الأربعاء - 11 شوّال 1441 هـ - 03 يونيو 2020 م

لا تعارض بين مجيء الإسلام بنظام وبين ترك مساحة للاجتهاد

A A

عطفا على المقال الذي نشر بعنوان (دعوى أن الشريعة جاءت بمبادئ دون تفصيلات) وما قد يتوهم منه أن ترك الإسلام مساحة للاجتهاد يتعارض مع مجيئه بالأحكام المفصلة، أو أنه حين جاء بالتفصيلات لم يترك مساحة للاجتهاد أنشأنا هذا المقال…

فلقد جاءت الشريعة بنظام محكم، محدَّد الأهداف، واضح المعالم، متماسك الأسس، لا لبس فيه ولا غموض إلا على من جهله، ولم يفقه مبناه ولا تعقل معناه، ولا توجد قضية إلا وفي النظام الإسلامي من القواعد والضوابط ما يكفي لاستيعابها وبناء موقف منضبط منها؛ لكن هذا الشمول والاستيعاب لا يمنع من ترك مساحة للعقل البشري من أجل إعمال النصوص في بعض الحوادث التي تركت النصوص المجال فيها راجعا إلى تقدير العقل البشري وما تشهد به التجارب والظنون المعتبرة، وذلك رفقا منها بالمكلفين، ومراعاة للتفاوت الحاصل بينهم بحسب الإمكانيات والظروف، وسوف نتناول في هذا المقال مجالات الاجتهاد في السياسة الشرعية والأدلة الدالة على ذلك:

لا يخفى على مسلم أن مراد الشريعة من الأحكام هو جلب المصالح ودرء المفاسد عن المكلفين دنيا وأخرى، كما أن مقصدها من وضع نظام يحكم به هو تحقيق معنى العدل والإحسان، “والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وقيام الناس بالقسط وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقصد”([1]).

ومن ثم فإنه من الطبيعي أن يوجد مجال مقبول لإعمال العقل، وأغلب هذا المجال يتناول الوسائل لتحقيق معاني الأوامر المقصودة شرعا، ولهذا أدلة كثيرة في مجالات متعددة، منها:

قوله عليه الصلاة والسلام: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما))([2]).

ففي هذا الحديث حكم واضح وتعيين لمن هو أحق بالإمامة من غيره، لكن ليس فيه طريق عملي لمعرفة الأقرأ والأعلم، فتحديد ذلك موكول إلى الأمة عن طريق التجربة، أو خبر الواحد العدل، فكل ذلك واسع، فالوسيلة لتحقيق هذا المعنى متروكة للأمة مع اعتبار أن الشرط في الإمام معين من قبل الشارع.

ومثله في الدلالة قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون} [الأنفال: 60]؛ فإن تعليق الإعداد بالاستطاعة يجعله لا حد لأقله ولا لأكثره، كما أن وسائله لم تحدّد من الشارع ولم تعين، وإنما تركت لتقدير المكلف.

ويمكن تلخيص الضوابط الشرعية التي تضمن أن يكون الاجتهاد في الوسائل سليمًا في الأمور التالية:

1- أن تكون محقِّقة للمقصود الذي من أجله وُضعت.

2- ألا تخالف قاعدة من القواعد الشرعية أو مقصدًا من مقاصد الشريعة.

3- ألا تخالف دليلًا من أدلة الشرع التفصيلية.

4- ألا يترتب عليها مفسدة تربو على المصلحة التي تحققها([3]).

وعلى العموم فالترجيح بين المفاسد والمصالح في الغالب عملية اجتهادية ترجع إلى مدى قدرة المكلف على استعمال النصوص في مجالاتها المختلفة، وتظهر مساحة الاجتهاد في السياسة الشرعية في أمور عدة، منها:

أمور السلم والحرب: فكلها مبنية على التجارب والظنون المعتبرة، وما يحقق المصلحة للمسلمين من ذلك، قال سبحانه: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِين} [الأنفال: 58].

قال الشَّافِعِي رحمه الله: “فإذا جاءت دلالة على أن لم يوف أهل هدنة بجميع ما هادنهم عليه فله أن ينبذ إليهم، ومن قلت له أن ينبذ إليه فعليه أن يُلحقه بمأمنه، ثم له أن يحاربه من لا هُدنة له، فإن قال الإمام: أخاف خيانة قوم، ولا دلالة له على خيانتهم من خبر ولا عيان، فليس له -واللَّه تعالى أعلم- نقض مدتهم إذا كانت صحيحة”([4]).

ومنها كذلك التعزير: فكل أمر لم يثبت فيه حد شرعي حكم به الشارع، لكن ثبت أنه مخالفة صريحة للشرع؛ فللحاكم أن يجتهد فيه، وهذا يقع في أبواب كثيرة كالطلاق البدعي والخيانة في الأمانة والاختلاس والمماطلة في الدين، فللحاكم أن يجتهد في الطريق الأسلم لرد حقوق الناس وردع المكلف عن المخالفة الشرعية حتى لا يرتكبها مرة ثانية([5]).

ومنها كذلك اختيار الحكام وتعيين الولاة: فليس ثمة شخص منصوص عليه باسمه، وإنما وضعت الشريعة شروطا لمعرفة الأصلح، ولم تعين كيفيةً لاختياره، بل تركت الأمر إلى أهل العقول والاختصاص من الناس، ثم هذا الاختيار كما تراعى فيه الشروط؛ فإنه يراعى فيه كذلك المعارض من أمور واقعية لا يمكن إغفالها، فإنه مع التعذر يؤخذ بالمستطاع، قال العز بن عبد السلام: “إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة بحيث لا يوجد عدل ولينا أقلهم فسوقا وله أمثلة: أحدها: إذا تعذر في الأئمة فيقدم أقلهم فسوقا عند الإمكان، فإذا كان الأقل فسوقا يفرط في عشر المصالح العامة مثلا، وغيره يفرط في خمسها؛ لم تجز تولية من يفرط في الخمس فما زاد عليه، ويجوز تولية من يفرط في العشر، وإنما جوزنا ذلك لأن حفظ تسعة الأعشار بتضييع العشر أصلح للأيتام ولأهل الإسلام من تضييع الجميع، ومن تضييع الخمس أيضا، فيكون هذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما، ولو تولى الأموال العامة محجور عليه بالتبذير نفذت تصرفاته العامة إذا وافقت الحق للضرورة، ولا ينفذ تصرفه لنفسه؛ إذ لا موجب لإنفاذه مع خصوص مصلحته، ولو ابتلي الناس بتولية امرأة أو صبي مميز يرجع إلى رأي العقلاء فهل ينفذ تصرفهما العام فيما يوافق الحق كتجنيد الأجناد وتولية القضاة والولاة؟ ففي ذلك وقفة.

ولو استولى الكفار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله جلبا للمصالح العامة ودفعا للمفاسد الشاملة؛ إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها، وفي ذلك احتمال بعيد.

المثال الثاني: الحكام إذا تفاوتوا في الفسوق قدمنا أقلهم فسوقا، لأنا لو قدمنا غيره لفات مع المصالح ما لنا عنه مندوحة، ولا يجوز تفويت مصالح الإسلام إلا عند تعذر القيام بها، ولو لم يجوز هذا وأمثاله لضاعت أموال الأيتام كلها، وأموال المصالح بأسرها”([6]).

وحاصل القول أنه لا تعارض بين الاجتهاد وبين تغطية النصوص لمساحات كبيرة من السياسة الشرعية؛ إذ الشريعة هي التي أباحت الاجتهاد وعينت أهله ومجاله، قال سبحانه: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، فجعلهم أهلا لفهم المراد هو تعيين من الشرع لهم في هذه الوظيفة، وقبول قولهم في هذا المجال هو من الشرع وليس مضادًّا له، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) إعلام الموقعين (4/ 372).

([2]) صحيح مسلم (673).

([3]) ينظر: تحطيم الصنم العلماني (ص: 59).

([4]) تفسير الشافعي (2/ 885).

([5]) ينظر: المقدمات الممهدات (2/ 40)، شرح الدرير مع حاشية الدسوقي (2/ 140).

([6]) القواعد الكبرى (1/ 121).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تغريدات ورقة علمية هل ثمة أدعية للوقاية من الأمراض والأوبئة؟

رغم كل هذه الجهود العظيمة لمكافحة وباء كورونا نجد من الناس بإنكار السنة النبوية، ويختلق حربًا لا حقيقة لها. ويشارك في هذه الحرب على السنة شخصان: فأولهم وأشنعهم من يَكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشر الأدعية والأحاديث المكذوبة والموضوعة على أنها واقية من وباء كورونا   ثانيهم وليس أقل شناعة من سابقه: […]

سؤال اليقين (مناقشة الأصل الذي بُنِيَ عليه رد أحاديث الآحاد في العقائد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة مَّما لا شك فيه أنَّ المسلم مطلوب منه اليقين في دينه، فمن شروط قبول الشهادتين: اليقين،  وقد دلَّت أدلة كثيرة على وجوب تحصيله، يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ […]

السلفيّون يتَّبِعون منهَجَ السلف أم شَيخَ الإسلام؟

شيخ الإسلام ومنهج السلف: لا يعتقِد السلفيون أصلًا وجودَ تغايُر حقيقيّ بين منهج السلف وما يقرِّره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهم إنما يعظِّمون شيخ الإسلام لاتِّباعه منهجَ السلف، ورفعه لهذا الشعار في وجه كلِّ مخالف للكتاب والسنة، ومنافحتِه عن المنهج بكلّ ما أوتي من علمٍ وعقل؛ حتى صار علامةً فارقة في التاريخ فيما […]

مقدمة في الدفاع عن الدولة السعودية الأولى ودعوتها الإصلاحية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. التحالف الأول بين إمام الدعوة ولوائها فإن المملكة العربية السعودية المعاصرة هي الامتداد التاريخي والفكري والعقدي التي أسسها الإمام محمد بن سعود حاملًا لواء الدعوة الإصلاحية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله. وقد […]

محاضرة بعنوان “بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين، ونجدِّد الشكر ثالثًا ورابعًا وخامسًا للإخوة الداعين وللإخوة الحاضرين، ونسأل الله -عز وجل- القبول منَّا ومنكم أجمعين. موضوعنا اليوم هو مقومات بناء الشخصية السلفية […]

إرادة الله عز وجل (عقيدةُ المسلم فيها، وأهميتها في زمن الأوبئة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ القدَرَ سِرُّ الله في خَلقه، ولا ينتَهي إلى عِلمه ذو نفس، والناس تحت القدر سائرون، لا يخرجون عن المكتوب، ولا يفعلون غير المراد لله سبحانه؛ لأنهم في ملكه وتحت قدرته، واعتقاد المسلم في القدر اعتقادًا صحيحًا يجعله ذا نفس مطمئنَّة؛ لأنه يرضى بقضاء الله وقدره، وهو على […]

بعض الأحكام المتعلقة بالتراويح في زمن الأوبئة

الحكمة في تشريعات الإسلام: للضرورات أحكامُها، وتصرفاتُ المكلف فيها تختلف عن تصرفاته في غيرها، والحكم فيها ينبغي أن يجريَ على المعهود الوسَط الذي يراعي كلَّ مكلَّف بحسب حاله، فالناس فيهم المرضى، وفيهم من يضربون في الأرض يبتَغون من فضل، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، واهتماماتُ الناس ليسَت واحدةً، ومن ثَمَّ جاءتِ التشريعات مراعيةً لتنوُّع مساعي […]

معالمُ المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلَّاد الإلحاد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلاءُ الحداثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب تعريف التَّصّوف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تصفيد الشياطين وواقع الأمة تحرير معنى حديث: «وصفدت الشياطين»

ظهرت المدرسة العقليَّة محاولةً التشكيكَ في كثيرٍ من الثَّوابت الدينية المتعلِّقة بالاستسلام للوحي والتمسُّك به، فغدت هذه المدرسة تلقِي الشبهات مرةً بعد المرة، وكلُّها تهوِّن من شأن التمسُّك بنصوص الكتاب والسنة، وتدعو إلى إخضاعها للعقل، وجعلها تحت وصايته، وبهذه الطَّريقة ردُّوا كثيرًا من الأحاديث النبوية الصحيحة بحجة معارضتها للعقل، أو تأوَّلوها تأويلات بعيدة باطلة، ولا […]

كيفَ تُظْهِر النوازلُ مَتانةَ وسماحةَ الإسلامِ وشَرائعِه؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: فشا الطاعونُ في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتحديدًا في السنة الثامنة عشرة من الهجرة، فقد دهم الطاعون مدينة عمواس، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قدم إلى الشام وبها الطاعون، ولم يدخُلها، وإنما التقى به الصحابة أمراء الأجناد([1]) في […]

هل من العدل إيجابُ الصِّيام على كلِّ النَّاس مع تفاوت ساعات صيامهم؟

توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلب جناحيه في السماء إلا ذَكَر للأمة منه علمًا، وعلمهم كل شيءٍ حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود وغير ذلك، وبالجملة فقد جاءهم بخير الدُّنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى أحدٍ سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعةٌ أكمل […]

العقيدة الصحيحة في زمن الأوبئة

عقلُ الإنسان وفطرتُه يفرضان عليه المواقفَ منَ الأشياء، وهذه المواقفُ تسبقُها تصوُّراتٌ تشكِّل فيما بعد معتقداتٍ تدفع الإنسانَ نحو الحقيقة، أو يتعثَّر بسببها دونَ السعادة، وهذا التعثُّر عادةً ما يكون نتيجةَ المعتقد الخاطِئ في الأشياء. ومن أخطر الأشياء التي تزلُّ فيها قدم صاحِب العقيدة الأوبئةُ والكوارِث؛ لأنَّ الإنسان يتنازعه فيها عاملان من عوامل الخطأ هما: […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017