الاثنين - 28 رمضان 1442 هـ - 10 مايو 2021 م

حديث الافتراق رواية ودراية [الجزء الثاني]

A A

#مركز_سلف_للبحوث_والدراسات

 

انتهينا في الجزء الأول من إثبات صحة حديث الافتراق بكثرة طرقه وشواهده التي يمكن أن تصل لحد التواتر المعنوي كما ذهب إلى ذلك بعضُ أهل العلم، ولكن من المعلوم أن التصحيح بالطرق والشواهد إنما يكون في الأجزاء التي اتفقت عليها الروايات دون ما انفردت بعضها بروايته إذا كانت لا تنهض بذاتها للاحتجاج.

ولذا لزم علينا أن ننظر في حكم بعض الزيادات التي جاءت في الروايات المختلفة وهي زيادة “كلها في النار إلا واحدة ” وزيادة “الجماعة ” في وصف الفرقة الناجية، وفي رواية أخرى “من كان على ما أنا عليه وأصحابي ” ووصفها بـ ” السواد الأعظم ” وهذه أهم الزيادات التي تتضمنها الروايات ويشكك فيها بعض المعاصرين نظراً لظنهم أنها تثير فرقةً في الأمة وتعمق النزاع بين طوائفها، على عكس ما تضمنته الأحاديث التي تنبذ الفرقة وتحذر منها، فهي خبرٌ يتضمن نهياً عن الافتراق،  كما سنبين ذلك إن شاء الله .

-زيادة (كلها في النار إلا واحدة)

جاءت هذه الزيادة عن أنس وعن معاوية بن أبي سفيان وعن عوف بن مالك وعن عبدالله بن عمرو وعن عمرو بن عوف وعن أبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين.

-حديث أنس بن مالك

فقد رواه أحمد في مسنده [١٢٢٠٨] عن وكيع عن عبدالعزيز [الماجشون]عن صدقة بن يسار عن النميري [زياد بن عبدالله] عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (إن بني إسرائيل افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وأنتم تفترقون علي مثلها، كلها في النار إلا فرقة)

ورجاله ثقات إلا النميري وهو زياد بن عبدالله وهو ضعيف، قال أبو حاتم الرازي “يكتب حديث ولا يحتج به “وقال ابن حبان “يخطئ وكان من العُبَّاد”

وقال أيضا “منكر الحديث يروي عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات “وقال الحافظ في التقريب “ضعيف “وقد بين ابن عدي في الكامل سبب ضعفه فقال بعد ما ساق له عدة أحاديث “ولزياد بن النميري غير ما ذكرت من الحديث عن أنس، والذي ذكرت من الحديث يرويه عنه، فيه طعن، والبلاء منهم لا منه، وعندي إذا روى عن زياد النميري ثقة فلا بأس بحديثه”١، وهو ما عبر عنه الذهبي بقوله “صويلح ابتلي برواة ضعفاء”٢، وما ذكره ابن عدي والذهبي يفسر وضع ابن حبان له في الثقات، وذكره أيضا في الضعفاء، وقال “لا يجوز الاحتجاج به ”

 

والخلاصة: أن الجمهور على ضعف زياد، ووثقه البعض، وفصل الذهبي وابن عدي كما أسلفنا فوثقه إذا روى عنه ثقة، وصَدَقَةَ بنُ يسار الراوي عنه قال فيه أحمد “ثقة من الثقات” وكذا قال يحيى بن معين ووثقه الحافظ، وعلى كلٍ فمن يراه ضعيفا مطلقا فضعفه ليس شديداً بل قابل للتحسين بالشواهد والمتابعات، وقد أخرجه ابن ماجه في سننه (٣٩٩٣) وابن أبي عاصم (٦٤) من حديث هشام بن عمار قال: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا أبو عمرو حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ، وهذا السند علته هشام بن عمار – وتدليس الوليد – وعنعنة قتادة.

 

أما هشام: فقال الحافظ في التقريب “صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح ”

وقال الذهبي في السير [٤٣١/١١] عند ترجمته: “قال أَبُو بَكْرٍ المَرُّوْذِيُّ : ذَكَرَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ هِشَامَ بنَ عَمَّارٍ ، فَقَالَ : طَيَّاشٌ ، خَفِيْفٌ ، قال الذهبي قُلْتُ : أَمَّا قَوْلُ الإِمَامِ فِيْهِ : طَيَّاشٌ ، فَلأَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطبَتِهِ : الحَمْدُ للهِ الَّذِي تَجَلَّى لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ.

فَهَذِهِ الكَلِمَةُ لاَ يَنْبَغِي إِطْلاَقُهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَعْنَىً صَحِيْحٌ، وَبِكُلِّ حَالٍ: كَلاَمُ الأَقْرَانِ بَعْضُهُم فِي بَعْضٍ يُحتَمَلُ، وَطَيُّهُ أَوْلَى مِنْ بَثِّهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَّفِقَ المُتَعَاصِرُوْنَ عَلَى جَرْحِ شَيْخٍ، فَيُعْتَمَدُ قَوْلُهُم – وَاللهُ أَعْلَمُ ” .ا.هـ. باختصار

وقد وثقه البعض فقال أبو حاتم : صدوق ، وقال النسائي : لا بأس به ، وقال الذهبي : صدوق مكثر له ما يُنكر ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وعليه فأقل درجات حديثه أنه حسن في الشواهد دون ما انفرد بروايته.

وأما تدليس الوليد : فلا خوف منه فقد صرح بالسماع عن أبي عمرو الأوزاعي ، وبقيت عنعنة قتادة وقد ذكره الحافظ في الطبقة الثالثة من المدلسين وهم من لا يقبل حديثهم إلا بالتصريح بالسماع.

واعتبار تدليس قتادة من الطبقة الثالثة تحتاج لمناقشة تطيل بحثنا ٣ فقد أخرج له البخاري ومسلم والترمذي وابن خزيمة وغيرهم، وصححوا كثيراً من أحاديث قتادة التي عنعن فيها ولم يردوها بعلة التدليس، ولذا قال ابن دقيق رحمه الله “ويجوز أن يرى أنها محمولة على السماع حتى يظهر الانقطاع، وإذا جاز وجاز فليس لنا الحكم عليه بأحد الجائزين مع الاحتمال…. إلى أن قال:  والأقرب في هذا أن نطلب الجواب من غير هذا الطريق أعني طريق القدح بسبب التدليس “٤

فتأمل قول ابن عبد البر: “وقتادة إذا لم يقل: سمعتُ، وخولف في نقله، فلا تقوم به حجة لأنه يدلّس كثيراً عمن لم يسمع عنه “٥ فهذا يبين أن حديثه عن شيخه أنس الذي توبع عليه ولم يخالف مقبول غير مردود ولله الحمد والمنة.

قال الشيخ الألباني رحمه الله عن حديث أنس “حديث صحيح ورجاله ثقات، على ضعف في هشام بن عمار، لكنه قد توبع كما يأتي. والحديث أخرجه ابن ماجه بإسناد المصنف هذا وصححه البوصيري.

والحديث صحيحٌ قطعاً لأن له ست طرق أخرى عن أنس وشواهد عن جمع من الصحابة. وقد استقصى المصنِّف -ابن أبي عاصم –رحمه الله– الكثير منها –كما يأتي ومضى قبله– من حديث عوف بن مالك، وقد خرجتُه في الصحيحة من حديث أبي هريرة من حديث معاوية وسيذكرهما المصنف “٦.

وقد رواه محمد بن نصر المروزي في السنة [رقم  ٥٣] واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد [رقم ١٤٨] من طريق الأوزاعي ، وأخرجه أبو يعلى [رقم  ٤١٢٧] من طريق عكرمة بن عمار كلاهما عن يزيد الرقاشي عن أنس بلفظه، ويزيد ضعيف قال عنه مسلم وأحمد “متروك الحديث”٧.

وأخرجه الآجري في الشريعة “رقم ٢٦” من طريق أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس وأبو معشر ضعيف كما في التقريب [٧١٠٠] وأخرجه الآجري [رقم ٢٨] من طريق سليمان بن طريف عن أنس ورجاله ثقات غير سليمان بن طريف وهو ضعيف منكر الحديث.

وقد رواه عن أنس عبد العزيز بن صهيب كما في الشريعة وفيه مبارك بن سحيم قال عنه الحافظ في التقريب “متروك “.

ورواه عن أنس يحيى بن سعيد الأنصاري كما عند العقيلي وفيه عبدالله بن سفيان قال فيه العقيلي “لا يتابع على حديثه “.

وأخرجه الطبراني في الكبير من طريق عبدالله بن يزيد الدمشقي وفي سنده كثير بن مروان وهو ضعيف وكذبه ابن معين.

ورواه أحمد من طريق سعيد بن أبي هلال عن أنس وفيه ابن لهيعة سيئ الحفظ.

فهذه سبعة طرق للحديث عن أنس منها ما يمكن تحسينه ويشد بعضه بعضا فأقل درجات حديث أنس أنه حسن بشواهده وقد صححه الألباني في الصحيحة والبوصيري وأحمد شاكر في تخريجه للمسند بالشواهد وكثرة الطرق.

 

-حديث معاوية رضي الله عنه

رواه أحمد [١٣٥/٢٨] وأبو داود [٤٥٩٧] والدارمي [٢٤١/٢] والطبراني في الكبير [٨٨٤/١٩] والآجري في الشريعة (٢٣) وغيرهم من طرق عن صفوان بن عمرو حدثنا أزهر بن عبد الله عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال “إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة “.

وهذا الإسناد قوي، وقد اختلف في أزهر بن عبدالله،  واسم أبيه ونسبته، وجزم البخاري أنه :  أزهر بن سعيد ، قال فيه الذهبي في الميزان : تابعي حسن الحديث لكنه ناصبي ، وقال الحافظ في التقريب : صدوق تكلموا فيه للنصب وبقية رجاله ثقات ، ومن المعلوم أن المبتدع إنما ترد بدعته إذا روى ما يوافق بدعته وقد أخرج البخاري عن عمران بن حطان وكان من الخوارج الذين يكفرون عليا ولا فرق بين من يكفره كالخوارج أو يسبه كالنواصب .

وقد صححه الحاكم والذهبي وجود الحافظ العراقي إسناده وحسنه الحافظ في تخريج الكشاف وصححه شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط

والخلاصة أن حديث معاوية حسن لذاته لوجود أزهر بن عبدالله  وصحيح بشواهده.

 

-حديث عوف بن مالك رضي الله عنه .

رواه ابن ماجه ( ٣٩٩٢) وابن أبي عاصم (٦٣) واللالكائي (١٤٩) وقوام السنة الأصبهاني ( ١٩) كلهم من طريق عمرو بن عثمان، حدثنا عباد بن يوسف، حدثني صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك رضي الله عنه مرفوعا قريبا من حديث معاوية وفيه ” لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار ” .قيل : يا رسول الله ! من هم؟ قال: “الجماعة “.

قال الشيخ الألباني رحمه الله “إسناده جيد رجاله كلهم ثقات معروفون غير عباد بن يوسف وهو ثقة إن شاء الله وعمرو بن عثمان هو ابن سعيد القرشي الحمصي وعنه رواه ابن ماجه وقد خرجته في الأحاديث الصحيحة “٨، وقال فيه الأرناؤوط “رجاله ثقات “وقال ابن كثير في النهاية :”إسناده لا بأس به “وعمرو بن عثمان: ثقة ، انظر التهذيب [٧٦/٨]،  وعباد بن يوسف : عَدَّه ابن حبان في الثقات، ووثقه ابن ماجه وابن أبي عاصم، فهو صدوق حسن الحديث. انظر التهذيب [١١٠/٥].

وصفوان بن عمرو : ثقة، وراشد بن سعد: ثقة ، انظر التهذيب [٢٢٥/٣] .

فحديث عوف حسن لذاته صحيح ويشهد له حديث معاوية فهو صحيح.

 

-حديث عمرو بن عوف المزني:

رواه الحاكم (٦٧) وقال بعد روايته “تفرد به كثير بن عبدالله ولا تقوم به الحجة”، وقال عنه ابن حبان: “منكر الحديث جدا يروي عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب ” انظر المجروحين [٢٢١/٢].

-حديث عبدالله بن عمرو بن العاص:

وفيه زيادة :”قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ “قال :(ما أنا عليه وأصحابي )

رواه الترمذي [٢٦٤١] والآجري في الشريعة ( ٢٣) واللالكائي ( ١٤٥) وغيرهم وقال الترمذي بعد روايته “هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه عن مثل هذا إلا من هذا الوجه “ومداره على عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ، قال فيه البخاري “مقارب الحديث” ووثقه يحيى القطان مرة وضعفه أخرى، وقال أحمد “ليس بشيء منكر الحديث “وقال ابن القطان :”والحق أنه ضعيف لكثرة روايته المنكرات وهو أمر يعتري الصالحين “٩وقال الحافظ “ضعيف في حفظه “انظر التقريب :٣٨٦٢.

وقد أورد العقيلي في الضعفاء الكبير [٢٦٢/٢] شاهداً له من طريق عبدالله بن سفيان الخزاعي الواسطي عن يحيي بن سعيد الأنصاري عن أنس بنفس حديث عبدالله بن عمرو، وقال بعده: “ليس له من حديث يحيى بن سعيد أصل، وإنما يعرف هذا الحديث من حديث الأفريقي عن عبدالله بن يزيد عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ” وعبدالله بن سفيان قال فيه العقيلي قبل إيراد هذا الحديث: “لا يتابع على حديثه” ، وعليه فلا يصلح هذا شاهدا للحديث السابق.

وعليه فحديث عبدالله بن عمرو ضعيف سندا، وإن كان ذكر الافتراق وكون هذه الفرق في النار إلا واحدة قد سبقت شواهد عدة له كما أوردنا وسنورد دون جملة (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) فلا تصح سندا وإن كان معناها صحيحا كما سنبين في فقه هذا الحديث إن شاء الله.

 

-حديث أبي أمامة رضي الله عنه

رواه ابن أبي عاصم في السنة (٦٨) والطبراني في الكبير ( ٨٠٣٥) ، واللالكائي (١٥١) ، والبيهقي ( ١٨٨/٨) وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن / باب ما جاء في ظهور البدع والأهواء.

ومدار أسانيدهم جميعا على أبي غالب عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (افترقت بنو إسرائيل علي إحدى وسبعين فرقة أو قال اثنتين وسبعين فرقة وتزيد هذه الأمة فرقة واحدة، كلها في النار إلا السواد الأعظم).

وقد رواه ابن ابي عاصم عن أبي بكر بن شيبة، حدثنا قطن بن عبدالله، عن أبي غالب بمثله.

وأبو بكر، هو الإمام عبدالله بن محمد بن إبراهيم: ثقة حافظ ، وأما قطن فذكره البخاري و ابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، قال الألباني في ظلال السنة “قطن مجهول الحال فإن كان الحديث فيهما -أي في الكبير والأوسط -من غير طريق قطن هذا فهو حسن”.

أما أبو غالب قال يحيى بن معين: ثقة، وقال الدار قطني: ثقة، وقال ابن عدي “ولم أر في حديثه حديثا منكرا جدا وأرجو أنه لا بأس به ”

وقال الحافظ “صدوق يخطئ” التقريب ٤٦٠/٢.

– فهذا الإسناد ضعيف لجهالة قطن بن عبدالله.

وقد تابعه عدد من الرواة منهم: حماد بن زيد عند البيهقي والطبراني وغيرهما، وهو ثبت ثقة [التقريب ١٩٧/١]، وتابعه كذلك قريش بن حبان عند الطبراني، وداود بن أبي الفرات: ثقة، عند المروزي، وسلم بن زرير: صدوق حسن الحديث، عند الطبراني واللالكائي.

ورواه ابن أبي أسامة في كتابه من طريق خلف بن الوليد، ثنا أبو جعفر، عن أبي غالب بمثله وفيه قصة مقتل الخوارج (١١).

وأبو جعفر هو: عيسى بن ماهان، قال فيه أبو حاتم الرازي: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة وقد روى عنه الناس وأحاديثه عامتها مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به.

وضعفه أحمد فقال: ليس بقوي في الحديث، وقال مرة: صالح الحديث، وضعفه ابن حبان إلا فيما وافق فيه الثقات وقال فيه: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير، وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، فالأكثر على تضعيفه.

وأما خلف بن الوليد: فوثقه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة ويحيى بن معين.

وهذا وما سبق يصلح شاهدا يحسن به حديث أبي أمامة، وقد حسنه الشيخ أحمد شاكر في تخريج المسند [١٢٢٠٩] ولله الحمد والمنة.

وقد جاءت لفظة ” السواد الأعظم ” من رواية أنس رضي الله عنه عند الآجري في الشريعة (٢١) بسند ضعيف جدا، ففيه مبارك بن سحيم: متروك [التقريب ٦٤١٦] وله علة أخرى وهو سويد بن سعيد: ضعيف مختلط ومدلس وقد عنعن بين مبارك وعبدالعزيز فلا يفرح بها وإن كان معناها صحيحا لما سبق.

والنتيجة التي يمكننا استخلاصها من البحث السابق ما يلي:

١-أن أصل حديث الافتراق لا شك في صحته بل لا يبعد أن يكون من المتواتر المعنوي.

٢- أن زيادة ” كلها في النار إلا واحدة ” زيادة صحيحة قطعا فقد جاءت عن ستة من الصحابة بأسانيد وطرق كثيرة منها ما هو حسن لذاته كحديث معاوية والباقي يصحح بكثرة الطرق والشواهد

٣- أن وصف الفرقة الناجية بالجماعة زيادة ثابتة صحت من حديث معاوية وعوف رضي الله عنهما.

٤- أن وصف الفرقة الناجية بالسواد الأعظم قد ثبت من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.

٥- أن وصف الفرقة الناجية بـ ” من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي” لم تصح من طريق فأسانيدها ضعيفة ولا شاهد لها، وإن كان معناها صحيحا يشهد له حديث العرباض بن سارية ” فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي “وغيره كما سنبين لاحقا إن شاء الله .

تتمتان في بيان بعض الزيادات الأخرى:

– روي حديث الافتراق بلفظ: (تَفَرَّقُ أُمَّتِي عَلَى سَبْعِينَ أَوْ إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً) ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ: ( الزَّنَادِقَةُ ، وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ ) . وهذا الحديث بهذا اللفظ موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رواه العقيلي في الضعفاء [٢٠١/٤] من طريق مُعَاذ بْن يَاسِينَ الزَّيَّاتُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَبْرَدُ بْنُ الْأَشْرَسِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ به مرفوعا ، ثم رواه من طريق يَاسِينَ الزَّيَّاتِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ أَخِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ .

ثم قال العقيلي : “هَذَا حَدِيثٌ لَا يَرْجِعُ مِنْهُ إِلَى صِحَّةٍ، وَلَعَلَّ يَاسِينَ أَخَذَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ أَبْرِدَ هَذَا، وَلَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَلَا مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ “انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

“هذا الحديث لا أصل له، بل هو موضوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ ”

وقد ذكره ابن الجوزي في [الموضوعات, 1/ 268] من طرق، وقال : “هَذَا الحَدِيث لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… “إلخ.

ومتنه منكر إذ الافتراق في الدين مذموم فكيف يوعد أصحابه بالنجاة ؟! ثم الأدلة صحت على أن الحق واحد والباطل متعدد، فضلا عن كونه مخالفا للحديث السابق الصحيح، بل من تأمل ألفاظه عرف أن لفظة الزنادقة لم تكن مستعملة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، إنما استعملها الفقهاء بعد.

-روى البزار في مسنده [١٨٦/٧] والطبراني في الكبير [١٨/ ٥٠] وغيرهما من حديث عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال “. وقد استدل به ابن حزم على مذهبه الفاسد بمنع القياس(١١)، والحديث بهذا اللفظ ضعيف، قال البزار بعد روايته “وهذا الحديث لا نعلم أحدا حدث به إلا نعيم بن حماد ولم يتابع عليه ” وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم  ، ثم نقل عن يحيى بن معين قوله: “حديث عوف بن مالك الذي يرويه عيسى بن يونس ليس له أصل، ونحوه عن أحمد ” ورواه البيهقي [١٨٨/١] ثم قال “تفرد به نعيم بن حماد وسرقه عنه جماعة من الضعفاء وهو منكر، وفي غيره من الأحاديث الصحاح الواردة في معناه كفاية وبالله التوفيق “، وعلى فرض صحته فمعناه كما قال ابن عبد البر – رحمه الله – “هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالتخرص والظن، ألا ترى إلى قوله في الحديث : ( يحلون الحرام ويحرمون الحلال ) ؟

ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله، والحرام ما كان في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه، فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم، وقاس برأيه ما خرج منه عن السنة ، فهذا الذي قاس برأيه فضل وأضل ، ومن رد الفروع في علمه إلى أصولها; فلم يقل برأيه فليس فيه حجة لمنع القياس وإبطاله بالكلية والله أعلم.

إعداد اللجنة العلمية بمركز سلف للبحوث والدراسات [تحت التأسيس]

 ————————————–

١-الكامل في ضعفاء الرجال ( ١٨٦/٢)

 

٢-ديوان الضعفاء (٣٠٨/١)

 

٣-انظر  رسالة الشيخ د . عادل عبدالشكور الزرقي للدكتوراه ( مرويات الإمامين قتادة ويحيي بن أبي كثير المعلة في كتاب الدارقطني ) وقد تكلم فيه عن تدليس قتادة وهو ما نقلنا منه هذه الفقرة .

 

٤-النكت للزركشي (٨١/٢)

 

٥-التمهيد (٣٠٧/٣)

 

٦-هامش كتاب السنة لابن أبي عاصم (٣٢/١)

 

٧-الكني رقم ( ٢٣٢٣) وتهذيب الكمال ( ١٢٦/٢٧)

 

٨- ظلال الجنة تخريج أحاديث كتاب السنة ( ٣٢/١).

 

٩-تهذيب التهذيب ١٧٤/٦

 

١٠-مسند الحارث (٢/٧١٦) علي المكتبة الشاملة

 

١١-المحلي (٨٢/١)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: خلق اللهُ الإنسان فأحسن خَلقَه، وأودع فيه وسائل المعرفة والتَّمييز بين الخير والشر، وميزه بالعقل عن سائر الأنواع الأخرى من مخلوقات الله على الأرض، ثم كان من كرمه سبحانَه وإحسانِه إلى البشرية أن أرسل إليهم رسلًا من أنفسهم؛ إذ إنَّ الإنسان مع عقله وتمييزه للأمور ووسائله المعرفية الفطرية […]

ليلة القدر ..بين تعظيم الشرع واعتقاد العامة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. عظم الشرع بعض الأوقات لمعنى أو لمصلحة أودعها فيها، وهذا المعنى وهذه المصلحة هما قصد الشارع من التعظيم، فينبغي مراعاة قصد الشارع من جهة الشرع لا من جهة اعتقاد المكلف؛ لأن الشرع جاء لمخالفة الإنسان داعية هواه والتزامه بالشرع، وأحيانا يتوارد […]

مُنكرو السنةِ في مواجهةٍ مع القرآن الكريم..(دعوى الاكتفاء بالقرآن.. عرضٌ ومناقشة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة كان المسلمون على منهجٍ واحدٍ في مَصادر التشريع، آخذين بالكتاب والسنة اللّذين يمثِّلان قطبَ النظامِ المعرفي في الإسلام، وبقيت الأمَّة على ذلك حتى ظَهَرت حُفنَة من الأريكيين([1]) ممَّن قال فيهم النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لا ألفِيَنَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري ممَّا أمرت به أو […]

معنى كون الحلال بيِّنًا والحرامِ بيِّنًا

لسانُ الشارع لِسانٌ مبينٌ، وقد قصد للبيان والإرشادِ، وصَرفَ العبارةَ في ذلك، ومِنَ المقطوع به أنَّ الحلال الذي يتوقَّف صلاحُ أمر الناس قد بُيِّن أحسنَ بيان، كما أنَّ الحرامَ الذي يتوقَّف عليه الفسادُ قد بُيِّن أحسنَ بيانٍ، وقد أحال النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانِ أصول الأشياء في أكثر مِن مناسبة، قال عليه الصلاة […]

{ثمَّ أتمُّوا الصِّيام إلى الليل}..دعوى تأخير الإفطار ومناقشتها

كتَب الله الصِّيامَ على المسلمين، وبيَّن ذلك بجلاء في كتابه، وجعله من أركان الإسلام، وهو عبادة عُظمى واضحة الحدِّ والمعالم والأحكام، بيَّنها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في آيات متتاليات، فكان الصيام بتلك الآيات واضحًا جليًّا عند المسلمين، عرفوا ماهيَّته، وحدودَه، ومفطراتِه، ومتى يصومون ومتى يفطرون، وجاءت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وعملُه […]

استدعاء التصوُّف.. الأسباب والمخاطر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يطلُّ اليومَ التصوفُ برأسه من جديدٍ، بعد أن فترت سوقُه لعقود طويلةٍ، وصارت مقالاته لا تجدُ لها رواجًا، بل كثير من منتسبيه العقلاء يستحيون مما يُحكى في كتبهم من خرافات وشَعوَذات كانوا يسيطرون بها على عقول العامَّة والخاصة قديمًا، ويُرهبون الناسَ مِن مخالفتهم بهذه الحكايات السَّمجة، حتى صار […]

السلفيون وشِرك القصور

لا يخفى على مسلم يتلو القرآن من حين إلى حين أن توحيد الله عز وجل أعظم ما أمر به في كتابه الكريم ، وأن الشرك به سبحانه أعظم ما نهى عنه فيه . واستغرق ذلك من الذكر الحكيم الكثير  الكثير من آياته بالأمر والنهي المباشرين كقوله تعالى : ﴿فَأَرسَلنا فيهِم رَسولًا مِنهُم أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ […]

تعارض الأحاديث في تعيين ليلة القدر

أخبارُ الشرع محمولةٌ على الصدق، وأوامره محمولة على التَّعظيم، ولا يمكن لمؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقدَ في الشرع غيرَ اللائق به، ومع ذلك فإنَّ التعارض واردٌ لكنه لا يكون في القطعيّات ولا في الأخبار؛ لأنها إما صِدق أو كذِب، والأخير منفيٌّ عن الشرع جملةً وتفصيلًا، لكن إذا وردَ ما ظاهره التعارضُ بين الأخبار […]

تعظيمُ الإسلامِ لجميع الأنبياء عليهم السلام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: للوهلة الأولى ولمن ليس لديه سابقُ علم بالأديان السماوية يظنّ أن الأنبياء عليهم السلام لا علاقةَ تربط بعضَهم ببعض، فلا غايةَ ولا منهج، بل قد يظنُّ الظانُّ أنهم مرسَلون من أرباب متفرِّقين وليس ربًّا واحدًا لا شريكَ له؛ وذلك لما يراه من تناحر وتباغُض وعِداء بين أتباع هذه […]

رمضان …موسمٌ للتزوُّد بالقوَّة والنشاط

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: نبراسُ المسلم في حياته الدنيا قولُه تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، فهو يخطو الخطوةَ التي أمره الله ورسولُه صلى الله عليه وسلم بها، ويتوقَّف عن أيِّ خطوة نهى الله ورسوله صلى […]

حديث: «كِلْتا يديه يمين» والردّ على منكري صفة اليد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من محاسن اعتقاد السلف بناؤه على نصوص الوحي كتابًا وسنة، بعيدًا عن التكلُّف والتعقيد الكلاميّ، غير معارض للفطر السليمة والعقول المستقيمة؛ لذا كان منهج السلف محكمًا في صفات الباري سبحانه؛ وهو إثباتها على حقيقتها وظاهرها، مع نفي مشابهتها أو مماثلتها لصفات المخلوقين، مع قطع طمع العقول في إدراك كيفيتها؛ […]

حكمة الصيام بين الشرع وشغب الماديين

في عالم المادَّة لا صوتَ يعلُو فوق المحسوس، ولا حِكمة تُقبل إلا بقدر ما توفِّر من اللذَّة الجسمانية، وحاجةُ الروح موضوعَةٌ على مقاعِد الاحتياط، لا يتحدَّث عنها -بزعمهم- إلا الفارغون والكُسالى وأصحابُ الأمراض النفسية، لكن هذه النظرةَ وإن سادت فإنها لم تشيِّد بنيانا معرفيًّا يراعِي البدنَ، ويوفِّر حاجةَ الروح، وإنما أنتجَت فراغًا معرفيًّا وضعفًا في […]

عرض ونقد لكتاب:(تكفير الوهابيَّة لعموم الأمَّة المحمديَّة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: كل من قدَّم علمه وأناخ رحله أمام النَّاس يجب أن يتلقَّى نقدًا، ويسمع رأيًا، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويردّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعملية النَّقدية لا شكَّ أنها تقوِّي جوانب الضعف في الموضوع محلّ النقد، وتبيِّن خلَلَه، فهو ضروريٌّ لتقدّم الفكر في أيّ أمة، كما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017