الاثنين - 15 جمادى الأول 1440 هـ - 21 يناير 2019 م

تقنيات الحداثيين – توظيف المخرجات البدعية

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

المقدمة:

“الدِّين الحقُّ كلَّما نظر فيه الناظِر وناظر عنه الْمُنَاظِر ظهرت له البراهين، وقَوِيَ به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين. والدِّينُ الباطلُ إذا جادل عنه المجادِل ورام أن يُقِيم عودَه المائل أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحقِّ على الباطل، فيَدْمَغُه فإذا هو زاهِق، وتبيَّن أن صاحبه الأحمق كاذبٌ مائق”([1]).

فسبيل أهل الباطل دومًا الحومُ حول المتشابهات، ومحاولة التترس بقضايا الفتن والاختلافات، بعكس أهل الحق؛ فإنهم دومًا يحكمون بالعدل وأنبل الصّفات، ويتمسَّكون بالعلم والمحكَمات، ويردّون إليها ما سواها من المتشابهات([2]).

إذا اتضح هذا فيتضح لنا بطلان الموقف الحداثي اليوم؛ إذ لم يأت بمنهج جديد كي يُعوِز الناظر عن استيضاح منهجه، بل حالهم كحال أهل الباطل في كل زمان، حيث يتمسَّكون بالمتشابهات والغامض من الألفاظ والمصطلحات، ويتذرَّعون بالقدر المشترك بينهم وبين بدع الفرق الإسلامية في الأحكام والآراء، لا يهمّهم إن كان لتلك الفرق ديوان وإيوان أو حجة وبرهان، بل المهم أن يكون رأيهم ورأيها سيان؛ ليتخذوا من بدعة السابقين أقرب باب وأنسب عنوان.

وهذا حال أهل الباطل في كل ملّة، وفي كل نحلة، وفي كل زمان، يقول ابن تيمية: “حال أهل البدع والأهواء… يتمسَّكون بالمتشابه المشكوك، ويَدَعون المحكَم الصَّريح من نصوص الأنبياء، ويتمسَّكون بالقَدْر المشترك المتشابه في المقاييس والآراء، ويعرضون عما بينهما من الفروق المانعة من الإلحاق والاستواء”([3]).

وهو ما نجد الاتِّجاه الحداثيَّ العربيَّ يتبنَّاه، فما إن يجدوا رأيًا لفرقة من الفرق توافق أهواءهم إلا وجعلوها مطيَّتهم، وإن كان الرأي مخالفًا لما اعتبروه واعتدوه في مواقف سابقة أو لاحقة، لكن المهم هو توظيف ذلك الرأي فيما يصبون إليه.

ولبيان هذه السمة في التيار الحداثي كانت هذه الورقة العلمية، فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

تمهيد:

يقف بنا المفكِّر الفرنسي روجيه أرنالدز على هذه السمة التي يتَّسم بها الحداثيون، ولكنه بطبيعة الحال يتكلَّم عن حقله الذي يأخذون عنه وهو الفلسفة، فيقول: “ما آخذه على الفلاسفة العرب المعاصرين أنهم تأثروا كثيرًا بالفكر غير العربي، إنهم يترجمون كثيرًا، وهذه ظاهرة لافتة مهمة، فمن الضروري أن يلِمَّ الفلاسفة العرب المعاصرون بالفلسفات غير العربية، لكن غالبًا ما تشكِّل هذه الترجمات لهؤلاء المفكرين المادة الجاهزة التي يعتمدونها لبناء فكرهم الخاصّ، وآمل أن يؤسّس الفلاسفة العرب فلسفةً عربيّة خاصّة، دون أن ينغلقوا على الفلسفات غير العربية، وأن يخلقوا فكرًا عربيًّا أكثر استقلالا؛ انطلاقًا من تراثهم وتقاليدهم الخاصة، إن لديهم تراثا غنيًّا دينيًّا وصوفيًّا وفكريًّا، وأعني بالطبع الفلاسفة المسلمين، إذًا يجب أن ينطلقوا من هذا التراث الرائع؛ ليبحثوا على ضوئه في القضايا المطروحة الآن من ظروفها المكانية والزمانية، وتحمل خصائصها المميزة إنما تصب في مجموع الفلسفات المتناغمة”([4]).

وأيضا كان من الضروري والمنطقي أن يفهم الحداثيون أقوال أهل الفرق الإسلامية وأهواءهم، ثم يزنوها بميزان الحق، ويخضعوها لمكاييل البرهان، ولكن ذلك لم يكن، بل هم يتحيَّنون الأقوال الموافقة لأفكارهم وأهوائهم؛ ليتخذوا منها مطية لتمرير تلك الآراء التي عادة ما تكون مادة جاهزة مقلَّدة لما أنتجه فلاسفة الغرب كما يقول أرنالدز.

نماذج وشواهد لتوظيف الأقوال البدعية:

أوّلًا: مع الشيعة ودعوى تحريف القرآن:

من أهمِّ الفرق التي استغلَّ الحداثيون أقوالها وآراءَها فرقة الشيعة، فهذا أركون يتذرَّع بخلاف بعض الشيعة ممن يعتقد عدم اكتمال نصوص القرآن الكريم أو وجود سقط وتحريف فيه؛ لينطلق من ذلك إلى القول بتاريخية النص القرآني؛ ولذ يحتفي أركون بهذا الموقف الشيعي ويقول: “ينبغي أن أوضّح هنا أن الشيعة قد أطالوا المناقشات في الشروط التي جرى فيها جمع العبارات النصية القرآنية وبلورة المصحف وإغلاقه”([5]).

ويجعل لخلافهم مكانته لكي يوهم أن القرآن الموجود اليوم لم يحظَ بإجماع المسلمين واتفاقهم على صحَّته، بل استغرق الأمر نقاشات ومؤتمرات دامت بين الطوائف السنية والشيعية؛ ليخرجوا بعد ذلك بالنص الموجود بين أيدينا اليوم، لا بكلِّ القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، يقول أركون: “إن المكانة الأرثودكسية اللاهوتية للوحي كما قد نطق به النبي وجمع فورًا أو لاحقًا في المصحف بالإشراف الرسمي للخليفة عثمان بن عفان لا يمكن أن تكون موضوعًا للدراسة أو مادة للتحري النقدي، فهذه المكانة محميَّة من الإجماع السكوتي لكل المسلمين منذ أن كانت الطائفة الشيعيَّة الإمامية والطائفة السنية قد توصلتا إلى اتفاق بعد مناقشات طويلة وصراعات عنيفة في صحة المصحف”([6]).

ولا ندري إن كان الاحتفاء بهذا الخلاف بين الشيعة والسنة من بنات فكره، أم أنه مجرد تبعية وجمود على منتجات المستشرقين كما هو حال كثير من الحداثيين.

فإن بلاشير له ذات الموقف الذي اتخذه حيث يقول: “إن الاجتهادات المتعلقة بشرعية الخلافة والتي أحدثت حركة انشقاق الشيعة قد أثارت انفعالات دينية على تعديل نصوص قرآنية قديمة، كالنص الذي ينسب إلى ابن مسعود… وقد بقيَ ما يشهد على وجوده في الكوفة حتى القرن العاشر”([7]).

وفي ذات القضية -وهي فرية تحريف القرآن الكريم- يكتشف لنا حمادي ذويب من النصوص واختلافات المبتدعة ما يجعله يقف على الخيط الدال على وجود تحريف أو نقص في القرآن الكريم!! فيقول: “أما حديث الرجم الذي اعتبر ناسخًا للآية: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: 15] فيردّه البزدوي أيضا؛ لأنه روي عن عمر أن الرجم كان ممّا يتلى. وهذه الحجّة الأخيرة تبرز ظاهرةً مسكوتا عنها، هي عدم إجماع المسلمين على المصحف العثماني، على عكس ما تحاول الكثير من المصادر الإسلامية السنية أن ترسخه، فبعض المصادر تخبرنا أن فرقة الميمونيّة من الخوارج روي عنها إنكار أن تكون سورة يوسف من القرآن([8]). والشيعة يصرّحون أنّ المصحف العثماني قد أصابه التحريف والتغيير([9])، وهم يتَّهمون عثمان بأنّه أسقط بعض السور التي يتداولونها في أوساطهم”([10]).

ولا يشذُّ أركون عن الحداثيين في هذه السمة، بل هذا دأبهم جميعًا وديدنهم.

ثانيًا: مع المعتزلة والقول بخلق القرآن:

وأما موقف المعتزلة في قضية خلق القرآن فعنده حطَّ الحداثيون رحالهم، وخلعوا عليه خلع التعظيم والمهابة، وباركوه أيما مباركة، وعظموه وبجَّلوه حتى إنك تكاد تقول بأنهم يعتقدون ذلك الاعتقاد عن دراية وأصول كما بناها أوائل المعتزلة، بعض النظر عن صحة تلك الأصول.

وليس الأمر سوى أنه “وافَق شنٌّ طَبَقة”، فأركون يريد أن يقعد لقضية القضايا التي أطال نفسه فيها، وهي قضية التاريخية أو تاريخية النص القرآني، وما إن ظفر بهذا الخلاف حتى أقام له الطبول وأحيا به المراقص والليالي، واتخذ منه دليلًا يعتمد عليه لإقامة تلك الفكرة أو الفلسفة، فإن القول بأن القرآن مخلوق يعني أنه محدود بالحدود التاريخية ومتأثّر بظروفها، وليس باقيا ما بقيت السماوات والأرض، بل هو فانٍ عما قريب إن سمحت الظروف التاريخية وتبدَّلت الأحوال، يقول أركون: “فالمعتزلة عندما دافعوا عن مفهوم خلق القرآن كانوا قد أحسوا بالحاجة إلى دمج كلام الله في نسيج التاريخ، وإذا ما استعاد الفكر الإسلامي هذه الفكرة فإنه حينئذ سوف يمتلك الوسائل الكفيلة بمواجهة المشاكل التي تنثال على الفكر المعاصر من كل حدب وصوب بمصداقية أكبر وابتكارية أقوى وأعظم”([11]).

ولذلك نجده يريد إعادةَ الروح وبثَّ الحياة في تلك الجثّة الهامدة التي عفا عليها الزمن، فقط ليبرّر ما يتبناه من القول بالتاريخية، وينسب أهل العلم والدين إلى الإقصاء، فيقول: “لا أعرف فقيهًا معاصرًا واحدًا أو شيخًا أو رجلَ دين يقبَل بإعادة طرح مسألة القرآن ككلامٍ مخلوق من قبل الله، لا أحدَ يقبل بمعالجة هذه المسألة الهامَّة على ضوء العلم الحديث والمنتجات اللغوية والتاريخية الحديثة. نقول ذلك على الرغم من أن المسلمين لطالما خاضوا فيها أثناء العصر الكلاسيكي، أثناء ازدهار العقلانية أيام المعتزلة، لكنها الآن ممنوعةٌ ومحرَّم تمامًا. فكيف يمكن للتحرير أن يحصل في الساحة العربية أو الإسلامية؟!… وبالتالي فإن إسلام الأصوليّين والمحافظين اليوم أضعف وأضيق بكثير من إسلام العصر الكلاسيكي”([12]).

فلم يكتف بتلميع صورة المعتزلة في هذه القضية، بل تجاوز به الأمر إلى نسبة علماء المسلمين إلى ضيق الصدر ومحدودية الأفق في محاوراتهم ومناقشاتهم.

وكثيرًا ما يبارك أركون الفعل الاعتزالي الذي نحَّى النص القرآني عن مسرح التشريع، وأحل محله العقل البشري، ولكن سرعان ما تهاوت تلك الأفكار واندثرت حتى بعث هذا التيار فيها الروح من جديد، يقول: “إن العقل الاستطلاعي الجديد يكافح على جميع الجبهات، وإنه لا ينحاز للغرب أو للشرق، إلى الدين أو الدنيا، إلى سياسية شرعية لاهوتية أو فلسفة إيجابوية علمانوية، بل إنه ينتمي إلى مذهب الاتهام الفلسفي المنهاجي البناء، هذا المذهب الذي يشكّ في كل ما ينطق به العقل، ويحاول تأسيسه كمذهب، لا مذهب سواه أو بعده، ثم يفرضه الإنسان بالقوة على الإنسان! ويعلم هذا العقل منذ الكفاح الذي انطلق فيه التيار المعروف بالمعتزلة في قضية خلق القرآن أنه لا سبيل البتة للعقل البشري أن يتوسط بين الخطاب الإلهي والخطابات البشرية، دون أن يضع الأول في السياقات الدلالية والقوانين البلاغية والوسائل الاستنباطية والمبادئ المنطقية التي تتصف بها الثانية”([13]).

إن أركون يتصوَّر أن على الإيمان أن يوسّع أفقَه لهضم ما يسميه بـ: “التفنيدات” التي كشفت عنها علوم الإنسان والمجتمع، ويقول بصراحة: “فيما يخصُّ المجال الإسلامي نلاحظ أن عدَد المثقفين النقديّين الذين يقبلون بأن يوسّعوا إيمانهم ويدمجوا فيه كل التفنيدات التي فرضها التاريخ على كل أنظمة العقائد واللاعقائد هو نادر جدًّا”([14]).

وأما عن نصر حامد أبو زيد فيرى أن هذه المسألة من أهم المسائل التي تدرُس الوحي بواقعية حيث يقول: “إن مسألة خلق القرآن كما طرحها المعتزلة تعني في التحليل الفلسفي أن الوحي واقعة تاريخية ترتبط أساسًا بالبعد الإنساني من ثنائية الله والإنسان أو المطلق والمحدود”([15]).

ويتطرَّق لقضيَّة خَلق القرآن بمناقشة أوسع؛ ليقرِّر أن القول بأزلية القرآن -كون القرآن كلام الله- ليس شيئًا، وليست سِوى فكرة خاطئة خطرت في عقول بعض المسلمين، فهي ليست صحيحة: “ليس مفهوم أزلية القرآن إذن جزءًا من العقيدة، وما ورد في القرآن الكريم عن اللّوح المحفوظ يجب أن يفهم فهمًا مجازيًّا لا فهمًا حرفيًّا مثل: الكرسي والعرش إلخ”([16]).

وينطلق نصر حامد أبو زيد من القول بخلق القرآن إلى قضية جوهريّة من القضايا الأصيلة في الدين الإسلامي الذي وعد الله بحفظه، فبينما نجد النص صريحًا بذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] نجد نصر حامد أبو زيد يشكك في هذا الحفظ الإلهي تبعًا لقوله بخلق القرآن فيقول: “وليس معنى حفظ الله سبحانه للقرآن حفظه في السماء مدونا في اللوح المحفوظ، بل المقصود حفظه في هذه الحياة الدنيا، وفي قلوب المؤمنين به، وقول الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ لا يعني التدخل المباشر في عملية الحفظ والتدوين والتسجيل، بل هو تدخُّل الإنسان المؤمن بالبشارة والحضّ والحث والترغيب على أهمية هذا الحفظ، وفهمهم اللفظ بأنه تدخُّل مباشر من الزاوية الإلهية فهم يدلّ على وعي يضادّ الإسلام ذاته”([17]).

ويعلّق الدكتور مرزوق العمري ويبين تناقضَ نصر حامد أبو زيد في طرحه لتبرير القول بالتاريخية، فيقول: “نجد نصر حامد أبو زيد يضطرب في هذه المسألة اضطرابًا شديدًا كما يتجلى ذلك في كلامه: (إن النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكَّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتفقا عليها، فإن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية، ويعكر من ثم إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص. إن الإيمان بالمصدر الإلهي للنص ومن ثم لإمكانية أي وجود سابق لوجوده العيني في الواقع والثقافة أمر لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها)([18]). إن هذا النص يتضمَّن تناقضًا صارخًا في مسألة الكلام الإلهي، فمن جهة يلغي الأسبقية الميتافيزيقية له ومن ثم أزليته، ومن جهة ثانية يطرح إمكانية ذلك، الأمر الذي يجعل أحد النقاد يعتبر ذلك تلفيقًا منهجيًّا وفضيحة([19])، هذه إحدى الآليات التي اعتمدها الخطاب الحداثي في بحثه في مسألة تشكل النص القرآني، وهي حقيقة الكلام الإلهي باعتباره صفة من صفات الله عز وجل، وكيف أنه جعل منه فعلا لا صفة، حادثًا لا قديمًا، حتى يمكن الاستدلال على تاريخيته في أحد تجلياته (= النص القرآني)”([20]).

وعودًا إلى قضية القول بخلق القرآن، فقد تجمهر عليه الحداثيون على بكرة أبيهم، وبالإضافة إلى ما سبق فهذا محمَّد سعيد العشماويّ يقول: “رأي المعتزلة أن القرآن مخلوق، وكانوا يهدفون من ذلك إلى ربط آياته بالواقع وسيلانها مع التاريخ، وعارضهم في ذلك السلفيّون بزعامة أحمد بن حنبل، فقالوا: القرآن أزليّ غير مخلوق، وهو قول يعني فصل القرآن عن الواقع وفصمه من التاريخ”([21]).

ونجد أركون يضفي على قوله بالتاريخية المعتمِد على النسبيّة وعدم وجود قرآن حقّ ولا حقيقة واحدة صبغاتِ الحجيّة بما يَعرِضه من خلافات حصلت في داخل التيار الإسلامي، ويرسل تلك الاختلافات إرسالا دون بحث في صحّتها أو أدلتها أو منطلقاتها ومآلاتها؛ ليقرِّر بعد ذلك أن لكلٍّ أن يقرأ النصَّ الدينيَّ بما يريد، ولكل أن يفهم كما يريد، يقول هاشم صالح وهو يترجم لأركون: “إن القرآن ككتاب تأسيسيّ ذي لغة مجازية عالية -ككل الكتب الدينية- كان يحتمل منذ البداية عدة تأويلات أو عدة تجسيدات تاريخية. وبالتالي فلا يوجد شيء اسمه: إسلام صحيح وإسلام خاطئ، وإنما توجد عدَّة تجلّيات للرسالة نفسها، فكل فئة اجتماعية تاريخية فهمت القرآن بطريقةٍ ما حولَّته إلى عقيدةٍ ذاتية لها، وانغلقت داخلها، واعتبرت كلّ التأويلات الأخرى بمثابة الضَّلال أو الانحراف. هكذا نشأت الفرق الإسلامية عبر التاريخ، وبالتالي فينبغي أن نقلب المنظور اللاهوتي القديم الذي يسيطر على كتب الملل والنحل، أو قل: ينبغي أن نخرج منه لكي ندخل في المنظور الاجتماعي والتاريخي. وعندئذ يمكن أن نفهم الأمور على حقيقتها، ونخرج من نطاق التصورات المسيطرة علينا منذ العصور الوسطى”([22]).

ثالثًا: في حجية السنة والمعيار الحديثيّ (علم مصطلح الحديث والجرح والتعديل):

وفي موقف آخر من مواقف تيزيني نرى الاحتفاء الكبير بكتب الشيعة الحديثيّة، والأدهى أنه يقوم بتصوير ردِّها من قبل علماء الإسلام على أنها مجرّد قضية سياسية ومصالح ذاتية، لا علاقة لها بقضية صحَّة تلك الكتب من بطلانها في ذاتها، وكأن أهل السنة لم يكن لهم مسبار يسبرون به الأحاديث والأقوال المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الحداثيِّين درسوا تلك الكتب وسبروها وأقاموا المعايير وقعَّدوا القواعد لمعرفة صحيحها من سقيمها كما فعل علماء الإسلام، ولكن تبرير قضية تعدد القراءات هو ما يريد تيزيني فحسب، وتبرير ما يطرحونه من مسائل مناقضة للدين الإسلامي الحنيف هو مغزاه والمشرِّع لقوله بغضِّ النظر عن صحة من يتكلم عنه، يقول الطيب تيزيني: “ولعلَّنا نقول بأن الصعوبة كانت تتعاظم أكثر فأكثر كلما بعُد الزمن عن مرحلة الرسول، حيث كانت اتجاهات التبلور والتشقّق والتمحور أو الاستقطاب في نطاق البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإثنية، وكذلك في حقل الفرق والمذاهب الدينية تأخذ آفاقًا وأمداء كثيرة، بما في ذلك اتساع الإمكانات التقنية للتسويق الثقافي بصيغة الكتاب المطبوع، ويغدو هذا الأمر أكثر وضوحًا حين نضع في حسابنا أنه كذلك على صعيد التيار الشيعي، كانت هنالك كمّيات ضخمة من الأحاديث جعلت المدقِّقين ضمن هذا التيار وخارجه يبحثون بصعوبة في الصحيح والموضوع منها، فمحسن حسين العاملي يكتب من موقع التيار المذكور ما يلي: (أما قدماء الشيعة -أعني المعاصرين للأئمة عليهم السلام- فقد صنفوا في الأحاديث المرويّة من طرق أهل البيت -عليهم السلام- المستمدَّة من مدينة العلم النبوي في فنون شتى ما يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب مذكورة في الرجال على ما ضبطه صاحب الوسائل، وامتاز من بينها أربعمائة مصنَّف اشتهرت بالأصول الأربعمائة. وقال شيخنا البهائي في الوجيزة: إن ما تضمنته كتبنا من هذه الأحاديث يزيد على ما في الصحاح الستة لأهل السنة بكثير كما يظهر لمن تتبع أحاديث الفريقين، وذكر علماء الرجال أنه روى راو واحد وهو أبان بن تغلب عن إمام واحد وهو جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ثلاثين ألف حديث)، أما أشهر جماَّع للحديث من التيار الشيعي وهو الكليني في كتابه الكافي فقد نظر إليه بأهمية البخاري في صحيحه ضمن أهل السنة… إن ذلك منظورًا إليه مجتمعًا مع ما أتينا عليه توًّا يظهر ضخامة المشكلة وتعاظمها على نحو مطَّرد لم يتوقَّف حتى مرحلتنا الراهنة في أواخر القرن العشرين. ومن هنا ندرك المقاصد البعيدة لما قاله ابن عباس حين تحدث عن الكذب في تناول الحديث النبوي: (إنا كنا نحدَّث عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه… فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)، وفي المصدر نفسه -صحيح مسلم- يأتي ابن سيرين على مسألة الإسناد حيث يعلن أن المحدثين لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم”([23]).

هكذا ينتهي كلام تيزيني بهذا التشكيك والحديث عن النيات المرسل على عواهنه دونما دليل أو حجة، أو علامات ترشدنا إلى صحة ما يقول.

وأمَّا ميزانُ أهل العلم والحديث الذي سبروا به الأقوال والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأغلب الحداثيين يدندن حول هذا المعيار العلمي الدقيق الذي اعترف به أرباب المناهج العلمية، ويلمزون بأنه وسيلة من وسائل الإقصاء للآخر، وعدم الاعتبار للفرق البدعية المخالفة، مع أن المسألة ليست عصبية أو اتباعًا لمصالح شخصية، وإنما هو أخذ للصدق والحق الثابت من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد للباطل المكذوب عليه، ومن هنا نجد الطيب تيزيني يقول: “ولا بد من الإشارة أن تكوُّن ذلك الركام الهائل من الأحاديث لا يمكن فهمه أو على الأقل لا يمكن أن لا يستنفد فهمه من موقع سوء نية أو دسيسة يزعم أنه قام بها جماعات من المزورين أو المحرفين أو المبتدعين المغرضين لمصالح خاصة، أو لأمور وأهداف هي في نفس يعقوب كما يقال، فلقد برز ذلك الركام في أساس الأمر بمثابته قراءات مختلفة محتملة للنص الحديثي اختلاف الوضعيات الاجتماعية المشخصة، التي انطلق منها أصحابها وإذا دار الحديث على مثل سوء النية أو الدسيسة المعنيين، فإن المسألة هنا كذلك تتَّصل بمثل تلك القراءات وإن على نحو رديءٍ قصديًّا وإيديولوجيَّا.

ههنا تجدر العودة إلى ابن سيرين في تحفظه على رجال الإسناد بعدما وقعت الفتنة على حدّ تعبيره، فهو يحدد هؤلاء الرجال بكل من لا ينتمي منهم إلى أهل السنة، وذلك حيث يعلن بلغة تتضح فيها إدانة الآخرين على هذا الصعيد: (فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم).

إن ابن سيرين في موقفه الإداني ذاك كان يطمح إلى الوصول للأحاديث غير الموضوعة الصحيحة معتقدًا أن هذا يتوفَّر على صعيد رجال أهل السنة وحدهم دون غيرهم، يضاف إلى ذلك الوقف السيرينيّ السني المذكور، وهو نموذجيّ ضمن أوساط الفقهاء والمفسرين والمؤرخين السنيين، كان بمثابة دعوة إلى الحجر على آراء من سماهم أهل البدع من أمثال المعتزلة والشيعة، مما يكون قد حرمنا من التعرف إلى آراء هؤلاء بقدر أو بآخر، وأسهم في الوقت نفسه في جعلهم يتَّخذون ردود فعل عنيفة على سلوكم ذاك، ربما أدت إلى تضييع جزء أو آخر من إنتاجهم هم أنفسهم -أي: إنتاج أهل السنة المذكورين-. وفي كلتا الحالتين كان أحد الخاسرين ولا شك المؤرِّخ للثقافة العربية والإسلامية الذي فقَد ما قد يكون هامًّا في حقل المخطوطات والأعمال الفكرية؛ ذلك لأن عملية التدوين المنظَّم بدأت تأخذ مداها في القرن الثاني الهجري، وخصوصًا على أيدي أمثال مالك بن أنس الذي ألَّف الموطأ، وهذه العمليَّة كانت في إجمالها ذات توجُّه سني، أو كان معظم القائمين عليها يعملون على المحافظة على سنيتها، وكان ذلك ربما بسبَبٍ من أنَّ الفرق الأخرى -ومنها المعتزلة والشيعة- خضعت غالبًا وبصورة إجمالية لاضطهاد السلطة الأمويّة والعباسية، في حين كان أهل السنة أيضًا غالبًا وبصورة إجمالية حليفًا للسلطة المذكورة، بل ربما كذلك جزءا منها”([24]).

ومن ثمَّ يتطرق لأئمة الحديث لينسب إليهم ذلك الإقصاء الذي يعتقده فيقول: “وابن سيرين إذ يدعو إلى أخذ الحديث النبوي من أهل السنة وحدهم، فإنه بذلك يغفل أو يغيب عنه أن الانتماء العقيديّ إلى مذهبٍ ما لا يجعل أصحاب هذا المذهب متماثلين في غياب الموقف من الحديث المذكور، على امتداد مراحل تاريخية متعدِّدة، فغياب التماثل على هذا الصعيد يعني ضمن ما يعنيه انطلاق أولئك من وضعيّات اجتماعية مشخّصة متباينة، أي: من مصادر إيديولوجية، وكذلك من مستويات معرفية غير متماثلة على الأقل…

وانطلاقا من هذه الرؤية التشكيكية المفتوحة يصبح مقبولا ومتّسقًا مع قواعد البحث العلمي النقدي ما أعلنه نصر حامد أبو زيد من أن عملية تثبيت نص الحديث في الصحاح الخمسة أو الستة -وعلى رأسها البخاري ومسلم- هي في حقيقتها تثبيت للواقع عند رؤى واجتهادات عصور بعينها”([25]).

وينحو حمادي ذويب إلى التشكيك في حجية السنة، وأنها بدعة من بدع أهل السنة وتشريعاتهم؛ ليس لشيء إلا لتثبيت عروشهم وقمع القراءات الأخرى -أو الفرق الأخرى- التي ظهرت في الساحة؛ كالشيعة والخوارج وغيرهم، وبذلك يقدح في الإمام الشافعي ومن بعدهم فيقول: “هكذا فإنّ إضفاء الحجيّة على السّنّة وعلى الأخبار والقول بعدالة الصّحابة وعصمة الأئمّة وبنسخ السّنّة للقرآن والقرآن للسّنّة وتخصيص كلّ منهما للآخر ليست سوى تجلّيات لوظيفة التّعالي الّتي قدّست السّنّة؛ لتؤمّن لها سلطة التّشريع والتّبرير والتّسويغ. ولا يمكن النّظر إلى هذه العملية خارج إطار الفعل الإيديولوجي الّذي يضبط علاقة الفقيه بالسّلطة السّياسية. فتأسيس سلطة الخبر هي بالأساس وسيلة لتأسيس الإمامة؛ لذلك كان مبحث الأخبار مقدّمة لمبحث الخلافة في الكتب الكلامية، كما أنّه وسيلة للحفاظ على مجال نفوذ للفقهاء ورجال الدّين. وتتجلّى وثاقة الصّلة بين الفعل الأصولي والفعل الإيديولوجي إذا تتبّعنا علاقات الأصوليّين بالنّظم الحاكمة الّتي عاصروها. والاستنتاج الّذي نخرج به في هذا المجال أنّ أغلب الأصوليّين كانوا منضوين داخل السّلطة الحاكمة، مبرّرين ومكرّسين لإيديولوجيتها، فالشّافعي وابن حزم حاولا بلورَة المشروع الفكري للخلافة الأمويّة، والجويني والغزالي سعَيا إلى تشريع الخلافة السّنّية وسلطة السّلاجقة بتكريس العقيدة الأشعرية والمذهب الشّافعي، ولا أدلّ على ذلك من مرامي عملهما بالمدرسة النّظامية”([26]).

ويقول حمادي ذويب في موضع آخر: “إنّ انتصار الشّافعي للسنّة يمكن أن يفسّر إذن بمحاولته التّصدّي للمتكلّمين، وخاصّة منهم المعتزلة الّذين تبنى المأمون بعض أطروحاتهم. فهذا المذهب بتحكيمه العقل قد هدّد وجود السنّة ورجالها، كما يمكن أن يفسّر بإرادته تواصل السّلطة العربية القرشيّة الّتي بدأها الرّسول العربي القرشي، وتواصلت بعد الخلفاء الأربعة على أيدي الأمويّين العرب القرشيّين، ولكنّ النظام العبّاسي الجديد الّذي برز سنة 132هـ حاد عن هذا الطّريق: طريق العروبة والقرشيّة والمنحى السّلفي المحافظ الّذي يحتكم إلى النّص لا إلى العقل، وينفر من التّفكير المنطقي الاعتزالي. ومن هنا كان لجوء الشّافعي إلى تأسيس حجّيّة السّنّة على النّص المقدّس والتّسامي بها إلى منزلة الوحي القرآني”([27]).

رابعًا: في عدالة الصحابة:

ينحو حمادي ذويب منحى بعيدًا حين ينقم على علماء الإسلام تركهم للمثالب المكذوبة -والتي يروّجها الشيعة قديمًا وحديثًا- على الصحابة؛ فهم في زعمه يعرضون عن تلك المثالب لا لأنها مكذوبة، بل لغرض تأصيل حجية السنة وعدم إيرادهم للروايات الخاطئة عنهم مما يرويه الشيعة مثلًا وغيرهم، يقول: “لقد حاول الأصوليّون سعيًا إلى تأسيس حجية الأخبار على إجماع الصحابة إلى إضفاء العدالة والعصمة على الصحابة جميعهم دون تمييز، لكن ذلك لا يعبّر إلَّا عن خاصية عامّة في الخطاب الفقهي والأصولي، هي إهدار البعد التاريخي في مباحثهم. وذلك يتّضح بجلاء في مبحث عدالة الصحابة، فقد وقع السكوت عند أغلبيّة الأصوليّين على ما طبع علاقات الصحابة أو حياتهم الخاصّة من خلافات ومنافسات وملابسات تدّل على أنّهم مثل غيرهم من الفاعلين الاجتماعيّين.

وإذن فإنّ عدالتهم المطلقة مسألة افتراضيّة رسّخها الضمير الإسلامية الديني؛ لأنّ التشكيك فيهم -وهم شهود الوحي ونقلته- يعني زعزعة أعمدة الدّين؛ ولهذا السبب طبعت النزعة الانتقائيّة في الفكر السنّي المباحث التي تتعرّض للصحابة، فلم يعد يذكر من حياتهم إلّا الجوانب المضيئة، في حين يقع السكوت عن مواقف الفرق غير السنّية مثل المعتزلة والشيعة والخوارج من الصحابة”([28]).

ومثل ذلك نجد الشرفي يعتبر التعظيم والقدسية التي يكنها المسلمون في نفوسهم قضية تاريخية، ويبرر ذلك بأن ما هو مقدس عند أهل السنة ليس كذلك عند غيرهم من الفرق، وأن ذلك يتَّضح إذا ما فهمنا ما سماه بإسلام الرسالة وإسلام التاريخ، بل إنه يقارن بين الفلاسفة والفقهاء ويضعهم في مقابلة متواجهة، لا ندري ما وجه التقابل بينهم!! ويجعل المتصوفة والسنة في مقابلة أخرى لذات الغرض وفي ذات السياق!!

وبعد هذا يقول: “لا حرج من إخضاع الممارسة التاريخية للإسلام للنقد والمراجعة والتقييم، وأن القداسة التي أضفاها عليه الزمن ينبغي أن لا تحجب طبيعتها البشرية، ومن ثم ما تتسم به بحكم بشريتها من نقص ومحدودية، وحتى من زيغ”([29]).

خامسًا: في حجية الإجماع:

وإذا انتقلنا بأبصارنا مرة أخرى إلى الطيب تيزيني في كتابه “النص القرآني” نجده ينقض حجية الإجماع وبنيتها، ويكاد يكون اطَّلع على نوايا الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الهدى؛ ليقرر بأن الإجماع كان حيلة سياسية لقمع المبتدعة!!

ويبرز لنا الحلاج الذي ادَّعى أنه هو الله، وتبنَّى القول بالحلول والاتحاد، وشذَّ عن الأمة المسلمة جمعاء بأنه لم يكن مخطئًا في قوله، وإنما كان الخلاف السياسيّ برَّر للسلطة السنية اتخاذ الإجماع وسيلة ومبررًا لعقوبته.

وينتقل بعد ذلك بقلمه إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ليضعه -وهو إمام السنة والدين باعتراف الموافق والمعارض- مقابلًا لذلك الزنديق الذي ابتدع في دين الله ما لا يقره عقل ولا منطق، وليس له في دين الله نص ولا مرجع.

والشَّاهد أنه زعم أن الإمام أحمد سُجن وعذِّب جراء إجماع!! ولا ندري أيَّ إجماع يقصد؟! وهل يعقل معنى الإجماع، أم أن كلَّ اتّفاق بين اثنين أو شرذمة من الناس يسمَّى إجماعًا؟!

ولعل هذا ما يريد أن يقوله حيث يقول بأن إجماع المعتزلة كان هو السبب في قمع ابن حنبل، فالإجماع في كل زمن وسيلة من وسائل القمع والاضطهاد!! وليست مسألة دينية أصولية استدلالية!!

كما أنه وسيلة من وسائل الإكراه على العقائد والشعائر التي لا تعقَل، وإن شئت فقل على حد تعبيرهم: الخرافات والأساطير الإسلامية، يقول الطيب تيزيني: “وقد تبلور الإكراه المذكور بصيغ وتعبيرات متعدِّدة، ربما كان الإجماع في مقدمتها… ومن ثم فإن من كان يرفض الإجماع كان يُنظر إليه على أنه جسم غريب عن الإسلام، ينبغي عزله أو بتره -لنتذكر حالة الحلاج الذي راح بضميره الصوفي الديني الشخصي ضحية إجماع سني لفهم النص الديني، وابن حنبل الذي عذب في أقبية المأمون المنطلق من إجماع أو شبه إجماع معتزلي!- والملفت في ذلك أن الفرقاء المعنيّين يضطهد بعضهم بعضًا انطلاقًا من أن كلّ واحد منهم يزعم أنه هو الذي يمتلك الحقيقة، وأنه من ثم يملك حقّ إعلان الإجماع من طرفه.

وبالرغم من أن الإجماع مارس غالبًا أو أريد له أن يمارس وظيفة التوحيد السياسي والعقيدي للمجتمع الإسلامي، إلا أنه مثّل سلاحًا بحدين، أولهما أفصح عن بتلك الوظيفة، وثانيهما تجسَّد في مهمة الإكراه الديني لذوي الضمائر الدينية، الطامحين إلى أن يعيشوا علاقتهم بالله -وهذه هي أسس الدين- على نحو يلبّي حاجاتهم الروحيّة الطلقة، قبل تلبية طقوس معية بحركات معينة تحمل طابع الإلزام من خارج”([30]).

ومثل ما قال الطيب تيزيني يقول عزيز العظمة: “ما عضد الإجماع إذن إلا عضد سلطاني، وما الإجماع إلا ممارسة سلطانية في ميدان المعرفة وإطلالة سلطانية في ميدان المعرفة، وإطلالة سلطانية على التاريخ، تختار منه ما يلائم حاضرها من أشكال ومن ألوان”([31]).

الخاتمة:

استعرضنا في هذه الجولات سمةً جوهرية من سمات الحداثيين، تتمثل في تصيّدهم للأقوال والآراء البدعية من الفرق؛ ليعتمدوا عليها في تمرير مشاريعهم التقليدية المأخوذة عن أسانيد المستشرقين، دون أن يكون لهم معيار أو قاعدة أو مسبار يميزون به الحق من الباطل والطيب من الخبيث؛ ولكن معيارهم أن يوافق ما يستوردونه من أفكار من آبائهم الغربيين.

ويكفي المسلم شَرفًا أن نبيّنا محمدًا وصحبه هم مرشدوه وسلفُه، لا فلاسفة الشرق والغرب، ولا مبتدعة الماضي والحاضر، كما قال القائل:

ومــــمَّـــــا زادنِــي شـــرفًــــا وتـــيـــهـــا        وكدت بأخمصي أطأ الثُّرَيَّا

دخولي تحت قولك يا عبادي        وأن صيَّرت أحمد لي نبيَّـــا

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الجواب الصحيح، لابن تيمية (1/ 62).

([2]) ينظر: الجواب الصحيح، لابن تيمية (1/ 72).

([3]) الجواب الصحيح (1/ 73).

([4]) جريدة النهار البيروتية، من مقابلة مع المفكر الفرنسي روجيه أرنالدز، بتاريخ: 6/ 4/ 1985م، نقلا من كتاب: ظاهرة التأويل الحديثة، لخالد السيف (ص: 348).

([5]) الفكر الأصولي واستحالة التأصيل (ص: 162).

([6]) القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني (ص: 12).

([7]) القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته، وتأثيره، ترجمة: رضا سعادة (ص: 32).

([8]) انظر: مختصر كتاب الفرق بين الفرق (ص: 169).

([9]) يروي الكليني عن علي بن الحكم عن هاشم بن صالح عن أبي عبد الله (ع) قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرائيل (ع) إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية». انظر: الأصول من الكافي (2/ 634). ومن المعلوم أنّ القرآن ستّة آلاف ومائتان وثلاث وستون آية، وهذا يعني أن ثلثي القرآن ضاع وأنّ الموجود منه هو الثلث! وانظر: الشيعة والقرآن، إحسان إلهي ظهير (ص: 31).

([10]) السنة بين الأصول والتاريخ (ص: 278-279).

([11]) الفكر الإسلامي قراءة علمية (ص: 82).

([12]) قضايا في نقد العقل الديني (ص: 222) -هامش-.

([13]) قضايا في نقد العقل الديني (ص: 9).

([14]) المصدر السابق (ص: 27).

([15]) النص والسلطة والحقيقة (ص: 33).

([16]) النص والسلطة والحقيقة (ص: 69).

([17]) النص والسلطة والحقيقة (ص: 70).

([18]) مفهوم النص (ص: 24).

([19]) ينظر: نقد النص، علي حرب (ص: 209).

([20]) إشكالية تاريخية النص الديني (ص: 121).

([21]) تحديث العقل الإسلامي (ص: 7)، نقلا من: النص القرآني إشكالية البنية والقراءة، لطيب تيزيني (ص: 364).

([22]) قضايا في نقد العقل الديني (ص: 117) -الهامش-.

([23]) النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة (ص: 68).

([24]) النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة (ص: 69).

([25]) المرجع نفسه (ص: 71).

([26]) السنة بين الأصول والتاريخ (ص: 302).

([27]) المرجع نفسه (ص: 75-76).

([28]) السنة بين الأصول والتاريخ (ص: 224).

([29]) ينظر: مقدمة إسلام الفقهاء، لنادر حمامي.

([30]) النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة (ص: 171 وما بعدها).

([31]) دنيا الدين في حاضر العرب (ص: 96).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

الإرادة الكونية والإرادة الشرعية والخلط بينهما

 إن منهج السلف هو أسعد المناهج بالعقل وبالنقل، وهو منهج وسط بين المناهج المنحرفة التي ظنَّت التعارض بينهما، فهو وسط بين الإفراط والتفريط. ومن القضايا التي يتجلَّى فيها وسطية هذا المنهج قضيَّة: الإرادة والأمر الإلهيين. فإنه من المعلوم أن كل ما في الكون إنما يجري بأمر الله تعالى، وأن الله تعالى إذا أراد شيئًا فإنما […]

عرض ونقد لكتاب “التفكير الفقهي المعاصر بين الوحي الخالص وإكراهات التاريخ

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه»([1]). فهذا الحديث دليل على أن صمام الأمان ومصدر الهداية ومنبع النور في هذه الأمة هو […]

حديث: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس» تفسير ومناقشة

قد يعجب المرء حينما يرى إجمال المصطفى صلى الله عليه وسلم وبيانه لطرائق أهل البدع في رد الحق، واحتيالهم لدفعه وصدِّ الناس عنه؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين»([1]). فهذه الأمور الثلاثة -أعني: التحريف، والانتحال، والتأويل- هي طرق أهل الزيغ […]

أقوالٌ عند التِّيجانية لا يقبلُها شرع ولا يقرُّها عَقل

 تُعدُّ الطريقة التيجانيَّة من أكبر الطرق الصوفية؛ وذلك لكثرة معتنقيها في إفريقيا عمومًا، وفي شمالها خصوصًا، وهي اليوم تقدَّم على أنها بديلٌ عن السلفية السّنِّيَّة في كثير من البلدان، وكثيرًا ما رفع أصحابُها شعارَ الاعتدال، وادَّعوا أنهم الممثِّلون الشَّرعيون لمعتقد أهل السنة، وأنه لا ينكر عليهم إلا شرذِمة مخالفة للسَّواد الأعظم تنتسب للسلفية، وهذه الدعوى […]

نقض الإمام أبي الحسن الأشعري لمعتقد الأشعرية في الصفات

                                                                                              للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله، […]

التسامح السلفي في المعتقد..بين انفلاتِ معاصرٍ وغلوِّ متكلمٍ

  دين الله قائم على العدل والإحسان، والدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، ولا شكَّ أن من أفضل الأخلاق وأزكاها عند الله سبحانه خلُقَ العفو والرفق، فالله سبحانه وتعالى رفيق يحبُّ الرفق، وكتب على نفسه الرحمة، وجعلها خُلقًا بين عباده، فكل ما يخدم هذا المعنى فهو مقَّدم عند التعارض على غيره، وفي الحديث: «لما خلق […]

نقد التّصوف الغالي ليس خاصَّاً بالسلفيِّين

 درَج خصوم السلفية على تبني التصوُّف منهجًا بديلًا عنها، وحاولوا تسويغَ ذلك بوجود علماء كبار يتبنَّون نفس المصطلح ويزكُّونه، وجعلوا من نقد السّلفية لمظاهر الانحراف عند الصوفية نقدًا للعلماء وازدراءً لهم، وكان أهل التصوُّف الغالي كثيرًا ما يتستَّرون بالعلماء من أهل الحديث وأئمة المذاهب، ويدَّعون موافقتَهم واتباعهم، وأنَّ نقد التصوّفِ هو نقدٌ للعلماء من جميع […]

حديث: (فُقِدت أمّة من بني إسرائيل) وتخبُّط العقلانيّين في فهمه

من حِكَم الله تعالى أن جعل لأصحاب الأهواء سيما تميّزهم ويعرفون بها؛ لئلّا يلتبسَ أمر باطلهم على الناس، ومن أبرز تلك العلامات: المسارعة إلى التخطِئة والقدح وكيل الاتهامات جزافًا، فما إن يقفوا على حديث يخالف عقولهم القاصرة إلا رَدُّوه وكذَّبوه، ولو كان متَّفقًا على صحّته وثبوته، ولو أنهم تريَّثوا وسألوا أهل الذكر لتبيّن لهم وجه […]

تقنيات الحداثيين – توظيف المخرجات البدعية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: “الدِّين الحقُّ كلَّما نظر فيه الناظِر وناظر عنه الْمُنَاظِر ظهرت له البراهين، وقَوِيَ به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين، وأشرق نوره في صدور العالمين. والدِّينُ الباطلُ إذا جادل عنه المجادِل ورام أن يُقِيم عودَه المائل أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحقِّ على الباطل، فيَدْمَغُه فإذا هو […]

عرض وتعريف بكتاب: “الإسلام: مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب”

“الشعوبُ الخاضعة لحكم الإسلام محكومٌ عليها بأن تقبع في التَّخلف”. هكذا يقول أرنست رينان في إحدى محاضراته([1])، وليس هذا رأيًا فرديًّا شاذًّا بين أوساط المجتمع الغربي، بل يكاد يكونُ هو الرأي السَّائد، خاصةً وسط الأفكار الشعبيَّة، وذلك بسبب التغذية التي تمارسُها كثيرٌ من النخب الإعلامية والسياسية في الغرب، حتى صار الإسلام هو الشَّبح الذي يهدِّد […]

لماذا خلق الله النار؟

الله سبحانه أكرم الإنسان وفضَّله على كثير من الخلق، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، وأسجد ملائكته لأبيهم آدم -عليه السلام- الذي خلقه بيديه سبحانه وتعالى، وبه عاتب إبليس اللعين فقال تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ […]

حديث: «المرأة خُلِقت من ضلع» دلالة السياق والرد على شبهات الانسياق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله المتفضل بالإنعام على عباده المتقين، وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد يحاول عبثًا أعداء السنة النفخَ في رماد الشبهات القديمة التي أثارها أوائلهم للطعن في السنة والغضّ من مكانتها؛ حيث يغمزون الأحاديث الصحيحة بمغامز باطلة، وتأويلات بعيدة […]

حديث: (إذا أُنْكِحْوا يَضرِبُونَ بالكَبَر والمزَامِير) تحليل ومناقشة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  الحمد لله الذي حظر مواطن اللهو المحرم على عباده، وخلَّص من ريبه وشبهه المصطفين لقربه ووداده، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، الذي أرسله الله قاصما لأعدائه بواضح براهينه ويناته([1]). أما بعد.. فإن من الأمور المخوِّفة للعبد -وهي من جهة أخرى مثبتة لقلبه- وقوع بعض ما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017