السبت - 27 جمادى الأول 1448 هـ - 07 نوفمبر 2026 م

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله (2)  

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا

تَلتقِي الأديانُ السَّماوية في كَلِمة سواءٍ ومَقصد أعلَى، وهو جمعُ أهلِها على الهدَى والحقِّ؛ ليسعَدوا في الدنيا، ويَستعدُّوا لسعادةِ الأخرى. بهذا جاءَت الأديان المعروفةُ، وبهذا نزلَت كتُبها.

والقرآنُ الذي هو المهَيمِنُ عَليها يُخبرنا بأنَّ كتابَ موسى إمامٌ ورحمة، وأنَّ الله تعالى أنزل التوراةَ والإنجيلَ هدًى للناس، وأنهما جاءَا بما جاء به القرآنُ منَ الدعوة إلى عبادة إلهٍ واحدٍ والرجوع إليه وحدَه فيما يعلو كَسبَ البَشر، ومِن بثِّ التآخِي بين الناسِ وعدمِ استعباد بعضِهم للبعضِ، ومِنَ الأمرِ بالخير والنَّهي عن الشَّرِّ، ويُخبِرنا أنَّ مِن وصايا الله الجامعةِ لتِلك الأممِ على ألسنة رسلِها هي أن يقيمُوا الدينَ ولا يتفرَّقوا فيه، وأنَّ تلك الأممَ لم تحفَظ وصية الله فتفرَّقت في الدِّين شِيَعًا، وجعَلتِ السبيلَ الواحد سُبلًا، واختلفت في الحقِّ مِن بعد ما جاءهَا من العلم والبينات، فقامت عليها الحجَّةُ، وحقَّت عليها كلمةُ الله، وكان عاقبةُ أمرها خُسرًا.

والقرآنُ يُبدئ ويعيد في هذا البابِ، ويقصُّ علينا من مبادئ بني إسرائيل ومصائرهم ومواردهم ومصادِرهم ما فيه مزدَجر، كلُّ ذلك لنعتبرَ بأحوالهم، ولا نسلُكَ الطريق الذي سلكوا، فنهلِك كما هلَكوا.

ولم يأل نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أمَّتَه نُصحًا وإبلاغًا في هذا الباب، وكيف لا وقد أنزل عليه ربه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]؟! فكان أخشَى ما يخشاه على أمَّته أن يدبَّ فيها داء الأمَم قبلَها، فتختَلِف كما اختَلَفَت، وتتفرَّق في الدين كما تفرَّقت.

وقد وقع ما كان يخشاه صلى الله عليه وسلم، فتفرَّقت أمَّتُه في الدِّين، ولعن بعضُها بعضًا باسم الدِّين، وأكَل بعضُها مالَ بعض باسم الدِّين، وانتهكَتِ الأعراض والحرمات باسم الدين، واتَّبعت سَنَنَ من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع. ولم تنتفِع بتلك العظاتِ البالغةِ والنُّذُر الصادِعَة من كلام الله وكلام رسوله، حتى حقَّت عليها الكلِمة، وصارت إلى أَسْوَأ حال من الخزيِ والنَّكال.

ولعلَّ لتِلك الأمم ِالكتابيَّة ما يُشبه العذرَ في المصير الذي صارت إليه؛ لضَياع كُتُبها التي هي منبَع الهداية بين التحريف والتبديل والنسيان والتأويل، أمَّا هذه الأمَّةُ فإنَّ حبل الله المتين فيها ممدودٌ، وباب الفقهِ فيه مفتوحٌ غير مَسدود، ووارد مَنهلِه العذبِ غير مُحَلَّأٍ([1]) ولا مَطرود، ولكن تناولَه أوَّلُهم بالتأويل، وآخرهم بالتَّعطيل؛ حتى اتَّخذوه مهجورًا، وجعلوا تفسيره وفهمَه أمرًا محظورًا، فحُرِموا ما فيه مِن شفاء ورحمةٍ، وعلم وحكمة، وبلاغ وبيان، وهدى وفرقان، ونور وحياة، وعِصمة ونجاة، وباقيات صالحات، فلم يزالوا لاهِين بالانتِساب الصُّوريِ إليه، حتى دلَّتهم حوادثُ الدهر عليه، فاستشعروا -وهم بين براثنَ من السِّباع البشريَّة تتخطَّف، وصوالجة([2]) من الأمم الغالبة تتلقَّف- غَيبَة هادِيهِ الذي كان يهيبُ بالأرواح إلى العِزِّ، وفَقدَ حادِيهِ الذي كان يَسوق النفوسَ إلى الكرامة، واختفاءَ نوره الذي كان يجلُو البصائر ويُزيل الغمَم، فأقبَلوا يتلمَّسونه، وانثالوا([3]) عليه يتحسَّسونه، يَرجون منه ما يَرجو المدلج الحيرانُ مِنِ انبلاج الفَجر، وراعِي السِّنين الغُبر([4]) منِ انْهلال القَطْر، وقد قوَّى أملَنا في رجوعهم إليه وإقبالَهم عليه ما نراه منِ اصطباغ الحركة الإصلاحيَّة الحديثة بالصِّبغة القرآنيَّة، فهي سائرةٌ إلى غايته، داعيةٌ إليه، مرشِدة به، مستدلَّة بآياته، به تصولُ وبه تحارِب، وعليه تحامي ودونه تنافِح، وما الحركةُ الإصلاحيَّة في يومِنا هذا بضئيلةِ الأثر، ولا هي بقليلَة الأتباع، وإنَّ هذا لموضعُ الرجاء في رجوعِ المسلمين إلى القرآن.

* * *

أي شبابَ الإسلام، حملةَ الأمانة ومستودَع الآمال وبُناة المستقبل وطلائعَ العهد الجديد، خذوها فصيحةً صريحةً، لا تتستِر بجِلباب، ولا تتوارى بحجابٍ: إنَّ علَّتكم التي أعيَت الأطباءَ واستعصَت على حِكمة الحكماء هي مِن ضعفِ أخلاقِكم ووَهن عزائمكم. فداوُوا الأخلاقَ بالقرآن تَصلحْ وتَستقِم، وأسُوا العزائمَ بالقرآنِ تَقوَ وتشتَدّ.

وإنَّ الذي قعَد بأمَّتكم عن الصالحاتِ وأعدها لها في أُخرَيات القافلةِ هو اختلافُ قلوبها وتَشتُّت أهوائِها، فاجمَعوا على القرآن آخِرها كما جمع محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم أوَّلها، يُنتِج لكم هذا الآخِر ما أنتجَه ذلك الأوَّل من عزائمَ شِداد وأَلسِنة حِداد وهِمم كبيرة وعُقول نَيِّرة.

وإنَّ أوَّل أمَّتِكم شبيهٌ بآخِرها عُزوفًا عن الفضائل، وانغماسًا في الرَّذائل، فلم يزل بها هذا القرآنُ حتى أخرَج مِن رعاة النَّعَم رُعاةَ الأُمم، وأخرج من خمول الأُمِّيَّة أعلامَ العلم والحِكمة. فإن زعَم زاعمٌ أنَّ الزمان غيرُ الزمان، فقولوا: ولكنَّ الإنسانَ هو الإنسانُ.

وإنَّ هذا القرآنَ وسِع الحياةَ الأبديَّة فبيَّنها حتى فهِمَها الناس واعتَقَدوها، وسَعَوا لها سعيَها، فكيف لا يسَعَ حياتكم هذِه؟!

أي شبابَ الإسلام، إنَّ الأوطانَ تجمع الأبدان، وإنَّ اللُّغات تجمع الألسِنَة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلِّفها ويصِل بين نكرات القلوب فيعرِّفها هو الدِّين، فلا تلتمسوا الوحدَة في الآفاقِ الضَّيِّقة، ولكن التمِسوها في الدين، والتمِسوها من القرآن، تجِدوا الأفقَ أوسَعَ، والدارَ أجمَع، والعديدَ أَكثَر، والقِوَى أَوفَر.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) غير مُحلَّأ أي: غير ممنوع.

([2]) الصَّوالجة جمع: صَولج وصولجان، وهي: عصا الملك، ترمز لسلطانه.

([3]) أي: انصبُّوا وتتابعُوا.

([4]) أي: السنين الشديدة المجدبة.

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

التكفير والتنوير وتراث الأئمة.. قراءة نقدية في بيان المثقفين الأردنيين

طالعنا البيان الصادر حديثاً بتاريخ ٢٢ جمادى الأولى ١٤٤٨هـ الموافق ٢ نوفمبر ٢٠٢٦م عن نخبة من الشخصيات الأردنية، إثر الهجوم الآثم والمرفوض على جماعة ممن لزمتهم ذمة المسلمين. ‎وقبل الخوض في الرد أقول إننا بعد استعلامنا من الإخوة في الأردن ، أفادوا بأن أكثر الموقعين هم من اليساريين الذين بلغ من يساريتهم أنهم كانوا يؤيدون […]

رسالة إلى أهل اليمن

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإلى إخواننا أهل اليمن، أهل الإيمان والحكمة، الذين أثنى عليهم رسول الله ﷺ بقوله: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»([1]). أكتب إليكم هذه الكلمات من قلب محب لكم، عارف بفضلكم، مدرك لحجم البلاء الذي حلَّ بكم، وأكتبها كتابة من […]

عقيدة الحوثي وخطرها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  العقيدة هي القوة الدافعة والمحركة لسلوك الإنسان ونشاطه، فهي المحرك الأساسي والموجه الحقيقي لسلوك الإنسان وتصرفاته؛ فالأفكار والقناعات الراسخة في القلب والعقل هي التي تفرز السلوك العملي وتنعكس على الممارسات اليومية، ولذا فإن معرفة عقيدة الحوثيين مهم في الحكم عليهم، خاصة أن عقائدهم قد تخفى على بعض الناس في […]

الأزهر والسلفية في عهد أحمد الطيب

لم يكن الخلاف بين التيار السلفي ومؤسسة الأزهر في عهد الدكتور أحمد الطيب خلافًا عابرًا حول بعض المسائل الفقهية، ولا مجرد تباين في طرائق التعليم والدعوة، بل اتصل بقضايا أعمق تمسّ مفهوم أهل السنة والجماعة، وموقف المؤسسة من العقيدة السلفية، وحدود الاختلاف في مسائل التوحيد والقبور، وطبيعة العلاقة مع المذاهب الشيعية. وقد ظهرت هذه القضايا […]

الخروج من الزيدية – والقول بالتفهيم الإلهي للحوثي – وتبني الوسائل الإرهابية

من البديهي أنه لا وجود لدولة أو حضارة إلا بفقه واجتهاد ينظّم أمور المجتمع، وهذا من الظهور بمكان لا يمكن دفعه. ولذا نجد القاضي النعمان يؤلف «دعائم الإسلام» لحاجة الدولة العبيدية، وهي التي تقوم على منهج باطني يعسر على جماهير المسلمين فهم شيء منه، إلى كتاب قضائي ينظم المجتمع، لما صارت لهم دولة مستقرة في […]

ملازم الحوثي والتنظير لاستهداف المدنيين والأعيان المدنية (2)

لم تكن الحرب بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والمملكة العربية السعودية قد اندلعت حين ألقى حسين الحوثي دروسه التي جُمعت فيما بعد باسم “الملازم”. ومع ذلك ففي هذه الملازم من الأفكار ما صار المحرّك الرئيس للجماعة الحوثية القائمة اليوم. وأول هذه الأفكار: إسقاط الحدود السياسية بين الدول؛ ففي (ص 330) يعيب على اليمني أنه يرى «الحدود […]

ملازم الحوثي: قراءة في فكرٍ يهدد الأمن الوطني السعودي

ليست ملازم حسين بدر الدين الحوثي دروسًا وعظية عابرة كما قد يوحي ظاهرها، بل هي الأساس العقدي والتعبوي الذي نشأت عليه الجماعة، ومنها تستمد مواقفها من الداخل اليمني، ومن المملكة العربية السعودية، ومن العالم كله. ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى إبراز ما فيها من أسس فكرية تهدد الأمن الوطني السعودي، فكانت هذه السلسلة. وأولى حلقاتها […]

تعريف بكتاب “الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقَـدّمَـــة: لا جرم أن دراسةَ الفرق والمذاهب والاتجاهات الفكرية -سواء القديمة أو المعاصرة -من الأهمية بمكان؛ إذ لا يكفي في دراسة مذهبٍ أو فرقةٍ معاصرة الوقوفُ عند تاريخ ظهورها أو قياداتها، بل لا بد من تتبُّع أصولها الفكرية، والكشف عن مرتكزاتها العقدية، ورصد مراحل تطورها، ودراسة المؤثرات التي أسهمت […]

تعليقمركز سلف للبحوث والدراسات عن لقاء مفتي سوريا بالوفد الأندونيسي وتعقيب فضيلته على ذلك

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإننا قد سمعنا بإنصات وتمعن، جواب فضيلة الشيخ أسامة الرفاعي مفتي سوريا عن سؤالٍ للوفد الإندونيسي الذي زاره في سنة ماضية، وقرأنا بتبصر أيضاً بيان فضيلته حول ما دار في وسائل التواصل من جدل حول كلامه […]

علي بن أبي طالب .. بين محبيه وشانئيه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه من كرام الخلق ، وعظماء الصحابة الذين ابتلى الله فيهم خلقه بين محب غال ومبغض قالٍ ، وذلك كما رُوي عن علي بن أبي طالب نفسه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقوفا  على عليٍ ، وذلك من رواية أحمد بن حنبل والنسائي وغيرهما . […]

نقد كتاب “آخر أيام محمد” لهالة الوردي الجزء الأول

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: لاحظ العلماء أنَّ الاستشراق بعد أن انكشَفَت مكايدُه وظهر مكرُه نقلَ الأمر إلى نوع جديد وغريبٍ من الاستشراق، وهو استشراقٌ يقوم به باحثون من أصول شرقيّة أو من أصول البلدان التي سلَّط المستشرقون عليها كيدَهم، فكانوا يستقبلون شبابًا من البلدان الإسلامية والعربية في جامعاتهم في باريس وغيرها، ويلقِّنونهم […]

” الوعي ” أحد أهم وأكبر مرتكزات النقاش مع الملاحدة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الوعي .. مدار النقاش النقاش مع الملحد عن ” الوعي ” هو قطب رحى الحوار ، والنقطة الأساسية المفصلية بين الإيمان والإلحاد. حيث أن كلا الطرفين المسلم و _ الملحد في الجملة _  يؤمن بضرورة وجود ” فاعل ” لهذا الكون غير مفعول ، ولكن يفترقان في هذه النقطة […]

شبهات عن الغلو عند السلفيين.. ومنه مقتضبات من مقالات سابقة

إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة […]

العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال (التحرير والتنوير) للطاهر ابن عاشور دراسة بلاغية أصولية لآيتي سورة النساء

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مدخل: من التأصيلات المهمة التي تدل على سعة عقل شيخ الإسلام ابن تيمية ونظرائه ممن يحسنون تثوير كتاب الله تعالى واستخراج ما فيه من كنوز الإيمان والعلم والعمل رد فقه المعاملة بين الراعي والرعية في باب السياسة الشرعية إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017