الثلاثاء - 16 رمضان 1440 هـ - 21 مايو 2019 م

الوهابية أو عقيدة السلف

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا


 

تقديم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فهذه مسودة رسالة بخط مؤرخ العراق عباس العزاوي ت 1391 رحمه الله تعالى، تكلم فيها عن تاريخ العقيدة السلفية، والتي نُبزت في وقت متأخر بالوهابية تنفيرا للناس منها وتشويها لها…

بدأ بانتشار العقيدة السلفية زمانا ومكانا ومذاهب، وكيف دخلت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى العراق وموقف الشيخ أحمد القباني في الرد عليها، وأنه لم يقف على كتب ابن تيمية ومع ذلك يردد كلام خصومه..

ويبدو أن العزاوي لم يتم الرسالة ــ حيث وقف عند نقل كلام القباني ـ أو أتمّها ولم نقف على بقيتها.

وقد اعتمدنا في إخراجها على نسخة بخطه، علقنا على بعض المواضع المشكلة في القراءة وصححنا ما رأيناه يحتاج إلى تصحيح. مع الإشارة إليه.

والله الموفق.

مذهب السلف هذه العقيدة قديمةٌ في العراق كقِدَم الشريعة الإسلامية، بل لا تختلف عنها في أمرٍ. وإنَّ المسلمين كانوا على عقيدة القرآن، وهي عينُها. ولمَّا دخَلَ (علمُ الكلام) ورأى العلماءُ الضَّرورةَ مُلِحَّةً على قبوله بالتصدِّي للدفاع والذبِّ عن العقيدة تكوَّن عندنا وظهر فيه([1]) أكابر العلماء، وبقي آخرون على (عقيدة القرآن)، وهؤلاء جَرَوا على عقيدة السلف ولم يَدخلوا في الجدل؛ لأنهم يقولون بأن الكتاب لا ريب فيه هُدى للمتقين، فلا يلتمسون أدلةً غيرَ ما أُورِد لإثباته.

وفي خلال ظهور المتكلِّمين بقي الظاهرية على عقيدة (السلف). وإن الظاهرية نَـبَزٌ([2])، فصار لقبًا لِمَن بقي على تلك العقيدة. ومنهم داود الظاهري، وابنه محمد بن داود، والطبريّ المؤرِّخ، وغالب المحدّثين.

وفي عهد المَغُول والتُّركُمان تغلَّب الكلام. والحنابلة والمحدثون استمرُّوا على اتِّباع هذه الطريقة.

وأما العهد العثمانيّ فكان الشأن كذلك، واقتصرت عقيدة السلف على الحنابلة والمحدِّثين، إلا أنَّ بعضَهم شذَّ عنها، كما أنَّ المحدّثين من الشافعية والمالكية داموا على هذه العقيدة.

رأيتُ إجازاتٍ عديدةً في أواخر القرن الحادي عشر، وفي أوائل القرن الثاني عشر تلتزم (عقيدة السلف)، وتُوصي بمراعاتها، وأن لا يُترَك المجالُ لمُرَاعَاة غيرِها. فنَجِد العراقَ حافَظَ على هذه العقيدة، وإن كان جماعةٌ من علمائه على مذهب الأشاعرة والماتريدية؛ وفي العراق الشافعية على مذهب الأشعريّ، والمالكية على قِلَّتهم على هذا المذهب، والحنفية ماتريدية.

ولم نسمع بالدعوة إليه من أحد من العلماء، ولا إجبارِ أحد عليه. وإنَّما كان العلماءُ يَدِينون اللهَ تعالى بما رَغِبوا، والمحدِّثون عليه كما هو الأغلب. ولم يُوجَد صِنفٌ خاصٌّ أو جماعةُ معيَّنةٌ على هذا المذهب. ولا شكَّ أنَّه دام على هذه الحالة من أمد بعيد وخفتت([3]) دعوته، وبقي موكولًا إلى الاختيار والرغبة.

وفي سنة 1155هـ في أواسطها جاءت من الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضي العُيَينة دعوةٌ أرسلها إلى البصرة يحُثُّ فيها بلزوم متابعة مذهب السلف. وصل إلى العلامة الشيخ أحمد بن علي الشهير بالقبَّانِي البصري، وكان من العلماء المعروفين في تلك الأنحاء.

وجد الشيخ أحمد في هذا الكتاب ما يُخالِف عقيدتَه المألوفةَ، فثار ثائرُه وتصدَّى للرد وانبرى للجواب على هذا الكتاب، فكتب كتابًا مفصَّلًا سمَّاه «فصل الخطاب». قدَّم له مقدّماتٍ ثم شرَحَه رادًّا عليه فقرة فقرة، وأتَمَّه في 12 شوال سنة 1155هـ، أي: أنَّه أجابه في سَنَته. وقد وصلتْ إليَّ نسخةٌ من هذا الكتاب مؤرَّخة في 11 شعبان سنة 1205هـ.

وهذه([4]) وإن كانت لا تخلو من أغلاط لا نجد لها أخرى، وهي في نظرنا مهمَّة جدًّا.

و«فصل الخطاب» لم يرَ مؤلِّفُه كُتُبَ ابن تيمية إلَّا أنَّه شاهَدَ ردودًا عليها، فاتَّخذها قاعدتَه في ردِّه. اندفع في ردِّه [لأجل] عقيدته التي تلقاها وجمد عليها، ولم يكن مُتأثِّرًا بما حدَثَ بعدَ ذلك من سياسة مشادَّة بين ابن سعود الذي ناصَرَ هذه العقيدةَ وبين الدولة العثمانية.

دعا محمد بن عبد الوهاب إلى عقيدة الإسلام خالصةً مخلصةً لله تعالى والقولِ بتوحيده، فعاكسه([5]) هذا الرجل، وركَنَ إلى أنَّ شدَّ الرِّحال لزيارة النبي ﷺ والاستغاثة بالأولياء والعلماء من الدين؛ لا سيَّما الأموات منهم.

وإنَّ الأستاذ القبَّاني قدَّم أدلةً لم تخرُج المؤلَّفاتُ التاليةُ لها عمَّا ذكَرَ، يتجاهَلُ على ابن تيمية ولم يُشاهِد مؤلفاتِه وطعن به؛ لأنَّ ابن حجر الهَيتَمي وأمثالَه طعَنُوا به، ومشى على ما مشى عليه هؤلاء، ولم ينظر إلى أقوال العلماء الأكابر في ابن تيمية، واتَّخذ هذا الردَّ ردًّا على ابن عبد الوهاب.

قال([6]): (مضمونُها -رسالة ابن عبد الوهاب- أنَّ الاستغاثة والتوسُّل بالنَّبيِّ ﷺ أو بأحدٍ من الأولياء شركٌ أكبرُ، وأنَّ شرك الكفار أخفُّ منه، وأنَّ المؤمن الذي لا يرى الاستغاثةَ ولم يسُبَّ المستغيثين ولم يُعادِهم ويُبغِضْهم ويُبغِضْ مَن يُحِبُّهم ويَبْرَأْ منهم وممَّن عبَدُوه مِن دون الله من الأنبياء والأولياء= لا يكون مؤمنًا. وجزم بذلك وأطلَقَ من غير تقييدٍ بمذهبٍ من مذاهب الأئمة يدعو بها الناسَ إلى عبادة الله وحدَه مُخلِصين له الدين. فلمَّا وقَفتُ عليها رأيتُها قد اشتملتْ على دلائلَ لا يجمُلُ بأدنى طالبٍ من ذوي التحصيل اعتمادُها، ومباحث لا يحلّ…) ([7])

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) المراد: التكوين العلمي، أي: تخرَّج وبرز في هذا العلم -وهو علم الكلام- عدد من أكابر العلماء.

([2]) أي: لقب قبيح يُعاب به.

([3]) غير محررة في الأصل، ويمكن أن تقرأ: خفيت.

([4]) يعني النسخة الخطية للكتاب.

([5]) أي: عارضه وقام في وجه دعوته.

([6]) أي القباني.

([7]) هنا انتهى ما وجد من هذه الرسالة بخط العزاوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

جميل أن يعترف المرء بعدم العلم؛ فيسأل عما لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»([1])، وأجمل منه أن يُرشَد إلى الطريق؛ فيجاب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ انقيادًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ […]

“يُستتاب وإلا قتل” معناها، وهل تكرّس للعنف؟

كثيرٌ ممن يقدِّمون أنفسهم لمناقشة ما يسمُّونه الآراء الفقهيّة المتطرِّفة والتفسير الأحادي للدين يخلطون بين المصطلحات متعدِّدة المعاني في الحقول المعرفية، كما يقعون في مغالطة علمية وهي نزع الأولويات، ففقيه متديِّن ملتزم بالفقه يرى أن الأولوية للنصوص، وأن مقصد حفظ الدين مقصد شرعيّ أصيل لا يمكن تجاهُله ولا إغفاله، وهو في تقرير الأحكام ينطلق من […]

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا […]

رمضان وحماية المسلم من الشهوات والشبهات

رمضان شهرُ خيرٍ وبركةٍ، وهو من مواسم الخير التي امتنَّ الله بها على المؤمنين؛ ليزيدوا في أعمال البرِّ، ويصحِّحوا علاقتِهم بالله سبحانه وتعالى. وللمؤمن مع هذا الشهرِ علاقةٌ لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بحمد الله والثناء عليه؛ ذلك أنَّ بلوغَ الشهر هو زيادةٌ في العمر، وزيادةٌ في الطاعة لله سبحانه، فعن طلحة بن عبيد الله […]

الأمانة العلمية لدى السلفيين.. نشر كتب المخالفين نموذجًا

يتعامَل السلفيّون مع ما يصدُر من أيِّ مسلم -وخصوصًا من العلماء- تعاملًا شرعيًّا، فلا يوجَد لدَيهم موقفُ رفضٍ مطلَق أو قبول مطلَق، وإنما المعامَلة مع الأقوال -سواء كانت للسَّلفيين أو مخالفيهم- تخضَع لقانون الشَّرع الذي يقِرُّ مبدأ الحقّ ويردُّ الباطل؛ ولذلك تعاملوا مع الإنتاج الفقهي بنظرةِ تحكيمِ الدليل وتقويم المنتَج، فما كان مِن هَذا التراثِ […]

الحداثيُّون… حديث في التناقضات

    المقدمة كانت امرأة بمكة المكرمة قد اتخذت الغزْل شغلًا لها، فعملت مغزلًا تغزل الصوفَ والشعر والوبر، فاتخذت لذلك ما شاء الله لها من الجواري، فكنَّ يجمعن الصوفَ والشعَر والوبر، وتغزل هي وجواريها من بداية اليوم حتى نهايته، ويبذلون جهدَهم وطاقتهم في فتل الصوفِ خيوطًا. ولكن هذه المرأة كان في عقلِها شيءٌ، وكانت كثيرةَ […]

تغريدات لمقالة (أين العرب عن تدوين الحديث؟)

1.لاتتوقف الشبهات المثارة ضد الإسلام، في أصله ومصدر تشريعه، وتشريعاته، وطريقة تنظيمه للحياة، وحدوده، وغير ذلك من مسائل الدين، وقد فشى في الأيام الأخير الطعن في السنة النبوية بطعون شتى، ومنها هذه الشبهة التي تناقلها بعض الكتاب 2. تقول الشبهة إن أصحاب الصحاح الستة ( وهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) كلهم […]

خصائِصُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بين الحقيقة والخُرافَة

المقدمة: “أصلُ المحبَّة: الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكونُ لما يستلذُّه الإنسَان ويستحسِنه؛ كحسن الصُّورة والصوت والطَّعام ونحوها، وقد يستلذُّه بعقلِه للمعاني الباطنة؛ كمحبَّة الصَّالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانهِ إليه ودفعهِ المضارَّ والمكاره عنه. وهذه المعاني كلُّها موجودة في النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر […]

أين العرب عن تدوين الأحاديث؟!

بين الفينَة وأختِها تثور زوبعات، وتُنفخ فقاعات، وتطلُّ رؤوسُ شبهاتٍ ضدَّ الإسلام وتراثِه، وبعضُ تلك الشُّبهات والأسئلة لها حظٌّ من النظر وتستحقُّ البحث والدراسة، بينما هناك شبهاتٌ أخرى فسادُها يُغني عن إفسادها، وحكايتُها كافية في إبطالِها؛ لهشاشة بنيانِها، وتهافُت أصولِها التي بُنيَت عليها. ومن تلكَ الشُّبهات: ما أثير مؤخَّرًا حول الكُتُب الستة وأعجميَّة كُتَّابها، وسأنقل […]

عرض وتعريف بكتاب آياتُ العقيدة المتوهَّم إشكالها

 عنوان الكتاب: آيات العقيدة المتوهَّم إشكالها. المؤلف: الدكتور زياد بن حمد العامر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة المجمعة. الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض. تاريخ الطبع: الطبعة الأولى، سنة 1435هـ. عدد الصفحات: 595 صفحة. أصل الكتاب: رسالة دكتوراه في قسم العقيدة، بكلية أصول الدين، بجامعة ام القرى. خطة الكتاب: يتكوَّن الكتاب من: مقدمة، وتمهيد، وعشرة […]

عِنايةُ المستشرقين وأذنابهم بغُلاةِ الصُّوفيَّةِ (الحَلَّاجُ أنْموذجًا)

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة الحمدُ لله على نِعمةِ الإسلامِ والعَقلِ الصَّحيحِ الموافِقِ لسَليمِ الفِطرةِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا مُحمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ، والدَّاعي إلى ربِّه وهادِي الأُمَّةِ، وعلى آلِه وجميعِ أصحابِه البَررَةِ، المُرتضَينَ لصُحبتِه، والمختارِين لنُصرتِه، والمُبلِّغين بَعدَه لآثارِه وسُنَّتِه. وبعدُ: فإنَّ الإسلامَ الذي مَصْدَرُ تلقِّيه الكِتابُ والسُّنةُ الصَّحيحةُ بفَهْمِ سَلفِ الأُمَّةِ؛ هو الإسلامُ […]

متى يقرأ طالب العلم لابن تيمية؟

إن طلبَ العلم درجاتٌ ومناقلُ ورُتَب، لا ينبغي تعدِّيها، ومن تعدَّاها جملةً فقد تعدَّى سبيلَ السلف -رحمهم الله-، ومن تعدَّى سبيلهم عامدًا ضلَّ، ومن تعداه مجتهدًا زلَّ. فأوَّل العلم حفظ كتاب الله -عز وجل- وتفهُّمه، وكلّ ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه([1]). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدرُّج في التربية بصغارِ العلم قبل […]

متى يكون القول مذهبًا للسلف؟

تكثر الدَّعوى على السلف في تسمية مذاهبهم وتعيينها، فكثيرًا ما نقرأ في كتب المتأخِّرين نقلًا يدَّعي صاحبه أنه هو مذهب السلف وقولهم، وفي نفس الوقت نجِد من يردُّ عليه وينفي القولَ عن السلف ويبيِّن غلطَ الناقل عنهم، وهذا يوقع القارئَ العادي في ارتباكٍ علميٍّ وشكّ معرفي؛ مما يجعل السؤال عن الضابط والمعيار المنهجي لمذهب السلف […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017