الأحد - 29 جمادى الآخر 1441 هـ - 23 فبراير 2020 م

الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا

يقول المستشرق سنوك هورخرونيه:

(لقد كانت السِّمَة التي تميز بها محمد بن عبدالوهاب كونه عالمًا تثقف بالعلوم الإسلامية، وفهم مقاصدها وأسرارها، واستطاع بجدارة تامة أن يبرز الإسلام بالصورة الصافية النقية، كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه الصورة لم تكن واضحة لكثير من علماء عصره، الذين تركوا منابع الإسلام الأولى وهي القرآن الكريم والأحاديث النبوية، واعتمدوا على اجتهادات المتأخرين. وأكثر هذه الآراء والاجتهادات لم تكن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما جاءت نتيجة التطورات المستمرة لمختلف المذاهب عبر مختلف القرون، مما حال بين المسلم ومنابع التشريع الأولى، الأمر الذي أصبح معه كثير من المسلمين يهتمون بالقيمة الترتيلية للقرآن الكريم والسنة النبوية، دون البحث عن المعاني المستفادة منهما، تاركين ذلك إلى المؤلفات التي تخص علم الفقه وعلم الشريعة، التي تبحث في ذلك من خلال المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة.

لقد كانت فكرة ابن عبد الوهاب أن يربط الناس بمنابع التشريع الأولى، ويتخطى الفجوة التي تشغل الناس في عصره وتبعدهم عن الإسلام الصحيح.

ولقد كان المحيط الذي نشأ فيه محمد بن عبد الوهاب في وسط الجزيرة محيطًا مناسبًا، إذ لا يوجد محيط آخر مشابه، لم يتغير إلا قليلًا([1])، كما لا يوجد مكان أحسن من ذلك المكان، الذي تقترب فيه اللغة والعادات من تلك التي كانت في الأصل عند ظهور الإسلام.

لقد أدرك محمد بن عبد الوهاب الاختلاف بين الإسلام كما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، والإسلام الذي يمارسه الناس في عصره. كان هذا الاختلاف يتمثل في نقطتين:

أولاهما: الرخاء وما ينتج عنه من مغريات تؤدي إلى التناقضات التام بين تصورات الحياة الموجودة في القرآن، وتصورات الناس القائمة.

فإذا دخلت بدعة من البدع –ولتكن وسيلة تسلية مثلًا- فإن العلماء يقفون منها موقف المعارضة، ولكن عندما يستفحل الداء، فإن العلماء يبدؤون بالتسليم للأمر الواقع.

فعلى سبيل المثال: حرّم العلماء التبغ منذ البداية بعدِّه وسيلة تسلية سيئة، لكنهم فيما بعد تساهلوا في ذلك، وأفتى بعضهم بالسماح به.

     لقد كانت المبادئ التي يدعو لها محمد بن عبد الوهاب لا تقرّ مثل تلك الفتاوى التي ظهرت باسم الدين، ففتاوى الشيخ تطالب بتحريم التبغ وغيره من وسائل الترف الأخرى مثل الموسيقا، واستعمال الحرير، والذهب والفضة في الملابس والحلي للرجال، وغيرها من العادات المنتشرة في الأقطار الإسلامية.

النقطة الثانية التي أثارت الغيرة الدينية لدى هذا المصلح: هي الخطر الذي تسلل إلى عقيدة التوحيد، وذلك عن طريق تقديس الأولياء.

لقد كانت الاستعانة والاستغاثة بالأولياء خاصة عند كثير من الجهلة الجسر الذي يعبر منه هؤلاء إلى الشرك، أو عبادة أكثر من إله، ولقد كان تساهل بعض العلماء في قبول ذلك من أهم أسباب زيادة هذه المنكرات وانتشارها. إن رسل الله وأولياءه لا يستطيعون بعد موتهم أن ينفعوا أو يضروا، فهذا أمر الله وحده.

وزيارات([2]) المقامات والأضرحة هي من عمل الشيطان، وقد كانت المدينة المنورة تدنس من خلال تقديس قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور أصحابه الكرام([3])؛ ولذا فإن تنقية الإسلام تستلزم القضاء على مثل هذه العادات الشركية، والتخلص من تلك المواضع والمواقع التي تساعد على انتشار الشرك.

لقد التزم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإصلاح وجعله هدف دعوته، وكان رائده الإخلاص في القول والعمل. وقد سخر لذلك لسانه وقلمه، بجانب قوة ابن سعود وسيفه الذي تبنى هذه الحركة الإصلاحية ودعمها.

لقد كانت مدرسة الإمام أحمد بن حنبل هي التي رفع لواءها الشيخ، وجعلها أساسًا فكريًّا للإصلاح. وربما تكون هذه المدرسة أكثر المدارس بساطة وقربًا من قلوب السكان، الذي يعيش معظمهم في جهل مطبق، مماثل للجهل الذي كان سائدًا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

غير أن هؤلاء السكان لم يكونوا أقل انفتاحًا من ذي قبل، أمام تأثير دين مبسط ميسر، يثبت كل يوم، وعن طريق الوسائل المادية، أنه يعمل بصفته قوة مؤثرة وحافزة([4]).

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) لعله يقصد أنه مجتمع لم يتعرض للاستعمار ولم يتأثر بالثقافة الغربية الوافدة. (المركز)

([2]) زيارة القبور تنقسم إلى شرعية وبدعية، ومن البدعية ما يصل إلى الشرك إذا صاحَبَها استغاثة بالمقبور وطلب الحاجات منه. (المركز)

([3]) أراد بالتقديس التعظيم الذي يتجاوز الحد المشروع وهو زيارة القبر الشريف للسلام أو زيارة القبور للعظة والعبرة والدعاء للأموات. (المركز)

([4]) صفحات من تاريخ مكة المكرمة، سنوك هورخرونيه (1/276-278).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

هَل ظاهرُ القرآن والسنةِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم شكَّ في شيء منَ الدّين؟

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدِّمة: أحيانًا يُضطرُّ الإنسان للكتابةِ في موضوعٍ ما، لا حبًّا فيه، ولكن مضايِق الجدال والشُّبه المتناثرة بعدَد أنفس المعاندين للحق وأنفاسهم توجب على الشخصِ حميةً دينيةً وقَوْمَة لله عز وجل ونصرةً لدينه، ومحاولة لغلق بعض أبواب الشرِّ وردِّ بعض الواردين إلى النار عنها. ومن الشبَه التي ما فتئ […]

هل السنة مثل القرآن؟

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَدّمَة: كانت طفلةٌ صغيرةٌ لم تبلغ الثالثةَ من العمر تقرأ سورة الفاتحة، فقالت بعدها: آمين، فقيل لها: اقْرئِي بدون آمين، فجعلت تقرأ الفاتحة وتقول بعدها: بدون آمين! إنَّ هذا الفهم السّطحيَّ مقبولٌ لو كان من عقل لم يبلغِ الثالثةَ من العمر، ولكن العجب من بلغ مبلغَ العقلاء وهو على […]

هل يُنْكَر في مسائل الخلاف؟

مقدمة: الخلافُ كثير وله أوجه متعدِّدة، وليس على درجة واحدةٍ، فمنه ما هو واسع ويسمَّى عند الفقهاء بخلاف التنوّع، وهو عبارة عن التنازع في موارد الاجتهاد المعتبرة شرعًا والدلالات القريبة التي يحتملها النصّ، مثل الخلاف في معنى القرء: هل هو الحيض أم الطهر؟ ومن الذي بيده عقدة النكاح: هل هو الولي أم الزوج؟ فهذا النوع […]

تقسيمُ السنةِ إلى سنةٍ تشريعيَّة وسنة غيرِ تشريعيَّة بين تقرير الأصوليِّين واحتيال المعاصرين

تمهيد: في عصر الأنوار والرقيِّ والازدهار كان من المناسِب ظهورُ حركةٍ دينيَّة زاهِدة تحاول صدَّ الناس أو تهذيب توجُّههم نحو المادَّة؛ حتى لا ينسَوا الشرعَ، لكن طغيان المادَّة وعلوّ صوت الرفضِ للوحي أتى بنتيجةٍ عكسية، فظهرت حركاتٌ تصالحية مع الواقعِ تسعَى إلى إيجاد ملاءمة بين الشرع والواقع، تمنع اصطدامَهما، وتوقف الشرعَ عند حدِّ التأقلُم مع […]

عرض وتحليل لكتاب : السعودية والحرب على داعش – الفصل الخامس –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة موضوع كتاب (السعودية والحرب على داعش) إجمالًا: كتاب (السعودية والحرب على داعش) لمؤلفه: حسن سالم بن سالم، وهو من إصدارات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، يضع النقاطَ على الحروف في قصَّة هذا التنظيم، ويجيب عن الكثير من التساؤلات، إلا أن الجانب الأهمَّ الذي تناوله الكتاب هو: مِن أين […]

تغريدات مقالة “منهجيَّة النَّقل ووحدةُ النَّاقل حجَّةٌ أخرى على مُنكري السُّنَّة”

نظر الصحابة إلى السنة النبوية كمصدر تشريعي، فهي التي تفصل ما أجمل في القرآن، وتبين غامضه ، وتقيِّد مطلقه، وتخصِّص عموماته، وتشرح أحكامه، فالعلاقة بين القرآن والسُّنة علاقةٌ وطيدةٌ متكاملة. وحجيَّة السنة أمرٌ مقرَّر عند عامَّة المسلمين وعليها دلائل كثيرة، وفي هذا المقال عرَّجنا على طريقةٍ من طرق تثبيت حجية السنة، وهي: اتحاد المنهجية في […]

حديث: «وعنده جاريتان تغنيان» -بيان ودفع شبهة-

كثر في الآونة الأخيرة تَكرارُ بعض المعاصرين لبعض الأحاديث النبوية، وإشاعَة فهمها على غير وجهِها الصحيحِ المقرَّر عند أهل العلم، ومنها حديث: «وعنده جاريتان تغنيان»، حيث استدلَّ به بعضُهم على إباحة الغناء([1])، ولا ينقدح في ذهن المستمِع لما يردِّدونه إلا إباحة الغناء الموجود في واقعِنا المعاصر، والمصحوب بالمعازف وآلات اللهو والموسيقى. وفي هذه المقالة مدارسة […]

المنهج السلفيُّ وتجديد الفِقه

منَ الدعواتِ التي قامَت على قدمٍ وساقٍ في العصر الحديث منذ بداية القرن المنصَرم الدعوةُ إلى تجديد الفقه الإسلاميِّ، وعلى الرغم من كون التجديد مصطلحًا شرعيًّا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا أن الدعواتِ التي نادت بتجديد الفقه كان أغلبُها في حقيقتها تجاوزًا لثوابت الدين([1])؛ ولذا تباينت المواقف تجاهَ هذه القضيةِ بين القبول والرد([2])، […]

ثناء الشيخ أحمد حماني على محمد ابن عبد الوهاب ودعوته

قال الشيخ أحمد حماني -رحمه الله-: أول صوت ارتفع بالإصلاح والإنكار على البدعة والمبتدعين ووجوب الرجوع إلى كتاب الله والتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبذ كل ابتداع ومقاومة أصحابه جاء من الجزيرة العربية، وأعلنه في الناس الإمام محمد بن عبد الوهاب أثناء القرن الثامن عشر (1694-1765)، وقد وجدت دعوته أمامها المقاومةَ الشديدة […]

طوافُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على نسائِه بغُسل واحدٍ ودفعُ شبهةِ تحكيمِ العقل

طوافُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على نسائِه بغُسل واحدٍ ودفعُ شبهةِ تحكيمِ العقل مَن تقحَّم بعقله فيما لا يُحسنه أتى بالغرائب ولحقَتهُ المعايب، وقد يورد العقلُ صاحبَه المهاوي ويودِي به إلى المهالك والمساوي، فالطَّعن في بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة بدعوى عدمِ قبولِ العقول لها ضربٌ من جعل العقل حَكَمًا على […]

ترجمة الشيخ محمد الأمين بوخبزة – رحمه الله-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   اسمه ونسبه: هو محمد بن الأمين بن عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الحاج أبي القاسم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن سعيد بن يحيى بن عبد الله بن يحيى بن سعيد بن يحيى بن محمد بن الولي الصالح أبي الحسن علي بن الحسن […]

منهجيَّة النَّقل ووحدةُ النَّاقل حجَّةٌ أخرى على مُنكري السُّنَّة

ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لعَن الله الواشماتِ والمستوشمات، والنامصات والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحسن المغيِّرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأةً من بني أسدٍ يقال لها: أمّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآنَ، فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنَّك لعنتَ الواشمات والمستوشمات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق الله؟! فقال عبد الله: وما لي […]

الاحتجاجُ بما عليه الجمهور

للأدلَّة الشرعيَّة طريقتُها الخاصَّة، والتي يجب على الباحثِ في القضايا الشرعيَّة -إذا أراد أن يكون موضوعيًّا- أن يلتزم بها التزاما تامًّا، حتى يتمكَّن من التنزُّل على المراد، ومتى كسِل الإنسان معرفيًّا فقد يجرُّه كسلُه إلى استعمال تلك الأدلةِ استعمالًا مضِرًّا بالفهم والتأويل. ومن النماذج المريبَة التي يتداخل فيها الكسَل المعرفي مع اتِّباع الهوى تبنِّي الجمهور […]

قضيَّةُ الأنبياءِ الأولى هل يُمكن أن تُصبحَ ثانويَّة؟

  للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ المعلومِ أنَّ الله أرسل رسلَه بالهدى ودين الحقِّ، وقد فسَّر العلماء الهدَى بالعلم النافع ودينَ الحقِّ بالعملِ الصالح، والرسُل هم صفوة الله من خلقه، وقد وهبهم الله صفاتِ الكمال البشريّ التي لا يمكن أن يفوقَهم فيها أحدٌ، وهم الدّعاة المخلصون المخلِّصون للخَلق من عذاب الدنيا وخزي […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017