الجمعة - 06 شوّال 1441 هـ - 29 مايو 2020 م

التعامل مع ضغوطات الواقع بين الاستسلام الحداثي والإصلاح الشرعي

A A

بيَّن القرآن الكريم أن الشريعة صالحة مصلحة للزمان والمكان، وأن الوحي هو المعبِّر الوحيد عن مراد الله سبحانه، وعما يحب أن يكون عليه عباده من خير في هذه الحياة الدنيا، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].

وبيَّن سبحانه أن اتباع مراد الله هو طريق السلامة والنجاة، ولا يمكن اجتماعه مع اتباع غيره مما تمليه الأهواء والرغبات، قال سبحانه: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].

والصورة النهائية للشرع هي تك الصورة التي قرَّر الوحي وبلَّغها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، قال سبحانه: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3].

وهذه الصورة النهائية لا تقبل التغيير والتبديل، فهي صورة كاملة شاملة لجميع شؤون الحياة، ويراد للمسلم أن يمتثلها بشكلها النهائي ويتَّبعها: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [الأنعام: 115]. قال ابن كثير رحمه الله: “أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حقّ وصدق وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبُه، وتجد القصيدةَ الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائلَ تحته، وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرر حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الردّ، ولا يملّ منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصمّ الراسيات، فما ظنُّك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوِّق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن”([1]).

وقد تكلم الإمام الشاطبي -رحمه الله- عن خصائص الشريعة، فذكر أكبر خاصية لها وهي: “العموم والاطِّراد؛ فلذلك جرت الأحكام الشرعية في أفعال المكلفين على الإطلاق، وإن كانت آحادها الخاصة لا تتناهى؛ فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون يدَّعى إلا والشريعة عليه حاكمة إفرادًا وتركيبا، وهو معنى كونها عامة، وإن فرض في نصوصها أو معقولها خصوص ما”([2]).

ومن هنا انطلَق العلماء من هذه الأصول والكليات، فاعتقدوا كمال الشريعة، وسعوا إلى إصلاح الواقع بها؛ جمعًا بين الممكن والمطلوب، فلم تأت نازلة إلا وأخضعوها للحكم الشرعي؛ ليقينهم أنه يشملها بأحد أقسامه، إما الإباحة أو الندب أو الكراهة أو الوجوب أو الحرمة، ولا تخلو نازلة مطلقًا من حكم لله سبحانه، وهذا الحكم موصوف بالإتقان والإحكام والأفضلية.

وفي مقابل هذه الفكرة ظهرت فكرة أخرى مزدَرية لتفاصيل الوحي، معتبرة لكلياته في أحسن الأحوال دونَ جزئياته، فدعت للتخفيف من خطاب التكليف، ومن إرجاع الأمور إلى الشرع؛ لما في ذلك من حكم للواقع بمنطق التراث، والرجوع بالأمة إلى الوراء، وازدراء العقل، فلم يكن من بدّ إلى التخلّص من الثقل الشرعي في الأحكام، وإحلال الواقع ومنطق العقل محلّ ذلك، وقَصْرِ الشريعة على أجزاء ثانوية من حياة الإنسان، فصرَّحوا بتقليدية بحوث الثقافة الدينية، وأهمية تجاوزها؛ من أجل مسايرة المعرفة الحديثة، وما تمليه من وقائع وإنجازات([3]).

وهذا التوجُّه جعل الاشتغال الحداثي منحصرًا في تفكيك الأصول لا في تأصيلها؛ لأن اعتقاد المتديِّن في نظرهم أنَّ أصوله مقدَّسةٌ وإلهية وتعظيمُه لذهنيَّته يؤدِّي بطبيعة الحال إلى اصطدامه بالواقع؛ لأن الأصول ثابتة والواقع متغيِّر متطوِّر، ومن ثم فإن الاصطدام مقطوع به، وبأنه يكون مروّعًا في حالة وقوعه([4]).

ويُبعد محمد أركون النجعةَ ويصرِّح بالمكنون فيقول: “إن الإسلام المعاصر يعرف أن قيَمه الأخلاقية والفقهيَّة القانونية التي كان يرتكز عليها النظام السياسي والاجتماعي للدولة الإسلامية التقليدية قد أصبحت مهاجمة ومرفوضة في كل مكان؛ وذلك لأنها تبدو عتيقة وغير ملائمة لهذا العصر”([5]).

وهذا تصريح بتخلُّف الإسلام كدين عن الواقع، وليس بتخلُّف المسلمين، وقد أعقب هذا الكلام بكلامٍ مفاده مطالبة المسلمين بالاستسلام للواقع والتخلِّي عن الدين بوصفه نسقًا تاريخيًّا يحصر المسلم في قالب معين، لا يلائم وقته ولا عصره، وقد صَرَّفَ الحداثيّون هذه العبارة في كتبهم، وتواتروا عليها معنويًّا، حتى وصل الأمر بهم إلى وصف الشريعة بالبشرية المطلقة، وأن نسبتها للإله افتراءٌ تولى كبره الإمام الشافعي رحمه الله([6]).

وقد سعَوا من خلال هذه النظرية إلى توسيع دائرة المتغيّر ليشمل جميع الأحكام الشرعية التي يفترض هؤلاء مصادمتها للواقع أو للثقافة التي تشبَّعوا بها([7]).

وفهم الشريعة على هذا النَّحو لا يتأتَّى إلا بالنظر في الواقع الاجتماعي الذي أُنتجت التشريعات فيه واعتباره، وهذا الاعتبار ليس اعتبارَ تفسير، بل هو اعتبار إلغاءٍ واستدراك؛ لأن القرآن في النهاية أُنتِجت تَشريعاتُه لمجتمعاتٍ بدويَّة لا تواجه تحديات كثيرة، وعليه فإن فهم تشريعاته في هذا السياق يوجب ردَّها وتجاوزها، لا الاحتفاظ بها والتمسك بها([8]).

ولا يخفى على القارئ أن هذا النظرَ الذي يسوده الاستعلاء على الثقافة الإسلامية والازدراء للوحي لم يكن نتاج أفكار أصحابه، ولا هو نابع من رؤية موضوعية، وإنما هو استسلام لواقع فرضته ثقافة مادية متغلِّبة وعسكرية مستعمرة، ومن هنا لم تكن مشاريع الحداثة العلمية مشاريع ممانعة، بل كانت مشاريع استسلام وخضوع وذوبانٍ، وهي لا تضيف بقدر ما تحذف، ولا ترفع الرأس أمام الخصومة الثقافية بقدر ما تُطأطئه وتركع إجلالا وتعظيمًا للمناهج الحديثة، وهذا الاستسلام والرضوخ أدَّى بأصحابه إلى نبذ الوحي وعدم اعتقاد صلاحيته واستحالة مسايرته للواقع، فضلا عن إصلاحه وتغييره، وحين نقارن بين من تبنَّى إصلاح الواقع بالشريعة وبين من استسلم له نجد البون شاسعًا، فها هو الإسلام بسبب تبني المسلمين صار محطَّ اهتمام من جميع البشرية، وها هي حلوله الاجتماعية والاقتصادية تتبناها الدّول، ولو لم تأخذ بكامله، بينما الفكر الخانع لم يقدِّم حلولا، وإنما تنازل عن قضايا أخطأ بخطأ الآخرين فيها تقليدًا، فدفع ثمن التقليد لهم في الواقع ولم يربح ذاته.

ــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) تفسير ابن كثير (1/ 200).

([2]) الموافقات (1/ 108).

([3]) ينظر: الإسلام بين الرسالة والتاريخ، للشرفي (ص: 6).

([4]) ينظر: هامش هاشم صالح على كتاب “الفكر الأصولي واستحالة التأصيل” (ص: 177).

([5]) قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟ (ص: 173).

([6]) ينظر: تاريخية الفكر العربي، لمحمد أركون (ص: 297).

([7]) ينظر: حوار لا مواجهة للدكتور أحمد كمال أبو المجد (ص: 36).

([8]) ينظر: النص السلطة الحقيقة، لنصر أبو زيد (ص: 35).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مقدمة في الدفاع عن الدولة السعودية الأولى ودعوتها الإصلاحية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد. التحالف الأول بين إمام الدعوة ولوائها فإن المملكة العربية السعودية المعاصرة هي الامتداد التاريخي والفكري والعقدي التي أسسها الإمام محمد بن سعود حاملًا لواء الدعوة الإصلاحية التي قام بها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله. وقد […]

محاضرة بعنوان “بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين، ونجدِّد الشكر ثالثًا ورابعًا وخامسًا للإخوة الداعين وللإخوة الحاضرين، ونسأل الله -عز وجل- القبول منَّا ومنكم أجمعين. موضوعنا اليوم هو مقومات بناء الشخصية السلفية […]

إرادة الله عز وجل (عقيدةُ المسلم فيها، وأهميتها في زمن الأوبئة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ القدَرَ سِرُّ الله في خَلقه، ولا ينتَهي إلى عِلمه ذو نفس، والناس تحت القدر سائرون، لا يخرجون عن المكتوب، ولا يفعلون غير المراد لله سبحانه؛ لأنهم في ملكه وتحت قدرته، واعتقاد المسلم في القدر اعتقادًا صحيحًا يجعله ذا نفس مطمئنَّة؛ لأنه يرضى بقضاء الله وقدره، وهو على […]

بعض الأحكام المتعلقة بالتراويح في زمن الأوبئة

الحكمة في تشريعات الإسلام: للضرورات أحكامُها، وتصرفاتُ المكلف فيها تختلف عن تصرفاته في غيرها، والحكم فيها ينبغي أن يجريَ على المعهود الوسَط الذي يراعي كلَّ مكلَّف بحسب حاله، فالناس فيهم المرضى، وفيهم من يضربون في الأرض يبتَغون من فضل، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، واهتماماتُ الناس ليسَت واحدةً، ومن ثَمَّ جاءتِ التشريعات مراعيةً لتنوُّع مساعي […]

معالمُ المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلَّاد الإلحاد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب جلاءُ الحداثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

كتاب تعريف التَّصّوف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تصفيد الشياطين وواقع الأمة تحرير معنى حديث: «وصفدت الشياطين»

ظهرت المدرسة العقليَّة محاولةً التشكيكَ في كثيرٍ من الثَّوابت الدينية المتعلِّقة بالاستسلام للوحي والتمسُّك به، فغدت هذه المدرسة تلقِي الشبهات مرةً بعد المرة، وكلُّها تهوِّن من شأن التمسُّك بنصوص الكتاب والسنة، وتدعو إلى إخضاعها للعقل، وجعلها تحت وصايته، وبهذه الطَّريقة ردُّوا كثيرًا من الأحاديث النبوية الصحيحة بحجة معارضتها للعقل، أو تأوَّلوها تأويلات بعيدة باطلة، ولا […]

كيفَ تُظْهِر النوازلُ مَتانةَ وسماحةَ الإسلامِ وشَرائعِه؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: فشا الطاعونُ في عهد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتحديدًا في السنة الثامنة عشرة من الهجرة، فقد دهم الطاعون مدينة عمواس، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قدم إلى الشام وبها الطاعون، ولم يدخُلها، وإنما التقى به الصحابة أمراء الأجناد([1]) في […]

هل من العدل إيجابُ الصِّيام على كلِّ النَّاس مع تفاوت ساعات صيامهم؟

توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلب جناحيه في السماء إلا ذَكَر للأمة منه علمًا، وعلمهم كل شيءٍ حتى آداب التخلي وآداب الجماع والنوم والقيام والقعود وغير ذلك، وبالجملة فقد جاءهم بخير الدُّنيا والآخرة برمته، ولم يحوجهم الله إلى أحدٍ سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعةٌ أكمل […]

العقيدة الصحيحة في زمن الأوبئة

عقلُ الإنسان وفطرتُه يفرضان عليه المواقفَ منَ الأشياء، وهذه المواقفُ تسبقُها تصوُّراتٌ تشكِّل فيما بعد معتقداتٍ تدفع الإنسانَ نحو الحقيقة، أو يتعثَّر بسببها دونَ السعادة، وهذا التعثُّر عادةً ما يكون نتيجةَ المعتقد الخاطِئ في الأشياء. ومن أخطر الأشياء التي تزلُّ فيها قدم صاحِب العقيدة الأوبئةُ والكوارِث؛ لأنَّ الإنسان يتنازعه فيها عاملان من عوامل الخطأ هما: […]

رَمَضانُنا… وَ وباء كورونا؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقَدّمَـة: بينما الصحابة يصلون الفجر فوجئوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف ستار حجرته، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك([1]). وما هي إلا لحظات حتى ذُهلت المدينة بأكملها وكأن صاعقة نزلت بهم حين سمعوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، فصار منهم […]

الصيام ونهضة الأمة

جاءَ الرسول محمَّد صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم الذي احتوى على كل مقوِّمات النهضة لأمَّة الصحراء ومن جاء بعدها، وفي غضون سنوات قليلة أُقيمت حضارة عظيمة على مبادئ راسخة، تسندها التشريعات الإسلامية المتعلقة بالدين والدنيا، وبتجاوز كل تلك الدعوات التي تدعو إلى حبس الإسلام في محرابه! يمكن القول بأن المسلم الفعَّال هو الذي […]

مقاصدُ الصِّيام الشرعية -حتى يكون صومنا وفق مراد الله-

المقدمة: يقول ابن تيمية رحمه الله: “خاصة الفقه في الدين… معرفة حكمة الشريعة ومقاصدها ومحاسنها”([1])، وعبادة الصَّوم عند المسلمين ليست قاصرة على مجرد الامتناع عن المفطِّرات الحسية، بل هي عبادة عظيمة في مضامينها، فهي استنهاض بالأمَّة كلها على الصعيد الروحي والعقلي والصحي والاجتماعي، ومن هنا كانَ أمر الصيام في الدين الإسلامي عظيمًا، فهو أحد أركان […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017