الثلاثاء - 15 شوّال 1440 هـ - 18 يونيو 2019 م

الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا

يقول المستشرق سنوك هورخرونيه:

(لقد كانت السِّمَة التي تميز بها محمد بن عبدالوهاب كونه عالمًا تثقف بالعلوم الإسلامية، وفهم مقاصدها وأسرارها، واستطاع بجدارة تامة أن يبرز الإسلام بالصورة الصافية النقية، كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه الصورة لم تكن واضحة لكثير من علماء عصره، الذين تركوا منابع الإسلام الأولى وهي القرآن الكريم والأحاديث النبوية، واعتمدوا على اجتهادات المتأخرين. وأكثر هذه الآراء والاجتهادات لم تكن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما جاءت نتيجة التطورات المستمرة لمختلف المذاهب عبر مختلف القرون، مما حال بين المسلم ومنابع التشريع الأولى، الأمر الذي أصبح معه كثير من المسلمين يهتمون بالقيمة الترتيلية للقرآن الكريم والسنة النبوية، دون البحث عن المعاني المستفادة منهما، تاركين ذلك إلى المؤلفات التي تخص علم الفقه وعلم الشريعة، التي تبحث في ذلك من خلال المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة.

لقد كانت فكرة ابن عبد الوهاب أن يربط الناس بمنابع التشريع الأولى، ويتخطى الفجوة التي تشغل الناس في عصره وتبعدهم عن الإسلام الصحيح.

ولقد كان المحيط الذي نشأ فيه محمد بن عبد الوهاب في وسط الجزيرة محيطًا مناسبًا، إذ لا يوجد محيط آخر مشابه، لم يتغير إلا قليلًا([1])، كما لا يوجد مكان أحسن من ذلك المكان، الذي تقترب فيه اللغة والعادات من تلك التي كانت في الأصل عند ظهور الإسلام.

لقد أدرك محمد بن عبد الوهاب الاختلاف بين الإسلام كما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، والإسلام الذي يمارسه الناس في عصره. كان هذا الاختلاف يتمثل في نقطتين:

أولاهما: الرخاء وما ينتج عنه من مغريات تؤدي إلى التناقضات التام بين تصورات الحياة الموجودة في القرآن، وتصورات الناس القائمة.

فإذا دخلت بدعة من البدع –ولتكن وسيلة تسلية مثلًا- فإن العلماء يقفون منها موقف المعارضة، ولكن عندما يستفحل الداء، فإن العلماء يبدؤون بالتسليم للأمر الواقع.

فعلى سبيل المثال: حرّم العلماء التبغ منذ البداية بعدِّه وسيلة تسلية سيئة، لكنهم فيما بعد تساهلوا في ذلك، وأفتى بعضهم بالسماح به.

     لقد كانت المبادئ التي يدعو لها محمد بن عبد الوهاب لا تقرّ مثل تلك الفتاوى التي ظهرت باسم الدين، ففتاوى الشيخ تطالب بتحريم التبغ وغيره من وسائل الترف الأخرى مثل الموسيقا، واستعمال الحرير، والذهب والفضة في الملابس والحلي للرجال، وغيرها من العادات المنتشرة في الأقطار الإسلامية.

النقطة الثانية التي أثارت الغيرة الدينية لدى هذا المصلح: هي الخطر الذي تسلل إلى عقيدة التوحيد، وذلك عن طريق تقديس الأولياء.

لقد كانت الاستعانة والاستغاثة بالأولياء خاصة عند كثير من الجهلة الجسر الذي يعبر منه هؤلاء إلى الشرك، أو عبادة أكثر من إله، ولقد كان تساهل بعض العلماء في قبول ذلك من أهم أسباب زيادة هذه المنكرات وانتشارها. إن رسل الله وأولياءه لا يستطيعون بعد موتهم أن ينفعوا أو يضروا، فهذا أمر الله وحده.

وزيارات([2]) المقامات والأضرحة هي من عمل الشيطان، وقد كانت المدينة المنورة تدنس من خلال تقديس قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور أصحابه الكرام([3])؛ ولذا فإن تنقية الإسلام تستلزم القضاء على مثل هذه العادات الشركية، والتخلص من تلك المواضع والمواقع التي تساعد على انتشار الشرك.

لقد التزم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإصلاح وجعله هدف دعوته، وكان رائده الإخلاص في القول والعمل. وقد سخر لذلك لسانه وقلمه، بجانب قوة ابن سعود وسيفه الذي تبنى هذه الحركة الإصلاحية ودعمها.

لقد كانت مدرسة الإمام أحمد بن حنبل هي التي رفع لواءها الشيخ، وجعلها أساسًا فكريًّا للإصلاح. وربما تكون هذه المدرسة أكثر المدارس بساطة وقربًا من قلوب السكان، الذي يعيش معظمهم في جهل مطبق، مماثل للجهل الذي كان سائدًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

غير أن هؤلاء السكان لم يكونوا أقل انفتاحًا من ذي قبل، أمام تأثير دين مبسط ميسر، يثبت كل يوم، وعن طريق الوسائل المادية، أنه يعمل بصفته قوة مؤثرة وحافزة([4]).

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) لعله يقصد أنه مجتمع لم يتعرض للاستعمار ولم يتأثر بالثقافة الغربية الوافدة. (المركز)

([2]) زيارة القبور تنقسم إلى شرعية وبدعية، ومن البدعية ما يصل إلى الشرك إذا صاحَبَها استغاثة بالمقبور وطلب الحاجات منه. (المركز)

([3]) أراد بالتقديس التعظيم الذي يتجاوز الحد المشروع وهو زيارة القبر الشريف للسلام أو زيارة القبور للعظة والعبرة والدعاء للأموات. (المركز)

([4]) صفحات من تاريخ مكة المكرمة، سنوك هورخرونيه (1/276-278).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

(ليسُوا سواء) وجوبُ اتِّباعِ النَّبي ﷺ على أهل الكتاب بينَ نصوصِ الإسلام ونظريَّة عدنان (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدِّمة: جاءَ الإسلامُ دينًا متكاملًا متماسكًا في عقائده وتَشريعاتِه وآدابهِ، ومِن العَوامِل التي كتبهَا الله لبقاءِ هذا الدين العظيم أن جعلَه مبنيًّا على المحكمات، وجعله قائمًا على أصولٍ ثابتَة وأركان متقنة، كفلَت له أن يبقَى شامخًا متماسكًا كاملًا حتى بعد مضيِّ أكثرَ من أربعة عشر قرنًا، وليسَ من الخير […]

همُّ علمائكم اللِّحية والإسبال!!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: إن من مفاخر دين الإسلام الاهتمام بجوانب الحياة البشرية كلِّها، دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، يقول الفارسي سلمان رضي الله عنه: “علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة”([1])، وما من شيء في هذه الحياة إلا ولدين الإسلام فيه حكمٌ، وفي ذلك يقول الشاطبي: “الشريعة بحسب المكلفين […]

فوائد عقدية وتربوية من فتح مكة

مكة هي أم القرى ومهبط الوحي وحرم الله وقبلة الإسلام، ومنها أذن أبراهيم لساكنة الكون يدعوهم لعبادة الله سبحانه وتعالى، وأُمِر بتطهير البيت ليختصّ بأهل التوحيد والإيمان، فكانت رؤية البيت الحرام مؤذِنة بالتوحيد ومعلمة به، {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود} [الحج: 26]؛ ولذا فإن […]

وقفاتٌ مع متَّهمي السَّلفية بالتعصُّب

الميولُ إلى الظُّلم والحَيف سلوكٌ بشريٌّ ملازم للإنسان إذا لم ينضبِط بالشرع ويعصِي هواه، فالإنسان كما قال الله عز وجل عنه: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]؛ ولذلك إذا اختلَف الناسُ وابتعَدوا عن الدين لم يكُن من رادٍّ له إلى الحقِّ إلا بعث الرسل لإبانة الحقِّ ودفع الخلاف، فكان من مقاصدِ بعثةِ النبي صلى الله […]

وقفات مع مقال: “المسلم التقليدي.. المتَّهم الضحية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   نشر موقع “السوري الجديد” مقالا بعنوان: “المسلم التقليدي.. المتَّهم الضحية”([1]) لكاتبه إياد شربجي، وقد اطَّلعت على المقال، وأعدتُ قراءته لأتلمَّس ما يريد صاحبُه من خلاله، فوجدتُ فيه أخطاء كثيرةً، وكاتبُ المقال صريحٌ في أنَّ نقدَه موجَّه للإسلام، وليس إلى تحقُّقات تاريخيَّة له، فالتحقُّقات بالنسبة له هي نموذج الدِّين […]

تعدُّد الزوجات.. حكمة التشريع وجهل الطاعنين

يسلِّم كلُّ مسلم بحسن حُكم الله تعالى وكمالِه وحكمةِ تشريعه، فلا يجد في نفسه حرجًا من شيء قضاه الله وقضاه رسوله صلى الله عليه وسلم، بل يسلِّم بكل ذلك ويرضى به، لكن أهل الشرك والنفاق بخلاف ذلك، فأحكام الله لا تزيدهم إلا شكًّا على شكِّهم، وضلالًا على ضلالهم، وهذا دليل صدق أخبار الله كما قال […]

نماذج من أجوبة السَّلف في مسائل المعتقد

لا شكَّ أنَّ الجوابَ عن السؤال يكشِف المستوى العلميَّ للمجيب، ومدى تمكُّنه من العلم الذي يتكلَّم به. ولأن السلفَ قدوةٌ في المعتقد والسّلوك فإن التعرُّف على أجوبتهم يعدُّ تعرُّفًا على منهجهم، كما أنه يحدِّد طريقتَهم في تناول مسائل العلم وإشكالاته، وخصوصًا في أبواب المعتقَد؛ إذ تكثر فيه الدَّعوى، ويقلّ فيه الصواب من المتكلِّم بغير عِلم. […]

ترجمة الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد (رحمه الله)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه: هو عبدالقادر بن شيبة الحمد بن يوسف شيبة الحمد الهلالي.  مولده: ولد رحمه الله بمصر في كفر الزيات في عام 1339هـ، وقد توفيت والدته وعمره سنة ونصف فربَّته خالته التي تزوجت من والده بعد وفاة أختها، وقد تربى في تلك المنطقة وترعرع فيها حتى التحق بالأزهر فيما بعد. […]

تغريدات مقالة: حديث قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن- والكيف مجهول!!

  حاجة العباد إلى توحيد الله سبحانه بأسمائه وصفاته أعظم من كل حاجة؛ فإنه لا سعادة لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بذلك، وأن يكون الله وحده هو غاية مطلوبهم، وإيثار التقرب إليه قرة عيونهم.   الإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله -عز وجل- وكذلك كل ما جاء به الكتاب، أو […]

قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

جميل أن يعترف المرء بعدم العلم؛ فيسأل عما لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»([1])، وأجمل منه أن يُرشَد إلى الطريق؛ فيجاب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ انقيادًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ […]

“يُستتاب وإلا قتل” معناها، وهل تكرّس للعنف؟

كثيرٌ ممن يقدِّمون أنفسهم لمناقشة ما يسمُّونه الآراء الفقهيّة المتطرِّفة والتفسير الأحادي للدين يخلطون بين المصطلحات متعدِّدة المعاني في الحقول المعرفية، كما يقعون في مغالطة علمية وهي نزع الأولويات، ففقيه متديِّن ملتزم بالفقه يرى أن الأولوية للنصوص، وأن مقصد حفظ الدين مقصد شرعيّ أصيل لا يمكن تجاهُله ولا إغفاله، وهو في تقرير الأحكام ينطلق من […]

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا […]

رمضان وحماية المسلم من الشهوات والشبهات

رمضان شهرُ خيرٍ وبركةٍ، وهو من مواسم الخير التي امتنَّ الله بها على المؤمنين؛ ليزيدوا في أعمال البرِّ، ويصحِّحوا علاقتِهم بالله سبحانه وتعالى. وللمؤمن مع هذا الشهرِ علاقةٌ لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بحمد الله والثناء عليه؛ ذلك أنَّ بلوغَ الشهر هو زيادةٌ في العمر، وزيادةٌ في الطاعة لله سبحانه، فعن طلحة بن عبيد الله […]

الأمانة العلمية لدى السلفيين.. نشر كتب المخالفين نموذجًا

يتعامَل السلفيّون مع ما يصدُر من أيِّ مسلم -وخصوصًا من العلماء- تعاملًا شرعيًّا، فلا يوجَد لدَيهم موقفُ رفضٍ مطلَق أو قبول مطلَق، وإنما المعامَلة مع الأقوال -سواء كانت للسَّلفيين أو مخالفيهم- تخضَع لقانون الشَّرع الذي يقِرُّ مبدأ الحقّ ويردُّ الباطل؛ ولذلك تعاملوا مع الإنتاج الفقهي بنظرةِ تحكيمِ الدليل وتقويم المنتَج، فما كان مِن هَذا التراثِ […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017