الخميس - 18 ربيع الآخر 1442 هـ - 03 ديسمبر 2020 م

حديث الافتراق رواية ودراية [الجزء الثاني]

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

 

انتهينا في الجزء الأول من إثبات صحة حديث الافتراق بكثرة طرقه وشواهده التي يمكن أن تصل لحد التواتر المعنوي كما ذهب إلى ذلك بعضُ أهل العلم، ولكن من المعلوم أن التصحيح بالطرق والشواهد إنما يكون في الأجزاء التي اتفقت عليها الروايات دون ما انفردت بعضها بروايته إذا كانت لا تنهض بذاتها للاحتجاج.

ولذا لزم علينا أن ننظر في حكم بعض الزيادات التي جاءت في الروايات المختلفة وهي زيادة “كلها في النار إلا واحدة ” وزيادة “الجماعة ” في وصف الفرقة الناجية، وفي رواية أخرى “من كان على ما أنا عليه وأصحابي ” ووصفها بـ ” السواد الأعظم ” وهذه أهم الزيادات التي تتضمنها الروايات ويشكك فيها بعض المعاصرين نظراً لظنهم أنها تثير فرقةً في الأمة وتعمق النزاع بين طوائفها، على عكس ما تضمنته الأحاديث التي تنبذ الفرقة وتحذر منها، فهي خبرٌ يتضمن نهياً عن الافتراق،  كما سنبين ذلك إن شاء الله .

-زيادة (كلها في النار إلا واحدة)

جاءت هذه الزيادة عن أنس وعن معاوية بن أبي سفيان وعن عوف بن مالك وعن عبدالله بن عمرو وعن عمرو بن عوف وعن أبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين.

-حديث أنس بن مالك

فقد رواه أحمد في مسنده [١٢٢٠٨] عن وكيع عن عبدالعزيز [الماجشون]عن صدقة بن يسار عن النميري [زياد بن عبدالله] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وأنتم تفترقون علي مثلها، كلها في النار إلا فرقة)

ورجاله ثقات إلا النميري وهو زياد بن عبدالله وهو ضعيف، قال أبو حاتم الرازي “يكتب حديث ولا يحتج به “وقال ابن حبان “يخطئ وكان من العُبَّاد”

وقال أيضا “منكر الحديث يروي عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات “وقال الحافظ في التقريب “ضعيف “وقد بين ابن عدي في الكامل سبب ضعفه فقال بعد ما ساق له عدة أحاديث “ولزياد بن النميري غير ما ذكرت من الحديث عن أنس، والذي ذكرت من الحديث يرويه عنه، فيه طعن، والبلاء منهم لا منه، وعندي إذا روى عن زياد النميري ثقة فلا بأس بحديثه”١، وهو ما عبر عنه الذهبي بقوله “صويلح ابتلي برواة ضعفاء”٢، وما ذكره ابن عدي والذهبي يفسر وضع ابن حبان له في الثقات، وذكره أيضا في الضعفاء، وقال “لا يجوز الاحتجاج به ”

 

والخلاصة: أن الجمهور على ضعف زياد، ووثقه البعض، وفصل الذهبي وابن عدي كما أسلفنا فوثقه إذا روى عنه ثقة، وصَدَقَةَ بنُ يسار الراوي عنه قال فيه أحمد “ثقة من الثقات” وكذا قال يحيى بن معين ووثقه الحافظ، وعلى كلٍ فمن يراه ضعيفا مطلقا فضعفه ليس شديداً بل قابل للتحسين بالشواهد والمتابعات، وقد أخرجه ابن ماجه في سننه (٣٩٩٣) وابن أبي عاصم (٦٤) من حديث هشام بن عمار قال: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا أبو عمرو حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ، وهذا السند علته هشام بن عمار – وتدليس الوليد – وعنعنة قتادة.

 

أما هشام: فقال الحافظ في التقريب “صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح ”

وقال الذهبي في السير [٤٣١/١١] عند ترجمته: “قال أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ : ذَكَرَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ هِشَامَ بنَ عَمَّارٍ ، فَقَالَ : طَيَّاشٌ ، خَفِيْفٌ ، قال الذهبي قُلْتُ : أَمَّا قَوْلُ الإِمَامِ فِيْهِ : طَيَّاشٌ ، فَلأَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطبَتِهِ : الحَمْدُ للهِ الَّذِي تَجَلَّى لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ.

فَهَذِهِ الكَلِمَةُ لاَ يَنْبَغِي إِطْلاَقُهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَعْنَىً صَحِيْحٌ، وَبِكُلِّ حَالٍ: كَلاَمُ الأَقْرَانِ بَعْضُهُم فِي بَعْضٍ يُحتَمَلُ، وَطَيُّهُ أَوْلَى مِنْ بَثِّهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَّفِقَ المُتَعَاصِرُوْنَ عَلَى جَرْحِ شَيْخٍ، فَيُعْتَمَدُ قَوْلُهُم – وَاللهُ أَعْلَمُ ” .ا.هـ. باختصار

وقد وثقه البعض فقال أبو حاتم : صدوق ، وقال النسائي : لا بأس به ، وقال الذهبي : صدوق مكثر له ما يُنكر ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وعليه فأقل درجات حديثه أنه حسن في الشواهد دون ما انفرد بروايته.

وأما تدليس الوليد : فلا خوف منه فقد صرح بالسماع عن أبي عمرو الأوزاعي ، وبقيت عنعنة قتادة وقد ذكره الحافظ في الطبقة الثالثة من المدلسين وهم من لا يقبل حديثهم إلا بالتصريح بالسماع.

واعتبار تدليس قتادة من الطبقة الثالثة تحتاج لمناقشة تطيل بحثنا ٣ فقد أخرج له البخاري ومسلم والترمذي وابن خزيمة وغيرهم، وصححوا كثيراً من أحاديث قتادة التي عنعن فيها ولم يردوها بعلة التدليس، ولذا قال ابن دقيق رحمه الله “ويجوز أن يرى أنها محمولة على السماع حتى يظهر الانقطاع، وإذا جاز وجاز فليس لنا الحكم عليه بأحد الجائزين مع الاحتمال…. إلى أن قال:  والأقرب في هذا أن نطلب الجواب من غير هذا الطريق أعني طريق القدح بسبب التدليس “٤

فتأمل قول ابن عبد البر: “وقتادة إذا لم يقل: سمعتُ، وخولف في نقله، فلا تقوم به حجة لأنه يدلّس كثيراً عمن لم يسمع عنه “٥ فهذا يبين أن حديثه عن شيخه أنس الذي توبع عليه ولم يخالف مقبول غير مردود ولله الحمد والمنة.

قال الشيخ الألباني رحمه الله عن حديث أنس “حديث صحيح ورجاله ثقات، على ضعف في هشام بن عمار، لكنه قد توبع كما يأتي. والحديث أخرجه ابن ماجه بإسناد المصنف هذا وصححه البوصيري.

والحديث صحيحٌ قطعاً لأن له ست طرق أخرى عن أنس وشواهد عن جمع من الصحابة. وقد استقصى المصنِّف -ابن أبي عاصم –رحمه الله– الكثير منها –كما يأتي ومضى قبله– من حديث عوف بن مالك، وقد خرجتُه في الصحيحة من حديث أبي هريرة من حديث معاوية وسيذكرهما المصنف “٦.

وقد رواه محمد بن نصر المروزي في السنة [رقم  ٥٣] واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد [رقم ١٤٨] من طريق الأوزاعي ، وأخرجه أبو يعلى [رقم  ٤١٢٧] من طريق عكرمة بن عمار كلاهما عن يزيد الرقاشي عن أنس بلفظه، ويزيد ضعيف قال عنه مسلم وأحمد “متروك الحديث”٧.

وأخرجه الآجري في الشريعة “رقم ٢٦” من طريق أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس وأبو معشر ضعيف كما في التقريب [٧١٠٠] وأخرجه الآجري [رقم ٢٨] من طريق سليمان بن طريف عن أنس ورجاله ثقات غير سليمان بن طريف وهو ضعيف منكر الحديث.

وقد رواه عن أنس عبد العزيز بن صهيب كما في الشريعة وفيه مبارك بن سحيم قال عنه الحافظ في التقريب “متروك “.

ورواه عن أنس يحيى بن سعيد الأنصاري كما عند العقيلي وفيه عبدالله بن سفيان قال فيه العقيلي “لا يتابع على حديثه “.

وأخرجه الطبراني في الكبير من طريق عبدالله بن يزيد الدمشقي وفي سنده كثير بن مروان وهو ضعيف وكذبه ابن معين.

ورواه أحمد من طريق سعيد بن أبي هلال عن أنس وفيه ابن لهيعة سيئ الحفظ.

فهذه سبعة طرق للحديث عن أنس منها ما يمكن تحسينه ويشد بعضه بعضا فأقل درجات حديث أنس أنه حسن بشواهده وقد صححه الألباني في الصحيحة والبوصيري وأحمد شاكر في تخريجه للمسند بالشواهد وكثرة الطرق.

 

-حديث معاوية رضي الله عنه

رواه أحمد [١٣٥/٢٨] وأبو داود [٤٥٩٧] والدارمي [٢٤١/٢] والطبراني في الكبير [٨٨٤/١٩] والآجري في الشريعة (٢٣) وغيرهم من طرق عن صفوان بن عمرو حدثنا أزهر بن عبد الله عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال “إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة “.

وهذا الإسناد قوي، وقد اختلف في أزهر بن عبدالله،  واسم أبيه ونسبته، وجزم البخاري أنه :  أزهر بن سعيد ، قال فيه الذهبي في الميزان : تابعي حسن الحديث لكنه ناصبي ، وقال الحافظ في التقريب : صدوق تكلموا فيه للنصب وبقية رجاله ثقات ، ومن المعلوم أن المبتدع إنما ترد بدعته إذا روى ما يوافق بدعته وقد أخرج البخاري عن عمران بن حطان وكان من الخوارج الذين يكفرون عليا ولا فرق بين من يكفره كالخوارج أو يسبه كالنواصب .

وقد صححه الحاكم والذهبي وجود الحافظ العراقي إسناده وحسنه الحافظ في تخريج الكشاف وصححه شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط

والخلاصة أن حديث معاوية حسن لذاته لوجود أزهر بن عبدالله  وصحيح بشواهده.

 

-حديث عوف بن مالك رضي الله عنه .

رواه ابن ماجه ( ٣٩٩٢) وابن أبي عاصم (٦٣) واللالكائي (١٤٩) وقوام السنة الأصبهاني ( ١٩) كلهم من طريق عمرو بن عثمان، حدثنا عباد بن يوسف، حدثني صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك رضي الله عنه مرفوعا قريبا من حديث معاوية وفيه ” لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار ” .قيل : يا رسول الله ! من هم؟ قال: “الجماعة “.

قال الشيخ الألباني رحمه الله “إسناده جيد رجاله كلهم ثقات معروفون غير عباد بن يوسف وهو ثقة إن شاء الله وعمرو بن عثمان هو ابن سعيد القرشي الحمصي وعنه رواه ابن ماجه وقد خرجته في الأحاديث الصحيحة “٨، وقال فيه الأرناؤوط “رجاله ثقات “وقال ابن كثير في النهاية :”إسناده لا بأس به “وعمرو بن عثمان: ثقة ، انظر التهذيب [٧٦/٨]،  وعباد بن يوسف : عَدَّه ابن حبان في الثقات، ووثقه ابن ماجه وابن أبي عاصم، فهو صدوق حسن الحديث. انظر التهذيب [١١٠/٥].

وصفوان بن عمرو : ثقة، وراشد بن سعد: ثقة ، انظر التهذيب [٢٢٥/٣] .

فحديث عوف حسن لذاته صحيح ويشهد له حديث معاوية فهو صحيح.

 

-حديث عمرو بن عوف المزني:

رواه الحاكم (٦٧) وقال بعد روايته “تفرد به كثير بن عبدالله ولا تقوم به الحجة”، وقال عنه ابن حبان: “منكر الحديث جدا يروي عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب ” انظر المجروحين [٢٢١/٢].

-حديث عبدالله بن عمرو بن العاص:

وفيه زيادة :”قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ “قال :(ما أنا عليه وأصحابي )

رواه الترمذي [٢٦٤١] والآجري في الشريعة ( ٢٣) واللالكائي ( ١٤٥) وغيرهم وقال الترمذي بعد روايته “هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه عن مثل هذا إلا من هذا الوجه “ومداره على عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ، قال فيه البخاري “مقارب الحديث” ووثقه يحيى القطان مرة وضعفه أخرى، وقال أحمد “ليس بشيء منكر الحديث “وقال ابن القطان :”والحق أنه ضعيف لكثرة روايته المنكرات وهو أمر يعتري الصالحين “٩وقال الحافظ “ضعيف في حفظه “انظر التقريب :٣٨٦٢.

وقد أورد العقيلي في الضعفاء الكبير [٢٦٢/٢] شاهداً له من طريق عبدالله بن سفيان الخزاعي الواسطي عن يحيي بن سعيد الأنصاري عن أنس بنفس حديث عبدالله بن عمرو، وقال بعده: “ليس له من حديث يحيى بن سعيد أصل، وإنما يعرف هذا الحديث من حديث الأفريقي عن عبدالله بن يزيد عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ” وعبدالله بن سفيان قال فيه العقيلي قبل إيراد هذا الحديث: “لا يتابع على حديثه” ، وعليه فلا يصلح هذا شاهدا للحديث السابق.

وعليه فحديث عبدالله بن عمرو ضعيف سندا، وإن كان ذكر الافتراق وكون هذه الفرق في النار إلا واحدة قد سبقت شواهد عدة له كما أوردنا وسنورد دون جملة (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فلا تصح سندا وإن كان معناها صحيحا كما سنبين في فقه هذا الحديث إن شاء الله.

 

-حديث أبي أمامة رضي الله عنه

رواه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨) والطبراني في الكبير ( ٨٠٣٥) ، واللالكائي (١٥١) ، والبيهقي ( ١٨٨/٨) وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن / باب ما جاء في ظهور البدع والأهواء.

ومدار أسانيدهم جميعا على أبي غالب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (افترقت بنو إسرائيل علي إحدى وسبعين فرقة أو قال اثنتين وسبعين فرقة وتزيد هذه الأمة فرقة واحدة، كلها في النار إلا السواد الأعظم).

وقد رواه ابن ابي عاصم عن أبي بكر بن شيبة، حدثنا قطن بن عبدالله، عن أبي غالب بمثله.

وأبو بكر، هو الإمام عبدالله بن محمد بن إبراهيم: ثقة حافظ ، وأما قطن فذكره البخاري و ابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، قال الألباني في ظلال السنة “قطن مجهول الحال فإن كان الحديث فيهما -أي في الكبير والأوسط -من غير طريق قطن هذا فهو حسن”.

أما أبو غالب قال يحيى بن معين: ثقة، وقال الدار قطني: ثقة، وقال ابن عدي “ولم أر في حديثه حديثا منكرا جدا وأرجو أنه لا بأس به ”

وقال الحافظ “صدوق يخطئ” التقريب ٤٦٠/٢.

– فهذا الإسناد ضعيف لجهالة قطن بن عبدالله.

وقد تابعه عدد من الرواة منهم: حماد بن زيد عند البيهقي والطبراني وغيرهما، وهو ثبت ثقة [التقريب ١٩٧/١]، وتابعه كذلك قريش بن حبان عند الطبراني، وداود بن أبي الفرات: ثقة، عند المروزي، وسلم بن زرير: صدوق حسن الحديث، عند الطبراني واللالكائي.

ورواه ابن أبي أسامة في كتابه من طريق خلف بن الوليد، ثنا أبو جعفر، عن أبي غالب بمثله وفيه قصة مقتل الخوارج (١١).

وأبو جعفر هو: عيسى بن ماهان، قال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة وقد روى عنه الناس وأحاديثه عامتها مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به.

وضعفه أحمد فقال: ليس بقوي في الحديث، وقال مرة: صالح الحديث، وضعفه ابن حبان إلا فيما وافق فيه الثقات وقال فيه: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير، وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، فالأكثر على تضعيفه.

وأما خلف بن الوليد: فوثقه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة ويحيى بن معين.

وهذا وما سبق يصلح شاهدا يحسن به حديث أبي أمامة، وقد حسنه الشيخ أحمد شاكر في تخريج المسند [١٢٢٠٩] ولله الحمد والمنة.

وقد جاءت لفظة ” السواد الأعظم ” من رواية أنس رضي الله عنه عند الآجري في الشريعة (٢١) بسند ضعيف جدا، ففيه مبارك بن سحيم: متروك [التقريب ٦٤١٦] وله علة أخرى وهو سويد بن سعيد: ضعيف مختلط ومدلس وقد عنعن بين مبارك وعبدالعزيز فلا يفرح بها وإن كان معناها صحيحا لما سبق.

والنتيجة التي يمكننا استخلاصها من البحث السابق ما يلي:

١-أن أصل حديث الافتراق لا شك في صحته بل لا يبعد أن يكون من المتواتر المعنوي.

٢- أن زيادة ” كلها في النار إلا واحدة ” زيادة صحيحة قطعا فقد جاءت عن ستة من الصحابة بأسانيد وطرق كثيرة منها ما هو حسن لذاته كحديث معاوية والباقي يصحح بكثرة الطرق والشواهد

٣- أن وصف الفرقة الناجية بالجماعة زيادة ثابتة صحت من حديث معاوية وعوف رضي الله عنهما.

٤- أن وصف الفرقة الناجية بالسواد الأعظم قد ثبت من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.

٥- أن وصف الفرقة الناجية بـ ” من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي” لم تصح من طريق فأسانيدها ضعيفة ولا شاهد لها، وإن كان معناها صحيحا يشهد له حديث العرباض بن سارية ” فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي “وغيره كما سنبين لاحقا إن شاء الله .

تتمتان في بيان بعض الزيادات الأخرى:

– روي حديث الافتراق بلفظ: (تَفَرَّقُ أُمَّتِي عَلَى سَبْعِينَ أَوْ إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً) ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ: ( الزَّنَادِقَةُ ، وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ ) . وهذا الحديث بهذا اللفظ موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رواه العقيلي في الضعفاء [٢٠١/٤] من طريق مُعَاذ بْن يَاسِينَ الزَّيَّاتُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَبْرَدُ بْنُ الْأَشْرَسِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ به مرفوعا ، ثم رواه من طريق يَاسِينَ الزَّيَّاتِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ أَخِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ .

ثم قال العقيلي : “هَذَا حَدِيثٌ لَا يَرْجِعُ مِنْهُ إِلَى صِحَّةٍ، وَلَعَلَّ يَاسِينَ أَخَذَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ أَبْرِدَ هَذَا، وَلَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَلَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ “انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

“هذا الحديث لا أصل له، بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ ”

وقد ذكره ابن الجوزي في [الموضوعات, 1/ 268] من طرق، وقال : “هَذَا الحَدِيث لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… “إلخ.

ومتنه منكر إذ الافتراق في الدين مذموم فكيف يوعد أصحابه بالنجاة ؟! ثم الأدلة صحت على أن الحق واحد والباطل متعدد، فضلا عن كونه مخالفا للحديث السابق الصحيح، بل من تأمل ألفاظه عرف أن لفظة الزنادقة لم تكن مستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إنما استعملها الفقهاء بعد.

-روى البزار في مسنده [١٨٦/٧] والطبراني في الكبير [١٨/ ٥٠] وغيرهما من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال “. وقد استدل به ابن حزم على مذهبه الفاسد بمنع القياس(١١)، والحديث بهذا اللفظ ضعيف، قال البزار بعد روايته “وهذا الحديث لا نعلم أحدا حدث به إلا نعيم بن حماد ولم يتابع عليه ” وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم  ، ثم نقل عن يحيى بن معين قوله: “حديث عوف بن مالك الذي يرويه عيسى بن يونس ليس له أصل، ونحوه عن أحمد ” ورواه البيهقي [١٨٨/١] ثم قال “تفرد به نعيم بن حماد وسرقه عنه جماعة من الضعفاء وهو منكر، وفي غيره من الأحاديث الصحاح الواردة في معناه كفاية وبالله التوفيق “، وعلى فرض صحته فمعناه كما قال ابن عبد البر – رحمه الله – “هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالتخرص والظن، ألا ترى إلى قوله في الحديث : ( يحلون الحرام ويحرمون الحلال ) ؟

ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله، والحرام ما كان في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه، فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم، وقاس برأيه ما خرج منه عن السنة ، فهذا الذي قاس برأيه فضل وأضل ، ومن رد الفروع في علمه إلى أصولها; فلم يقل برأيه فليس فيه حجة لمنع القياس وإبطاله بالكلية والله أعلم.

إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

 ————————————–

١-الكامل في ضعفاء الرجال ( ١٨٦/٢)

 

٢-ديوان الضعفاء (٣٠٨/١)

 

٣-انظر  رسالة الشيخ د . عادل عبدالشكور الزرقي للدكتوراه ( مرويات الإمامين قتادة ويحيي بن أبي كثير المعلة في كتاب الدارقطني ) وقد تكلم فيه عن تدليس قتادة وهو ما نقلنا منه هذه الفقرة .

 

٤-النكت للزركشي (٨١/٢)

 

٥-التمهيد (٣٠٧/٣)

 

٦-هامش كتاب السنة لابن أبي عاصم (٣٢/١)

 

٧-الكني رقم ( ٢٣٢٣) وتهذيب الكمال ( ١٢٦/٢٧)

 

٨- ظلال الجنة تخريج أحاديث كتاب السنة ( ٣٢/١).

 

٩-تهذيب التهذيب ١٧٤/٦

 

١٠-مسند الحارث (٢/٧١٦) علي المكتبة الشاملة

 

١١-المحلي (٨٢/١)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

التفسير باللازم عند السلف ودعوى التأويل

يقَرِّر أهلُ السنة والجماعة أن لأسماء الله تعالى وصفاته دلالاتٍ تدلُّ عليها، وأنها ثلاث: المطابقة، والتضمُّن، والالتزام([1])، وهم بهذا أسعدُ الناس في هذا الباب؛ لمخالفتهم لأهل البدع أهل التعطيل وأهل التحريف. ولإيضاح ذلك على وجهه لا بد أولًا من بيان هذه الدلالات الثلاث كما قرره أهل العلم: دلالة المطابقة: هي دلالة المفرد اللفظية في كمال […]

عرض ونقد لكتاب:(بِدَع السلفيَّةِ الوهابيَّةِ في هَدم الشريعةِ الإسلاميَّة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو نموذج صارخ لما يرتكبه أعداء المنهج السلفي من بغي وعدوان، فهم لا يتقنون سوى الصراخ والعويل فقط، تراهم في كل ناد يرفعون عقيرتهم بالتحذير من التكفير، ثم هم أبشع من يمارسه مع المخالفين بلا ضابط علمي ولا منهجي سوى اتباع الأهواء، في […]

الهجوم على السلفية.. الأسباب والدوافع

في عصر المادَّة واعتزاز كلِّ ذي رأيٍ برأيه وتكلُّم الرويبضة في شأن العامَّة لا يكادُ يوجد أمرٌ يُجمع عليه الناسُ رَغمَ اختلاف ألسنتهم وألوانهم وعقائدهم سِوى الهجوم على السلفيَّة، ولكي تأتي بالنَّقائص وتختصرَها يكفي أن تذكرَ مصطلح السلفيَّة ليجرَّ عليك المصطلحُ بذيله حمولةً سلبيَّة من الرمي بالتكفير والتفجير والتبديع والتفسيق، ولتعَضّك السيوف وتنهشك كلاب الديار […]

تجريم التنقُّص منَ الأنبياء تشريعٌ إسلاميٌّ ومطلبٌ عالميٌّ

حاجة البشر إلى الرسالة: الأنبياءُ الكرام هم مَنِ اصطفاهم الله سبحانه وتعالى مِن خلقه ليحمِّلهم أمانةَ تبليغِ الرسالةِ الإلهيَّة إلى البشريَّة، فهم يبلِّغون أوامر الله ونواهيه، ويبشِّرون العباد وينذرونهم. وإرسالُ الله الرسلَ والأنبياءَ رحمةٌ منه بعباده كلِّهم؛ إذ إنَّه ليس من الحكمة أن يخلقهم فيتركهم هملًا دون توجيه وهداية وإرشاد، فأرسل الرسل وأنزل الكتب ليبين […]

وقفات مع كتاب (صحيح البخاري أسطورة انتهت ومؤلفه)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  برز على الساحة كتاب بعنوان “صحيح البخاري: أسطورة انتهت” لمؤلفه رشيد إيلال المغربي. وبما أن الموضوع يتعلق بأوثق كتاب للمصدر الثاني للإسلام، ظهرت كتابات متعددة، تتراوح بين المعالجة المختصرة جدا والتفصيلية جدا التي تزيد صفحاتها على 450 صفحة. وتتألف الوقفات من خمس وقفات رئيسة وخاتمة تناقش المناهج الرئيسة للكتاب […]

هل استبدَّت الأشعريةُ بالمذهب المالكي في المغرب؟

الإشكالية: لا يُفرِّق كثيرٌ منَ الناس بين انتشار المذهَب نتيجةً لقوَّة أدلته وبين انتشاره نتيجةً لعوامل تاريخيّة شكَّلته على مرِّ العصور وساعدت في استقراره، وقد يكون من بين هذه العوامل الانتحالُ له والدعاية العريضة وتبني السلاطين لَه، فقد كان المعتزلة في فترة ظهورِهم هم السواد الأعظم، فمنهم القضاة، ومنهم الوزراء، ومنهم أئمة اللغة والكُتّاب، ولم […]

ترجمة الشيخ علي بن حسن الحلبي رحمه الله تعالى([1])

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه وكنيته ولقبه ونسبتُه: هو: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد، أبو الحارث وأبو الحسن، السلفيُّ الأثريُّ، الفلسطيني اليافي أصلًا ومنبتًا، الأردُنِّيُّ مولدًا، الحلبيُّ نسبة. مولده: كانت أسرة الشيخ في بلدة يافا في فلسطين، وبعد احتلال فلسطين عام (1368هـ-1948م) واستيلاء اليهود على بلدة أهله يافا هاجرت […]

صورة النبي ﷺ في الخطاب الاستشراقي وأثره في الإعلام الغربي (الإعلام الفرنسي نموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وبعد: فقد تجددت حملات الاستهزاء برسولنا ﷺ في الغرب هذه الآونة الأخيرة، وهذه المرة كانت بزعامة دولة فرنسا، وبتصريحات رئيسها الأبتر “ماكرون”، الذي عبّر عن هذا الصنيع بأنه من […]

بدعة القراءة الجديدة للنصوص والتحلل من أركان الإسلام (2) “الزكاة والصيام والحج نموذجًا”

تقدَّم في المقالة السابقة نقضُ الانحرافات التي اخترَعها الحداثيّون حول رُكنَيِ الشهادتين والصلاةِ من أركان الإسلام، وفي هذه المقالة إكمالٌ لنقض ما أحدثوه من الانحرافات والمغالطات في سائر أركان الإسلام من الزكاة والصيام والحج؛ انطلاقًا من ادِّعائهم الفهم الجديد للإسلام، وقد اصطلح بعضهم لهذا بعنوان: “الرسالة الثانية للإسلام”، أو “الوجه الثاني لرسالة الإسلام”؛ إيماءً إلى […]

صُورٌ من نُصرة الله وانتِصاره لرسولِه ﷺ عَبرَ القرونِ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إنَّ من عظيم فضلِ النبي صلى الله عليه وسلم أن اختصَّه الله سبحانه بخصائص لم تكن لأحدٍ قبله، ومنها أنه تعالى تولى نصرتَه صلى الله عليه وسلم والانتصارَ له والردَّ على أعدائه، بخلاف من تقدَّمه من الأنبياء عليهم السلام؛ فإنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم، ويتولَّون الردَّ على أعدائهم بأنفسهم([1]). […]

لماذا يرفض المسلمون الإساءةَ لدينهم؟

لماذا يرفضُ المسلمون الإساءة لدينهم، ويشتدُّ غضبُهم عند الإساءة لرسولهم؛ مع أن دينهم يتضمَّن الإساءةَ للأديان الاخرى؟! ألم يصفِ القرآن المشركين بأنَّهم نجسٌ، وأنَّ غيرهم كالأنعام بل هم أضلُّ؟! أولم يصف المسلمون كلَّ من خالف الإسلام بالكفر والشرك والخلود في النار؟! هكذا يردِّد كثير ممن فُتن بالغرب وشعاراته ومذاهبه الفاسدةِ عند حدوث غَضبَة من المسلمين […]

بدعة القراءة الجديدة للنصوص والتحلل من أركان الإسلام (1) “الشهادتان والصلاة نموذجًا”

تعدَّدت وسائل الحداثيِّين والعلمانيِّين في التحلُّل من الشريعة والتكاليفِ، ما بين مجاهرٍ بالتنصُّل منها بالكلِّيَّة صراحة، وما بين متخفٍّ بإلغائها تحت أقنِعَة مختَلِفة -يجمعها مآل واحدٌ- كالتأويل والتجديد ومواكبة التطوُّرات الحديثة، ونحو ذلك من الدعاوى الفارغة من المضمون والبيِّنات. وفي هذه المقالة نقضٌ لما وصل إليه الحداثيّون وغيرهم في هذا المجال -أعني: التحلُّل من التكاليف […]

ترجمة الإمـام محمد بن عبدالوهـاب للشيخ عبد المتعال الصعيدي المتوفى بعد 1377هـ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وبعدُ: فإنَّ سيرة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب ودعوته الإصلاحية وكذلك الدولة السعودية الأولى التي رفعت لواء دعوة التوحيد، تعرَّضت لتشويهٍ كبيرٍ من خصومها، وأُلِّفت ولا تزال تُؤلَّف الكثير الكثير من الكتب لصدِّ الناس عنها وإثارة الشبهات حولها، مثلها […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017