الأربعاء - 25 جمادى الآخر 1441 هـ - 19 فبراير 2020 م

الوهابيةُ وزعيمُها

A A

 

للتحميل كملف PDF اضغط هــنــا

ترجمة مختصرة

للشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ

اسمه ونسبه

هو حسن بن عبدالله بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن الإمام محمد بن عبد الوهاب. وهو من أسرة آل الشيخ وهم من آل مشرف عشيرة من المعاضيد من فخذ آل زاخر الذين هم بطن من الوهبة من بني حنظلة من قبيلة بني تميم.

مولده ونشأته

ولد في المدينة المنورة  عام 1352هـ أثناء تواجد والده فيها حينما كان رئيساً للقضاة بالمنطقة الغربية.

نشأ في مكة المكرمة في بيت والده القريب من المسجد الحرام، ودرس المرحلة الابتدائية في المدرسة الرحمانية بمكة المكرمة. ثم التحق بالمعهد العلمي السعودي بمكة وتخرج فيه بتفوق.

ثم التحق بكلية الشريعة بمكة المكرمة عام 1371هـ وتخرج فيها 

مناصبه

عين نائباً لرئيس القضاة.

ثم عين وزيراً للمعارف بعد أخيه الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشيخ

وهو في التاسعة والعشرين من عمره.

ثم عين وزيراً للصحة

ثم عين وزيراً للتعليم العالي وهو آخر منصب شغله قبل وفاته.

أعماله

كان نائب الرئيس الأعلى للجامعات، ثم نائب الرئيس المجلس الأعلى الموحد للجامعات، ثم رئيس مجلس دارة الملك عبدالعزيز .

وقد أسهم في الكتابة الأدبية والاجتماعية والعلمية، وأنشأ المجلة العربية وكان المشرف العام لها، وكان يخصها بمقالاته وبحوثه وأفكاره تحت عنوان (خطوة على الطريق الطويل). وأثرى الصحف والمجلات بالكلمات الهادفة التي يكتبها تحت عنوان (كفاحنا).

مؤلفاته

كرامة الفرد في الإسلام

دورنا في الكفاح

معاملة الإسلام للمرأة

التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية

خواطر جريئة

خواطر على الطريق الطويل

وفاته

توفي إثر نوبة قلبية وهو على رأس العمل حيث كان يوقع معاملات وزارة التعليم العالي مساء السبت 17 جمادى الأول عام 1407هـ عن عمر ناهز الخامسة والخمسين رحمه الله تعالى.

***

الوهابية وزعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب([1])

مستهلّ:

أودُّ قبل أن أتحدث عن الوهابية وزعيمهم الإمام محمد بن عبد الوهاب أن أوضح ما يلي:

1- أن لقب الوهابية لم يختاروه لأنفسهم، ولم يقبلوا إطلاقه عليهم، لكنّه قد أطلق من قِبَل خصومهم، تنفيرًا للناس منهم، وإيهامًا للسامع أنهم جاؤوا بمذهب خامس يخالف المذاهب الإسلامية الأربعة الكُبرى، واللقب الذي يرضونه ويتسمون به هو (السلفيون) أو المحمديون، نسبةً إلى سيدنا محمد بن عبد الله صَلى اللهُ عليه وسلم.

2- أنهم لا يدعون إلى مذهب خاص بهم، أو يكفّرون غيرهم كما يشيع عنهم أعداؤهم، بل هم يؤمنون بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيًّا ورسولا.

محمد بن عبد الوهاب

نشأته:

هو الإمام الداعية الكبير محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد وينتهي نسبه إلى نزار بن معد بن عدنان.

وُلد في بلدة العُيينة من بلدان العارض بنجد سنة 1115 هجرية، (1703م) ونشأ بها، وقرأ القرآن الكريم، وحفظه واتقنه قبل بلوغه العاشرة من عمره، ثم اشتغل بطلب العلم، فقرأ مبادئ العلوم والفقه الحنبلي على والده: الشيخ عبد الوهاب بن سليمان، وكان حاد الذكاء، سريع الحفظ، والفهم، قال عنه أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب: (كان أبوه يعجب من فهمه، ويعترف بالاستفادة منه رغم صغر سنة).

ووالده الشيخ عبد الوهاب مفتي العيينة وقاضيها، وجدّه الشيخ سليمان بن علي هو: مفتي جميع الديار النجدية.

في مكة والمدينة:

لما بلغ الشيخ محمد سن الرشد قدمه والده في إمامة الصلاة، فأخذ يصلي بالناس إمامًا، ثم طلب من والده أن يسمح له بأداء فريضة الحج، ثم بعد فراغه من ذلك سافر إلى المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام بها قريبًا من شهر، ثم عاد إلى  العيينة، وتزوج بها، وشرع في القراءة على والده الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.

ثم سافر إلى الحجاز ليزداد من طلب العلم، وبدأ يتردد ويقرأ على بعض علماء مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأقام بالمدينة مدة يقرأ خلالها على الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ثم المدني، وعلى العالم الكبير محمد حياة السندي المدني صاحب الحاشية المشهورة على صحيح البخاري.

في البصرة:

ثم رجع مرة أخرى إلى وطنه، ومكث به سنة، ثم سافر إلى البصرة (بالعراق) وقرأ بها كثيرًا من كتب الحديث والفقه والنحو، وكان يلازم هناك أحد علماء البصرة الكبار، وهو: الشيخ محمد المجموعي البصير، وكان خلال إقامته بالبصرة يدعو الناس إلى توحيد الله جَلَّ وَعَلَا، ونبذ الإشراك به، وهجر البدع، وأخذ يصرّح بذلك لكثير من جلسائه بالبصرة قائلًا لهم: (أن العبادة كلها لله، ولا يجوز صرف شيء منها لسواه).

وقد استحسن شيخه المجموعي ذلك منه، فأخذ الشيخ محمد يقرر لأستاذه توحيد العبادة، ويوضح له معنى (لا إله إلا الله)، فقَبِل منه شيخه، وانتفع به.

ثم – كما يحدث دائمًا للدعاة الصادقين من أعدائهم الذين يخالفونهم ويعملون ما ينهون عنه – عمل أعداؤه من مخالفيه على إخراجه من البصرة، فخرج منها في يوم شديد الحر، ماشيًا على قدميه، فلما وصل منتصف الطريق بين البصرة والزبير اشتد به العطش حتى كاد يموت، فلقيه رجل يدعى (أبا حميدان) من أهل الزبير، وكان يركب حماره، فوجد على الشيخ أمارات الهيبة والوقار، فسقاه ماء، وحمله معه على حماره حتى وصلا بلدة (الزبير) من أعمال العراق، فمكث الشيخ بها أيامًا، ثم رغب السفر إلى الشام، لكنه لم يكن يملك النفقة التي تكفيه لتلك الرحلة.

رجوعه إلى نجد:

فرجع إلى وطنه (نجد)، مارًّا في طريقه ببلدة الأحساء، وحل بها ضيفًا على الشيخ عبد الله بن محمد الشافعي الإحسائي، ثم رجع إلى وطنه، حاملًا زادًا كثيرًا من العلم، وسلاحًا قويًّا من المعرفة، وقصد (حريملاء) من قرى نجد، حيث قد انتقل والده إليها، فجلس إليه يقرأ ويتعلم منه.

ثم بدأ يخلو بنفسه، وعَكف على دراسة القرآن الكريم، وكتب السنة، وتفاسير علماء السلف وشروحهم، بإمعانٍ وتدبير، فاستفاد من ذلك فائدة قصوى.

ثم عكف على مطالعة كُتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وكتب تلميذه الشيخ محمد ابن قيم الجوزية، فازداد بها علمًا، وتحقيقًا وفهمًا، وقد كتب الشيخ بخط يده كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية لا يزال بعضها حتى الآن موجودًا بالمتحف البريطاني بلندن وغيره، وكان خلال إقامته بحريملاء ينهى الناس عن الإشراك بالله، وينكر البدع التي كانت منتشرة في ذلك العهد وكان قويًّا في إنكاره فطلب إليه أبوه أن يتمهّل في الدعوة؛ خوفًا عليه.

يصدع بالدعوة بعد وفاة والده:

وبعد وفاة والده عام 1153 هـ الموافق 1740م، بدأ يصدع بالدعوة ويعلنها، وأخذ يبعث برسائله إلى بلدان نجد، يدعو الناس من خلالها لعبادة الله وحده، وينهاهم عن التعلّق دونه بغيره من الأنبياء والصالحين، والأشجار والأصنام، واجتهد في الأمر، وانضم إليه أناس من أهل حريملاء استجابوا لدعوته، وانطلقوا يدعون الناس معه، فاشتهر أمره في قرى نجد، ووفد إليه أناس من تلك القرى؛ للتلمذة على يديه، وطلب العلم عن طريقه، وألّف كتابه (التوحيد) الذي هو حقُّ الله على العبيد، وانتشر هذا الكتاب في نجد كلها.

انتقاله إلى العيينة:

ثم اضطر الشيخ إلى الرحيل من (حريملاء)، بعدما حاول بعض الجهلة والموالي أن يتسلّقوا عليه داره ليقتلوه، لما هو عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانتقل إلى (العيينة)، واستقبله أميرها (عثمان بن حمد بن مُعمّر) بالترحيب، وأمر الناس أن يمتثلوا أمره، ويقبلوا قوله، وكان بالعيينة كغيرها من قرى نجد الكثير من القباب والأوثان التي يعظمها الجُهّال، وينسبون إليها الكثير من الأكاذيب.

فقام الشيخ ببيان حقيقة التوحيد لأمير العيينة (عثمان بن معمّر) وطلب منه أن يزيل تلك الأوثان والقباب؛ لمخالفتها لعقيدة التوحيد الصافية، فاستجاب الأمير لذلك، وخرج الشيخ ومعه الأمير عثمان ورجال كثيرون، وهدموا ما هنالك من القباب والأوثان، وتولى الشيخ بنفسه هدم قبة زيد بن الخطاب بيده.

ثم جاءت امرأة إلى الشيخ، واعترفت لديه بالزنا، وتكرر اعترافها وإقرارها، وسأل عنها فوجدها سليمة العقل جائزة التصرّف، فأقام عليها حد الزنا، وهو الرجم، فانتشر بذلك خبره، وخشي (علماء) الضلال على واقعهم من هذه الدعوة الجديدة التي بدأت تنطلق وتجمع الأنصار حولها، فشكوا الشيخ إلى (سليمان بن محمد بن عريعر)، حاكم الأحساء والقطيف آنذاك، فاستجاب لهم، وكتب إلى الأمير عثمان بن معمر كتابًا يطلب فيه إخراج الشيخ من بلدته وقطع مرتبه فانصاع ابن معمر لذلك، وطلب من الشيخ مغادرة العيينة.

مغادرته العيينة والتقاؤه بابن سعود:

 فغادرها متوجّهًا إلى الدرعيَّة قرب الرياض، وحلّ بها ضيفًا على أحد تلامذته، وهو الشيخ (أحمد بن سويلم العريني) وذلك في عام 1158 هـ 1745 م. فلما علمَ بمقدمه أمير الدّرعية (الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن) أسرعَ بالمسير إليه في دار الشيخ أحمد، وقابله بالحفاوةِ والبِشر، وقال للشيخ: أبشر أيها الشيخ بالنصر والمنَعة.

فقال الشيخ: وأنا أبشرك إن شاء الله بالأجر والعِزِّ، والتمكين والغلبة، وهذه كلمةُ لا إله إلا الله، مَن تمسّك بها ونصرها غنمَ في الدنيا وربحَ في الآخرة، وهي كلمة التوحيد، الذي دعت إليه الرسل، وأُنزلت به الكتب، وأقام الشيخ يدعو إلى دين الله، ويعلن بطلان ما فيه أكثر أهل زمانه من إشراكٍ بالله، وتعلُّقٍ بغيره من الأوثان والأحجار والأولياء والصالحين، والإمام محمد بن سعود يؤيده وينصره.

وكان (العهد التاريخي) بينهما عندما قال الإمام محمد بن سعود للشيخ: لا شك عندي أن ما دعوت إليه أنه دين الله الذي أرسل به رُسله، وأنزل به كُتبه، وأن ما عليه اليوم أهل نجد من هذه العبادات الباطلة هو كما ذكرت، نفس ما كان عليه المشركون الأولون من الكُفر بالله، فأبشر بنصرتك وحمايتك، والقيام بدعوتك، ولكن أريد أن أشترط عليك شرطين:

الأول: نحن إذا قمنا بنصرتك، وجاهدنا معك، ودان أهل نجد للإسلام، وقبلوا دعوة التوحيد، أخاف أن ترتحل عنَّا، وتستبدل بنا غيرنا.

والثاني: وقت حصاد الثمار، وأخاف أن تقول: لا تأخذ منهم شيئًا.

فقال الشيخ: (أما الشرط الأول فأبسط يدك أعاهدك، الدم بالدم، والهدم بالهدم).

وأما الثاني: فلعل الله أن يفتح عليك الفتوحات فيعوضك عن الغنائم والزكوات ما هو خير منهما.

وتمّ العهد بينهما في ذلك المجلس؛ على إظهار دين الله، والجهاد في سبيله، ومحاربة الشِّرك في كل صوره، وإخلاص العبادة لله.

ثم لما تكالب أعداء الدعوة عليها، وبدأوا يضيّقون الخناق ويهاجمونها، انتقلت الدعوة إلى مرحلة الدفاع عن النفس، ودامت الاشتباكات طوال واحد وعشرين عامًا، انتشرت بعدها الدعوة إلى الله، واطمأن الناس إلى واقعهم الجديد، وتوحّدت قرى نجد جميعها -بعد عهدٍ طويل من الفرقة والاختلاف- تحت لواء واحد، هو لواء العقيدة الصحيحة، وفي عام 1206 هـ الموافق 1791م انتقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى رحمة الله عن عمر يناهز التسعين عامًا قضاها داعيًا إلى الله ومجاهدًا في سبيله.

ما هي حقيقة دعوتهم؟

هم في أصول الدين يتبعون مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتهم في إثبات صفات الله هي طريقة السلف الصالح، التي هي الأسلم والأعلم والأحكم، خلافًا لمَن قال: طريقةُ الخلف أعلم، وذلك بأن يقروا بآيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها، ويكلوا علمها إلى الله، مع اعتقاد حقائها، فالإمام مالك، وهو من أجل علماء السلف، لما سُئل عن الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه: 5]. قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

ويعتقدون أن الخير والشر كله بمشيئة الله، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، فإن العبد لا يقدر على خلقِ أفعاله، بل له كسبٌ رتَّبَ اللهُ عليه الثوابَ فضلًا، والعقابَ عدلًا، وأن المؤمنين يرون اللهَ في الآخرة، بلا كيفٍ ولا إحاطة.

وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ينكرون على مَن قلَّدَ أحدًا من الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذهب غيرهم، ولا يستحقون مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا يدّعيها منهم أحد.

إلا أنهم في بعض المسائل إذا صح لهم نصٌّ جليّ من كتاب أو سنة، أخذوا به وتركوا المذهبَ، ولا يفتشون على أحد في مذهبه، ولا يعترضون عليه.

وعلى العموم فدعوتهم هي الدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح، من إخلاص العبادة لله وحده، ومعنى ( لا إله إلا الله ) هو إخلاص العبادة لله وحده، ونفيها عن سواه، بأي نوعٍ من أنواع العبادة.

ومعنى شهادة أن (محمدًا رسول الله) طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر.

ويعتقدون أن رتبة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حيٌّ في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء، إذ هو أفضل منهم بلا ريبٍ، وأنه يسمع سلامَ المسلِّم عليه.

وتُسنُّ زيارته، إلا أنه لا يجوز شدُّ الرَّحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، ولا بأس أن يقصدَ مع ذلك زيارته، ومَن أنفق نفيس وقته بالاشتغال بالصلاة عليه فقد فازَ بسعادة الدارين.

مَن افترى عليهم كذبًا؟

وفي أحد مؤلفاتهم يقولون: (أما مَن يكذب علينا سترًا للحق، وتلبيسًا على الخَلْقِ، بأننا نفسِّر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافقَ أفهامنا من دون مراجعة شرحٍ، ولا مُعوَّل على شيخ، وأننا نضع من رتبة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وزيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى نزلَ عليه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، مع وكون الآية مدنية، وأننا لا نعتمد على أقوال العلماء، فنتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأننا مُجسِّمة، وأننا نكفِّر الناس على الإطلاق، أهلَ زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه، وأننا لا نقبل بيعة أحد، إلا بعد أخذِ إقراره أنه كان مشركًا، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأننا نهى عن الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونحرِّم زيارة القبور المشروعة مطلقًا، وأن مَن دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون، وأننا لا نرى حق أهل البيت رضوان الله عليهم، وأننا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأننا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شابًّا إذا ترافعوا إلينا…

=نقول عن كل ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم. مَن روى عنا شيئًا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذبَ وافترى، وظلم نفسه.

ومَن شاهدَ حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علمَ قطعيًّا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين، تنفيرًا للناس عن قبول التوحيد لله وحده بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نصَّ عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمَن يشاء؛ لأننا نعتقد أن مَن فعل أنواعًا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنا، وشرب الخمر، وتكرر ذلك منه أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في النار إذا مات موحِّدًا بجميع أنواع العبادة). انتهى.

والخلاصة: أن أتباع محمد بن عبد الوهاب هم سلفيون يعملون لنشر الإسلام الصحيح، كما جاء في كتاب الله وسنة نبيه، وأن ما يُقال عنهم خلاف ذلك هو كذبٌ وافتراء، وُجدَ بسبب الصراع الديني والسياسي الذي كان مسيطرًا على الجزيرة العربية خلال فترة انطلاق الدعوة الجديدة.

وقد تحدث الكثير من مفكري الشرق والغرب عن هذه الدعوة، ووصفوها بما هي عليه، مما لا يتسع له هذا المجال، وأن واجب المنصف المحقق: أن يتعرّف على الحقيقة من مصادرها، وقبل أن يتأثر بالأهواء والأغراض، ثم يحكم فيها عقله، بدلًا من أن يأخذ بأقوال فريق في فريق آخر، ولولا خشية الإطالة لتحدثت كثيرًا عن مؤلفات علماء الدعوة، وردودهم على ما ووجهوا به من أكاذيب، لكنني أثق بأن فيما سبق ما يلقي بعض الأضواء على هذه الدعوة التي قيل عنها الكثير، وافترق الناس حولها بين مؤيد ومعارض.

حسن بن عبد الله آل الشيخ


([1])  نشر المقال في مجلة العربي، فبراير 1971، العدد 147 ص 26 -29

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

هل يُنْكَر في مسائل الخلاف؟

مقدمة: الخلافُ كثير وله أوجه متعدِّدة، وليس على درجة واحدةٍ، فمنه ما هو واسع ويسمَّى عند الفقهاء بخلاف التنوّع، وهو عبارة عن التنازع في موارد الاجتهاد المعتبرة شرعًا والدلالات القريبة التي يحتملها النصّ، مثل الخلاف في معنى القرء: هل هو الحيض أم الطهر؟ ومن الذي بيده عقدة النكاح: هل هو الولي أم الزوج؟ فهذا النوع […]

تقسيمُ السنةِ إلى سنةٍ تشريعيَّة وسنة غيرِ تشريعيَّة بين تقرير الأصوليِّين واحتيال المعاصرين

تمهيد: في عصر الأنوار والرقيِّ والازدهار كان من المناسِب ظهورُ حركةٍ دينيَّة زاهِدة تحاول صدَّ الناس أو تهذيب توجُّههم نحو المادَّة؛ حتى لا ينسَوا الشرعَ، لكن طغيان المادَّة وعلوّ صوت الرفضِ للوحي أتى بنتيجةٍ عكسية، فظهرت حركاتٌ تصالحية مع الواقعِ تسعَى إلى إيجاد ملاءمة بين الشرع والواقع، تمنع اصطدامَهما، وتوقف الشرعَ عند حدِّ التأقلُم مع […]

عرض وتحليل لكتاب : السعودية والحرب على داعش – الفصل الخامس –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة موضوع كتاب (السعودية والحرب على داعش) إجمالًا: كتاب (السعودية والحرب على داعش) لمؤلفه: حسن سالم بن سالم، وهو من إصدارات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، يضع النقاطَ على الحروف في قصَّة هذا التنظيم، ويجيب عن الكثير من التساؤلات، إلا أن الجانب الأهمَّ الذي تناوله الكتاب هو: مِن أين […]

تغريدات مقالة “منهجيَّة النَّقل ووحدةُ النَّاقل حجَّةٌ أخرى على مُنكري السُّنَّة”

نظر الصحابة إلى السنة النبوية كمصدر تشريعي، فهي التي تفصل ما أجمل في القرآن، وتبين غامضه ، وتقيِّد مطلقه، وتخصِّص عموماته، وتشرح أحكامه، فالعلاقة بين القرآن والسُّنة علاقةٌ وطيدةٌ متكاملة. وحجيَّة السنة أمرٌ مقرَّر عند عامَّة المسلمين وعليها دلائل كثيرة، وفي هذا المقال عرَّجنا على طريقةٍ من طرق تثبيت حجية السنة، وهي: اتحاد المنهجية في […]

حديث: «وعنده جاريتان تغنيان» -بيان ودفع شبهة-

كثر في الآونة الأخيرة تَكرارُ بعض المعاصرين لبعض الأحاديث النبوية، وإشاعَة فهمها على غير وجهِها الصحيحِ المقرَّر عند أهل العلم، ومنها حديث: «وعنده جاريتان تغنيان»، حيث استدلَّ به بعضُهم على إباحة الغناء([1])، ولا ينقدح في ذهن المستمِع لما يردِّدونه إلا إباحة الغناء الموجود في واقعِنا المعاصر، والمصحوب بالمعازف وآلات اللهو والموسيقى. وفي هذه المقالة مدارسة […]

المنهج السلفيُّ وتجديد الفِقه

منَ الدعواتِ التي قامَت على قدمٍ وساقٍ في العصر الحديث منذ بداية القرن المنصَرم الدعوةُ إلى تجديد الفقه الإسلاميِّ، وعلى الرغم من كون التجديد مصطلحًا شرعيًّا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا أن الدعواتِ التي نادت بتجديد الفقه كان أغلبُها في حقيقتها تجاوزًا لثوابت الدين([1])؛ ولذا تباينت المواقف تجاهَ هذه القضيةِ بين القبول والرد([2])، […]

ثناء الشيخ أحمد حماني على محمد ابن عبد الوهاب ودعوته

قال الشيخ أحمد حماني -رحمه الله-: أول صوت ارتفع بالإصلاح والإنكار على البدعة والمبتدعين ووجوب الرجوع إلى كتاب الله والتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبذ كل ابتداع ومقاومة أصحابه جاء من الجزيرة العربية، وأعلنه في الناس الإمام محمد بن عبد الوهاب أثناء القرن الثامن عشر (1694-1765)، وقد وجدت دعوته أمامها المقاومةَ الشديدة […]

طوافُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على نسائِه بغُسل واحدٍ ودفعُ شبهةِ تحكيمِ العقل

طوافُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على نسائِه بغُسل واحدٍ ودفعُ شبهةِ تحكيمِ العقل مَن تقحَّم بعقله فيما لا يُحسنه أتى بالغرائب ولحقَتهُ المعايب، وقد يورد العقلُ صاحبَه المهاوي ويودِي به إلى المهالك والمساوي، فالطَّعن في بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة بدعوى عدمِ قبولِ العقول لها ضربٌ من جعل العقل حَكَمًا على […]

ترجمة الشيخ محمد الأمين بوخبزة – رحمه الله-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   اسمه ونسبه: هو محمد بن الأمين بن عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الحاج أبي القاسم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن سعيد بن يحيى بن عبد الله بن يحيى بن سعيد بن يحيى بن محمد بن الولي الصالح أبي الحسن علي بن الحسن […]

منهجيَّة النَّقل ووحدةُ النَّاقل حجَّةٌ أخرى على مُنكري السُّنَّة

ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لعَن الله الواشماتِ والمستوشمات، والنامصات والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسدٍ يقال لها: أمّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآنَ، فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنَّك لعنتَ الواشمات والمستوشمات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق الله؟! فقال عبد الله: وما لي […]

الاحتجاجُ بما عليه الجمهور

للأدلَّة الشرعيَّة طريقتُها الخاصَّة، والتي يجب على الباحثِ في القضايا الشرعيَّة -إذا أراد أن يكون موضوعيًّا- أن يلتزم بها التزاما تامًّا، حتى يتمكَّن من التنزُّل على المراد، ومتى كسِل الإنسان معرفيًّا فقد يجرُّه كسلُه إلى استعمال تلك الأدلةِ استعمالًا مضِرًّا بالفهم والتأويل. ومن النماذج المريبَة التي يتداخل فيها الكسَل المعرفي مع اتِّباع الهوى تبنِّي الجمهور […]

قضيَّةُ الأنبياءِ الأولى هل يُمكن أن تُصبحَ ثانويَّة؟

  للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ المعلومِ أنَّ الله أرسل رسلَه بالهدى ودين الحقِّ، وقد فسَّر العلماء الهدَى بالعلم النافع ودينَ الحقِّ بالعملِ الصالح، والرسُل هم صفوة الله من خلقه، وقد وهبهم الله صفاتِ الكمال البشريّ التي لا يمكن أن يفوقَهم فيها أحدٌ، وهم الدّعاة المخلصون المخلِّصون للخَلق من عذاب الدنيا وخزي […]

اشتراط القطعية في الدليل حتى يكون حجة.. رؤية موضوعية

تمهيد: في أهمية التسليم لأحكام الله تعالى: ليسَ للمسلمِ أن يتعاملَ مع الوحي بمحاذَرة أو يشترط لقبولِه شروطًا، فذلِك مناقضٌ لأصل التسليم والقبول الذي هو حقيقةُ الإيمان والإسلام؛ ولهذا المعنى أكَّدت الشريعةُ على ضرورة الامتثال، وأنه مِن مقاصد الأمر الشرعيِّ كما الابتلاء، ولا شكَّ أنَّ السعي إلى الامتثال يناقِض الندِّيَّة وسوءَ الظنِّ بالأوامر الشرعية، والناظِر […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017