السبت - 03 ذو الحجة 1443 هـ - 02 يوليو 2022 م

الوهابية أو عقيدة السلف

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا


 

تقديم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فهذه مسودة رسالة بخط مؤرخ العراق عباس العزاوي ت 1391 رحمه الله تعالى، تكلم فيها عن تاريخ العقيدة السلفية، والتي نُبزت في وقت متأخر بالوهابية تنفيرا للناس منها وتشويها لها…

بدأ بانتشار العقيدة السلفية زمانا ومكانا ومذاهب، وكيف دخلت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى العراق وموقف الشيخ أحمد القباني في الرد عليها، وأنه لم يقف على كتب ابن تيمية ومع ذلك يردد كلام خصومه..

ويبدو أن العزاوي لم يتم الرسالة ــ حيث وقف عند نقل كلام القباني ـ أو أتمّها ولم نقف على بقيتها.

وقد اعتمدنا في إخراجها على نسخة بخطه، علقنا على بعض المواضع المشكلة في القراءة وصححنا ما رأيناه يحتاج إلى تصحيح. مع الإشارة إليه.

والله الموفق.

مذهب السلف هذه العقيدة قديمةٌ في العراق كقِدَم الشريعة الإسلامية، بل لا تختلف عنها في أمرٍ. وإنَّ المسلمين كانوا على عقيدة القرآن، وهي عينُها. ولمَّا دخَلَ (علمُ الكلام) ورأى العلماءُ الضَّرورةَ مُلِحَّةً على قبوله بالتصدِّي للدفاع والذبِّ عن العقيدة تكوَّن عندنا وظهر فيه([1]) أكابر العلماء، وبقي آخرون على (عقيدة القرآن)، وهؤلاء جَرَوا على عقيدة السلف ولم يَدخلوا في الجدل؛ لأنهم يقولون بأن الكتاب لا ريب فيه هُدى للمتقين، فلا يلتمسون أدلةً غيرَ ما أُورِد لإثباته.

وفي خلال ظهور المتكلِّمين بقي الظاهرية على عقيدة (السلف). وإن الظاهرية نَـبَزٌ([2])، فصار لقبًا لِمَن بقي على تلك العقيدة. ومنهم داود الظاهري، وابنه محمد بن داود، والطبريّ المؤرِّخ، وغالب المحدّثين.

وفي عهد المَغُول والتُّركُمان تغلَّب الكلام. والحنابلة والمحدثون استمرُّوا على اتِّباع هذه الطريقة.

وأما العهد العثمانيّ فكان الشأن كذلك، واقتصرت عقيدة السلف على الحنابلة والمحدِّثين، إلا أنَّ بعضَهم شذَّ عنها، كما أنَّ المحدّثين من الشافعية والمالكية داموا على هذه العقيدة.

رأيتُ إجازاتٍ عديدةً في أواخر القرن الحادي عشر، وفي أوائل القرن الثاني عشر تلتزم (عقيدة السلف)، وتُوصي بمراعاتها، وأن لا يُترَك المجالُ لمُرَاعَاة غيرِها. فنَجِد العراقَ حافَظَ على هذه العقيدة، وإن كان جماعةٌ من علمائه على مذهب الأشاعرة والماتريدية؛ وفي العراق الشافعية على مذهب الأشعريّ، والمالكية على قِلَّتهم على هذا المذهب، والحنفية ماتريدية.

ولم نسمع بالدعوة إليه من أحد من العلماء، ولا إجبارِ أحد عليه. وإنَّما كان العلماءُ يَدِينون اللهَ تعالى بما رَغِبوا، والمحدِّثون عليه كما هو الأغلب. ولم يُوجَد صِنفٌ خاصٌّ أو جماعةُ معيَّنةٌ على هذا المذهب. ولا شكَّ أنَّه دام على هذه الحالة من أمد بعيد وخفتت([3]) دعوته، وبقي موكولًا إلى الاختيار والرغبة.

وفي سنة 1155هـ في أواسطها جاءت من الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضي العُيَينة دعوةٌ أرسلها إلى البصرة يحُثُّ فيها بلزوم متابعة مذهب السلف. وصل إلى العلامة الشيخ أحمد بن علي الشهير بالقبَّانِي البصري، وكان من العلماء المعروفين في تلك الأنحاء.

وجد الشيخ أحمد في هذا الكتاب ما يُخالِف عقيدتَه المألوفةَ، فثار ثائرُه وتصدَّى للرد وانبرى للجواب على هذا الكتاب، فكتب كتابًا مفصَّلًا سمَّاه «فصل الخطاب». قدَّم له مقدّماتٍ ثم شرَحَه رادًّا عليه فقرة فقرة، وأتَمَّه في 12 شوال سنة 1155هـ، أي: أنَّه أجابه في سَنَته. وقد وصلتْ إليَّ نسخةٌ من هذا الكتاب مؤرَّخة في 11 شعبان سنة 1205هـ.

وهذه([4]) وإن كانت لا تخلو من أغلاط لا نجد لها أخرى، وهي في نظرنا مهمَّة جدًّا.

و«فصل الخطاب» لم يرَ مؤلِّفُه كُتُبَ ابن تيمية إلَّا أنَّه شاهَدَ ردودًا عليها، فاتَّخذها قاعدتَه في ردِّه. اندفع في ردِّه [لأجل] عقيدته التي تلقاها وجمد عليها، ولم يكن مُتأثِّرًا بما حدَثَ بعدَ ذلك من سياسة مشادَّة بين ابن سعود الذي ناصَرَ هذه العقيدةَ وبين الدولة العثمانية.

دعا محمد بن عبد الوهاب إلى عقيدة الإسلام خالصةً مخلصةً لله تعالى والقولِ بتوحيده، فعاكسه([5]) هذا الرجل، وركَنَ إلى أنَّ شدَّ الرِّحال لزيارة النبي ﷺ والاستغاثة بالأولياء والعلماء من الدين؛ لا سيَّما الأموات منهم.

وإنَّ الأستاذ القبَّاني قدَّم أدلةً لم تخرُج المؤلَّفاتُ التاليةُ لها عمَّا ذكَرَ، يتجاهَلُ على ابن تيمية ولم يُشاهِد مؤلفاتِه وطعن به؛ لأنَّ ابن حجر الهَيتَمي وأمثالَه طعَنُوا به، ومشى على ما مشى عليه هؤلاء، ولم ينظر إلى أقوال العلماء الأكابر في ابن تيمية، واتَّخذ هذا الردَّ ردًّا على ابن عبد الوهاب.

قال([6]): (مضمونُها -رسالة ابن عبد الوهاب- أنَّ الاستغاثة والتوسُّل بالنَّبيِّ ﷺ أو بأحدٍ من الأولياء شركٌ أكبرُ، وأنَّ شرك الكفار أخفُّ منه، وأنَّ المؤمن الذي لا يرى الاستغاثةَ ولم يسُبَّ المستغيثين ولم يُعادِهم ويُبغِضْهم ويُبغِضْ مَن يُحِبُّهم ويَبْرَأْ منهم وممَّن عبَدُوه مِن دون الله من الأنبياء والأولياء= لا يكون مؤمنًا. وجزم بذلك وأطلَقَ من غير تقييدٍ بمذهبٍ من مذاهب الأئمة يدعو بها الناسَ إلى عبادة الله وحدَه مُخلِصين له الدين. فلمَّا وقَفتُ عليها رأيتُها قد اشتملتْ على دلائلَ لا يجمُلُ بأدنى طالبٍ من ذوي التحصيل اعتمادُها، ومباحث لا يحلّ…) ([7])

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) المراد: التكوين العلمي، أي: تخرَّج وبرز في هذا العلم -وهو علم الكلام- عدد من أكابر العلماء.

([2]) أي: لقب قبيح يُعاب به.

([3]) غير محررة في الأصل، ويمكن أن تقرأ: خفيت.

([4]) يعني النسخة الخطية للكتاب.

([5]) أي: عارضه وقام في وجه دعوته.

([6]) أي القباني.

([7]) هنا انتهى ما وجد من هذه الرسالة بخط العزاوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

السلف وعشر ذي الحجة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: من أجلّ نعم الله تعالى على المسلم.. أن شرع له دينًا متنوع العبادات؛ فهو يتنقل بين العبادات البدنية كالصلاة، والعبادات المالية كالصدقة والزكاة، والعبادات الروحية كالخشوع والتوكل والخشية والإنابة، ثم شرع له مواسم للطاعات، وخصص له أوقاتًا للقربات، يزداد فيها المؤمن إيمانًا، ويتزود فيها من العبادات، ويجتنب فيها […]

هل الحج موروث وثنيّ؟!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لقد زجَّ تجزِيءُ القضايا بعضَ الناس إلى دعاوى عريضة وشبهات باطلة؛ تأباها عقول الصغار قبل الكبار، فثمة من ينظر إلى شعائر جزئية من فريضة الحج العظيمة فيحكم عليها بأنها فريضة وثنية. وعلى الرغم من أن تلك الشعائر لا تمتّ للوثنية بصلة بل هي على النقيض من ذلك […]

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017