الثلاثاء - 15 شوّال 1440 هـ - 18 يونيو 2019 م

التمَذْهُب | حقيقتُه وحكمُه (19)

A A

 

للتحميل كملف اضغط هـــنـــا

كان الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على بينة من أمرهم فيما يتبعون، وما أشكل عليهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم دون الحاجة للبحث عن دليل، فلا يخفى أن الصحابة رضي الله عنهم في عهد النبوة كانوا يتلقون أمور الشريعة من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة من خلال الوحيين، ويعملون مباشرة بمقتضى فهمهم لأنهم أهل اللغة، وظل الأمر على هذا في صدر الإسلام.

وفي عصر الصحابة والتابعين كانت السنة ظاهرة بين الناس يفتي بها العلماء، ويبينونها، ولم يعيّن للناس إمام للفتوى لا يخالَف مع كثرة الفقهاء ووفرة العلماء من التابعين، حتى إنه في العصر الواحد يوجد نحو خمسمائة عالم يصلح كل واحد منهم أن يكون إماما يتمذهب بقوله، ولكن لم يُعِيِّنْ أحد من هؤلاء نفسه لإمامة مذهب، ولا الدعوة إليه، واستقام أمر الناس على هذا رَدحًا من الزمن، حتى ظهرت الفرق وانتشرت، وقال بقولها جمع من الولاة والسلاطين والقضاة، وكانت أقوال هذه الفرق في أصول الدين وفروعه مخالفة لما كان عليه السلف؛ فدعت الضرورة إلى تدوين الأقوال، والاستدلال لها وتبيينها، ولم يكن هناك مناص من الإلزام بها خصوصا أن الفتاوى مع هذه الوضعية لم تعد مجرد فتاوى، بل صارت أحكامًا قضائية ملزمة ينقض ما خالفها، فصار أهل السنة إلى المذاهب الأربعة المشهورة تدريسًا وكتابة، وتأليفًا، وقضاءً، وعملًا، وتبناها أئمة الحديث، وبلغت هذه المذاهب ما بلغ الليل والنهار، واعتنى معتنقوها بها واستدلوا لأصولها وقرروها، وبينوا فروعها، وكانت محل ترحيب من العامة، وقبول من الخاصة إلى يومنا هذا، إلا أنه وقع تداخل عند كثير من معتنقيها بين التمذهب بها والتعصب لها.

وسنحاول في هذه الورقة العلمية فك الارتباط الحاصل بين التمذهب كطريقة في التعليم، والفتيا، وبين التعصب للمذهب الذي هو عرض سيء قد يؤدي بصاحبه إلى رد الكتاب وصحيح السنة، وتقديم ما هو دونهما عليهما، وسوف نتناول ذلك في عناوين رئيسية بدءًا بتعريف التمذهب لغة واصطلاحًا.

 

 

تعريف التمذهب:

من المعلوم أن التمذهب من حيث مدلوله اللغوي مرتبط بالمذهب لفظًا ومعنى، فيلزم تعريف المذهب لغةً واصطلاحًا، حتى يتسنى للقارئ تصور المسألة تصورًا صحيحًا.

فالمذهب في اللغة: على وزن مَفْعَلٍ، وتأتي لفظة مذهب مصدرًا واسم زمان، واسم مكان، يقال: ذهب يذهب ذهابًا ومَذْهَبًا، وهنا مَذْهَبُهُ أي: موضع ذهابه، وحان مَذْهَبُهُ أي زمان ذهابه([1]).

ومادة (ذهب) تدور على معنيين في اللغة:

المعنى الأول: الحسن والنضارة([2])، ومن هذا المعنى سُمِّي الذهب ذهبًا.

المعنى الثاني: المضي أو السير، فيقال: ذهب يذهب ذهابًا وذُهُوبًا([3])، والمذهب سيرة الرجل ومعتقده([4]).

أما في الاصطلاح: فإن الفقهاء لم يبتعدوا في استعمالهم للكلمة عن مدلولها اللغوي فكانوا يقصدون بالمذهب: “اتباع طريقة إمام في فقهه رواية، واستنباطًا، وتخريجًا على مذهبه”([5])، يقول أبو الخطاب: “مذهب الإنسان ما قاله، أو دل عليه بما يجري مجرى القول من تنبيه، أو غيره، فإن عدم ذلك لم تجز إضافته إليه”([6])، فهذا التسامح في نسبة المذهب للشخص بناء على ما يُفهم من قوله، أو لازم مذهبه هو الذي درج عليه أغلب الفقهاء من المذاهب، والذين خالفوا فيه كان خلافهم مع غيرهم لفظيًّا؛ لأنهم لم ينازعوا في نسبة الفروع المخرجة على مذهب الإمام إليه، قال في المراقى:

إن لم يكن لنحو مالك أُلف قول بذي وفي نظيرها عرف
فذاك قوله بها المُخَرَّج وقيل عَزْوُه إليه حَرَجُ
وفي انتسابه إليه مطلقا خلفٌ مضى إليه من قد سَبقا

أي: إن لم يكن لنحو مالك من المجتهدين قول في مسألة، ولكن وجد له قول في نظيرتها أي: شبيهتها، فقوله في هذه المسألة الأخيرة ينسب إليه تخريجًا؛ لأن أصحابه خرجوها على قوله إلحاقًا لها بشبيهتها، بناء على أن لازم المذهب مذهب، والأصل عدم الفارق، وبعضهم خالف في ذلك، وجعل فيه حرجًا لاحتمال وجود فارق عند المجتهد بين النظيرين([7]).

وهذا الخلاف الذي أشار إليه لا ثمرة له عند أهل المذاهب، لأن أغلب ما ينسب إلى الإمام هو ما خُرِّجَ على أقواله واستنبط منها، لا ما قاله، وبعضهم يرى أن المذهب هو: “ما ذهب إليه الإمام، وأصحابه من الأحكام في المسائل”([8])، وهذا تعريف حسن؛ لأنه جمع بين أقوال الإمام، وأتباعه، وهو قريب مما درج عليه أهل المذاهب من إدخال أقوال أتباع الإمام في مذهب الإمام، لكن يشكل عليه عدم اعتماد بعض الأقوال في داخل المذهب، ويمكن أن يقال إن حقيقة المذهب، هو أصول الإمام، وقواعده؛ بدليل أن موافقة الإمام في الفروع من غير اعتماد لأصوله لا تجعل الإنسان على مذهبه ولا منتسبًا إليه، وبعد أن عرَّفنا المذهب وحقيقته بقي لنا أن نعرف حقيقة التمذهب.

أما التمذهب لغةً: فهو مصدر من الفعل تَمَذْهَبَ، وهذا الوزن تَمَفْعَلَ يدل في اللغة على الإظهار والأخذ، فَتَمَسْكَنَ إذا أظهر المسكنة([9])، فمعنى تمذهب بكذا أي اتخذه، واتبعه مذهبًا.

أما في الاصطلاح: فإن علماء الأصول لم يهتموا بإيجاد تعريف جامع مانع للتمذهب، وإن اتفقوا على معنى واحد عبّروا عنه بعبارات مختلفة، وهو أن التمذهب هو اتباع أصول الإمام وقواعده والتخريج عليها، ولا يضر في ذلك مخالفة المجتهد للإمام في بعض المسائل، يقول تاج الدين السبكي: ” المحمدون الأربعة: محمد بن نصر، ومحمد بن جرير، وابن خزيمة، وابن المنذر من أصحابنا قد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي المخرجين على أصوله المتمذهبين بمذهبه؛ لوفاق اجتهادهم اجتهاده، بل قد ادعى من هو بعد من أصحابنا الخُلَّص كالشيخ أبي علي وغيره أنهم وافق رأيهم رأي الإمام الأعظم، فتبعوه، ونُسبوا إليه لا أنهم مقلدون، فما ظنك بهؤلاء الأربعة؛ فإنهم وإن خرجوا عن رأي الإمام الأعظم في كثير من المسائل، فلم يخرجوا في الأغلب، فاعرف ذلك، واعلم أنهم في أحزاب الشافعية معدودون، وعلى أصوله في الأغلب مخرجون، وبطريقه متمذهبون” ([10])، بينما يرى ابن عقيل أن التمذهب هو الإفصاح عن المذهب([11])، وبعضهم يخص التمذهب بالعامي الذي يتبع المذهب في رخصه وعزائمه([12])، والحقيقة أن كلام السبكي الذي مر معنا يؤيده عدة أمور:

  • أ‌- أن كثيرًا من العلماء متمذهبون بمذاهب محددة، بدليل ما يختم به الواحد منهم اسمه من النسبة إلى مذهب معين، وهم ليسوا من العامة، ولم يلتزموا برخص المذهب وعزائمه، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم متمذهبين.
  • ب‌- أن جماعة من أهل العلم بلغوا شأوًا كبيرًا فيه، ومع ذلك، فهم ينتسبون إلى مذاهب أئمتهم.
  • ت‌- الواقع العملي لمؤلفات جمع غفير من العلماء، فتجد العالم يؤلف كتابًا في مذهب إمامه، وأصوله، وفروعه، ويستدل لأقواله، وتجد منه التصريح بقوله مذهبنا أو مذهب إمامنا([13]).

وهذا على خلاف ما درج عليه المتأخرون من تعريف التمذهب بأنه: “التزام غير المجتهد مذهبًا معينًا يعتقده أرجح أو مساويا لغيره”([14])، وبعضهم يقول: “هو الالتزام لمذهب معين”([15]). فهذان التعريفان لا ينطبقان على الواقع العملي للتمذهب، ويمكن الجمع بينهما مع ما سبق بأن التمذهب يختلف في حال المجتهد عن غيره من المقلدين والعوام، فالأول وهو المجتهد متبع للإمام في أصوله وقواعده يخرج عليها، ويستنبط منها، وهو عالم بمآخذ الإمام، وموارد استدلاله، بينما المقلد متبع للإمام في الأصول والفروع، مع أنه في الغالب قد لا يعرف دليل الإمام، ولا مأخذه.

وحيث اتضح للقارئ الكريم مفهوم التمذهب فيحسن أن يطّلع على حكمه، وذلك ما سوف نتناوله في المبحث الموالي.

حــكـــم التـــــمذهــــب:

قد تحصّل عندنا مما سبق أن المتمذهب له ثلاث حالات:

الحالة الأولى: التزام مذهب الإمام أصولًا وفروعًا.

الحالة الثانية: التزام مذهب الإمام في الأصول دون الفروع.

الحالة الثالثة: التزام المتمذهب فروع الإمام دون أصوله.

فالمتمذهب من خلال هذه الحالات قد يكون مجتهدًا، وقد يكون متعلمًا فوق مرتبة العامي، وقد يكون عاميًّا، إذًا فتبيين حكم التمذهب من خلال هذه الحالات سوف يتناول قضيتين: حكم تمذهب المجتهد، وحكم تمذهب من ليس بمجتهد، ولنبدأ بتبيين الأول:

حكم تمذهب المجتهد:

لا يخلو المجتهد في حالة الانتساب لمذهب معين من حالات ثلاث:

الحالة الأولى: ألا يكون لهذا الانتساب أي أثر في اجتهاده، فلا يذكر أقوال إمامه فيما يختار من المسائل، فهذه الحالة لا محظور فيها؛ لأن الكلام عن التمذهب هو بحسب أثره على المتمذهب، فقد يكون الإنسان في بيئة اعتاد أهلها الانتساب إلى المذهب وإغفال المجتهد له قد يكون سببًا في رد أقواله([16]).

الحالة الثانية: أن ينتسب إلى المذهب ويذكر أقوال الإمام فيما يختاره بعد اجتهاده، فإن المجتهد إذا اجتهد فتوصل إلى رأي يوافق رأي إمامه فنسبه إلى إمامه؛ لأنه خرّجه على أصله فهذه صورة جائزة، بل هي الأكثر، وعليها تحمل أقوال كبار الأئمة من المجتهدين المنتسبين للمذاهب الذين عرفوا بالتحقيق، ونبذ التقليد، كابن عبد البر المالكي، والإمام النووي الشافعي، وشيخ الإسلام ابن تيمية الحنبلي، وتلميذه ابن القيم، وغيرهم من كبار الأئمة ممن بلغوا رتبة الاجتهاد، وكانوا منتسبين إلى مذهب، وقد نسب أبو إسحاق الاسفراييني هذا المسلك إلى المحققين من أهل العلم فقال: “الصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، لا على جهة التقليد له، ولكن لما وجدوا طريقه في الاجتهاد والفتاوى أسد الطرق، وأولاها، ولم يكن لهم بدّ من الاجتهاد سلكوا طريقه في الاجتهاد، وطلبوا معرفة الأحكام بالطريق الذي طلبها الشافعي به “رحمه الله تعالى”([17])، ولعل ما يُلاحظ على الاسفراييني تخصيصه للشافعية بهذه الخصلة، ونفيها عن غيرهم، كما ذكر عنه ابن الصلاح، وهو ادعاء غير مُسَلَّمٍ، وغرضنا من كلامه التسليم بالمبدأ لا تصديق دعواه، فقول المجتهد بقول إمامه بناء على اجتهاده أمر لا محظور فيه شرعًا، هذا هو محل الاستشهاد من كلامه.

الحالة الثالثة: أن ينتسب المجتهد إلى مذهب إمامه ويأخذ به في بعض المسائل تقليدًا، وهذه المسألة هي المعروفة عند الأصوليين بتقليد المجتهد، وفيها تفصيل ليس هذا محل بسطه، لكنها لا تخلو من أحد أمرين:

الأمر الأول: أن يقلد إمامه في مسألة اجتهد فيها، وتوصل فيها إلى اجتهاد يخالف اجتهاد إمامه لكنه عدل عنه تقليدًا لإمامه، ففي هذه الحالة يحرم على المجتهد التقليد؛ وذلك لعدوله عن الراجح إلى المرجوح، وهذا قول جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة، بل بعضهم حكى الاتفاق عليه؛ كالإمام أبي حامد الغزالي([18])، والفخر الرازي([19])، وابن الحاجب([20])، وشهاب الدين القرافي([21])، وبدر الدين الزركشي([22])، وابن الهمام الحنفي([23])، وابن قدامة الحنبلي([24])، وابن مفلح([25]).

وهذا التحريم لعدة أدلة منها وجوب اتباع الدليل، وقد دلت على ذلك نصوص شرعية من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون} [سورة الأعراف:3]. ولأن ما علمه المجتهد باجتهاده هو ما يعتقده حكمًا لله عز وجل، فلا يجوز له العدول عنه لقول أحد([26]).

الأمر الثاني: أن يضيق عليه الوقت، ويتعسر عليه الحكم، ففي هذه الحالة يجوز له تقليد إمامه؛ وذلك لأنه عجز عن الاجتهاد فجاز له التقليد، وقد حكوا الاتفاق على ذلك، يقول أبو حامد الغزالي: “وقد اتفقوا على جواز التقليد عند ضيق الوقت، وعسر الوصول إلى الحكم بالاجتهاد والنظر”([27]).

ولهم في المسألة تفصيل يفرقون فيه بين أن يقلد في نفسه، أو يفتي غيره، فبعضهم يجعله رخصة له لا يجوز تعديتها إلى غيره، وبعضهم يذكر في هذه الصورة خلافًا لكنه أقرب إلى اللفظي، والصحيح هو ما ذكرناه من جواز التقليد للمجتهد في هذه الحالة، فإذا تبين ذلك يمكن أن نقول إن التمذهب بالنسبة للمجتهد جائز في الجملة، وعليه عموم المسلمين ما لم يكن التمذهب مرادفًا للتعصب والتقليد الأعمى الذي قد يؤدى إلى رد الكتاب وصحيح السنة، وإذا عرفت أيها القارئ الكريم أن هناك صورًا من تمذهب المجتهد جائزة وأخرى غير جائزة؛ بقي أن نوضح حكم تمذهب غير المجتهد .

حكم تمذهب غير المجتهد:

غير المجتهد يشمل من قصر عن مرتبة الاجتهاد ممن لا قدرة له على معرفة أدلة المسائل، أو معرفة مآخذها وكذلك العامي، وجمهور العلماء يجوزون التمذهب لمن قصر عن مرتبة الاجتهاد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “والذي عليه جماهير الأمّة: أنّ الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كلّ أحد ويُحرّمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كلّ أحد ويُحرّمون الاجتهاد، وأنّ الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد” ([28])، وكلام ابن تيمية جمع شتات المسألة، وهو أن محل التمذهب العجز عن الاجتهاد، وقد مر معنا جواز التمذهب للمجتهد فيما خفي عليه وضاق عليه وقته، وتلك مقدمة توجب حتمًا جوازه لمن هو دونه، يقول الشنقيطيّ: “أمّا التقليد الجائز الذي لا يكاد يُخالف فيه أحد من المسلمين، فهو تقليد العامّي عالمًا أهلًا للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلاف فيه، فقد كان العامي يسأل من شاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم النازلة تنزل به، فيفتيه فيعمل بفتياه”([29]). وقال الإمام ابن قدامة المقدسيّ: “وأمّا التقليد في الفروع فهو جائز إجماعًا”([30]).

قال الإمام ابن عبد البر: “ولم يختلف العلماء أنّ العامّة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقوله: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون} [النحل: 43، الأنبياء:7]. قال: وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره في القبلة”([31])، وبنحو قوله قال القرافي([32]).

ولهذا القول أدلة قوية في بابها، منها: قوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل: 43، الأنبياء:7]، قالوا : إنّ الله تعالى يأمر من لا يعلم أن يسأل من يعلم، وهذا يدلّ قطعًا على أنّ الناس فيهم العالم والجاهل, وعلى الجاهل أن يسأل العالم عمّا يحتاج إليه ويعرفه، فتكليف الناس جميعًا بأن يكونوا مجتهدين يُخالف ما تفيده الآية الكريمة([33]).

ومنها: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [ التوبة : 122 ]. قال الإمام الزركشيّ: “فأمر بقبول قول أهل العلم، فيما كان من أمر دينهم، ولولا أنّه يجب الرجوع إليهم لما كان للنذارة معنى؛ ولقضية الذي شُجَّ فأمروه أن يغتسل، وقالوا: لسنا نجد لك رخصة، فاغتسل ومات فقال النبي – عليه السلام-: «قتلوه قتلهم الله، إنما كان شفاء العِيّ السؤال» فبان بذلك جواز التقليد….، ولأنه لا خلاف أن طلب العلم من فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض، سقط عن الباقين، ولو منعنا التقليد، لأفضى إلى أن يكون من فروض الأعيان، ونقل غير واحد إجماع الصحابة فمن بعدهم عليه، فإنهم كانوا يفتون العوام، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، ولأن الذي يذكره المجتهد له من الدليل، إن كان بحيث لا يكفي في الحكم فلا عبرة به، وإن كان يذكر له ما يكفي، فأسند إليه الحكم”([34]).

حكم التزام مذهب معين أو الجمع بين المذاهب:

إذا تبين جواز التمذهب لكل من المجتهد وغيره بقي أن نعرف حكم الالتزام بمذهب معين، أو الجمع بين مذهبين بالنسبة للمتذهب، وقد تقدم معنا في أول هذه الورقة أن المدارس الفقهية الكبرى في الأمة أربعة، وسوف نحصر الكلام على حكم التمذهب فيها، وذلك لعدة أسباب:

  • أ‌- أن غيرها من المذاهب لم يحفظ، ولم يدون.
  • ب‌- أن ما يظنه البعض مذهبًا لبعض الأئمة كالثوري والأوزاعي وغيرهما في الغالب يوجد ما يوافقه في هذه المذاهب الأربعة، وإن شذّ فيها، ولم يُشَهَّرْ عند أصحابها.
  • ت‌- أن الخروج عن المذاهب الأربعة بعد استقرارها قد ندر من المجتهدين، فقد يخالف أحد المجتهدين جمهور المذاهب الأربعة لكنه عند البحث لا يخرج عنها.

وتعد مسألة البحث في حكم التمذهب بأحد هذه المذاهب، أو الجمع بينها قضية محورية في التمذهب، ولتقريب المسألة لا بد من التنبيه إلى أن جميع مجتهدي الأمة اتفقوا على قبول وجود هذه المذاهب ومشروعية التمذهب بها، وأن ذلك لا يعارض الاتباع، يبقى أن الالتزام بأحدها التزاما تامًّا إما:

  • أن يكون حصرًا للحق فيه، وهذا مخالف لنصوص الكتاب والسنة والاجماع.

  • أو يُتَّبَعَ فيما قوي دليله، ويخالف فيما ضعف فيه دليله.

وهاهنا يقع الإشكال، فقد ظهر عرض جانبي للتمذهب لم يكن منصوصًا عليه من قبل الأئمة، وهو التعصب للمذهب، وتحريم اتباع غيره من المذاهب، وإن قوي دليلها، وهذا العرض تعرض له المحققون من أهل العلم من أتباع المذاهب، وردّوه وكان نقدهم منصبًّا إلى التمذهب بالفروع دون النظر إلى أدلتها، أو معرفة ضعف أدلتها والتمسك بها بعد ذلك، يقول الإمام الحافظ بن عبد البر المالكي: “يقال لمن قال بالتقليد: لمَ قلت به، وخالفت السلف في ذلك؟ فإنهم لم يقلّدوا، فإن قال: قلدت؛ لأن كتاب الله عز وجل لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله لم أحصها، والذي قلّدته قد علم ذلك، فقلّدت من هو أعلم مني؛ قيل له: أما العلماء إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو اجتمع رأيهم على شيء، فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلّدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض وكلهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه، فإن قال: قلّدته لأني علمت أنه صواب؛ قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: نعم؛ فقد أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال: قلّدته لأنه أعلم مني، قيل له: فقلّد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا، ولا يحصى من قلّدته إِذْ عِلَّتُكَ فيه أنه أعلم منك، وتجدهم في أكثر ما ينزل بهم من السؤال مختلفين، فلم قلّدت أحدهم؟ فإن قال: قلّدته لأنه أعلم الناس؛ قيل له: فهو إذًا أعلم من الصحابة، وكفى بقول مثل هذا قبحًا! وإن قال: إنما قلّدت بعض الصحابة؛ قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت قوله منهم أعلم وأفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه”([35]).

وهذا النص يبين أن مكمن الرفض عند ابن عبد البر للتقليد محصور في قضيتين:

الأولى: أخذ القول دون معرفة دليله.

الثانية: أخذ القول مع ظهور خطئه.

ولا شك أن رد القول بالنسبة له إن كان خاطئًا يفيد قبول ضده، وهو الصواب، وابن عبد البر -كما هو واضح- يحارب عرضًا من أعراض التمذهب وهو التعصب والتقليد، ولا يحارب التمذهب في أصله؛ لأن ابن عبد البر نفسه متمذهب، وقد انتصر لمذهب إمامه مالك في كتابيه “الاستذكار” و”التمهيد”، كما أفرد مذهبه بالتأليف فألّف كتابه “الكافي في فقه أهل المدينة “، وقال فيه: “فإن بعض إخواننا من أهل الطلب و العناية والرغبة في الزيادة من التعلم سألني أن أجمع له كتابًا مختصرًا في الفقه، يجمع المسائل التي هي أصول وأمهات لما يبنى عليها من الفروع والبينات في فوائد الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، يكون جامعًا مهذبًا، وكافيًا مقربًا، ومختصرًا مبوبًا، يستذكر به عند الاشتغال، وما يدرك الإنسان من الملال، ويكفي عن المؤلفات الطوال، ويقوم مقام المذاكرة عند عدم المدارسة، فرأيت أن أجيبه إلى ذلك لما رجوت فيه من عون العالم المقتصر، ونفع الطالب المسترشد، التماسا لثواب الله عز وجل في تقريبه على من أراده، واعتمدت فيه على علم أهل المدينة، وسلكت فيه مسلك مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس رحمه الله”([36]).

وهذا الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كثيرًا ما كان يصرح بتمذهبه بمذهب الإمام أحمد فيقول: “قال أصحابنا”([37]).

أما بالنسبة لقضيتنا محل البحث فبعد أن تبين لنا أنه لا يجوز مخالفة الدليل الراجح؛ فإن العلماء اختلفوا في لزوم أحد هذه المذاهب الأربعة دون الثلاثة، وجمهورهم على جواز الانتقال من مذهب إلى مذهب، وبالنسبة للخروج عن المذهب في بعض الأمور فهذا قد جرى عليه عملهم، وهو مخالفة المذهب في بعض فروعه، ولا يخرج عن الانتساب إلى المذهب كما مر معنا في كلام السبكي، قال في المراقى:

وجائز تقليد ذي اجتهاد

 

وهو مفضول بلا استبعاد

 

فكل مذهب وسيلة إلى

 

دار الحبور والقصور جعلا

 

يعني أنه لا يجب البحث عن الأورع بل يجوز تقليد كل صاحب اجتهاد؛ لأن هذه المذاهب كلها على هدى، وموصلة إلى دار الحبور وهي الجنة وهذا هو مذهب جمهور العلماء([38]).

لكن لابد من تحرير محل النزاع في المسألة وتبيين الفرق بين الجمع بين المذاهب والانتقال من مذهب إلى مذهب، مع أن الكل أجازه الجمهور، لكن يمكن التفريق بينهما بمعرفة الشروط، فالمجيزون للجمع بين مذهبين -سواء في مسألة واحدة أو في مسائل متعددة- أجازوا ذلك بشروط:

  • ألا يجمع بين المذهبين على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود.
  • ألا يكون ذلك فيما ينقض فيه حكم الحاكم، وهو أربعة مسائل: مخالفة الإجماع، والقواعد الشرعية، والنص، والقياس الجلي.
  • ألا يكون ذلك على سبيل تتبع الرخص والتشهي.
  • ألا يكون الحكمان اللذان جمع بينهما متناقضان أحدهما يقول بالحرمة والآخر يقول بالوجوب([39]).

أما الانتقال من مذهب إلى مذهب، فإن ذلك له حالات:

الحالة الأولى: أن يكون قد تمكن من مذهبه، وأتقنه ولم يتقن مذهبًا آخر، ففي هذه الحالة لا ينبغي له الانتقال عن مذهبه، وذلك للتفاوت الحاصل بين إدراكه للمذهبين([40]).

الحالة الثانية: أن يصعب عليه التفقه على مذهب معين، ويجد مذهبًا أسهل منه، ففي هذه الحالة يتعين عليه الانتقال([41]).

الحالة الثالثة: ألا يتمكن من مذهب من المذاهب، فيجوز له الانتقال إلى أي مذهب لتساويهما في حقه، وإن كان الأفضل له الالتزام بمذهب بلده([42]).

ولا يمكن للمتذهب أن يكون انتقاله إلى مذهب آخر سالمًا من الإثم إلا بشروط:

  • أن لا يكون طلبًا للرياسة والمنصب.
  • أن يكون المذهب الثاني أرجح من الأول.
  • ألا يكون لمجرد التشهي وحب الانتقال.

قال في المراقى:

أما التمذهب بغير الأول

 

فصنع غير واحد مبجل

 

كحجة الإسلام والطحاوي

 

وابن دقيق العيد ذي الفتاوي

 

أن ينتقل لغرض صحيح

 

ككونه سهلا أو الترجيح

 

وذم من نوى الدنا بالقيس

 

على مهاجر لأم قيس

 

وإن عن القصدين قد تجردا

 

من عَمَّ فَلْتُبِحْ له ما قصدا

 

يعني أنه يجوز لمن كان مالكيًّا أن يصير شافعيًّا، وهذا صنيع كبار الأئمة كحجة الإسلام الغزالي فإنه كان شافعيًّا ثم صار مالكيًّا، وكذلك الطحاوي فقد كان في بدايته شافعيًّا ثم صار حنفيًّا، وانتقل تقي الدين بن دقيق العيد إلى المذهب الشافعي بعد أن كان مالكيًّا، ثم ذكر شروط الانتقال من المذهب التي مرت معنا، وهي سهولة التفقه، ورجحان الأصول، وألا يكون ذلك لغرض دنيوي([43]).

وقد استدل العلماء على جواز الانتقال من مذهب إلى مذهب بأدلة، منها:

  1. انتفاء الدليل الموجب اتباع مذهب إمام معين([44]).
  2. أن الانتقال من مذهب إلى مذهب هو كالانتقال من قول، وهو سائغ([45])، هذا بالإضافة إلى ما تقدم من وجوب اتباع الراجح، وأنه واجب لا راجح، وأن الإنسان متعبد بالعمل به.

ويستفاد من كل سبق جواز التمذهب عمومًا، وأن ذلك لا ينافي اتباع الراجح من الأدلة، وأن محل التمذهب هو الفقه وقواعده، وليست المسائل القطعية التي فيها إجماع، كما أن التمذهب بالمذاهب الأربعة هو الممكن؛ لأنها هي التي دُوِّنت وحُفظت أصولها وفروعها، وغيرها لم يُحفظ ويصعب التفقه عليه، فضلًا عن بلوغ رتبة الاجتهاد، وقد نص الإمام الذهبي على ذلك فقال: “ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقَلَّ من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلًا عن أن يكون مجتهدًا، وانقطع أتباع ثور بعد الثلاث مائة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقى مذهب ابن جرير إلى ما بعد الأربعمائة”([46]).

كما أن المسوغ لإنشاء المذاهب هو المسوغ لاتباعها دون غيرها، ألا وهو ضبط الأقوال وحصرها، حتى تعرف مسائل الإجماع، وما يُقبل وما لا يُقبل، وحتى لا تكون الفتاوى عُرضة للشذوذ والتلاعب، كما أنه لا تلازم بين التمذهب والتعصب للمذهب واتباعه دون كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قام العلماء من جميع المذاهب لرفض التقليد والدعوة للاتباع والعمل بالراجح.

 


([1]) لسان العرب (1/395).

([2]) مقاييس اللغة (2/130).

([3]) الصحاح (1/130).

([4]) لسان العرب (1/395).

([5]) المدخل المفصل إلى فقه الامام أحمد (1/32).

([6]) المسودة (ص524).

([7]) ينظر: مراقي السعود إلى مراقي السعود (ص 450).

([8]) نهاية المحتاج (1/42).

([9]) محيط المحيط (ص 312).

([10]) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (3/103).

([11]) الواضح في أصول الفقه (1/3).

([12]) ورد هذا عن جماعة من العلماء، منهم ابن الصلاح في أدب في المفتي والمستفتي (ص 161)، وابن تيمية في المسودة (2/520)، وابن القيم في إعلام الموقعين (2/140).

([13]) ينظر: كتاب التمذهب دراسة نظرية نقدية (1/78).

([14]) قد جعله تعريفًا للتمذهب الزركشي في كتابه تشنيف السامع (4/619).

([15]) الدرر السنية (4/59).

([16]) ينظر: التمذهب دارسة نظرية نقدية (1/350).

([17]) أدب المفتي والمستفتي (ص92).

([18]) المستصفى (2/457).

([19]) المحصول في علم أصول الفقه (6/70).

([20]) مختصر منتهى السول (2/128).

([21]) شرح تنقيح الفصول (ص 250).

([22]) البحر المحيط (6/258).

([23]) التحرير (4/240).

([24]) روضة الناظر (2/160).

([25]) أصول الفقه (4/1515).

([26]) فواتح الرحموت (2/392).

([27]) المنخول (ص589).

([28]) الفتاوى (20/303).

([29]) أضواء البيان (7/306).

([30]) روضة الناظر (2/382).

([31]) جامع بيان العلم وفضله (2/310).

([32]) شرح تنقيح الفصول (ص460).

([33]) ينظر: شرح الكوكب المنير (4/410).

([34]) البحر المحيط (8/330).

([35]) جامع بيان العلم وفضله (2/995).

([36]) الكافي في فقه أهل المدينة (1/137).

([37]) الفتاوى (20/202).

([38]) ينظر: نثر الورود (2/216).

([39]) ينظر: إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين (ص 250).

([40]) ينظر: نشر البنود (2/351)، ومراقي السعود إلى مراقي السعود (ص 462).

([41]) ينظر: جزيل المواهب (ص 43).

([42]) ينظر: المذهب؛ دراسة نظرية نقدية (2/966).

([43]) ينظر: مراقي السعود إلى مراقي السعود (ص 461).

([44]) ينظر: نشر البنود (2/350).

([45]) النظائر لبكر أبوزيد (ص 77).

([46]) سير أعلام النبلاء (7/177).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

(ليسُوا سواء) وجوبُ اتِّباعِ النَّبي ﷺ على أهل الكتاب بينَ نصوصِ الإسلام ونظريَّة عدنان (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدِّمة: جاءَ الإسلامُ دينًا متكاملًا متماسكًا في عقائده وتَشريعاتِه وآدابهِ، ومِن العَوامِل التي كتبهَا الله لبقاءِ هذا الدين العظيم أن جعلَه مبنيًّا على المحكمات، وجعله قائمًا على أصولٍ ثابتَة وأركان متقنة، كفلَت له أن يبقَى شامخًا متماسكًا كاملًا حتى بعد مضيِّ أكثرَ من أربعة عشر قرنًا، وليسَ من الخير […]

همُّ علمائكم اللِّحية والإسبال!!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: إن من مفاخر دين الإسلام الاهتمام بجوانب الحياة البشرية كلِّها، دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، يقول الفارسي سلمان رضي الله عنه: “علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة”([1])، وما من شيء في هذه الحياة إلا ولدين الإسلام فيه حكمٌ، وفي ذلك يقول الشاطبي: “الشريعة بحسب المكلفين […]

فوائد عقدية وتربوية من فتح مكة

مكة هي أم القرى ومهبط الوحي وحرم الله وقبلة الإسلام، ومنها أذن أبراهيم لساكنة الكون يدعوهم لعبادة الله سبحانه وتعالى، وأُمِر بتطهير البيت ليختصّ بأهل التوحيد والإيمان، فكانت رؤية البيت الحرام مؤذِنة بالتوحيد ومعلمة به، {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [الحج: 26]؛ ولذا فإن […]

وقفاتٌ مع متَّهمي السَّلفية بالتعصُّب

الميولُ إلى الظُّلم والحَيف سلوكٌ بشريٌّ ملازم للإنسان إذا لم ينضبِط بالشرع ويعصِي هواه، فالإنسان كما قال الله عز وجل عنه: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]؛ ولذلك إذا اختلَف الناسُ وابتعَدوا عن الدين لم يكُن من رادٍّ له إلى الحقِّ إلا بعث الرسل لإبانة الحقِّ ودفع الخلاف، فكان من مقاصدِ بعثةِ النبي صلى الله […]

وقفات مع مقال: “المسلم التقليدي.. المتَّهم الضحية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   نشر موقع “السوري الجديد” مقالا بعنوان: “المسلم التقليدي.. المتَّهم الضحية”([1]) لكاتبه إياد شربجي، وقد اطَّلعت على المقال، وأعدتُ قراءته لأتلمَّس ما يريد صاحبُه من خلاله، فوجدتُ فيه أخطاء كثيرةً، وكاتبُ المقال صريحٌ في أنَّ نقدَه موجَّه للإسلام، وليس إلى تحقُّقات تاريخيَّة له، فالتحقُّقات بالنسبة له هي نموذج الدِّين […]

تعدُّد الزوجات.. حكمة التشريع وجهل الطاعنين

يسلِّم كلُّ مسلم بحسن حُكم الله تعالى وكمالِه وحكمةِ تشريعه، فلا يجد في نفسه حرجًا من شيء قضاه الله وقضاه رسوله صلى الله عليه وسلم، بل يسلِّم بكل ذلك ويرضى به، لكن أهل الشرك والنفاق بخلاف ذلك، فأحكام الله لا تزيدهم إلا شكًّا على شكِّهم، وضلالًا على ضلالهم، وهذا دليل صدق أخبار الله كما قال […]

نماذج من أجوبة السَّلف في مسائل المعتقد

لا شكَّ أنَّ الجوابَ عن السؤال يكشِف المستوى العلميَّ للمجيب، ومدى تمكُّنه من العلم الذي يتكلَّم به. ولأن السلفَ قدوةٌ في المعتقد والسّلوك فإن التعرُّف على أجوبتهم يعدُّ تعرُّفًا على منهجهم، كما أنه يحدِّد طريقتَهم في تناول مسائل العلم وإشكالاته، وخصوصًا في أبواب المعتقَد؛ إذ تكثر فيه الدَّعوى، ويقلّ فيه الصواب من المتكلِّم بغير عِلم. […]

ترجمة الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد (رحمه الله)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه: هو عبدالقادر بن شيبة الحمد بن يوسف شيبة الحمد الهلالي.  مولده: ولد رحمه الله بمصر في كفر الزيات في عام 1339هـ، وقد توفيت والدته وعمره سنة ونصف فربَّته خالته التي تزوجت من والده بعد وفاة أختها، وقد تربى في تلك المنطقة وترعرع فيها حتى التحق بالأزهر فيما بعد. […]

تغريدات مقالة: حديث قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن- والكيف مجهول!!

  حاجة العباد إلى توحيد الله سبحانه بأسمائه وصفاته أعظم من كل حاجة؛ فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بذلك، وأن يكون الله وحده هو غاية مطلوبهم، وإيثار التقرب إليه قرة عيونهم.   الإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله -عز وجل- وكذلك كل ما جاء به الكتاب، أو […]

قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

جميل أن يعترف المرء بعدم العلم؛ فيسأل عما لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»([1])، وأجمل منه أن يُرشَد إلى الطريق؛ فيجاب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ انقيادًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ […]

“يُستتاب وإلا قتل” معناها، وهل تكرّس للعنف؟

كثيرٌ ممن يقدِّمون أنفسهم لمناقشة ما يسمُّونه الآراء الفقهيّة المتطرِّفة والتفسير الأحادي للدين يخلطون بين المصطلحات متعدِّدة المعاني في الحقول المعرفية، كما يقعون في مغالطة علمية وهي نزع الأولويات، ففقيه متديِّن ملتزم بالفقه يرى أن الأولوية للنصوص، وأن مقصد حفظ الدين مقصد شرعيّ أصيل لا يمكن تجاهُله ولا إغفاله، وهو في تقرير الأحكام ينطلق من […]

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا […]

رمضان وحماية المسلم من الشهوات والشبهات

رمضان شهرُ خيرٍ وبركةٍ، وهو من مواسم الخير التي امتنَّ الله بها على المؤمنين؛ ليزيدوا في أعمال البرِّ، ويصحِّحوا علاقتِهم بالله سبحانه وتعالى. وللمؤمن مع هذا الشهرِ علاقةٌ لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بحمد الله والثناء عليه؛ ذلك أنَّ بلوغَ الشهر هو زيادةٌ في العمر، وزيادةٌ في الطاعة لله سبحانه، فعن طلحة بن عبيد الله […]

الأمانة العلمية لدى السلفيين.. نشر كتب المخالفين نموذجًا

يتعامَل السلفيّون مع ما يصدُر من أيِّ مسلم -وخصوصًا من العلماء- تعاملًا شرعيًّا، فلا يوجَد لدَيهم موقفُ رفضٍ مطلَق أو قبول مطلَق، وإنما المعامَلة مع الأقوال -سواء كانت للسَّلفيين أو مخالفيهم- تخضَع لقانون الشَّرع الذي يقِرُّ مبدأ الحقّ ويردُّ الباطل؛ ولذلك تعاملوا مع الإنتاج الفقهي بنظرةِ تحكيمِ الدليل وتقويم المنتَج، فما كان مِن هَذا التراثِ […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017