الجمعة - 18 ربيع الأول 1441 هـ - 15 نوفمبر 2019 م

الوهابية أو عقيدة السلف

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا


 

تقديم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فهذه مسودة رسالة بخط مؤرخ العراق عباس العزاوي ت 1391 رحمه الله تعالى، تكلم فيها عن تاريخ العقيدة السلفية، والتي نُبزت في وقت متأخر بالوهابية تنفيرا للناس منها وتشويها لها…

بدأ بانتشار العقيدة السلفية زمانا ومكانا ومذاهب، وكيف دخلت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى العراق وموقف الشيخ أحمد القباني في الرد عليها، وأنه لم يقف على كتب ابن تيمية ومع ذلك يردد كلام خصومه..

ويبدو أن العزاوي لم يتم الرسالة ــ حيث وقف عند نقل كلام القباني ـ أو أتمّها ولم نقف على بقيتها.

وقد اعتمدنا في إخراجها على نسخة بخطه، علقنا على بعض المواضع المشكلة في القراءة وصححنا ما رأيناه يحتاج إلى تصحيح. مع الإشارة إليه.

والله الموفق.

مذهب السلف هذه العقيدة قديمةٌ في العراق كقِدَم الشريعة الإسلامية، بل لا تختلف عنها في أمرٍ. وإنَّ المسلمين كانوا على عقيدة القرآن، وهي عينُها. ولمَّا دخَلَ (علمُ الكلام) ورأى العلماءُ الضَّرورةَ مُلِحَّةً على قبوله بالتصدِّي للدفاع والذبِّ عن العقيدة تكوَّن عندنا وظهر فيه([1]) أكابر العلماء، وبقي آخرون على (عقيدة القرآن)، وهؤلاء جَرَوا على عقيدة السلف ولم يَدخلوا في الجدل؛ لأنهم يقولون بأن الكتاب لا ريب فيه هُدى للمتقين، فلا يلتمسون أدلةً غيرَ ما أُورِد لإثباته.

وفي خلال ظهور المتكلِّمين بقي الظاهرية على عقيدة (السلف). وإن الظاهرية نَـبَزٌ([2])، فصار لقبًا لِمَن بقي على تلك العقيدة. ومنهم داود الظاهري، وابنه محمد بن داود، والطبريّ المؤرِّخ، وغالب المحدّثين.

وفي عهد المَغُول والتُّركُمان تغلَّب الكلام. والحنابلة والمحدثون استمرُّوا على اتِّباع هذه الطريقة.

وأما العهد العثمانيّ فكان الشأن كذلك، واقتصرت عقيدة السلف على الحنابلة والمحدِّثين، إلا أنَّ بعضَهم شذَّ عنها، كما أنَّ المحدّثين من الشافعية والمالكية داموا على هذه العقيدة.

رأيتُ إجازاتٍ عديدةً في أواخر القرن الحادي عشر، وفي أوائل القرن الثاني عشر تلتزم (عقيدة السلف)، وتُوصي بمراعاتها، وأن لا يُترَك المجالُ لمُرَاعَاة غيرِها. فنَجِد العراقَ حافَظَ على هذه العقيدة، وإن كان جماعةٌ من علمائه على مذهب الأشاعرة والماتريدية؛ وفي العراق الشافعية على مذهب الأشعريّ، والمالكية على قِلَّتهم على هذا المذهب، والحنفية ماتريدية.

ولم نسمع بالدعوة إليه من أحد من العلماء، ولا إجبارِ أحد عليه. وإنَّما كان العلماءُ يَدِينون اللهَ تعالى بما رَغِبوا، والمحدِّثون عليه كما هو الأغلب. ولم يُوجَد صِنفٌ خاصٌّ أو جماعةُ معيَّنةٌ على هذا المذهب. ولا شكَّ أنَّه دام على هذه الحالة من أمد بعيد وخفتت([3]) دعوته، وبقي موكولًا إلى الاختيار والرغبة.

وفي سنة 1155هـ في أواسطها جاءت من الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضي العُيَينة دعوةٌ أرسلها إلى البصرة يحُثُّ فيها بلزوم متابعة مذهب السلف. وصل إلى العلامة الشيخ أحمد بن علي الشهير بالقبَّانِي البصري، وكان من العلماء المعروفين في تلك الأنحاء.

وجد الشيخ أحمد في هذا الكتاب ما يُخالِف عقيدتَه المألوفةَ، فثار ثائرُه وتصدَّى للرد وانبرى للجواب على هذا الكتاب، فكتب كتابًا مفصَّلًا سمَّاه «فصل الخطاب». قدَّم له مقدّماتٍ ثم شرَحَه رادًّا عليه فقرة فقرة، وأتَمَّه في 12 شوال سنة 1155هـ، أي: أنَّه أجابه في سَنَته. وقد وصلتْ إليَّ نسخةٌ من هذا الكتاب مؤرَّخة في 11 شعبان سنة 1205هـ.

وهذه([4]) وإن كانت لا تخلو من أغلاط لا نجد لها أخرى، وهي في نظرنا مهمَّة جدًّا.

و«فصل الخطاب» لم يرَ مؤلِّفُه كُتُبَ ابن تيمية إلَّا أنَّه شاهَدَ ردودًا عليها، فاتَّخذها قاعدتَه في ردِّه. اندفع في ردِّه [لأجل] عقيدته التي تلقاها وجمد عليها، ولم يكن مُتأثِّرًا بما حدَثَ بعدَ ذلك من سياسة مشادَّة بين ابن سعود الذي ناصَرَ هذه العقيدةَ وبين الدولة العثمانية.

دعا محمد بن عبد الوهاب إلى عقيدة الإسلام خالصةً مخلصةً لله تعالى والقولِ بتوحيده، فعاكسه([5]) هذا الرجل، وركَنَ إلى أنَّ شدَّ الرِّحال لزيارة النبي ﷺ والاستغاثة بالأولياء والعلماء من الدين؛ لا سيَّما الأموات منهم.

وإنَّ الأستاذ القبَّاني قدَّم أدلةً لم تخرُج المؤلَّفاتُ التاليةُ لها عمَّا ذكَرَ، يتجاهَلُ على ابن تيمية ولم يُشاهِد مؤلفاتِه وطعن به؛ لأنَّ ابن حجر الهَيتَمي وأمثالَه طعَنُوا به، ومشى على ما مشى عليه هؤلاء، ولم ينظر إلى أقوال العلماء الأكابر في ابن تيمية، واتَّخذ هذا الردَّ ردًّا على ابن عبد الوهاب.

قال([6]): (مضمونُها -رسالة ابن عبد الوهاب- أنَّ الاستغاثة والتوسُّل بالنَّبيِّ ﷺ أو بأحدٍ من الأولياء شركٌ أكبرُ، وأنَّ شرك الكفار أخفُّ منه، وأنَّ المؤمن الذي لا يرى الاستغاثةَ ولم يسُبَّ المستغيثين ولم يُعادِهم ويُبغِضْهم ويُبغِضْ مَن يُحِبُّهم ويَبْرَأْ منهم وممَّن عبَدُوه مِن دون الله من الأنبياء والأولياء= لا يكون مؤمنًا. وجزم بذلك وأطلَقَ من غير تقييدٍ بمذهبٍ من مذاهب الأئمة يدعو بها الناسَ إلى عبادة الله وحدَه مُخلِصين له الدين. فلمَّا وقَفتُ عليها رأيتُها قد اشتملتْ على دلائلَ لا يجمُلُ بأدنى طالبٍ من ذوي التحصيل اعتمادُها، ومباحث لا يحلّ…) ([7])

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) المراد: التكوين العلمي، أي: تخرَّج وبرز في هذا العلم -وهو علم الكلام- عدد من أكابر العلماء.

([2]) أي: لقب قبيح يُعاب به.

([3]) غير محررة في الأصل، ويمكن أن تقرأ: خفيت.

([4]) يعني النسخة الخطية للكتاب.

([5]) أي: عارضه وقام في وجه دعوته.

([6]) أي القباني.

([7]) هنا انتهى ما وجد من هذه الرسالة بخط العزاوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

(الكتاب والسنة) مقال للمسلم النمساوي الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وبعد: فإن قضية السنة وحجيتها بقيت منذ ثلاثة عشر قرناً هي القضية الأولى لمن يريدون إسقاط الإسلام من داخله، وسار المسلمون مع هذه القضية مسيرة طويلة رادِّين عليها أحياناً، ومتأثراً بعضهم بها أو ببعض مستلزماتها أحياناً، وفي […]

هل خصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا من الأمَّة بشيءٍ من الدين؟

النبي صلى الله عليه وسلم بلَّغ البلاغَ المبين: المفهومُ مِن نصوصِ الشرع ومِن محكمات الدِّين أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم بلَّغ كلَّ ما أُنزل إليه من ربه، ولا يسعُه غيرُ ذلك، وهذا عامّ في فضائل الأعمال وفي شرائع الأحكام، فلا يكتُم فضلًا في عمل، كما أنَّه لا يكتم تشريعًا، وهذا مصداق قوله صلى الله […]

يعيش لها الجهابذة… شيء من أحوال المحدثين في حفظ السنة والذبّ عنها

قدَّم الإمام المحدث أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الرازي الشهير بابن أبي حاتم (327هـ) كتابه “الجرح والتعديل” بهذا النصِّ الذي يبيِّن فيه دقَّةَ المحدِّثين وجهودَهم في الذبِّ عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي لم يُعرَف مثلُها في الدنيا -وهو ما نقصد الإشارة إلى طرف منه في هذا المقال-، وأيضًا يبيِّن موقفَ […]

الدلائِل القُرآنيَّة على أنَّ (لا إله إلا الله) تعنِي لا معبُودَ بحقٍّ إلَّا الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   تمهيد: معرفةُ المصطلحات وضبطُها لها أهميَّة بالغةٌ في حياتنا، سواء تعلَّق المصطلح بأمرٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ، وقد تجِد الشخصَين يتجادلان ويتخاصمَان وهما في الحقيقة متَّفقان على المراد، فالوعيُ بالمفاهيم والمُصطلحات يعدُّ لبنةً أساسيَّةً في الاتفاق ونبذ الاختلاف، ويوضِّح ذلك ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: “فإنَّ كثيرًا من […]

خلاصات وتحقيقات (33)

وضوح أدلة القرآن في تقرير التوحيد: (والله سبحانَه حاجَّ عبادَه على ألسن رسلِه وأنبيائِه فيمَا أراد تقريرهم به وإلزامهم إيَّاه بأقرب الطُّرق إلى العقل، وأسهلِها تناولًا، وأقلِّها تكلفًا، وأعظمها غناءً ونفعًا، وأجلِّها ثمرةً وفائدةً، فحُجَجُه سبحانه العقلية التي بينها في كتابِهِ جمعت بينَ كونِها عقلية سمعية، ظاهرة واضحة، قليلَة المقدمات، سهلة الفَهم، قريبَة التَّناول، قاطعة […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017