ حارب أو لم يحارب،كانت له ذمةً أو لم تكن، فهذا ليس هو منهج هذا الدين القائم على العدل والقسط بين العالمين.

ولأجل بيان الموقف الصحيح من هذا الفعل -أعني: قتل كل كافر- وقع الاختيار على الكتاب محل الدراسة ليوضح ذلك الأمر ويبينه أتم البيان.

ومما يجعل لهذا الكتاب ميزة خاصة في هذا الأمر أنه لواحد من أهل العلم الذين أسيء فهم كلامهم في هذه القضية، ولا شك أن أكثر من يستدل بكلامه في هذه القضية هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الرسالة، فهي ردٌ صريحٌ مباشرٌ على كل استدلالات هؤلاء، وكأن ابن تيمية رحمه الله بيننا، يرى هذه الأفعال وينكرها عليهم!

لأجل هذا وقع الاختيار على عرض هذه الرسالة المختصرة، ففيها أعظم الجواب عن شبهات هؤلاء.

التعريف بالكتاب:

الكتاب هو رسالة صغيرة مختصرة لكتاب مفقود لشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد طبعها الشيخ محمد نصيف في مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة ضمن المجموع الذي طبعه، وذلك في عام (1368 هـ -1949 م) وطبعت بعنوان: (قاعدة في قتال الكفار هل هو لأجل كفرهم أو دفاعًا عن الإسلام).

ثم بعد ذلك: أعاد الدكتور عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الزير آل حمد طباعتها بعد تحقيقه لها على نسخة خطية بخط الشيخ سليمان الصنيع رحمه الله، وقد كان عنوانها: هذه رسالة ملخصة منقولة من قاعدة لشيخ الإسلام ابن تيمية  في قتال الكفار، هل سببه المقاتلة أم الكفر.

وقد قام المحقق بطباعتها بعنوان: قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم، وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم (قاعدة تبين القيم السامية للحضارة الإسلامية في الحرب والقتال) ونشر نشرتها الأولى في 1425 هـ – 2004 م (بدون دار نشر، بل يطلب الكتاب من المحقق مباشرة).

وهي مطبوعة في مجلد واحد يبلغ عدد صفحاته (244) صفحة.

وهذه النسخة المحققة هي ما سنتناولها بالعرض بإذن الله.

أهمية الكتاب:

كما سبق ذكره آنفا، فإن من أهم مميزات هذه الرسالة أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففيها تبرئة لشيخ الإسلام من هؤلاء المنحرفين.

ويضاف إلى ذلك: ما في نص هذه الرسالة من توضيح القضية بجلاء، وكثرة الاستدلال لها، والجواب عمن خالفها.

وكذلك فإن أصلها مفقود، كماسيأتي تفصيل ذلك بإذن الله.

ما أثير حول الكتاب:

ثار حول هذه الرسالة جدل كبير في نسبتها لابن تيمية رحمه الله تعالى، والسبب في ذلك أمور:

الأول: أنها مختصرة من كتاب مفقود له، وليست كتابه مباشرة.

الثاني: أن المختصِر له مجهول.

الثالث: بعض العبارات الموهمة التي فُهم منها ما يستلزم إنكار جهاد الطلب.

وهذه الأمور الثلاثة سنتناولها بالتفصيل عند عرض دراسة المحقق لها.

ما يهدف الكتاب إليه:

الرسالة كلها لبيان معنى واحد فقط، وهو أن الكافر لا يقتل لمجرد كونه كافر، بل للكفر المغلظ، وهذا التغليظ يكون بردته، أو بقتاله.

والمصنف يذكر أن هذا هو ما ذهب إليه الجمهور، ويدلل عليه بأحد عشر دليلًا، ويجيب عن اعتراضات المخالف.

عرض لعمل المحقق:

بعد مقدمة سريعة من المحقق  تكلم فيها عن الحاجة إلى ضبط هذه القضية: قسم الكتاب إلى قسمين:

جعل القسم الأول لدراسة الكتاب، والقسم الثاني للنص المحقق، وفيما يلي عرض القسم الأول من الكتاب:

بدأ المحقق هذا القسم بتمهيدٍ في أن سياسات الغرب وجهل المسلمين بدينهم أفرزا فهمًا مشوهًا لقضية الجهاد، ولضبط هذه القضية ذكر المحقق عشر وقفات:

الأولى: في أن تسلط الأعداء إنما هو بسبب الذنوب.

والثانية: في أن الإسلام أمر بحفظ الأنفس وعدم قتلها إلا بحقها.

والثالثة: في أسباب تشريع القتال والجهاد.

والرابعة: في أن الجهاد مر بمراتب مختلفة.

والخامسة: في أن قتال الكافرين إنما كان للضرورة، إذ لا يكون إذا قبلوا الإسلام أو دفعوا الجزية.

والسادسة: أن قتال الكافرين مشروط بقدرة المسلمين على المقاتلة.

والسابعة: في أنه يجوز للمسلمين حال ضعفهم أن يسالموا من سالمهم.

والثامنة: في حالتي عدم جواز قتل الكافر.

والتاسعة: في كون قتال الدفع فرض عينٍ على من نزل بهم الكفار.

والعاشرة: في جواز مهادنة الكفار عند العجز.

ثم انتقل بعد ذلك إلى أسباب دراسة هذه الرسالة المختصرة؛ فذكر عشرة أسبابٍ كلها تدور حول: بيان الحق في هذه المسألة، وتوضيح مذهب ابن تيمية فيها، لأن الحاجة ماسة إليها؛ للخلط الكبير الموجود عند شباب الأمة اليوم.

ثم بعد ذلك تناول نسبة أصل الرسالة لابن تيمية بالتحقيق، فذكر ثلاثة نقول من كتبه الأخرى تدل على أن له مصنفًا في قتال النصارى والمحاربين، ثم انتقل لبيان أن هذه الرسالة المختصرة التي يحققها هي اختصار لذلك الأصل المفقود، وساق المحقق ما يراه دليلاً على أن هذه الرسالة مختصرة من ذلك الأصل، فذكر خمسة أدلة ثم جعل الدليل السادس عبارة عن مقارنة بعض ما ورد بهذه الرسالة بما صح نسبته لابن تيمية في كتبه الأخرى، وذكر لذلك ثماني أمثلة.

بعد ذلك: عقد المحقق عنوانًا لبيان مراد شيخ الإسلام في هذه الرسالة المختصرة، وقد ذكر أن من أهل العلم من أنكرها، ومنهم من أثبتها، ويرى المحقق أن الفيصل في ذلك: هو تتبع ما كتبه الشيخ في مصنفاته، ويرى أنه بعدما فعل ذلك يستطيع أن يقرر أن مراد ابن تيمية في هذه الرسالة هو بيان أننا لا نقاتل إلا من قاتلنا، وأن القتل لا يكون لمجرد الكفر وإنما لأجل المقاتلة، وأن الكفار إذا تركوا قتال المسلمين وأقروا بدفع الجزية عن يد وهم صاغرون فلا يقتلون، وأن المشركين حكمهم حكم أهل الكتاب في ذلك.

ثم تناول مسألة جهاد الطلب الذي قال به العلماء قديمًا وحديثًا، وبين أن الرسالة ليس فيها ما ينفي جهاد الطلب، وذكر من النقول عن شيخ الإسلام ما يدل على أنه يرى أن الكافر لا يقتل بمجرد الكفر.

وقد خص هذين المسألتين بالذكر لأنهما عمدة من ينفي نسبة هذه الرسالة لابن تيمية.

بعد هذا العرض السابق لم يبق لدى المحقق سوى أن يبين ما هو عنوان الرسالة المختصرة، وما هي النسخ الخطية التي اعتمد عليها، ومنهجه في دراستها، وهو ما فعله المحقق، مرفقًا ذلك بنماذج مصورة للنسخ الخطية كما هي عادة المحققين.

وقد بيّن في ثنايا ذلك أنه سيقوم بتتبع القضايا التي في هذا الأصل المختصر ويوثقها من كتب شيخ الإسلام الأخرى.

بذلك يكون المحقق قد انتهى من الكلام على تحقيق الكتاب، ولنا معه عدة وقفات:

وقفات مع تحقيق الكتاب:

لا شك أن المحقق جزاه الله خيرا قد بذل جهدا طيبًا في تحقيق الكتاب، خاصة ما قام به من تتبع لنصوص هذه الرسالة، وتوثيقها من كتب ابن تيمية الأخرى، وهذا عمل يحمد له، لكن هناك بعض الملاحظات على ما ذكره المحقق في قسم دراسة الكتاب، نذكرها فيما يلي:

الأولى: أن المحقق ذكر أن هذه الرسالة هي مختصر للكتاب المفقود، والذي اختصرها مجهول غير معروف، والأصل مفقود، والناسخ لها بعد حياة المؤلف بما يقارب ثمانية قرون، فلا يسوغ والحال هكذا أن ينسب هذا الاختصار لابن تيمية، بل يقال: مختصر عن أصل مفقود، ولذا فنسبة الكتاب مطلقًا إلى شيخ الإسلام على طرة الكتاب أمر فيه نظر.

الثانية: أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي بذله المحقق ليبين أن نصوص هذه الرسالة تتوافق مع ما في كتب ابن تيمية الأخرى؛ إلا إن هذا لا يمكن أن ينفي تصرف المختصِر في الأصل، لا سيما وأنه لا يُعرف، ولم يذكر منهجًا لاختصاره، ولا شيء من ذلك، وهذا كله مما يعكر على الجزم بنسبة جميع نصوص الكتاب لابن تيمية.

ولعل أفضل ما يمكن فعله هنا: هو توثيق هذه الأقوال من كتب ابن تيمية، وهو ما قام به المحقق، لكن يظل هذا غير كافٍ في الجزم بخلو ذلك المختصر من أي زيادة من المختصر.

ولو أن المحقق قال: إنها رسالة مختصرة عن أصل مفقود لابن تيمية: قورنت بأقوال ابن تيمية في كتبه الأخرى فوجدت موافقة لها، فيغلب على الظن أنها له، لكان هذا أقرب للواقع، ولما فعله المحقق في تحقيقه لهذه الرسالة المختصرة.

الثالثة: أن الوقفات التي ذكرها المحقق غير كافية لتأصيل هذه المسألة على الوجه الصحيح، ولو أنه وثق ما ذكره في هذه الوقفات من كتب المذاهب المعروفة لكان حسناً.

الرابعة: أن المؤلف لم يتعرض بالتفصيل للأقوال التي قيلت في عدم نسبة الرسالة لابن تيمية، وهي أقوال جديرة بالدراسة:

فلم يذكر المحقق أن هناك من رأى أن هذه الرسالة قد زيد فيها ونقص، ولذا فلا تصح نسبتها لابن تيمية، خاصة وأن المختصر لها مجهول، والأصل مفقود، وفي نص الرسالة ما يدل على تصرف المختصِر بالحذف.

بل إن التصرف بالحذف في الرسالة هو الذي أدى إلى ذلك الفهم.

والذي يرى هذا الرأي هو الشيخ العلامة محمد ابن إبراهيم، فقد قال: «وهذه الرسالة حقيقتها أن بعضها من كلامه ومحذوف منها شيء، ومدخل فيها شيء آخر» ([1]).

وكذلك فقد رأى جامع الفتاوى الشيخ عبد الرحمن ابن القاسم أن هذا نقل محرف، ولذا لم يدخله مجموع الفتاوى ([2]).

وهذا الرأي كان لابد للمحقق من مناقشته.

كذلك لم يتعرض المحقق للكلام عن رسالة الشيخ سليمان بن حمدان التي ألفها خصيصًا للرد على هذه الرسالة، وقد سمى كتابه: (دلالة النصوص والإجماع على فرض القتال للكفر والدفاع) ونشرت تلك الرسالة عام 1382 هــ([3])، أي قبل نشر المحقق لكتابه باثنين وأربعين سنة، ولم يتعرض له المحقق بأدنى ذكر.

وممن وافق الشيخ سليمان في إنكار نسبة هذه الرسالة لابن تيمية الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى ([4]).

وإذا كان سبب إنكار نسبة الكتاب لابن تيمية ما فهم من أنها تقرر نفي جهاد الطلب، فلابد أن يقوم المحقق بأمرين:

الأول: أن يبين مذهب شيخ الإسلام في جهاد الطلب من كتبه الأخرى.

الثاني: أن يوضح هل في هذه الرسالة المختصرة ما ينافي مذهب ابن تيمية في كتبه الأخرى أم لا؟

وهذا الأمر مر عليه المحقق مرورًا سريعًا ولم يوفه حقه اللائق به، خاصة أنه السبب الرئيسي في إنكار نسبة الرسالة لابن تيمية.

أصل القضية محل الدراسة:

العلماء جميعًا -ومنهم ابن تيمية- يقولون: إن جهاد الطلب هو أن نغزوا الكفار في ديارهم، وذلك لإعلاء كلمة الله، وهذا الغزو هو قتالهم.

لكن قتالهم هذا لا يكون إلا بعد دعوتهم للإسلام، فإن أسلموا عصموا دمائهم وأموالهم، وإن أبوا: فيدعون إلى أن يدخلوا في ذمة المسلمين ويدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن رضوا عصموا دمائهم وأموالهم، وإن أبوا فيقاتلون، وإن قوتلوا فلا يقتل منهم من نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله من الشيوخ والنساء والصبيان.

هذا الذي ذكرناه هو محل اتفاق بين العلماء في الجملة.

وابن تيمية في هذه الرسالة لا يخالف ذلك، بل من أمعن النظر في نصوص الرسالة المختصرة لوجد أنه تؤيده ولا تخالفه ([5]).

أما الذي تقرره الرسالة المختصرة فهو أن الكافر لا يقتل قبل دعوته للإسلام، وعرض الجزية عليه إن أبى الإسلام.

وهذا معنى أنه لا يقتل لمجرد كفره.

فلو أنه يقتل لمجرد كفره لكان قتل النساء والصبيان والشيوخ الذي لا يقاتلون: واجب، وقد دل الدليل على أنهم لا يقتلون إلا إذا قاتلوا.

وهذا لاينافي أن سبب إباحة الدم هو الكفر، لكن القتل لابد له من شرط تقدم الدعوة للإسلام وعرض الجزية إن أبى.

سبب الإشكال فيما في هذه الرسالة:

لم تتعرض هذه الرسالة لغير قضية سبب قتل الكافر أهو مجرد الكفر أم لا، فهي منصبة لإثباتها بالأدلة.

والإشكال الذي سببه الاقتصار على هذه المسألة فقط هو ما فهم منه أن هذه الرسالة تؤصل لإنكار جهاد الطلب، ومع وضوح التصرف بالحذف فيها في بعض المواطن، أنكر جمع من العلماء نسبة الرسالة لابن تيمية. لاسيما ونحن لا نعلم ما هو المكتوب في الأصل المفقود، وهل كان المحذوف لأجل الاختصار هو ما يتعلق بباقي جوانب القضية أم لا.

والحقيقة أن ما في هذه الرسالة لا يعارض القول مطلقا بمشروعية جهاد الطلب، وقد بذل المحقق جهدًا مشكورًا في إثبات أن ما في هذه الرسالة لا يناقض ما في كتب ابن تيمية الأخرى، وهذا مما يقوي القول بأن هذه الرسالة عن أصل مفقود لابن تيمية، لكنه غير كاف في الجزم بصحة هذه النسبة، فأصدق الأوصاف فيها أن يقال: إنها رسالة مختصرة عن أصل مفقود لابن تيمية.

هل في الرسالة ما يدل على نفي جهاد الطلب:

ليس في الرسالة ما يدل على نفي جهاد الطلب صراحة، لكن هناك عبارة قد تسبب بعض الإشكال وهي قوله في شرح الدليل السابع:«فهو لم يبدأ [ أي النبي صلى الله عليه وسلم ] أحدًا من الكفار بقتال».

وقد ذكر المحقق -جزاه الله خيرًا- في التعليق على هذا الموضع نقلين لابن القيم بنفس المعنى، بل بنفس النص تقريبًا

وهذا النص هو ما قد يوهم نفي جهاد الطلب، لكن العبارة التي تليها وضحت المقصود منها، وهي قوله:  «ولو كان الله أمره أن يقتل كل كافر لكان يبتدئهم بالقتل والقتال»

إذن فالمراد هو نفى أن القتل لمجرد الكفر دون الدعوة للإسلام وعرض الجزية.

ولتوضيح هذا المعنى نقول:

شيخ الإسلام لا ينفي في هذه الرسالة أن الكفر سبب القتل، لكنه يبين أن الكفر وحده لا يكفي، بل لابد له من رفض الإسلام بعد عرضه عليه، ورد الجزية بعد عرضها عليه، وألا يكون قد أعطى أمانًا من أحد المسلمين.

وهذا مثل الزكاة فإن سببها ملك النصاب، ومع ذلك فإن ملك النصاب بمجرده لا يكفي لوجوب الزكاة، بل لابد من حولان الحول.

فكذلك الأمر هنا، وإن كان الكفر هو سبب إباحة الدم إلا إنه يشترط له أن يقاتل.

ومعنى المقاتلة هو أن يطلب الكفار في ديارهم فيعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا صاروا بذلك من أهل القتال، فلا يقتل منهم من لم يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والعجزة، ولعل التصرف بالحذف هو ما أدى إلى عدم الوضوح في هذه العبارة.

عرض النص المحقق:

بدأ النص مباشرة بعنوان: فصل في قتال الكفار: هل هو سبب المقاتلة أو مجرد الكفر ؟ وبين المصنف أن في ذلك قولان مشهوران: الأول للجمهور وهو أنه قتال الكفار، وهو ما سينتصر له المصنف في ثنايا الرسالة([6]).

والثاني أنه مجرد الكفر فذكر من قال به، وما يترتب على هذا الخلاف بين القولين، ثم بدأ يستدل لقول الجمهور.

فكان الدليل الأول هو قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، فدل على أنه هو علة القتال، وشرح ذلك وبين معنى الاعتداء في الآية، ثم فسر قوله تعالى {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ}[البقرة: 191] وتعرض للكلام على النسخ في أثناء شرح المراد من الآية.

بعد ذلك وضع المحقق عنوانًا هو: بيان معنى الاعتداء عند أهل العلم، حيث ذكر المصنف الأقوال التي عدها ابن الجوزي في معنى الاعتداء وعلق عليها.

ثم بعد ذلك ذكر الدليل الثاني وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كانت هذه لتقاتل»، وبين أن معناه أن العلة في تحريم قتلها أنها لم تكن تقاتل.

بعد ذلك الدليل الثالث وهو قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]، فقتله أو يسلم: من أعظم الإكراه.

والدليل الرابع هو: أنهم متى أعطوا الجزية لم يجز قتالهم.

والدليل الخامس هو: أن المملوك المسترق لا يجبر على الإسلام بالاتفاق.

والدليل السادس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق نفرا في فتح مكة، ولم يكرههم على الإسلام.

والدليل السابع: فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل من هادنه من الكفار.

وقد تكلم المصنف بعد هذا الدليل عن أنواع العهد مع الكفار، فبين أقوال الفقهاء في العهد المطلق غير المؤقت([7]).

وقد استطرد المصنف هنا لبيين المراد بالأشهر الحرم، ثم ليتكلم عمن تؤخذ منهم الجزية مرجحًا أخذها من جميع الكفار، واستدل على ذلك، ليستطرد مرة أخرى ليقارن بين شرك المجوس وشرك العرب، وليطوِّل الحديث عن أصل الشرك في العالم.

بعد ذلك عاد المصنف للكلام عن معاهدة الكفار، فبين الحكم إذا نقض الكفار العهد وأنه لا يجب على المسلمين أن يعاهدوهم ثانيًا، بل لهم قتالهم وإن طلبوا أداء الجزية، واستدل على ذلك.

ثم عاد المصنف مرة أخرى ليستدل على أن القتال ليس لمجرد الكفر ([8]).

ويناقش قول من يقول أن الكافر يقتل لمجرد كفره بالسؤال عن المانع من قتل المرأة الكافرة، ويطيل في مناقشة الاعتراضات على هذا الاستدلال.

ثم يذكر المصنف الدليل الثامن([9]) وهو: أن من تاب قبل القدرة عليه عصم دمه وماله.

ثم الدليل التاسع([10]) وهو: أن الكفر لو كان موجبًا للقتل لما جاز المنّ على الكافر به.

ثم الدليل العاشر([11]) وهو: تحكيم سعد في بني قريظة، وأنه لو حكم فيهم بغير القتل لنفذ حكمه.

ثم استطرد المصنف ليبين أن قتل الكافر الذي لا يضر المسلمين -والذي هو مباح الدم- من الفساد الذي لا يحبه الله ورسوله، وأن قتل الآدمي من أكبر الكبائر بعد الكفر، فلا يباح قتله إلا لمصلحة راجحة.

بعد ذلك يناقش المصنف بعضًا من الاعتراضات على هذا القول ويجيب عنها، ليخلص في النهاية إلى أن مجرد الكفر ليس موجبًا للقتل، بل الكفر المغلظ، وتغليظه تارة يكون بحرب صاحبه، وتارة بردته عن الإسلام، ثم تكلم عن أنواع الردة.

بعد ذلك عاد المصنف ليذكر الدليل الحادي عشر([12]) وهو: أنه لو كان مجرد الكفر هو الموجب لما جاز إقرار كافر على الجزية، ليجعل هذا الدليل مدخلاً للكلام عن الجزية: فعرفها، وبين مقدارها، وتكلم عن الأقوال في سبب وضعها، ليرجح أنها عصمة لمن يجوز قتله، وبذلك نكون قد وصلنا إلى ختام هذا النص المحقق.

خاتمة:

هذا القدر الذي عرضناه لا يشك المطلع على هذه الرسالة لأول وهلة أنها لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنها على طريقته في عرض الأقوال والاستدلال لها، بل والاستطرادات المتكررة، وما في هذا النص لا يخالف ما في الكتب الأخرى له، ولعل الحذف الذي حصل من مختصره هو ما أدى إلى هذا الجدل، والله نسأل أن يوفق وييسر لأحد طلاب العلم أن يجد أصل هذه الرسالة بين المخطوطات القابعة في خزائن المكتبات، والتي لم تر النور بعد، وعلى كلٍ: فهذه الرسالة نافعة في بابها، وزادها عمل المحقق نفعًا وإفادة، نسأل الله عز وجل أن تكون في ميزان حسناته، إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.


([1]) انظر: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (6/201).

([2]) انظر: مجموع الفتاوى (8/5) وقد أشار إلى رد الشيخ سليمان عليها.

([3]) ويقع في (126) ورقة ، ثم نسخه واعتنى به ونشره في الشبكة العالمية حسين بن محمود ، وذلك في رجب 1432هـ . وهذا الكتاب هو عمدة كل من أنكر نسبة الرسالة التي بين أيدينا لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن يطلع على الكتاب سيجد أنها كلها مبنية على ما فهمه المؤلف من كون ما في الرسالة يدل على القول بنفي جهاد الطلب، والرسالة التي بين أيدينا بريئة من ذلك.

([4]) انظر: أقوال العلماء في الرسالة المنسوبة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية في الجهاد، لسليمان الخراشي (ص:15).

([5]) وممن ذهب إلى هذا الرأي أيضًا: سليمان الخراشي في رسالته: أقوال العلماء في الرسالة المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية في الجهاد (ص:13).

([6]) كان من المهم هنا أن يقوم المحقق بتتبع هذه النسبة للجمهور في كتب المذاهب، ويقيد هذا في تعليقه على النص، فهذا مفيد في تأكيد نسبة الرسالة لابن تيمية، وكذلك مفيد في فهم كون ذلك لا ينفي جهاد الطلب، ولعله يستدرك ذلك في نشرة قادمة.

([7]) هنا يظهر الحذف جيدًا فإن نص الرسالة فيه: «ثم تكلم على أول سورة براءة ثم قال»، وكذلك تحت العنوان الذي عقده المحقق وهو:المراد بالأشهر الحرم، فبداية هذه الفقرة أيضا: «إلى أن قال».

([8]) هذا الموضع جعله المحقق الدليل الأول على تحريم قتل الكافر لمجرد كفره، والذي يظهر لي أنه تكرار للأدلة السابقة بسياق مختلف.

([9]) الثاني في نظر المحقق على تحريم قتل الكافر لمجرد كفره.

([10]) الثالث في نظر المحقق على تحريم قتل الكافر لمجرد كفره.

([11]) الرابع في نظر المحقق على تحريم قتل الكافر لمجرد كفره.

([12]) الخامس في نظر المحقق على تحريم قتل الكافر لمجرد كفره.

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

الظاهرة الشحرورية في التاريخ والمنطلقات والمآلات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة نادى مناد على رؤوس الناس يقول: أدركوا الناس، ستهلك الأمة، تلاعبوا بكتاب الله، وضاعت السنة، وأهانوا الشريعة…!! فقيل له: على هونك، ما الخطب؟! قال: ظهر لنا على رؤس الأشهاد وفي كل وسائل التواصل وفي التلفاز دكتور في هندسة التربة يدعى محمد شحرور…! فقلنا: وماذا عساه أن يقول؟ فليقل في […]

تعقيب على مقال (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب…) المنشور في جريدة السبيل

   نشرت جريدة السبيل الأردنيّة يوم الخميس الموافق 10/ مايو/ 2018م مقالًا للدكتور علي العتوم عنوانه: (الشّوكاني يردّ على فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير أهل البدع)، وقد تضمّن المقال -رغم قصره- قدرًا كبيرًا من المغالطات الناشئة عن عدم تحرير المسائل العلمية، ومحل النزاع في مسائل الخلاف، والتسرع في استصدار أحكام وتقييمات كلّيّة […]

يصرخون: “ذاك عدوُّنا من العلماء”!

عن أنس رضي الله عنه قال: بلَغ عبدَ الله بنَ سلام مقدَمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأتاه، فقال: إني سائلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ، قال: ما أوَّل أشراط الساعة؟ وما أوَّل طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول […]

الغائية والتوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد… ما الذي حصل حين انحرفت البشرية عن غايتها ومسارها الصحيح؟! إن انحراف الإرادة البشرية هو ما أدى إلى عدد هائل من المفاسد والأضرار لا تتخيله العقول البشرية القاصرة، بل ولا تستطيع أن تبكيها البشرية جمعاء، وماذا عساها أن تفعل […]

حقيقة النصب وموقف أهل السنة منه

من سمات أهل البدع وصفهم أهل السنة بالأوصاف المنفّرة عنهم، ومن ذلك اتهام الروافض لهم بالنّصب والعداء لأهل البيت، وقد شاركهم في ذلك بعض الطوائف المنتسبة للتّصوف الذين تأثروا بالتشيع، ونال رموز مقاومة الرافضة وشبهاتهم القسط الأكبر من هذا الاتهام، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، الذي اتّهموه بالنصب ومعاداة علي رضي الله عنه. […]

فوائد من غزوة بدر

لم تكن غزوة بدر حدثًا عاديًّا يمكن تناوله تناولًا سرديًّا دون النظر إلى الدلالات والعبر التي تحملها تفاصيل هذا الحدث العظيم الذي سمى القرآن يومه “يوم الفرقان”، وحكى أحداثه، وأنزل فيه ملائكته المقربين؛ استجابة لدعوة الموحدين من المؤمنين، فقد كانت النخبة المؤمنة في ذلك الزمن مجتمعة في هذه المعركة في أول حدث فاصل بينهم وبين […]

ضوابط في تدبر القرآن الكريم

 حث الله عباده على تدبر الوحي والنظر فيه من جميع جوانبه؛ في قصصه وأخباره وأحكامه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين هذا الوحي للناس ليسهل عليهم تدبره وفهم معانيه على وفق مراد الله عز وجل، فقال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [النحل: 44]. وقد ذكر الطبري -رحمه […]

الإيمان بالملائكة حقيقتُه وتأثيرُه في حياة المؤمن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قضية الملائكة من أكبر القضايا التي شغلت المجتمعات البشرية على اختلافها بين معتقد لوجودهم، وناف لهم، والمعتقدون لوجودهم اختلفوا في اعتقادهم طرائق قددًا، فمنهم العابد لهم من دون الله، ومنهم المعتقد فيهم أنهم بنات الله، ومنهم من اتّخذهم عدوا، وآخرون جعلوهم جنسًا من الجن، كل هؤلاء تحدث القرآن عنهم […]

إطلاق (المعنى) و(التأويل) والمراد بها عند السلف في الصفات

من الخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الناس: حمل الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة على اصطلاحات المتأخرين؛ يقول الإمام ابن القيم: “وهذا موضع زلَّت فيه أقدام كثير من الناس، وضلَّت فيه أفهامهم؛ حيث تأولوا كثيرًا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودًا في اصطلاح […]

التمائم عند المالكية

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين للناس التوحيد، ويردهم إلى الجادة التي حادوا عنها لطول عهدهم بالرسالة، واجتيال الشياطين لهم عن دينهم وتحريفهم له، وقد شمل هذا التحريف جميع أبواب الدين، بما في ذلك أصله وما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وقد انحرف الناس في هذا الأصل على أشكال وأحوال، ومن بين مظاهر الانحراف […]

العلم اللدني بين القبول والرفض

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد.. فإن الكلام عن “العلم اللدني” مزلة أقدام؛ لذا كان لزامًا على المؤمن الوقوف على حقيقته، وكيفية دفع الشبهات التي وقع فيها أهل الانحراف والزيغ، ومقدمة ذلك أمور([1]): أولًا: إن العلم الحقيقي الذي […]

فَبِأَيِّ فَهمٍ يُؤمِنُون؟ مُناقَشَة لإِمكَانِيَّة الاستِغنَاءِ باللُّغَة عَن فَهمِ الصَّحَابَة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـــدّمَــــــة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن بداهة الأمور أن كلّ من أراد أن يستوضح قضيَّة أو أمرًا سيتجه للبحث عنه عند ذويه ومن ابتكره وشارك في صناعته، فمن أراد أن يستوعب أفكار أرسطو ذهب يستعرض نصوص أصحابه والفلاسفة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017