الاثنين - 30 رجب 1447 هـ - 19 يناير 2026 م

تصدير سِجلّ مؤتمر جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريِّين للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله (10)

A A

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كما هي

نسمعُ نغماتٍ مختلفةً، ونقرؤها في بعضِ الأوقات كلماتٍ مجسَّمةً -صادرة من بعض الجهات الإدارية أو الجهاتِ الطرقيَّة- تحمل عليها الوسوسة وعدمَ التبصر في الحقائق من جهة، والتشفِّي والتشهير من جهة أخرى، هذه النغمات هي رمي جمعية العلماء تارةً بأنها شيوعيَّة، وتارةً بأنها محرَّكة بيدٍ خفيَّة أجنبيَّة، وتارة بأنها تعمل للجامعة الإسلامية أو العربية أو تعمَل لنشر الوهابيَّة، والطرقيُّون لا تهمُّهم إلّا هذه الكلمةُ الأخيرة، فهي التي تقضُّ مضاجعَهم وتحرمهم لذيذَ المنام، وحالُهم معها على الوجه الذي يقول فيه القائل:

فَإِذَا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإِذَا غَفَا     سَلَّتْ عَلَيْهِ سُيُوفَكَ الْأَحْلَامُ([1])

وكيف لا يحقِدون عن هادِمة أنصابهم وهازمةِ أحزابهم؟! فتراهم لاضطِغانهم عليها يريدون أن يسبُّوها فيسبُّوننا بها من غير أن يتبيَّنوا حقيقتَها أو حقيقتَنا. والقومُ جهّال ملتَّخون من الجهل، وحسبُهم هذا.

أمَّا الجهات الإداريَّة فيهمُّها كلُّ شيء، ويعنيها كلُّ شيء. وكلُّ شيءٍ في المنطق الإداريِّ محتمل الوقوع، ولو كان من القضايا التي لا تَلازم بين طرفَيها، ولو لم تظهَر الإدارة في كثيرٍ من المواقف بتأييد الطرقية والتحيُّز لها، لقلنا فيما ترمينا به: هو حزمُ السياسةِ والسَّلام، وقد اطَّلعنا على كثيرٍ من تقاريرها السِّرِّية المتعلِّقة بنا، فرأينا العجَب العُجاب، ولسنَا نلوم الإدارةَ على تحرِّيها واحتياطها، وتشدُّدها واشتراطها، بقدر ما نلومها على جهل وَزَعَتِهَا وأشراطها. فعجيبٌ -والله- ومؤلم -والله- أن تعتَمد في التحرِّي علينا وعلى دروسنا ومحاضراتنا رجالًا لا يفقَهون فقهَ اللغة العاميَّة ومغازيها، فضلًا عن العربيّة الفصحى، ونحن قوم لسانُنا عربيٌّ فصيح، نصرفه في وجوه القولِ المختلَفة، ونُديره على حقائق اللُّغة ومَجازاتها ومترادفاتها ومشتركاتها، ونسيمه في حِكَمِها وأمثالها، وسائرِ تصاريفها وأحوالها، أفيَجوز في حكمِ الإنصاف أن تُؤخَذ التقارير عنَّا من قومٍ هذا شأنُهم؟! نقولُ: “الجُهد” فيفهَمون “الجِهاد”! ونقول: “الأساس” فيفهمون “السياسة”!

فإن قالت الإدارة: إنهم محلَّفون (كما قال لي كبير إداريّ فاوضته في هذا الأمر) فهي أوَّل من يعلَم أن التَّحليف -قد- يمنع منَ الكذب، ولكنه لا يمنع أبدًا من الجَهل باللُّغة.

* * *

سمعنا تلك الكلماتِ، وقرأناها، وعلمنا أنها نتائجُ تقاريرَ سرِّيَّة تُبذَل فيها جهودٌ وأموال، وعلِمنا المغازي التي تَرمي إليها، والدَّوافع التي حمَلت عليها، وفهِمنا أنها استنباطاتٌ واختلاقات لا قيمةَ لها؛ لأنه لا وجود لها، وإنما يرادُ بها التهويل والتضليلُ ومآرب أخرى، كما يهوَّل على الأطفال بالغُول وما لا حقيقةَ له. ونحن قد شببنا عن طوقِ الطّفولة، فلم نُعِر هذه الكلِمات التفاتًا، ولا شَغلتنا بجوابٍ، ولا أَصغت منّا صاغية، ولا صدَّتنا عن عمَل، ولا أوهَنت لنا عزيمةً، ولا فلَّت لنا حدًّا، ولا بالينا بقائليها بالةً.

أمَّا الطرقيُّون فلِعلمنا أنهم رمَونا بالكفر، فكيف بما دونه؟! وأما الجهات الأخرى فلِعلمنا أنَّ سبيلها الحجَّة والدليلُ، فلْنَدَعها حتى تُقيم الدَّليل، ولكن مع هذا كلِّه يجب أن نَقول هنا كلمةً في حقيقة هذه الجمعيةّ طالما قُلناها، وهي عملَها مترجمًا في سطر، ومداها محصورًا في شِبر، كما يقال للشمس: هي الشمس، فيكون ظهورها هو علَّة تعيينِها، ونورُها هو سبَب تبيينها:

جمعيةُ العلماء جمعيةٌ علميةٌ دينيةٌ تهذيبيَّة، فهي بالصِّفة الأولى تُعلِّم وتدعو إلى العِلم، وترغِّب فيه، وتعمل على تمكينه في النفوس بوسائل علنيّة واضحة لا تتستر، وهي بالصِّفة الثانية تعلِّم الدينَ والعربية لأنهما شيئان متلازمان، وتدعو إليهما، وترغِّب فيهما، وتنحو في الدّين منحاها الخُصوصيّ، وهو الرجوع به إلى نقاوته الأولى وسماحته في عقائده وعباداته؛ لأن هذا هو معنى الإصلاح الذي أسِّست لأجله ووقفت نفسها عليه، وهي تعمل في هذه الجهة أيضًا بوسائل علنية ظاهرة.

وبمقتضى الصفة الثالثةِ تدعو إلى مكارمِ الأخلاقِ التي حضَّ الدين والعقلُ عليها؛ لأنها من كمالهما، وتحارب الرذائل الاجتماعية التي قبَّح الدين اقترافَها وذمَّ مقترفيها، وسلَكت في هذه الطريق أيضًا الجادة الواضِحة.

وبهذه الصفةِ تعمل لترقيَة فكر المسلم بما استطاعت، وترشده إلى الأخذ بأسباب الحياة الزمنية، وتُريه ما يتعارض منها مع الدين وما لا يتعارض.

فالجمعية -بهذا الوصف الحقيقيِّ لها- أداةٌ من أدوات الخير والصلاح، وعامِل لا يُستهان به من عوامل التربية الصالحة والتهذيب النافع، وعونٌ صالح لأولي الأمر على ما يعمَلون له من هناءٍ وراحة، تشكر أعماله ولا تنكر.

ولئن قالوا: إن هذه الجمعية فرقت الأمَّة.. لنقولنَّ: ومتى كانت هذه الأمَّة مجتمعةً حتى يقال: إن الجمعية فرَّقتها؟!

إن الأمة كانت فِرقًا شتى، كلّها على الباطل والضلال، فجاءت جمعية العلماء فردَّت تلك الفرق إلى فرقتين: إحداهما على الحقّ والهدى، هذه هي الحقيقة لا ما يهذِي به قصار النظر صغار العقول.

والجمعية فيما وراء هذا مرتبطةٌ بالعالم الإسلاميّ أفرادًا وشعوبًا بما يترابط به المسلمون من حقائق دينِهم ومظاهِره، وهذه ناحيَة ارتباط طبيعيَّة ذاتيَّة، وصلة اشتباك روحية فطرية يلتقي عليها المسلمون كلُّهم في مشارق الأرض ومغاربها، كما يلتقي العقلاء كلُّهم على معقول واحدٍ من غير أن تتلاقَى الأجسام أو تتناقل الأقدام أو تتراسل الأقلام.

وفيما عدا هذا فالجمعيةُ جزائريةٌ محدودة بحدودِ الجزائر، مربوطَة بقانون الجزائر؛ لأن أعضاءَها كلَّهم من أبناء الجزائر.

فهل فهم الخرَّاصون؟! لا يسرُّنا أن يفهموا، ولا يسوءُنا أن يجهَلوا أو يتجاهَلوا.

خاتمة:

اقتصرنا في هذهِ العجالةِ على هذا العرضِ الموجَز لأصول الإصلاح الدينيّ وحركته الأخيرة التي هي طور من أطوراه، وعلى لمع من تاريخ هذه الحركة بالقطر الجزائريِّ، وأشرنا إلى بعض الحوادث العظيمة بكلمات قليلةٍ؛ لأن القرَّاء في الجزائر يعرفونها وإليهم سُقنا الحديث، وأما إخوانُنا خارج الجزائر فعُذرنا إليهم أننا لم نذهب في هذه العجالة مذهبَ الاستقصاء التاريخيِّ، وإنما سلكنا مسلكَ من يستخرج العبرَ من الحوادث، ولعلَّنا شارفنا الغايةَ في هذا الباب.

كان المنتظَر أن نكتُب هذه العجالة بأسلوبٍ علميّ في مواضيع علمية، أو في موضوع له تعلُّق بجوهر الإصلاح كمناهجه وطرقه، أو مكانته من بين فروع الإصلاح الدنيويّ وصلته بها، أو ببيان الارتباط بينه وبين نفسيَّة الأمة، ولكننا آثرنا هذا الموضوع؛ لأنه في نظرنا أهمُّ من جهة كشفِه على كثيرٍ من المغالط التي هي حديث الناس اليوم.

وآثرنا هذا الأسلوبَ الشِّعري لخِفَّته على أذواق القرَّاء، وقربِه من نفوسِ الأدباء، ولأنَّ الطريقةَ الأدبية في الكتابة هي أملَك الطرائقِ لنفوس القراء بالجزائر، وعسى أن نكون وُفِّقنا إلى إصابة مواقع التأثير من نفوسهم.

([1]) البيت لأشجع السلمي قاله لهارون الرشيد. ينظر: ديوان المعاني (1/ 145).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش – الجزء الثاني –

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة استكمالًا للجزء الأول الذي بيَّنَّا فيه إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية ومنزلتَه عند المتأخرين، وأن ذلك قول جمهور العلماء الأمّة إلا من شذَّ؛ حتى إنَّ عددًا من الأئمة صنَّفوا فيه التصانيف من كثرة الثناء عليه وتعظيمه، وناقشنا أهمَّ المسائل المأخوذة عليه باختصار وبيان أنه مسبوقٌ بها، كما بينَّا أيضًا […]

لماذا يوجد الكثير منَ المذاهِب الإسلاميَّة معَ أنَّ القرآن واحد؟

مقدمة: هذه الدعوى ممَّا أثاره أهلُ البِدَع منذ العصور المُبكِّرة، وتصدَّى الفقهاء للردِّ عليها، ويَحتجُّ بها اليومَ أعداءُ الإسلام منَ العَلمانيِّين وغيرهم. ومن أقدم من ذكر هذه الشبهة منقولةً عن أهل البدع: الإمام ابن بطة، حيث قال: (باب التحذير منِ استماع كلام قوم يُريدون نقضَ الإسلام ومحوَ شرائعه، فيُكَنُّون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين […]

دعوى أن ابن تيمية شخصية جدلية دراسة ونقاش (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   يُعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من كبار علماء الإسلام في عصره والعصور المتأخِّرة، وكان مجاهدًا بقلمه ولسانه وسنانه، والعصر الذي عاش فيه استطال فيه التتار من جهة، واستطالت فيه الزنادقة وأصحاب الحلول والاتحاد والفرق الملحِدة من جهةٍ أخرى، فشمَّر عن ساعديه، وردّ عليهم بالأصول العقلية والنقلية، […]

قواعد عامة للتعامل مع تاريخ الوهابية والشبهات عنها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يفتقِر كثيرٌ من المخالفين لمنهجية الحكم على المناهج والأشخاص بسبب انطلاقهم من تصوراتٍ مجتزأة، لا سيما المسائل التاريخية التي يكثر فيها الأقاويل وصعوبة تمييز القول الصحيح من بين ركام الباطل، ولما كانت الشبهات حول تاريخ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كثيرة ومُتشعبة رأيت أن أضع قواعد عامة […]

تَعرِيف بكِتَاب (مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: مجموعة الرَّسائل العقديَّة للعلامة الشَّيخ محمد عبد الظَّاهر أبو السَّمح. اسم المؤلف: أ. د. عبد الله بن عمر الدميجي، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى في دار الهدي النبوي بمصر ودار الفضيلة بالرياض، عام 1436هـ/ 2015م. […]

الحالة السلفية عند أوائل الصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: تعدَّدت وجوه العلماء في تقسيم الفرق والمذاهب، فتباينت تحريراتهم كمًّا وكيفًا، ولم يسلم اعتبار من تلك الاعتبارات من نقدٍ وملاحظة، ولعلّ أسلمَ طريقة اعتبارُ التقسيم الزمني، وقد جرِّب هذا في كثير من المباحث فكانت نتائج ذلك محكمة، بل يستطيع الباحث أن يحاكم الاعتبارات كلها به، وهو تقسيم […]

تغاريد سلف