الخميس - 06 ربيع الآخر 1440 هـ - 13 ديسمبر 2018 م

الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا

يقول المستشرق سنوك هورخرونيه:

(لقد كانت السِّمَة التي تميز بها محمد بن عبدالوهاب كونه عالمًا تثقف بالعلوم الإسلامية، وفهم مقاصدها وأسرارها، واستطاع بجدارة تامة أن يبرز الإسلام بالصورة الصافية النقية، كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه الصورة لم تكن واضحة لكثير من علماء عصره، الذين تركوا منابع الإسلام الأولى وهي القرآن الكريم والأحاديث النبوية، واعتمدوا على اجتهادات المتأخرين. وأكثر هذه الآراء والاجتهادات لم تكن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما جاءت نتيجة التطورات المستمرة لمختلف المذاهب عبر مختلف القرون، مما حال بين المسلم ومنابع التشريع الأولى، الأمر الذي أصبح معه كثير من المسلمين يهتمون بالقيمة الترتيلية للقرآن الكريم والسنة النبوية، دون البحث عن المعاني المستفادة منهما، تاركين ذلك إلى المؤلفات التي تخص علم الفقه وعلم الشريعة، التي تبحث في ذلك من خلال المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة.

لقد كانت فكرة ابن عبد الوهاب أن يربط الناس بمنابع التشريع الأولى، ويتخطى الفجوة التي تشغل الناس في عصره وتبعدهم عن الإسلام الصحيح.

ولقد كان المحيط الذي نشأ فيه محمد بن عبد الوهاب في وسط الجزيرة محيطًا مناسبًا، إذ لا يوجد محيط آخر مشابه، لم يتغير إلا قليلًا([1])، كما لا يوجد مكان أحسن من ذلك المكان، الذي تقترب فيه اللغة والعادات من تلك التي كانت في الأصل عند ظهور الإسلام.

لقد أدرك محمد بن عبد الوهاب الاختلاف بين الإسلام كما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، والإسلام الذي يمارسه الناس في عصره. كان هذا الاختلاف يتمثل في نقطتين:

أولاهما: الرخاء وما ينتج عنه من مغريات تؤدي إلى التناقضات التام بين تصورات الحياة الموجودة في القرآن، وتصورات الناس القائمة.

فإذا دخلت بدعة من البدع –ولتكن وسيلة تسلية مثلًا- فإن العلماء يقفون منها موقف المعارضة، ولكن عندما يستفحل الداء، فإن العلماء يبدؤون بالتسليم للأمر الواقع.

فعلى سبيل المثال: حرّم العلماء التبغ منذ البداية بعدِّه وسيلة تسلية سيئة، لكنهم فيما بعد تساهلوا في ذلك، وأفتى بعضهم بالسماح به.

     لقد كانت المبادئ التي يدعو لها محمد بن عبد الوهاب لا تقرّ مثل تلك الفتاوى التي ظهرت باسم الدين، ففتاوى الشيخ تطالب بتحريم التبغ وغيره من وسائل الترف الأخرى مثل الموسيقا، واستعمال الحرير، والذهب والفضة في الملابس والحلي للرجال، وغيرها من العادات المنتشرة في الأقطار الإسلامية.

النقطة الثانية التي أثارت الغيرة الدينية لدى هذا المصلح: هي الخطر الذي تسلل إلى عقيدة التوحيد، وذلك عن طريق تقديس الأولياء.

لقد كانت الاستعانة والاستغاثة بالأولياء خاصة عند كثير من الجهلة الجسر الذي يعبر منه هؤلاء إلى الشرك، أو عبادة أكثر من إله، ولقد كان تساهل بعض العلماء في قبول ذلك من أهم أسباب زيادة هذه المنكرات وانتشارها. إن رسل الله وأولياءه لا يستطيعون بعد موتهم أن ينفعوا أو يضروا، فهذا أمر الله وحده.

وزيارات([2]) المقامات والأضرحة هي من عمل الشيطان، وقد كانت المدينة المنورة تدنس من خلال تقديس قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور أصحابه الكرام([3])؛ ولذا فإن تنقية الإسلام تستلزم القضاء على مثل هذه العادات الشركية، والتخلص من تلك المواضع والمواقع التي تساعد على انتشار الشرك.

لقد التزم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإصلاح وجعله هدف دعوته، وكان رائده الإخلاص في القول والعمل. وقد سخر لذلك لسانه وقلمه، بجانب قوة ابن سعود وسيفه الذي تبنى هذه الحركة الإصلاحية ودعمها.

لقد كانت مدرسة الإمام أحمد بن حنبل هي التي رفع لواءها الشيخ، وجعلها أساسًا فكريًّا للإصلاح. وربما تكون هذه المدرسة أكثر المدارس بساطة وقربًا من قلوب السكان، الذي يعيش معظمهم في جهل مطبق، مماثل للجهل الذي كان سائدًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

غير أن هؤلاء السكان لم يكونوا أقل انفتاحًا من ذي قبل، أمام تأثير دين مبسط ميسر، يثبت كل يوم، وعن طريق الوسائل المادية، أنه يعمل بصفته قوة مؤثرة وحافزة([4]).

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) لعله يقصد أنه مجتمع لم يتعرض للاستعمار ولم يتأثر بالثقافة الغربية الوافدة. (المركز)

([2]) زيارة القبور تنقسم إلى شرعية وبدعية، ومن البدعية ما يصل إلى الشرك إذا صاحَبَها استغاثة بالمقبور وطلب الحاجات منه. (المركز)

([3]) أراد بالتقديس التعظيم الذي يتجاوز الحد المشروع وهو زيارة القبر الشريف للسلام أو زيارة القبور للعظة والعبرة والدعاء للأموات. (المركز)

([4]) صفحات من تاريخ مكة المكرمة، سنوك هورخرونيه (1/276-278).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

تناقضات خصوم السلفيّة والهروب من الواقع

 لا يوجد حِراك علميٌّ في عصرنا الحديث عانى من الظلم والجور والتمييز مثل ما عانت السلفيَّة من خصومها، حتى إنَّ العقلاء من خصومِها وأربابَ العدل إذا تعلَّق الأمر بالسلفية استعاروا عقولَ غيرهم، وفكَّروا برؤوسٍ مشوهة كأنما لم يخلقها الله على أجسادِهم، وما ذاك إلا تماديًا في الظلم والتنازل عن ميثاق شرف الخصومة الثقافيَّة الذي يمنع […]

حديث: “سجود الشمس تحت العرش” وردّ شُبَه العقلانيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد الذي جعل الله تعالى “أمره ظاهرًا فيما جاء به من الحق، […]

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات […]

ترجمة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الطيِّب بن محمَّد بن إبراهيم بن الحاج صالح العُقْبيُّ. وإلى جدِّه صالح ينسب كلُّ فردٍ من أسرته، فيقال: “ابن الحاج صالح”. والعقبيُّ: نسبة إلى بلدة “سيدي عُقبة” التي تقع بولاية بسكرة، والتي قدِم إليها أحدُ أجداده واستقرَّ بها. ويعود نسبه في الأصل […]

حديث الإسراء والمعراج والرد على المتهوكين فيه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن الحق الواجب اعتقاده أنه قد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة من مكة إلى بيت المقدس في فلسطين، ثم عرج بشخصه صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم حيث شاء الله تعالى من العلا، وهما -أي: رحلتا […]

ما هكذا يُدرَّس علم التَّفسير!

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا قال الشَّيخ العلامةمحمد البشير الإبراهيمي في حفل ختم رفيق دربه الإمام عبد الحميد ابن باديس -رحمهما اللَّه- تفسيره لكتاب اللَّه سنة (١٩٣٨م): “هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب اللَّه تفسيرًا سلفيًا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًا، في وقتٍ طغتْ فيه المادة على الروح ولعب فيه […]

بين الأسماء الإلهية والأركونية للقرآن الكريم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة “فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليُحطم ما تحته”([1]). هذا كان […]

مسجد الخيف ومحاولات التشغيب لدى القبوريّين

جاءت أحاديث كثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تنهى عن الصلاة إلى جهة القبر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلُّوا إلى القبور»([1])، بل شدّد صلى الله عليه وسلم في ذلك تشديدًا عظيمًا؛ حتى وصف من يفعل ذلك بأنهم شرار الخلق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله […]

أشنع الجرائم تستدعي أكبر العقوبات مناقشة لشبهة كيف يعذب الكافر أبدا وجرمه محدود؟!

الخيانة العظمى جريمة كبيرة فُرضت عليها أشدّ العقوبات وأقسى أنواع الجزاءات، فإنهاء حياة الإنسان هو الجزاء الذي يلقاه كل من يخون دولته خيانةً عظمى. ولستُ هنا أتكلم عن الدول الإسلامية، بل هذا هو القانون حتى عند كثير من الأمم غير المسلمة، بل حتى عند الأمم التي تتفاخر بأنها الأكثر ديمقراطية والأكثر محافظة على حقوق الإنسان […]

الوهابية أو عقيدة السلف

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا   تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذه مسودة رسالة بخط مؤرخ العراق عباس العزاوي ت 1391 رحمه الله تعالى، تكلم فيها عن تاريخ العقيدة السلفية، والتي نُبزت في وقت متأخر بالوهابية تنفيرا للناس منها وتشويها لها… بدأ بانتشار العقيدة السلفية زمانا ومكانا […]

وظيفةُ الإنسانِ في الكونِ بين الوحي والرؤية الحداثية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة لا يخفى على قارئٍ لأي موضوع من الموضوعات -دينيًّا كان أو غير دينيٍّ- محورية الإنسان ومركزيته بوصفه المنتج للفكرة إن كانت بشرية أو المؤمن بها إن كانت دينية إلهية، ومن هنا كان تحديد الموقف من الإنسان وعلاقته بالكون والحياة يعدُّ السؤال الأكثر إقلاقًا لجميع الأطروحات الفكرية والدينية، وكان من […]

إن رحمتي سبقت غضبي مناقشة لشبهة: لماذا يدخل أكثر الناس النار؟!

القدر سرُّ الله في الكون، وليس لأحد أن يطلب معرفة كلّ شيء طوعًا أو كرهًا، اعترف الإنسان بعجزه أو أصرَّ على إحاطته علمًا بكل شيء، فالإنسان عاجز عن الإحاطة بأي شيء علمًا، فضلًا عن أن يحيط بكل شيء علمًا. فعلينا أن ننظر أولًا في الإنسان نفسِه، أليس هو عاجزًا عن إدراك كل شيءٍ في نفسه؟! […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017