الثلاثاء - 16 رمضان 1440 هـ - 21 مايو 2019 م

أطروحات ابن تيمية… ودعوى عدم الاستقرار

A A

                                                                    للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة


 إنَّ من السنَّة توقيرَ العالم الذي لا يتقدَّم بين يديِ الله تعالى ورسوله؛ إذ “كل قائل إنما يُحتَجّ لقوله لا به إلا الله ورسوله”([1]). تلك كلمات نيِّرات تكتب بأحرف من نور قالها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تبيانًا لمنهجه، وبرهانًا على فرط تعظيمه ووافر تقديسه لكتاب الله تعالى وما صحَّ عن رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولا غروَ، فقد تبوَّأ شيخ الإسلام ابن تيمية المكانةَ الرفيعة والمنزلة المنيفةَ بين أهلِ العلم، على مدارِ أكثرَ من سبعةِ قرون، وأذعن الموافق والمخالف لفضله وعلوِّ كَعبه في العلم والفضل والديانة، ونُصرته لدين الله تعالى سرًّا وعلانية. يقول الحافظ ابن حجر (ت: 852هـ) فيمن قام عليه وأنكر عليه: “ومع ذلك فكلُّهم([2]) يعترف بسعةِ علمه، وزهدِه، ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نُصرة الإسلام، والدعاء إلى الله تعالى في السرِّ والعلانية”([3]).

ولا يخفَى هذا على من له أدنى مسكَةٌ من عَقلٍ أو قليلٌ من إنصاف؛ كما لا يخفى مدى العداوةِ والوحشةِ التي جرت لشيخ الإسلام من بعض مناوِئيه والمخالِفين لآرائِه وأطروحاته([4])، لكن مما يُستغرب له حقًّا أن يخرجَ علينا بعضُ من ينتسِب إلى العلم في زماننا متَّهِمًا لشيخ الإسلام ابن تيمية “بأن نتاجه أطروحة فكريَّة قلِقَة… خرجت أجيالٌ من علماء الأمَّة على أن هذه الأطروحةَ تُجتَنَب لا يُنظر فيها!!”([5]).

لذا جاءت هذه الورقة العلميَّة لمناقشة تلك الدعوى، وبيان زيفها ومجانبتها للإنصاف والعدل، ومن لوازم ذلك وضع تلك المزاعم على بساط العلم بعيدًا عن الردِّ بالعاطفة أو الدفع بالصدر؛ للكشف عن مدى استقرارِ تلك الأطروحات العلميَّة التي قدَّمها شيخ الإسلام في مصنفاته وفتاويه ورسوخها، وقد تعمَّدتُ أن تكونَ أكثرُ النقول عمَّن اشتهر بعداوته لشيخ الإسلام، أو عمَّن يحاول بعضُهم نسبتَه إلى مناوأَته ومخالفته([6])، من أصحاب المذاهب الفقهية المتَّبعة.

وتجنُّبًا للإطالة فإنه ليس من مقاصدِ هذه الورقةِ ذكرُ ترجمةٍ مفصَّلة لشيخ الإسلام، وإنما سيتركَّز حديثنا على تقييم أطروحاتِ شيخ الإسلام من حيث الجملةُ، ثم التذييل بذكر أشهر المسائل والفتاوى التي أُنكِرت عليه، وشُنِّع عليه بها، متوخّيًا بيان مآخذ شيخ الإسلام فيها، وذكر بعض من وافقه عليها؛ تدليلًا على عدم تفرُّده أو شذوذه، بغضِّ النظر عن موافقة شيخ الإسلام ابن تيمية أو مخالفتِه فيما توصَّل إليه من أحكام.

وقد قسّمت هذه الورقة إلى ثلاثة مباحث وخاتمة:

المبحث الأول: مكانة ابن تيمية العلمية برهان استقرار أطروحاته.

المبحث الثاني: آثاره العلمية شاهد صدق على متانة أطروحاته وأفكاره.

المبحث الثالث: أشهر المسائل التي شُنِّع عليه بها.

الخاتمة: الفرق بين مسلكَيِ الاعتساف والإنصاف في تقييم العلماء وأطروحاتهم.

المبحث الأول: مكانة ابن تيمية العلمية برهانُ استقرار أطروحاته:

لا مريةَ في الارتباطِ الوثيق الصِّلة بين تمكُّن العالم ورسوخه في العلم واستكماله لأدوات الاجتهاد، وبين نتاجه الفكريِّ متمثلًا في جَودة مصنفاته وصحَّة فتاويه، وبينهما تناسب طرديٌّ، فكلَّما كان العالم متقنًا ثبتًا كان ذلك أدعَى لقبول أطروحاته والاطمئنان لصحَّة كلامه، وهذا ما يدفعنا للبحث عن مكانة شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيِّ حدٍّ وصلت إليه تلك المكانة، وهو ما سيتناوله هذا البحث في المطالب الآتية:

المطلب الأول: نشأة شيخ الإسلام ونبوغه العلمي:

نشأ ابنُ تيمية في بيئة ديانةٍ وورع، وحاضنةِ علم، فلقد طلب العلم في صغره، وثابر على تحصيله، حتى وفَّقه الله تعالى بالتمكُّن في العلم والإفتاء، وشهِد له علماءُ عصره بالنبوغ والتفوُّق وهو ابنُ تسعَ عشرةَ سنةً.

يقول الحافظ الذهبي: “وكان يحضُر المدارس والمحافلَ في صغره، ويناظِر ويفحِم الكبار، ويأتي بما يتحيَّرُ منه أعيانُ البلد في العِلم، فأفتى وله تسعَ عشرة سنَة، بل أقلُّ، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبَّ على الاشتغال، ومات والدُه وكان من كبار الحنابلةِ وأئمَّتهم، فدرَّس بعدَه بوظائفه، وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره وبعُد صيته في العالم”([7]).

وتأمَّل قول الحافظ الذهبيِّ: “فدرَّس بعدَه بوظائفه…”؛ فإنها شهادة بِتبوُّؤ شيخ الإسلام ابن تيمية لوظائفِ أبيه في المذهب الحنبلي، وهو ما سيأتي بيانه في المطلب التالي.

المطلب الثاني: منزلته في المذهب الحنبلي:

لا يخفى على مَن له أدنى ممارسةٍ للفقه الحنبليِّ ما لشيخ الإسلام ابن تيمية من حظوةٍ ومنزلة رفيعة في المذهب الحنبلي؛ فإنه لا تَكاد تجد مصنَّفًا من مصنَّفات متأخِّري الحنابلة إلا وفيه: “وهو قول الشيخ تقي الدين” وهو لقب لابن تيمية، أو “وهو اختيار الشيخ تقي الدين”، ونحو ذلك من العبارات الدالَّة على اهتمامهم بأقواله وترجيحاته.

يقول ابن القيم: “ولا يختلف عالمان متحلِّيان بالإنصافِ أنَّ اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختياراتِ ابن عقيل وأبي الخطَّاب، بل وشيخِهما أبي يعلى، فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يُفتَى بها في الإسلام، ويَحكم بها الحكَّام، فلاختيارات شيخ الإسلام أسوةٌ بها، إن لم ترجح عليها([8]).

ولنترك المجالَ لمحرِّر المذهب الحنبليِّ الإمام المرداوي يكشف لنا عن بعض ذلك؛ فيقول في معرض بيان المعتمَد في مذهب الحنابلة: “فالمذهب ما اتَّفق عليه الشيخان، أعني: المصنف والمجد([9])، أو وافق أحدهما الآخر في أحد اختياريه، وهذا ليس على إطلاقه، وإنما هو في الغالب، فإن اختلفا، فالمذهب مع من وافقه صاحب «القواعد الفقهية»([10])، أو الشيخ تقي الدين([11]).

ولم يقتصر الأمرُ على بلوغه تلك المنزلةَ المنيفة في المذهب الحنبليِّ وحسب، بل بلغت اجتهاداتُ شيخ الإسلام واختياراته الآفاقَ، ونعَتَه جمع من أهل العلم بالمجتهد، كما سيوضِّحه المطلب الآتي.

المطلب الثالث: بلوغه رتبةَ الاجتهاد:

نصَّ جمع من العلماء على أن شيخ الإسلام ابن تيمية بلغَ رتبةَ الاجتهاد، منهم: الحافظ الذهبي([12])، وابن حجر([13])، والسيوطي([14])، وغيرهم.

يقول الشيخ المرداوي الحنبلي في بيان أصناف المجتهدين: “واعلم أنَّ المجتهد ينقسم إلى أربعة أقسام: مجتهد مطلق، ومجتهد في مذهب إمامه أو في مذهب إمام غيره، ومجتهد في نوع من العلم، ومجتهد في مسألة أو مسائل”([15]).

ثم قال بعد ذكره للقسم الأول: المجتهد المطلق: “قد ألحق طائفةٌ من الأصحاب المتأخرين بأصحاب هذا القسم الشيخ تقيَّ الدين ابن تيمية -رحمة الله عليه-، وتصرُّفاته في فتاويه وتصانيفه تدلُّ على ذلك”([16]).

بل قرَّر المرداوي ذلك نصًّا فقال: “فإنه وجد من المجتهدين بعد ذلك جماعة، منهم: الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ونحوه”([17]).

وكيف يُنكر ذلك وقد شهد له به علماءُ الإسلام في عصره؟! يقول الحافظ ابن حجر: “علماء الشريعة شهِدوا له بأنَّ أدوات الاجتهاد اجتمَعت فيه، حتى كان أشدُّ المتعصِّبين عليه العاملين في إيصال الشر إليه -وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني- شهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين ابن الوكيل الذي لم يثبُت لمناظرته غيرُه”([18]).

يقول الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني: “ولا يُعرف أنه [يقصد ابن تيمية] ناظر أحدًا فانقطَع معه، ولا تكلَّم في علم من العلوم -سواء كان من علوم الشرع أو غيرها- إلا فاق فيه أهلَه، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها كما يجب([19]).

وهذا يقودنا إلى التعرُّف على شهادات أقرانه وخصومه له بسعةِ الاطلاع في العلم، ووفور حظِّه من الفَهم والحفظ، فانظُره في الآتي.

المطلب الرابع: شهادات خصومِه وأقرانه له بالتمكُّن في العلم:

بالرغم من شيوع العداوةِ والخصومة لشيخ الإسلام، إلا أنَّ بعض العلماء غلَّبوا جانب الإنصاف والعدل، ولم تغلِبهم العداوة والخصومة، فشهِدوا لشيخ الإسلام بالتقدُّم في العلم والفضل، وقديمًا قالوا: “الحقُّ ما شهدت به الأعداء”، مع بعض شهادات أقرانه ومحبِّيه.

فهذا صدرُ الدِّين ابن الوكيل، وكانَ ممن ينصبُ العداوةَ لشيخ الإسلام، ويُناظِره في كثيرٍ منَ المحافل والمجالِس، إلا أنه كان يعترف للشَّيخ تقيِّ الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه([20]).

ومما كتبه الشيخ تقي الدين السبكي -وكان من خصوم شيخ الإسلام- مخاطبًا به الحافظ الذهبي: “أمَّا قول سيِّدي في الشيخ فالمملوك يتحقَّق كبر قدره [يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية]، وزخارة بحره، وتوسُّعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصفَ، والمملوك يقول دائمًا: وقدره في نفسي أكبرُ من ذلك وأجلُّ، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرضٍ سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان”([21]).

ويقول الشيخ الأذرعي الشافعي: “الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أحد أئمَّة الإسلام الأعلام، كان -رحمه الله تعالى- بحرًا من البحور في العلم، وجبلًا شامخًا لا يختلف فيه اثنان من أهل العصر، ومن قال خلافَ ذلك فهو جاهلٌ أو معانِد مقلدٌ لمثله، وإن خالف الناسَ في بعضِ مسائلَ فأمره إلى الله تعالى([22]).

ولقد أنصف القاضي بهاء الدين ابن السبكي، حيث يقول لبعض من ذكر له الكلام في ابن تيمية فقال: “والله -يا فلان- ما يبغض ابنَ تيمية إلا جاهلٌ، أو صاحبُ هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصدُّه هواه عن الحقِّ بعد معرفته به”([23]).

ويقول الشيخ تقيُّ الدين ابن دقيق العيد: “لما اجتمعتُ بابن تيمية رأيتُ رجلًا العلومُ كلُّها بين عينَيه، يأخذُ منها ما يريد، ويدع ما يريد”([24]).

ويقول الحافظ ابن سيِّد الناس اليعمريُّ عنه: “ألفَيتُه ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنَن والآثار حِفظًا، إن تكلَّم في التفسير فهو حامِل رايته، وإن أفتى في الفقهِ فهو مدركُ غايته، أو ذاكر بالحديثِ فهو صاحِب علمِه وذو روايته، أو حاضر بالنِّحَل والملل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، برز في كلِّ فنٍّ على أبناءِ جنسه، ولم تر عينُ من رآه مثله، ولا رأت عينه مثلَ نفسه([25]).

ويقول الذهبي عنه: “وهو أكبر من أن ينبِّه على سيرته مثلِي، فلو حُلِّفتُ بين الركن والمقام لحلفت: إني ما رأيتُ بعيني مثلَه، وإنَّه ما رأى مثلَ نفسه([26]).

المطلب الخامس: تتابع العلماء على تلقيبه بشيخ الإسلام:

لو ذهبنا نتتبَّع أقوالَ العلماء فيه وثناءَهم عليه بغزارة العلم وسيلان الذِّهن وسعة الحفظ وجَودة القريحة، لخرجنا عن المقصود، وحسبُنا أنَّ لقب “شيخ الإسلام” إذا أطلق -عند أهل السنة والجماعة في باب العقائد والردِّ على المبتدعة- انصرفَ إليه؛ وقد رتَّب الحافظ ابن ناصر الدين الدِّمشقيُّ أسماءَ من أطلَق عليه لقب “شيخ الإسلام” على حروف المعجم، فبلغوا خمسًا وثمانين نفسًا، ثم قال: “وهذا آخرُ من ذكرنا مِنَ الأعلام ممن سمَّى الشيخ تقي الدين ابن تيمية بشيخ الإسلام، ولقد تركنا جمًّا غفيرًا، وأناسيَّ كثيرًا ممن نصَّ على إمامته، وما كان عليه من زهده وورعه وديانته”([27]).

ولنقتصر على ذكر بعض أقوال من لم يُعرف بأنه من أتباعه، وتوهَّمَ بعضُهم أنه من أعدائه:

يقول الحافظ ابن حجر: “وشهرةُ إمامةِ الشيخ تقي الدين ابن تيمية أشهرُ من الشَّمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام باقٍ إلى الآن على الألسنة الزكية، ويستمرُّ غدًا كما كان بالأمس، ولا يُنكر ذلك إلا من جهِل مقداره وتجنَّب الإنصاف، فما أكثرَ غلط من تعاطى ذلك وأكثر عثَاره! فالله تعالى هو المسؤولُ أن يقيَنا شرورَ أنفسنا وحصائد ألسنتنا بمنِّه وفضله”([28]).

ولقد صدَق توقُّع الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، فلقد استمرَّ تلقيبُ الإمام ابن تيمية بشيخ الإسلام إلى يومِ الناس هذا، وسيستمرُّ غدًا -إن شاء الله تعالى-

ويقول عنه أيضًا: “فإنه شيخ مشايخ الإسلام في عصره بلا ريب([29]).

ويقول الإمام بدر الدين العينيُّ الحنفيُّ: “ولا ريبَ أنه كان شيخًا لجماعةٍ من علماء الإسلام، ولتلامذة من فقهاء الأنام، فإذا كان كذلك كيف لا يُطلق عليه شيخ الإسلام؟! لأن من كان شيخًا للمسلمين يكون شيخًا للإسلام”([30]).

ويقول الإمام ابن الحريري الأنصاريُّ الحنفيُّ: “إن لم يكن ابن تيمية شيخ الاسلام فمن؟!”([31]).

ونخلص مما سبق: أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد بلغ رتبةَ الاجتهاد، وكان له مزيدُ علم وفضل، وقد شهِد له بذلك الموافق والمخالف، حتى صار لقبُ شيخ الإسلام علمًا عليه من زمنه وحتى يوم الناس هذا.

وعليه فإنَّ الدعوى بأن أطروحاتِ شيخ الإسلام صادمةٌ وغير مستقِرَّة وقلِقة دعوى باطلةٌ، قد دلَّت شهادة العلماء على بطلانها، فهي الأحرى بالقلق والاضطراب فالسُّقوط.

شبهةُ التعلُّل بكثرة خصومِه:

ممَّا استُدِلَّ به على هذه الدَّعوى كثرةُ خصومِ شيخ الإسلام، وأنَّه قضى كثيرًا من عمره وزمانه في الردِّ عليهم.

الجواب عن تلك الشبهة:

هذا الدليلُ لا يصلح الاستدلال به؛ فخصوم شيخ الإسلام كان أكثرُهم من أهلِ البدع من الروافض والحلوليَّة والاتحاديَّة وغيرهم، وقد قضَى شيخ الإسلام وقتًا طويلًا من عمره في الردِّ عليهم وتفنيد شبهاتهم، ولا يمتري عاقلٌ منصِف في أن هذا يعدُّ من محاسنه ومناقبه وفضائله، فعجبًا لأصحاب تلك الدَّعوى يجعلون المحاسنَ معايب!

وتأمَّل معِي قول المرُّوذي: “قلت لأبي عبد الله -يعني: إمامنا أحمد-: ترى للرجل أن يشتغلَ بالصوم والصلاة ويسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلَح وجهه وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟! قلت: بلى، قال: فإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم أفضل”([32]).

ولقد تعجَّب الحافظ ابن حجر من صنيع هؤلاء الذين يحاولون إسقاط شيخ الإسلام، وتزهيدَ الناس في كلامه وأطروحاته؛ فقال: “ومن أعجَب العجب أن هذا الرجل [يعني: شيخ الإسلام] كان من أعظم الناس قيامًا على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرةٌ شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر”([33]).

المبحث الثاني: آثاره العلمية شاهد صدق على متانة أطروحاته وأفكاره:

مما لا مريةَ فيه أيضًا أنَّ الآثار التي يتركها العالم من أدلِّ المظاهر على جودَة أفكاره وسموِّ أطروحاته التي عاش ينشرها، مدافعًا عنها ومنافحًا، وبيان هذا في مطلبين:

المطلب الأول: جودة مصنَّفاته:

لقد كان شيخُ الإسلام مكثرًا من التَّصنيف، وكان جلُّ مصنَّفاته يمليها من حفظه؛ يقول ابن عبد الهادي: “وللشيخ -رحمه الله- من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من متقدِّمي الأمَّة ولا متأخِّريها جمع مثل ما جمع، ولا صنَّف نحوَ ما صنَّف، ولا قريبًا من ذلك، مع أنَّ أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثيرٌ منها صنَّفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب”([34]).

وهذه التصانيفُ على كثرتها حوَت منَ الفوائد والأطروحات النفيسة الشيءَ الكثير، والذي يهمُّنا هنا هو التنبيهُ على أشهر تلك المصنَّفات، وما حوته من تقريرٍ لمذهب السَّلف والرد على أهل البدع والأهواء، ومنها:

  • كتاب: “العقيدة الواسطية”: وقد صنَّفه شيخ الإسلام بيانًا لاعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة -أهل السنة والجماعة-.

ولو تأمل الناظر بعين الإنصاف قولَ شيخ الإسلام ضمنَ مناظراته لخصومه حولها علمَ مدى تمكُّنه في العلم، وتحلِّيه بالعدل والإنصاف؛ حيث يقول: “وليس كل ُّمن خالف في شيءٍ من هذا الاعتقادِ يجب أن يكونَ هالكًا؛ فإنَّ المنازعَ قد يكون مجتهِدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكونُ بلغَه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجَّة، وقد يكونُ له من الحسنات ما يمحو الله به سيِّئاته، وإذا كانت ألفاظُ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأوِّل والتَّائب وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك، فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أنَّ من اعتقَد ذلك نجَا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضدَّه فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال: من صمت نجا”([35]).

  • كتاب: “درء تعارض العقل والنقل”: يقول ابن عبد الهادي: “وهو كتاب حافلٌ عظيم المقدار، رد الشيخ فيه على الفلاسفة والمتكلمين”([36]).
  • كتاب: “منهاج السنة النبوية”: وقد ردَّ فيه على ابن المطهّر الرافضي، وبيَّنَ جهل الرافضة، وضلالاتهم، وكذبهم، وافتراءاتِهم، وممَّن مدحه الشيخ تقي الدين السبكي بقوله:

وابنُ المطَهّر لم تطْهُر خَلائِقُه     داعٍ إلى الرَّفض غالٍ في تَعصُبِه

ولابـن تيـميـة ردٌّ علــيه لـــــــــــــــــــــه    أجادَ في الرَّدّ واستيفاءِ أضرُبِه([37])

  • كتاب: “بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدَعهم الكلاميَّة”: يقول ابن عبدالهادي: “وهو كتابٌ جليل المقدار، معدوم النظير، كشف الشيخ فيه أسرارَ الجهمية، وهتك أستارهم، ولو رحل طالب العلم لأجل تحصيله إلى الصين ما ضاعت رحلته”([38]).
  • كتاب: “الصارم المسلول على شاتم الرسول”: يقول تقي الدين السبكي: “وقد وقفت على تصنيف لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية سماه: الصارم المسلول على شاتم الرسول، استدلَّ على تعيُّن قتله بسبعٍ وعشرين طريقة أطال فيها، وأجاد، ووسع القول في الاستدلال والآثار وطرق النظر والاستنباط([39]).
  • كتاب: “الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح“: يقول ابن عبد الهادي: “وهذا الكتاب من أجلِّ الكتب، وأكثرها فوائد، ويشتمل على تثبيت النبوات وتقريرها بالبراهين النيرة الواضحة، وعلى تفسير آي كثير من القرآن، وعلى غير ذلك من المهمَّات”([40]).

شبهة هجران كتب ابن تيمية:

ادَّعى بعضُهم أنَّ كتب شيخ الإسلام كانت مهجورةً، ولم يتداولها العلماء، حتى إنَّ الشيخ محمود شكري الآلوسي في رسائِله المتبادَلة بينه وبين الشيخ جمال الدين القاسمي ظلَّ يفتِّش في دور المخطوطات في العالم عن كتاب من كتب شيخ الإسلام أربعين سنة، والكتاب غير موجود([41]).

الجواب عن تلك الشبهة:

أنَّ هذه الرسائل مطبوعة ومنشورة بحمد الله بعنوان: “الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الآلوسي”([42]).

والمنصفُ يرى في الاستشهاد بهذه القصَّة دلالةً ظاهرة على خلاف المدَّعى، فإنها تبرهن بوضوحٍ على مدى حرصِ الشيخ الآلوسي على اقتناء كتُب شيخ الإسلام والسَّعي في نشرها بكلِّ وسيلة.

ودونك بعض رسائله الموضِّحة لمدى اهتمامه وسعيه في نشر كتب شيخ الإسلام، وفيها قوله: “وقد أتاح المولى من الإخوان من يراجع أجزاء (الكواكب)، ويستخرج منها بعض مؤلفات شيخ الإسلام، فننسخ من (نقد التأسيس في الرد على الرازي)، ويبحث عن تتمَّته، ونسخ كتاب (التوسل) أيضًا، وقد بلغ خمسةَ عشر كرَّاسًا، ونسخ غيرها إلا أنَّ الأمر بحاجة إلى همَّة الأحمديين وغيرة من المثرين يُقيمون الوكلاء عنهم، ولا يبالون فيما يصرف للتصحيح والنسخ([43]).

وفي رسالة أخرى قوله: “ولي أملٌ عظيم في نشر كتب الشيخ جميعِها عن قريب، والله الموفِّق لكلِّ خير([44]).

المطلب الثاني: تزكية تلاميذه:

من آثار شيخ الإسلام الدالَّة على متانة أطروحاته وصواب أفكاره ظهور أئمة أعلام تخرَّجوا على يديه، واستفادوا منه، وشهد لهم القاصي والداني بالعلم والفضل، ومن أشهرهم:

  • الحافظ الذهبي (ت: 748هـ): قال عنه القاضي تاج الدين: “أما أستاذنا أبو عبد الله الذهبي فبصرٌ لا نظير له، وكنزٌ هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظًا، وذهَب العصر معنى ولفظًا”([45]).
  • الإمام ابن القيم (ت: 751هـ): يقول عنه الحافظ ابن كثير في بيان فضله وعلمه: “وبالجملة كان قليلَ النظير، بل عديم النظير في مجموعه، وأموره، وأحواله، والغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة، سامحه الله ورحمه”([46]).

ويقول الحافظ ابن حجر: “ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السارة، التي انتفع بها الموافق والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته([47]).

  • الإمام ابن مفلح (ت: 763هـ): وكان غايةً في مذهب الإمام أحمد، وقد أثنى عليه بعضُ من نصب العداءَ لشيخ الإسلام؛ فكان الشيخ تقيّ الدين السّبكي يثني عليه، ويقول: “ما رأيت أفقه منه”([48]).

وقال ابن القيم: “وما تحت قبَّة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح هذا، وعمره نحو العشرين”([49]).

المبحث الثالث: أشهر المسائل التي شُنِّع عليه بها:

تقرَّر معنا مما سبق أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان مجتهدًا، مأجورًا على كلِّ حال، وأن له أجرين في حال إصابته، وأجرًا واحدًا في حال خطئه، والناظر بعين الإنصاف يرى قلة خطئه وكثرة صوابه، علمًا بأنه لم يكن يتكلَّم في المسائل عَن هوى، وإنما كان يبحثُها ويبنيها على أدلة صحيحة عنده، هذا بعيدًا عن الاتهامات الباطلة التي ادُّعيت عليه، وأشاعها عنه بعض أعدائه وحسَّاده: كالتشبيه والتجسيم([50])، وهو بريء من تلك التُّهم الكاذبة، وكتُبُه خير شاهد على هذا.

وقد برَّأ الحافظ ابن حجَر ساحة شيخ الإسلام منِ اتِّباع الهوى فقال: “والمسائل التي أُنكِرت عليه ما كان يقولها بالتشهِّي، ولا يصرُّ على القول بها بعد قيام الدليل عليه عنادًا، وهذه تصانيفُه طافحَة بالردِّ على من يقول بالتجسيم والتبرّي منه، ومع ذلك فهو بشر يخطئ ويصيب، فالذي أصاب فيه -وهو الأكثر- يُستفاد منه، ويترحَّم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يقلَّد فيه، بل هو معذور؛ لأن علماء الشريعة شهِدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه”([51]).

وعلى الرّغم من أنَّ شيخَ الإسلام لم ينفرد بمسألةٍ منكرة قطّ، وإن كان قد خالف الأئمة الأربعة في مسائل بناها على أدلة شرعية صحيحة، فهو فيها موافقٌ لغيره، كما وافقه عليها غيره، ودونك مسألتين توضِّحان المقصودَ من غير لبس:

المسألة الأولى: تحريم السفر لزيارة القبور:

من أشدِّ المسائل التي شنِّع على شيخ الإسلام بسببها مسألة تحريم السفر وشد الرحال إلى زيارة القبور، ومنها قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

تحرير محل النزاع في المسألة([52]):

  • أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يمنع الزيارة الخالية عن شدِّ رحل، بل يستحبُّها ويندب إليها، وكتُبه ومناسكه تشهَد بذلك، ولم يتعرَّض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا.
  • أما من قصد السَّفر الشرعيَّ إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا صار في مسجده فعل في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره ما هو مشروع، فهذا سفر مجمع على استحبابه.
  • ومَن لا يقصد من سفره إلا مجردَ القبر، ولا يقصد الصلاةَ في المسجد، ولا يصلِّي فيه، فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع.
  • ومن يَقصد المسجدَ وزيارة القبر، فهذا لم يذكر في جواب شيخ الإسلام، وإنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرَّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين.

خلاصة الأمر: قد أجمل الشيخ ابن عبد الهادي تحريرَ محل النزاع في تلك المسألة بقوله: “فقد تبيَّن أن شيخَ الإسلام إنما ذكر الخلافَ في الجواب فيمن قصد مجرَّد القبر، فأما من قصد الزيارة وغيرها -كالصلاة في المسجد- فلم يذكر فيه نزاعًا”([53]).

الأدلة التي اعتمد عليها شيخ الإسلام:

استدلَّ شيخ الإسلام بالحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ومسجد الأقصى»([54]).

يقول شيخ الإسلام بناء على هذا الحديث: “إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي دون الصلاة في مسجده فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أنَّ هذا غير مشروع، ولا مأمور به”([55]).

موافقته لغيره وموافقة غيره له في تلك المسألة:

ومع كلِّ هذا فإن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول؛ بل سبقه إلى القول به بعض فقهاء المذاهب الأربعة المتبوعة: ومنهم الشيخ أبو محمد الجويني من الشافعية([56])، والقاضي عياض من المالكية([57])، وأبو عبد الله ابن بطة من الحنابلة([58]).

وقد نصره في هذا القول جماعة من علماء بغداد، ومنهم: الشيخ محمد بن شاكر الكتبي الشافعي([59])، والشيخ جمال الدين يوسف بن عبد المحمود ابن البتي الحنبلي([60])، والشيخ أبو عمرو بن أبي الوليد المالكي([61])، فضلًا عمن تبعهم من العلماء.

المسألة الثانية: مسألة اليمين بالطلاق:

ومن المسائل التي شُنِّع بها على شيخ الإسلام وحبِس لأجلها مسألةُ الحلف بالطلاق، واختياره أنه من الأيمان التي تدخُلها الكفارة.

وحكى فيها شيخ الإسلام قولين: أولهما: أنَّ الحلف بالطلاق طلاق،ٌ فيلزم، والثاني: أنه يمين، فلا يلزم. واختيار شيخ الإسلام أنَّ الحلف بالطلاق من الأيمان التي تدخلها الكفارة([62]).

الأدلة التي استدل بها:

وقد بنى شيخ الإسلام قوله على أدلةٍ من الكتاب والسنة، ومنها([63]):

  • قول الله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89].
  • وقال تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2].
  • وما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتها، وليكفِّر عن يمينه»([64]).

موافقته لغيره في المسألة:

ذكر شيخ الإسلام أنَّ القولَ بأنَّ الحلفَ بالطلاق يمين مكفّرة هو مقتضى ما ذهب إليه الصحابةُ في الحلف بالعتق، بل جعل الحلف بالطلاق أولى بالحكم من الحلف بالعتق؛ فإنهم إذا أفتوا من قال: “إن لم أفعل كذا فكلُّ مملوكٍ لي حرٌّ” بأنه يمين تكفَّر؛ فالحالف بالطلاق أولى([65]).

كما أنَّ أبا ثور قد علَّق القول به؛ فقال: إن لم تجمع الأمَّة على لزومه فهو يمينٌ تكفَّر، وقد تبيَّن أن الأمة لم تجمع على لزومه([66]).

وبهذا يُعلم أنَّ شيخ الإسلام لم يكن مبتدعًا لهذه الأقوال، ولم يقُلها بناءً على رغبةٍ أو هوى، وإنما أعمل أدواتِه الاجتهاديةَ للوصول إلى الحكم الشرعي.

الخاتمة: الفرق بين مسلكَي الاعتساف والإنصاف في تقييم العلماء وأطروحاتهم:

يقول الله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17]، “فكذلك الشَّهوات والشّبهات، يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها، كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاءَ والخبثَ، ويستقرُّ في قرار الوادي الماء الصافي الذي يستقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم، كذلك يستقرُّ في قرار القلب وجذره الإيمانُ الخالص الصافي الذي ينفع صاحبَه وينتفع به غيره”([67])، وليعتبر ذلك في طرق التعامل مع أهل العلم وأطروحاتهم؛ والناس في ذلك على ضربين.

أولًا: مسلك الاعتساف في التعامل مع الشيخ وأطروحاته:

تبيَّنَ لنا فيما سلف أنَّ أصحاب هذه الدعوى قد تبنَّوا مسلكَ الاعتساف في تقييم أطروحات شيخ الإسلام، واتَّخذوا الخلافَ مع الشيخ ذريعةً لإسقاطه، وصرفِ الناس عن الانتفاع بمصنفاته البديعة وفتاويه النافعة المحرَّرة.

وهو مسلكٌ قديم اتَّبعه طوائف ممن ناوَؤُوا شيخَ الإسلام، ووشَوا به، وحاولوا الإيقاع به وإيذاءَه، فلمَّا قدر عليهم وأتيحت له الفرصة لينتقمَ لنفسه لم يفعل؛ ولنستمع إلى ما نقله الحافظ ابن كثير عمَّن حضر بعضَ تلك المجالس التي كانت بين شيخ الإسلام وخصومه.

يقول الحافظ ابن كثير: “وقد أخبرني جمال الدين ابن القلانسي… أنَّ السلطان استفتى شيخَ الإسلام في قتل بعض القضاة بسبَب ما كانوا تكلَّموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت أيضًا! وأخذ يحثُّه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعَوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مرادَ السلطان، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن يَنالَ أحدًا منهم سوءٌ، وقال له: إذا قتلتَ هؤلاء لا تجِد بعدَهم مثلَهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلَك مرارًا، فقال الشيخ: من آذاني فهو في حلٍّ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقِم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح”([68]).

ثانيًا: مسلك أهل العلم والإنصاف في تقييم العلماء وأطروحاتهم:

من المعلومِ أنَّه ليس من الإنصاف أن يحكمَ على أطروحاتِ العالم أو فتاويه بعدم الاستقرار والثبات بمجرَّد الهوى أو مخالفةِ المشرَب، وإنما يكون تقييم العالم بالنظر في أدوات الاجتهاد ومدى استكماله لها، واستعماله لتلك الأدوات والآلات في استخراج الحكم الشرعي في المسألة محلِّ البحث؛ فإن أخطأ في الحكم بعد ذلك فإنه معذورٌ، ولا إثم عليه، وهو مأجور أجرًا واحدًا على اجتهاده؛ لما ثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»([69])، ولا ريب أنَّ الإنصاف من محاسن أهل العلم والديانة في كل عصر ومصر.

ولله در شيخ الإسلام! فلقد حاز قصبَ السبق في هذا، وكبح زمام شهوة الانتقام والتشفِّي؛ يقول جمال الدين ابن القلانسي: “وكان قاضي المالكية ابنُ مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرَّضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا”([70]).

وما أشبه الليلة بالبارحة! ففي وقتنا المعاصر يضرب أحدُ شيوخ أهل السنة والجماعة أروعَ الأمثلة على إظهار جميل خُلُق الإنصاف وقبيح الاعتساف، فهذا الشيخ ابن عثيمين لما سئل عن الإمامين النوويّ وابن حجر -رحمهم الله جميعًا- وما وقع منهما في تأويل صفات الباري سبحانه قال: “إن الشيخين الحافظين لهما قدَم صدقٍ ونفع كبير في الأمَّة الإسلامية، ولئن وقع منهما خطأٌ في تأويل بعض نصوص الصفات، إنه لمغمورٌ بما لهما من الفضائل والمنافع الجمَّة، ولا نظنُّ أنَّ ما وقع منهما إلا صادرًا عن اجتهادٍ وتأويل سائغ -ولو في رأيهما- وأرجو الله تعالى أن يكون من الخطأ المغفور، وأن يكونَ ما قدَّماه من الخير والنفع من السعي المشكور”([71]).

والمتأمِّل في إجابة الشيخ ابن عثيمين لما سئِل عن عالِمَين يخالفهما في بعض المسائل العقدية يلحَظ بوضوحٍ كيف منعَه إنصافه إن يرميَهما بالباطل، أو يهوِّن من تصانيفهما وأطروحاتهما العلمية، فأين هذا من دعوةِ بعضهم إلى اجتناب أطروحات شيخ الإسلام ابن تيمية، واتهامها بأنها غير مستقرة وقلِقة؟! ولقد صدق الإمام مالك -رحمه الله- في قوله: “ليس في الناس شيء أقلّ من الإنصاف”([72]).

ألا ما أجمل صفاء القلوب لأهل العلم، وحفظ الألسنة عن انتقاصهم، ومعرفة قدرهم والذب عنهم! يقول الحافظ الذهبي: “فرحم الله امرأً تكلَّم في العلماء بعلم، أو صمَت بحلم، وأمعن في مضايق أقاويلهم بتؤدة وفهم، ثم استغفر لهم ووسع نطاق المعذرة، وإلا فهو لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، وإن أنت عذرتَ كبار الأئمَّة في معضلاتهم، ولا تعذر ابن تيمية في مفرداته، فقد أقررتَ على نفسك بالهوى وعدم الإنصاف([73]).

والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

ـــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للبزار (ص: 29).

([2]) يعني: جماعةً من العلماء ممن قام على شيخ الإسلام مرارًا؛ بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع.

([3]) تقريظ لابن حجر على الردِّ الوافر (ص: 13).

([4]) الأطروحات: هي المسائل التي تطرح للنظر والبحث؛ يقول ابن دُريد في جمهرة اللغة (2/ 1195): “أطروحة: مسألة يطرحها الرجل على الرجل”. وينظر: المعجم الوسيط (2/ 553). والمقصود هنا: المسائل والفتاوى التي تناقلها الناس عن شيخ الإسلام.

([5]) قاله د. أسامة الأزهري، ودونك رابط كلامه:

https://www.youtube.com/watch?v=MOdyrs_OeT0

([6]) كالإمام الذهبي؛ فقد حاول بعض الأشاعرة المعاصرين نسبتَه إلى الانتقاصِ من شيخ الإسلام؛ مستدلِّين ببعض كلامه القديم قبل أن ينقح كتابه: “زغل العلم”، وكلامه المستفيض بالثناء عليه يدحض ذلك جملة وتفصيلًا. وكالحافظ ابن حجر؛ فقد ادَّعى بعضهم أنه نسب شيخ الإسلام إلى الانتقاص من قدر الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- مستدلِّين ببعض ما أورده في كتابه “الدرر الكامنة”، وهي تهمة واهية؛ وفي مركز سلف ورقة علمية تفنِّد بعض ذلك، بعنوان: “طعن ابن تيمية في الإمام عليّ فرية بتراء”، ودونك رابطها: https://salafcenter.org/3553/

([7]) ينظر: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: 20-21).

([8]) أعلام الموقعين عن رب العالمين (5/ 543).

([9]) يقصد: ابن قدامة المقدسي وهو مصنف “المقنع”، والمجد ابن تيمية وهو جد شيخ الإسلام.

([10]) يعني: الحافظ ابن رجب الحنبلي، وهو تلميذُ تلميذِ شيخ الإسلام.

([11]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف -ط. هجر- (1/ 25).

([12]) تاريخ الإسلام (7/ 164).

([13]) سيأتي كلامه.

([14]) طبقات الحفاظ (ص: 520).

([15]) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (30/ 383-384).

([16]) المرجع السابق.

([17]) التحبير شرح التحرير (8/ 4069).

([18]) تقريظ لابن حجر على الرد الوافر (ص: 14).

([19]) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (4/ 498).

([20]) ينظر: البداية والنهاية (18/ 161).

([21]) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة (4/ 503).

([22]) سؤال ورد إلى الشيخ الأذرعي عن شيخ الإسلام؛ وهو ضمن تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام خلال سبعة قرون (1/ 119-120).

([23]) ينظر: الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية لمرعي الكرمي (ص: 24).

([24]) ينظر: الرد الوافر (ص: 59).

([25]) ينظر: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: 26).

([26]) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة (4/ 497).

([27]) الرد الوافر (ص: 137).

([28]) تقريظ لابن حجر على الرد الوافر (ص: 12).

([29]) المرجع السابق (ص: 14).

([30]) ينظر: القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي لصفي الدين البخاري الحنفي (ص: 12).

([31]) ينظر: الرد الوافر (ص: 25).

([32]) ينظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (2/ 216).

([33]) تقريظ لابن حجر على الرد الوافر (ص: 14).

([34]) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: 42).

([35]) مجموع الفتاوى (3/ 179).

([36]) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: 41-42).

([37]) ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر (2/ 189).

([38]) العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: 44).

([39]) السيف المسلول على من سبَّ الرسول (ص: 387).

([40]) المرجع السابق (ص: 45).

([41]) قاله د. أسامة الأزهري، في رابط سابق.

([42]) طبعة دار البشائر الإسلامية، جمع وتحقيق: محمد ناصر العجمي.

([43]) ينظر: الرسالة رقم (3) ضمن “الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الآلوسي” (ص: 55-57).

([44]) المرجع السابق، الرسالة رقم (4) (ص: 60-62).

([45]) ينظر: معجم الشيوخ لابن السبكي (ص: 354).

([46]) البداية والنهاية (18/ 524).

([47]) تقريظ لابن حجر على الرد الوافر (ص: 15).

([48]) ينظر: السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد النجدي (3/ 1091).

([49]) المرجع السابق (3/ 1092).

([50]) في مركز سلف ورقة علمية بعنوان: التجسيم وابن تيمية وغلط المخالفين، ودونك رابطها:

https://salafcenter.org/1066/

([51]) تقريظ لابن حجر على الرد الوافر (ص: 14).

([52]) ينظر تفصيل ذلك في: العقود الدرية (ص: 357)، والصارم المنكي (ص: 242).

([53]) الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص: 242).

([54]) أخرجه البخاري (1189)، ومسلم (1397).

([55]) مجموع الفتاوى (27/ 26-27).

([56]) ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (9/ 106).

([57]) إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 449).

([58]) الإبانة الصغرى (ص: 366).

([59]) ينظر تفصيل ذلك في: العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص: 358-361).

([60]) ينظر: العقود الدرية (ص: 369).

([61]) ينظر: العقود الدرية (ص: 370).

([62]) ينظر: إعلام الموقعين (5/ 539).

([63]) ينظر: الفتاوى الكبرى (3/ 223).

([64]) صحيح مسلم (1650).

([65]) ينظر: مجموع الفتاوى (33/ 54)، وإعلام الموقعين عن رب العالمين (5/ 539).

([66]) ينظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (5/ 539).

([67]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 273).

([68]) البداية والنهاية (18/ 94).

([69]) صحيح البخاري (7352)، وصحيح مسلم (1716).

([70]) ينظر: البداية والنهاية (18/ 95).

([71]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (26/ 297).

([72]) ينظر: الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ لابن أبي زيد القيرواني (ص: 171).

([73]) ثلاث تراجم نفيسة للأئمة الأعلام للذهبي (ص: 25).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

قول الإمام أحمد: “يا عباد الله، دلوني على الطريق”.. تفهيم ودفع شبهة

جميل أن يعترف المرء بعدم العلم؛ فيسأل عما لا يعلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»([1])، وأجمل منه أن يُرشَد إلى الطريق؛ فيجاب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ انقيادًا لقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ […]

“يُستتاب وإلا قتل” معناها، وهل تكرّس للعنف؟

كثيرٌ ممن يقدِّمون أنفسهم لمناقشة ما يسمُّونه الآراء الفقهيّة المتطرِّفة والتفسير الأحادي للدين يخلطون بين المصطلحات متعدِّدة المعاني في الحقول المعرفية، كما يقعون في مغالطة علمية وهي نزع الأولويات، ففقيه متديِّن ملتزم بالفقه يرى أن الأولوية للنصوص، وأن مقصد حفظ الدين مقصد شرعيّ أصيل لا يمكن تجاهُله ولا إغفاله، وهو في تقرير الأحكام ينطلق من […]

فريضة صيام رمضان…بين القطع والتشغيب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: يُطلُّ عَلينا في هذا الزَّمان بين الفينةِ والأخرى عبر شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل الاجتماعيِّ بعضُ من ليس لهم همٌّ ولا شغلٌ ولا مشروعٌ إلا تشكيك المسلمين في عقيدتهم وحضارتهم وثوابت دينهم، وقد طالت سهامُهم المسمومةُ -ردَّها الله في نحورهم- كلَّ مقدَّسات الإسلام؛ فشكَّكوا في القرآنِ الكريم، وطعنوا […]

رمضان وحماية المسلم من الشهوات والشبهات

رمضان شهرُ خيرٍ وبركةٍ، وهو من مواسم الخير التي امتنَّ الله بها على المؤمنين؛ ليزيدوا في أعمال البرِّ، ويصحِّحوا علاقتِهم بالله سبحانه وتعالى. وللمؤمن مع هذا الشهرِ علاقةٌ لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بحمد الله والثناء عليه؛ ذلك أنَّ بلوغَ الشهر هو زيادةٌ في العمر، وزيادةٌ في الطاعة لله سبحانه، فعن طلحة بن عبيد الله […]

الأمانة العلمية لدى السلفيين.. نشر كتب المخالفين نموذجًا

يتعامَل السلفيّون مع ما يصدُر من أيِّ مسلم -وخصوصًا من العلماء- تعاملًا شرعيًّا، فلا يوجَد لدَيهم موقفُ رفضٍ مطلَق أو قبول مطلَق، وإنما المعامَلة مع الأقوال -سواء كانت للسَّلفيين أو مخالفيهم- تخضَع لقانون الشَّرع الذي يقِرُّ مبدأ الحقّ ويردُّ الباطل؛ ولذلك تعاملوا مع الإنتاج الفقهي بنظرةِ تحكيمِ الدليل وتقويم المنتَج، فما كان مِن هَذا التراثِ […]

الحداثيُّون… حديث في التناقضات

    المقدمة كانت امرأة بمكة المكرمة قد اتخذت الغزْل شغلًا لها، فعملت مغزلًا تغزل الصوفَ والشعر والوبر، فاتخذت لذلك ما شاء الله لها من الجواري، فكنَّ يجمعن الصوفَ والشعَر والوبر، وتغزل هي وجواريها من بداية اليوم حتى نهايته، ويبذلون جهدَهم وطاقتهم في فتل الصوفِ خيوطًا. ولكن هذه المرأة كان في عقلِها شيءٌ، وكانت كثيرةَ […]

تغريدات لمقالة (أين العرب عن تدوين الحديث؟)

1.لاتتوقف الشبهات المثارة ضد الإسلام، في أصله ومصدر تشريعه، وتشريعاته، وطريقة تنظيمه للحياة، وحدوده، وغير ذلك من مسائل الدين، وقد فشى في الأيام الأخير الطعن في السنة النبوية بطعون شتى، ومنها هذه الشبهة التي تناقلها بعض الكتاب 2. تقول الشبهة إن أصحاب الصحاح الستة ( وهم البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) كلهم […]

خصائِصُ النَّبي صلى الله عليه وسلم بين الحقيقة والخُرافَة

المقدمة: “أصلُ المحبَّة: الميل إلى ما يوافق المحبّ، ثم الميل قد يكونُ لما يستلذُّه الإنسَان ويستحسِنه؛ كحسن الصُّورة والصوت والطَّعام ونحوها، وقد يستلذُّه بعقلِه للمعاني الباطنة؛ كمحبَّة الصَّالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانهِ إليه ودفعهِ المضارَّ والمكاره عنه. وهذه المعاني كلُّها موجودة في النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر […]

أين العرب عن تدوين الأحاديث؟!

بين الفينَة وأختِها تثور زوبعات، وتُنفخ فقاعات، وتطلُّ رؤوسُ شبهاتٍ ضدَّ الإسلام وتراثِه، وبعضُ تلك الشُّبهات والأسئلة لها حظٌّ من النظر وتستحقُّ البحث والدراسة، بينما هناك شبهاتٌ أخرى فسادُها يُغني عن إفسادها، وحكايتُها كافية في إبطالِها؛ لهشاشة بنيانِها، وتهافُت أصولِها التي بُنيَت عليها. ومن تلكَ الشُّبهات: ما أثير مؤخَّرًا حول الكُتُب الستة وأعجميَّة كُتَّابها، وسأنقل […]

عرض وتعريف بكتاب آياتُ العقيدة المتوهَّم إشكالها

 عنوان الكتاب: آيات العقيدة المتوهَّم إشكالها. المؤلف: الدكتور زياد بن حمد العامر، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة المجمعة. الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض. تاريخ الطبع: الطبعة الأولى، سنة 1435هـ. عدد الصفحات: 595 صفحة. أصل الكتاب: رسالة دكتوراه في قسم العقيدة، بكلية أصول الدين، بجامعة ام القرى. خطة الكتاب: يتكوَّن الكتاب من: مقدمة، وتمهيد، وعشرة […]

عِنايةُ المستشرقين وأذنابهم بغُلاةِ الصُّوفيَّةِ (الحَلَّاجُ أنْموذجًا)

للتحميل كملف pdf اضغط على الأيقونة الحمدُ لله على نِعمةِ الإسلامِ والعَقلِ الصَّحيحِ الموافِقِ لسَليمِ الفِطرةِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا مُحمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ، والدَّاعي إلى ربِّه وهادِي الأُمَّةِ، وعلى آلِه وجميعِ أصحابِه البَررَةِ، المُرتضَينَ لصُحبتِه، والمختارِين لنُصرتِه، والمُبلِّغين بَعدَه لآثارِه وسُنَّتِه. وبعدُ: فإنَّ الإسلامَ الذي مَصْدَرُ تلقِّيه الكِتابُ والسُّنةُ الصَّحيحةُ بفَهْمِ سَلفِ الأُمَّةِ؛ هو الإسلامُ […]

متى يقرأ طالب العلم لابن تيمية؟

إن طلبَ العلم درجاتٌ ومناقلُ ورُتَب، لا ينبغي تعدِّيها، ومن تعدَّاها جملةً فقد تعدَّى سبيلَ السلف -رحمهم الله-، ومن تعدَّى سبيلهم عامدًا ضلَّ، ومن تعداه مجتهدًا زلَّ. فأوَّل العلم حفظ كتاب الله -عز وجل- وتفهُّمه، وكلّ ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه([1]). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التدرُّج في التربية بصغارِ العلم قبل […]

متى يكون القول مذهبًا للسلف؟

تكثر الدَّعوى على السلف في تسمية مذاهبهم وتعيينها، فكثيرًا ما نقرأ في كتب المتأخِّرين نقلًا يدَّعي صاحبه أنه هو مذهب السلف وقولهم، وفي نفس الوقت نجِد من يردُّ عليه وينفي القولَ عن السلف ويبيِّن غلطَ الناقل عنهم، وهذا يوقع القارئَ العادي في ارتباكٍ علميٍّ وشكّ معرفي؛ مما يجعل السؤال عن الضابط والمعيار المنهجي لمذهب السلف […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017