الجمعة - 18 ربيع الأول 1441 هـ - 15 نوفمبر 2019 م

عرض وتعريف بكتاب “الإبطال لنظريَّة الخلط بينَ دين الإسلام وغيره من الأديان”

A A

تمهيد:

أرسَل الله سبحانه وتعالى محمَّدًا صلى الله عليه وسلم إلى البشريَّة كلِّهم بآخر شريعةٍ وآخر كتاب، فبعد أن حرَّف اليهودُ التوراة والنصارى الإنجيلَ دخلت البشريَّة في نفقٍ مظلم من التّيه والضياع، حتى أرسل الله آخر الرُّسل لينقذها من هذا الهلاك، فجاءَت شريعته ناسخةً لكلِّ الشرائع السابقة، فلا يُقبل دينٌ أو شريعةٌ بعد مجيء نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا الشَّريعة التي أتى بها، والمُسلمون كلهم مؤمنون إيمانًا جازمًا بأنَّ دينَ الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو الدِّين الحقُّ لا سواه، وأنَّ القرآن الكريم هو آخر الكتب وأصحُّها، وما سواه قد بُدِّل وحُرِّف وغُيِّر، وهو ناسخٌ لكلِّ الكتب السابقة من التَّوراة والإنجيل والزَّبور وغيرها، وفي بيانِ ذلك يقولُ الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].

وقد ظَهرت على مرِّ التَّاريخ دعواتٌ عديدةٌ تدعو إلى الخَلط بين الأديان أو الوحدة بينها، وخاصة بين الأديان الثلاثة وهي: اليهودية والنصرانية والإسلام، وكانت لهذه الدَّعوات جولاتٌ وصولاتٌ في فتراتٍ من تاريخنا الإسلامي؛ لكنها ما لبثت أن وُئدت بفضل الله، وهيَ اليومَ قد أطلَّت برأسها من جديد، وبشكل أقوى بكثير مما كانت عليه سابقًا، وصارت هذه الدعوة إلى توحيد الأديان مدعومةً مموَّلة حاضرة بقوة في الأوساطِ العلميَّة والفكرية، بل وخرجت منها إلى الواقع، فأُقيمت المؤتمرات والنَّدوات، وأنشئِت المراكز، وصارت تيَّارًا جارفًا يحاولُ اقتلاع الاعتزاز بالدِّين واعتقاد صحته المطلقة! كما يحاولُ إذابَة الفوارق الدينية الكبرى بين المسلمين وغيرهم.

وهذا التماهي اللاحدودي لقيَ رواجًا لدى كثير من الناس، حتى دعا بعضُهم إلى طباعة (القرآن والتوراة والإنجيل) في كتابٍ واحد، ودعا بعضهم إلى بناء (مسجد وكنيسة ومعبد) في مكانٍ واحد، وإقامةِ صلاة مشتركة واحدة، وقد فعلوا، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا قد وضع فيه الكاتب يدَه على هذه الدعوَة فبيَّن حقيقَتَها، والدَّاعين إليها، وأهدافَها وغاياتِها، وحكم الإسلام فيها، وحُكم الدَّعوة إليها وقبولها، وهو على اختصاره نافعٌ عميقٌ في تتبُّع تاريخ الدعوة وبيان زيفها وحكم الإسلام فيها.

البيانات الفنية للكتاب:

عنوان الكتاب: الإبطال لنظريَّة الخلط بين دينِ الإسلام وغيرِه من الأديان.

المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد.

الطبعة: طبعته دارُ العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1417هـ، وطبعته الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، بالمملكة العربية السعودية، الطبعة الرَّابعة 1432هـ، في 116 صفحة.

نبذة عن المؤلف:

هو الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، كان رئيس مجمَّع الفقه الإسلامي الدولي، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربيَّة السعودية، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء سابقًا. عُرف الشيخ بالمتانة العلميَّة، وقد تولَّى منصب القضاء بالمحكمة الكبرى بالمدينة المنورة، وله جهودٌ علمية كبيرة، وألَّف عددًا من المؤلفات منها: (حلية طالب العلم) و(التعالم) و(لا جديد في أحكام الصلاة) و(حراسة الفضيلة) و(فقه النَّوازل) و(تصنيف الناس بين الظن واليقين) و(معجم المناهي اللفظية) وغيرها من المؤلَّفات الكثيرة التي تبلغ زهاء خمسين مؤلفًا. وقد توفي -رحمه الله- في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من المحرم سنة 1429هـ، رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

موضوع الكتاب:

الكتابُ يتَمَحورُ حول قضيَّة الخلط بين الأديان، وإمكانيَّة التعبُّد بالأديان الثلاثة: (اليهودية والنصرانية والإسلام)، عبر الدَّعوة إلى اعتقاد صحَّتِها جميعًا، وأنها كلَّها تؤدِّي نفسَ الغرض وهو عبادَةُ الله سبحانه وتعالى، وبناءً عليه تقام الدَّعوة إلى بناء أماكن عبادة تشتمل على المساجد والكنائس والمعابد، والدَّعوة إلى طباعة كتابٍ واحد يشتمل على القرآن والتوراة والإنجيل، فجاء هذا الكتابُ يبحث هذه القضيةَ من حيث موقف الإسلام منها ومن معتنِقيها، وقد تناول الكتاب في مُجملِهِ مسألتَين:

المسألة الأولى: لمحةٌ تاريخية عن هذِه الدَّعوة.

المسألة الثانية: الردُّ على الدَّاعين إليها ببيانِ حكم الإسلام فيها.

الهدف من الكتاب:

هذا الكتاب أتى للإجابة عن عدَّة أسئلَة تتمحوَر حول قضية الخلط بين الأديان، وهي:

ما حقيقةُ هذه الدعوة؟

ما وسائلُها؟

ما غاياتُها؟

ما حكمُ الإسلام فيها؟

ما حكمُ من أجاب إليها؟

وقد تركَّزت إجابتُه في جلِّ الكتاب حول آخر سؤالين، فهو يهدف إلى تعريف الناس بحقيقةِ هذه الدعوة من خلال الإجابة عن هذهِ الأسئلة.

وقد بيَّن المؤلف ذلك بنفسه إذ يقول: “من هنا اشتدَّ السُّؤال، ووقع كثيرًا من أهل الإسلام عن هذه النظرية التي حلَّت بهم، ونزلت بساحتهم: ما الباعث لها؟ وما الغاية التي ترمي إليها؟ وما مدى مصداقية شعاراتها؟ وعن حكمِ الإسلام فيها، وحكم الاستجابَة لها من المسلمين، وحكم من أجاب فيها، وحكم من دعا إليها، ومهَّد السبيل لتسليكها بين المسلمين، ونشرها في ديارهم، ونثر من أجلها وسائل التغريب وأسباب التهويد والتنصير في صفوف المسلمين، حتى بلغت الحال ببعضهم إلى فكرة: طبع القرآن الكريم والتوراة والإنجيل في غلافٍ واحد! وحتى بلغ الخلط والدمج مبلغه ببناء مسجد وكنيسة ومعبد في محل واحد، في رحاب الجامعات والمطارات والساحات العامة! فما جوابكم يا علماء الإسلام؟”([1]).

فكانَ هذا الكتاب هو الجواب.

أقسام الكتاب:

للإجابة عن هذه الأسئلة قسَّم المؤلِّف كتابه إلى مقدمة وثلاثة فصول -هي عبارة عن مقامات كما أسماها- ونتيجة. وهذه المقامات هي:

المقام الأول: المسرد التاريخيّ لهذه النظرية، وتشخيص وقائعها وخطواتها في الحاضر والعابر؛ ليحصل تمام التصوُّر لمحل السؤال([2]). وقصدَ فيه المؤلف سردَ تاريخ هذه الدعوة ومراحلها التي مرَّت بها في الإسلام.

المقام الثاني: في الجواب على سبيل الإجمال.

المقام الثالث: في الجواب على طريقة النشر والتفصيل، بتشخيص الأصول العقدية الإسلامية التي ترفض هذه النظرية وتنابذها. وفيه يردُّ المؤلف بشكل تفصيليٍّ على هذه الدَّعوة، ويبيِّن حكم الإسلام فيها بالأدلَّةِ، وحكم الدَّاعين إليها والعاملين بها.

عرض تفصيلي لمباحث الكتاب:

المقدمة:

بدأ المؤلف كتابه بمقدّمة بيَّن فيها خطورة هذه الدعوة، وأن منشأها اليهود والنصارى، والهدفُ منها تمييع هذا الدين وتذويبه وتغييبه عن ذهنيَّة الشعب المسلم، فهم يعلمون أن هذا الدين متى ما كان حاضرًا في وجدان المسلمين بكلِّ تجلّياته وتشريعاته وأوامره ونواهيه كانت الغلبة للمسلمين، وعلى أقلّ تقدير كان هذا التديُّن العامّ يقف حجرَ عثرة أمام مشاريع التغريب والتي تهدف إلى سلخ المجتمعات الإسلامية من خصوصيَّة مبادئِها وقيمِها وتشريعاتِها؛ لتدخل ضمن قولبة العولَمة لتكون القيمُ والثقافة الغربيَّة هي القيمة العليا على وجه الأرض، ولم يكن الهدف من ذلك كما يتوهَّم البعضُ هو محاربة التطرُّف -كما يزعمون- ونشر السلام وعدم التعصب للدّين! ومما يدلّ على ذلك أن التبشير ظلَّ يعملُ بقوَّةٍ حتى مع هذه الدعوة، فهم يعملون ضمن خطة توسُّعية كبيرة، ولا يتركون بابًا للاحتلال الفكري إلا ولَجوه، وكانت هذه الدعوة إحدى الأبواب التي يدخلون بها على النَّاس.

والناظرُ لما يصاحِب هذه الدعوة يجد أنه قد بُذلت لها الجهود، وأُنفقت الأموال، وأُقيمت المؤتمرات، “ونصبوا لذلك مجموعةً من الشعارات، وصاغوا له كوكبةً من الدعايات، وعقدُوا له المؤتمرات والنَّدوات والجمعيات والجماعات، إلى آخر ما هنالك من مخطَّطات وضغُوط، ومباحثات ظاهرة أو خفية، معلنَة أو سرية، وما يتبع ذلك من خطوات نشِطة، ظهر أمرها وانتشَر، وشاع واشتهر”([3]). والخلاصة هي أن الهدفَ من هذه الدعوات هو تذويب شخصية المسلم، وتغييب الإسلام عن حاضر المسلمين.

المقام الأول: المسرد التاريخيّ لهذه النظرية، وتشخيص وقائعها وخطواتها في الحاضر والعابر؛ ليحصل تمام التصّور لمحل السؤال.

بدأَ المؤلِّف بالإجابةِ عن تلك الأسئلة المُلِحَّة التي أثيرت في نفوسِ المسلمين حول مشروعيَّة تلك الدعوات وغاياتها وحكمها في الإسلام، فبدأ الشَّيخ -رحمه الله- بسبرِ أغوار التاريخ؛ ليكشف لنا أنَّ هذه الدعوة ليست وليدةَ اليوم، ولا جديدة العَهد بالمسلمين، بل تتعجَّب حين تعرف أن هذه الدَّعوات ما هي إلا امتدادٌ لمحاولات حثيثةٍ قامت في زمنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد توصَّلَ الشَّيخ إلى أنَّ هذه الدعوة مرَّت بأربع مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلتها في عصر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وقد بين الله وأوضح مظاهر هذه الدعوة في تلك المرحلة في القرآن الكريم، وتتجلَّى في الأمور الآتية:

1- التمنِّي والتّوق إلى أن يتراجع المسلمون عن دينهم، أو تمني أنهم يستطيعون ردَّ المسلمين عن دينهم، وفي هذا يقول الله تعالى مبيِّنًا حقيقة ما في نفوسهم من حسدٍ على المسلمين: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109].

2- التصريحُ بأنَّ الهداية إنما هي في اليهودية والنصرانية، يقول الله مبيِّنًا زعمَهم ذلك: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135].

3- الادِّعاء بأنَّ الجنةَ محصورة لليهود والنصارى، فمن أراد دخولها وجب عليه أن يدخلَ في اليهودية أو النصرانية، وفي بيان هذا يقول الله تعالى: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111].

وكلّ هذا من أجل صدِّ المسلمين عن دينهم، ولحسدٍ في قلوبهم؛ لما تمتع به المسلمون من خصوصيّة دينية باتباعهم آخرَ المرسلين؛ ولذلكَ أمر الله سبحانه وتعالى المسلمَ بأن يعتزَّ بدينه، ولا يتنازل عن شيءٍ منه لكائن من كان، وأن لا يخلِط الحقَّ بالباطل ترضيةً لأحد، يقول الله تبارك وتعالى: {لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، نقل الطبري -رحمه الله- عن مجاهد في تفسير هذه الآية: “{لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ}: اليهوديةَ والنصرانية بالإسلام”([4])، ونقل ابن كثير -رحمه الله- عن قتادة في هذه الآية: “ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام؛ إن دين الله الإسلام، واليهودية والنصرانية بدعةٌ ليست من الله”([5]).

المرحلة الثانية: مرحلة الدعوة إليها بعد انقراض القرون المفضلة.

بدأت هذه الدعوة تطلُّ برأسها من جديدٍ بعد انصرَام القرون الثلاثة المفضَّلة، ولكنَّها هذه المرة ظهرت بطريقةٍ أخرى، فقد لبست لبوسَ الإسلام وتزيَّت بزيِّه، فادَّعوا أن اليهوديَّة والنصرانيَّة والإسلام هي بمنزلة المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية)! فكما أنَّ هذه المذاهب مختلفة لكن يجمعها دينٌ واحد، فكذلك اليهودية والنصرانية والإسلام كلها موصلة إلى الله وإن اختلفت في طريقة الوصول إليه!

وقد تلقَّف هذه الدعوةَ في تلك المرحلة دعاةُ وحدة الوجود وأصحابُ الحلول والاتحاد، وغيرهم من غلاة المتصوِّفة في بلاد المسلمين، حتى أجاز بعضُ أولئك التهوُّد والتنصُّر لأنه يرى أنَّها كلها طرقٌ موصلة إلى الله، بل منهم من يرى رجحان اليهودية والنصرانية على الإسلام، “وهذا فاشٍ فيمن غلبَت عليهم الفلسفة، منهم الحلَّاج الحسين بن منصور الفارسي، المقتول على الردة سنة (309هـ)، وابن عربي محمد بن علي الطائي، قدوة السوء للقائلين بوحدة الوجود في كتابه: الفصوص، المتوفى سنة (638هـ)، وابن سبعين المتوفى سنة (669هـ)، والتلمساني المتوفى سنة (690هـ)، وابن هود المتوفى سنة (699هـ)، وغيرهم كثير”([6])، إلا أنَّ هذهِ الدعوةَ لم تلقَ رواجًا كبيرًا بين المسلمين، وقد ردَّ عليها علماء المسلمين وكشَفوا زيفَها وبطلانها فخمدت.

المرحلة الثالثة: مرحلة الدعوة إليها في النِّصف الأول من القرن الرابع عشر.

في بداية القرن الرابع عشر تبنَّت هذه الدعوةَ حركتان مؤثِّرتان وهما: “صن مون التوحيدية”([7])، و”الماسونية”([8])، وكانت دعوة هاتين الحَركتين مؤثرتين في العالم، فكانت حركة صن مون لها رواجها في البلاد غير العربية، بينما كانت الماسونية وتعاليمها هي الحاضرة بقوَّةٍ في البلاد العربية، وذلك بحكم وجود جمعيَّاتٍ كثيرة لها، وقد وقع في حبالها جمالُ الدين الأفغاني ومحمَّد عبده، وكان من جهود محمد عبده أن أنشأ بالمشاركة مع ميرزا باقر الإيراني وجمال الدين الأفغاني وعددٍ من رجالِ الفكر جمعية اسمها: (جمعية التَّأليف والتقريب)، وهدفها الأساس هو التَّقريب بين الأديان الثلاثة، وكان من أعضائِهَا الإنجليز وبعض الإيرانيين وبعض اليهود.

ومما يدلُّك على أثر هاتين الحركتين في بثِّ هذه الفكرة للناس وتمكّنهما من غرسها بين المسلمين: قيامُ حركة فكرية في البلاد العربيَّة لمناقشة هذه القضية، وصارت هناك نقاشاتٌ وجدالاتٌ ومطارحاتٌ علمية عديدة، خاصة في (مجلة السياسية الأسبوعية) بمصر، وقد دخل في هذا الجدل المسلمون والنَّصارى على حدٍّ سواء، وكان جوهره هو الإجابة عن سؤال: هل يُمكن التَّوحيد بين الإسلام والمسيحيَّة من جهة الأسلوب الروحي فقط، أو من جهة الأمور المادِّيَّة؟

وقد تباينت الآراءُ حول ذلك، وكان منها ما هي صريحة في أنَّه لا يمكن أن يتوحَّد أتباع دينين على دينٍ إلا بطريقةٍ واحدة، وهي أن تعتنق إحداهما مبادئ الأخرى، وكانت هذه هيَ الكلمة الصَّريحة من النَّصراني إبراهيم لوقا حيث قال: “لا سبيل إلى الوحدة الكاملة إلا بأن تعتنِق إحداهما مبادئ الأخرى، فإما إيمانٌ بلاهوت المسيح، وتجسُّده، وموته، وقيامه، فيكونُ الجميع مسيحيِّين، وإما إيمانٌ بالمسيح كواحدٍ من الرسل النبيّين، فيصبح به الجميع مسلمين”([9]). وهكذا صارت هذه الدعوة رائجةً منتشرَة حاضرةً بقوَّة في النِّقاشات والجدالات.

المرحلة الرابعة: مرحلة الدعوة إليها في العصر الحاضر.

في آخر القرنِ الرابع عشَر لم تعُد الدعوةُ مجردَ أطروحاتٍ ونقاشات، بل نادت اليهود والنصارى صراحةً إلى التجمُّع الدينيّ، أو بعبارةٍ أخرى: إلى التوحيد بين اليهودية والنصرانية والإسلام. وقد لقيت هذه الدعوة رواجًا لدرجة أنَّها خرجت من بين صفحات الكتب والمجلات إلى أرضِ الواقع، فقد أُنشئَ مركزٌ بمصر باسم “الإخاء الديني” لتحقيق هذا الهدف، كما أُنشئَ مركزٌ آخر بمصر أيضا وتحديدًا بسيناء وكان يحمل اسم “مجمع الأديان” لتحقيق ذات الهدف.

وكانت هذهِ الدَّعوات تطلق بأسماءٍ عديدة منها:

1- الإخاء الديني.

2- مجمَّع الأديان.

3- الدعوة إلى التَّقريب بين الأديان.

 4- التَّقارب بين الأديان.

5- نبذُ التعصُّب الديني.

6- الصداقة الإسلامية المسيحيَّة.

7- التَّضَامن الإسلامي المسيحي ضدَّ الشيوعيَّة.

وهذهِ الدَّعوات قد صِيغ لها شعاراتٌ عديدة لأنها أدعى للرَّواج والانتشار، فكان من شعاراتِها:

1- وحدة الأديان.

2- توحيد الأديان.

3- توحيد الأديان الثلاثة.

4- الإبراهيميَّة.

5- الملَّة الإبراهيمية.

6- الوحدة الإبراهيميَّة.

7- وحدة الدِّين الإلهي.

8- المؤمنون.

9- المؤمنون المتَّحدُون.

10- الناس متَّحدُون.

11- الديانة العالميَّة.

12-التعايش بينَ الأديان.

13- المِلِّيّون.

14- العالميَّة وتوحيدُ الأديان.

15- وحدة الكتب السماويَّة. وهذا الشعار هو الذي انبثقت منه فكرة طبعِ القرآن الكريم والتَّوراة والإنجيل في غلافٍ واحد.

ولم يكتفوا بإصدار هذِهِ الأسماء والشعارات وبثّها وتعريف النَّاس بها والدَّعوة إلى اعتناقِها، بل اتَّخذُوا خطواتٍ عمليَّة لتحقيق منشودهم، ففي 27/ 10/ 1986م أقيمت صلاة مشترَكةٌ بين المسلمين واليَهودِ والنَّصارى بدعوةٍ من البابَا، وذلك في إيطاليا، وتكرَّر هذا الحدث مرَّةً أخرى تحت اسم: صلاة روح القدس.

والمُطَّلع الحصيف يقفُ هنا وقفةً مطوَّلة، فإنَّ تنوّع هذه الأسماء وكثرتها وتعدد الشِّعارات لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما ليصنعوا من هذه الدَّعوة دعوة عالميّة تغزو عقولَ الناس وأفكارَهم، فصدُّ شعارٍ واحد سهلٌ ميسَّر، أما تتابع الأسماء والشعارات وتحدُّث كلّ جهةٍ باسمٍ وشعارٍ مختلف عن الآخر يصنع نوعًا من (الغزو الإعلامي) وهو ما كانوا يهدفون إليه، وكانت هذه الحركة بنشر هذه الأسماء والشعارات والدعوة إليها ثمّ تطبيقها عمليًّا لها آثارٌ كثيرة، من أهمها:

1- كسرُ معتقد الولاء والبراء من نفوسِ المسلمين، وهذا من أهمّ الآثار التي ظهرت بين كثير من المسلمين؛ حتى اقتنعوا بأنَّ كلّ الأديان صحيحة موصلة إلى الله ولا ينحصر الحقّ في الإسلام.

2- تقديمُ البابا نفسه إلى العالم بأنَّه القائد الروحي للأديان جميعًا، وأنه حاملُ رسالة: “السَّلام العالمي” للبشرية.

3- اعتبر البابا يوم 27/ 10 من كلِّ عام عيدًا لكلّ الأديان، واتَّخذ الناس نشيدًا يردِّدونه أسموه: ” نشيد الإله الواحد ربّ وأب”.

4- انتشار عقد المؤتمرات لهذه النَّظرية، وانعقاد الجمعيات، وتأليف الجماعات الداعية لوحدة الأديان، وإقامة الأندية والنَّدوات، فكان منها:

أ- المؤتمر الإبراهيمي في قرطبة، والذي انعقدَ بمُشاركة أعداد من اليهود والنَّصارى والمُنتسبين إلى الإسلام من القاديانيّين والإسماعيليين، وكانَ انعقادُ هذا المؤتمر في 12-15/ 2/ 1987م، وكان انعقادُه باسم: “مؤتمر الحوار الدولي للوحدة الإبراهيمية”. وافتتح لهذا الغرض معهدٌ باسم: “معهد قرطبة لوحدة الأديان في أوربا”، ويُسمَّى: “المركز الثقافي الإسلامي”، و”مركز قرطبة للأبحاث الإسلامية”، وكان متولِّي ذلك النَّصراني روجيه جارودي.

ب- في تاريخ 21/ 3/ 1987م تأسَّست الجماعَة العالميَّة للمؤمنين بالله، باسم: “المؤمنون متَّحِدون”.

ج- في نفس هذا العام تأسَّسَ “نادي الشَّباب المتدين”.

د- في نفسِ هذا العام تأسَّست جمعية باسم: “الناس متحدون”.

هـ- تتابَعتِ المُؤتمرات بعد ذلك فعقدت في نيويورك والبرتغال وغيرها.

5/ ظُهور أناسٍ من المسلمين وظَّفوا أقلامهم وصفحاتهم ومشاريعهم في تأييدها والدعوة إليها، وكان من نتائجها: (مؤتمر شرم الشيخ بمصر) في عام 1416هـ، وإعلان إصدار كتاب يحوي القرآن والتوراة والإنجيل، وصدور قرار رسميّ في بعض المناطق بجواز تسميَة المسلمين بأسماء اليهود المختصَّة بهم.

وقبل أن أختم الحديث عن هذا الفصل أودُّ أن ألفت ذهن القارئ اللبيب إلى نقطةٍ مهمَّة جدًا، وهي أن هذه الدعوة التي ظاهرها اتحادُ كل الأديان ودخول الجميع تحت بوتقةٍ واحدة بحيث لا يكون هناك أيُّ تمايز بين صاحب أي دين، وفي الحقيقة هذه الدعوةُ لا تخدِمُ في مجملها إلا النصرانية، فهذه الدعوة لا شك أنها هي ضمن خطتها التوسعيَّة بحيث تكون النصرانية ومن تبعها هم من لهم الغلبة على كل العالم ومنها بلاد الإسلام، وليست هذه نظرة مؤامراتية كما يحلو للبعض تسميتُها؛ ولكن اقرأ وتمعَّن في خضمِّ تلك الأحداث تجد هذا واضحًا جليًّا، فإن شئت فأمرر بصرك على بعض القرارات التي تخصّ هذه المؤسسات والجمعيات، ومنها: أن هناك مبالغَ كبيرةً مرصودة لبعض هذه الجمعيات ومنصوص في لائحتها أنه متى ما حُلَّت هذه الجمعية فإن هذه المبالغ تعود إلى (الصليب الأحمر) والمؤسسات الصديقة للكنيسة! فاقرأ وتعجَّب من مؤسسة تهدف إلى خدمَة الأديان الثلاثة وإذابتها في دين واحد؛ لكنها متى ما أقفلت أبوابها ترجع كلّ أموالها إلى أتباع دينٍ محدَّد فقط.

وممَّا يجب أن تتفحَّصه مرارًا: تصدر البابا لمثل هذه الدَّعوة ليكون هو -في وهمهم- رسول السلام للبشرية، فيسهل التبشير كما يسهل في آنٍ واحد رمي الإسلام بالتَّطرف والتشدد! والنتيجة معروفة.

وإن شئتَ فكرر النظر مرةً أخرى، وانظر فيما يروّج له داخل تلك المؤتمرات، فرمزُ الإحسان هو مؤسِّس الصليب الأحمر، ورمز السَّلام العالمي للبشرية هو البابا، ثم ارجع البصر كرتين لترى القوانين التي تنصُّ على السماح بالتسمّي بأسماءِ اليهود وليس العكس، وكل ذلك من أجل تذويب شخصية المسلمين، وطمس هويتهم الخاصة.

المقام الثاني: في الجوابِ على سبيل الإجمال.

عقدَ المؤلف هذا الفصل بعد أن انتهى من السَّرد التاريخي لهذه الدعوة ومن يتبنَّاها وطريقة رواجها في العصر الحديث، فأراد في هذا الفصل أن يردَّ ردًّا إجماليًّا على هذه الدعوة قبل أن يدخل في التفاصيل، فتحدَّث هنا عن نُقطتين مهمَّتين وهما: الدعوة في ميزان الإسلام، وأهداف الدعوة.

النقطة الأولى: الدَّعوة في ميزان الإسلام:

بين المؤلّف -رحمه الله- أن هذه الدعوة “دعوةٌ بدعيةٌ، ضالَّة كفريَّة، خطةُ مأثَمٍ لهم، ودعوةٌ لهم إلى ردَّة شاملة عن الإسلام؛ لأنها تصطدم مع بدهيَّات الاعتقاد، وتنتهك حُرمة الرُّسل والرسالات، وتبطل صدقَ القرآن ونسخَه لجميع ما قبله من الكُتب، وتبطل نسخَ الإسلام لجميعِ ما قبله من الشرائع، وتبطل ختمَ النبوة والرسالة بمحمد عليه الصلاة والسلام، فهي نظريَّة مرفوضة شرعًا، محرَّمة قطعًا”([10]).

ويتبين من خلال هذا النَّصِّ أن هذه الدعوةَ والدخولَ فيها هو انعتاقٌ من الإسلام، فهي محرَّمة في دين الإسلام؛ لأنَّها تُناقض نقطتين جوهريتين:

الأولى: أن الإسلام هو الدِّين الوحيد الصحيح منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

والثانية: أنَّ الإسلام قد نسَخ كلَّ الشرائع السابقة، فلا يجوز اليوم أن يُتعبَّد بشيءٍ غير الإسلام.

فإن كانت هذه الدعوة تناقضُ هذين الأصلين فإنَّها تتناقضُ مع أصل الإسلام، لا مع جزئيات منه، وبناء عليه فما حكم دخول المسلم في مثل هذه المؤتمرات والندوات والمشاركة فيها؟

قال رحمه الله: “فلا يجوزُ لمسلم يؤمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسولًا الاستجابةُ لها، ولا الدُّخول في مؤتمراتِها وندواتها واجتماعاتها وجمعياتِها، ولا الانتماء إلى محافِلها، بل يجب نبذُها، ومنابذتها، والحذر منها، والتحذير من عواقبها، واحتساب الطَّعن فيها؛ لأنَّهم لا يستندون إلى شرعٍ منزَّل مؤبَّد، بل دينهم إما باطلٌ محرَّف، وإما حقٌّ منسوخ بالإسلام، أما المُسلمون فلا والله، لا يجوز لهم بحال الانتماء إلى هذه الفكرة؛ لانتمائهم إلى شرعٍ منزَّل مؤبَّد، كلّه حقّ وصدق وعدل ورحمة”([11]).

فبيَّن المؤلِّف بأن هذه الدعوةَ لا يجوزُ لأحدٍ من المسلمين الدُّخول فيها؛ لأنَّها تناقض أصولَه الدينية.

ثم شرع المؤلف في بيان النقطة الثانية

النقطة الثانية: أهداف الدَّعوة:

ذكر المؤلف -رحمه الله- حزمةً من الأهداف التي يرجون تحقيقها من خلال هذه الدَّعوة، وهي:

1 – إيجادُ مرحلة التشويش على الإسلام، والبلبلة في المسلمين، وشحنهم بسيلٍ من الشُّبهات والشهوات؛ ليعيش المسلم بين نفس نافرة ونفس حاضرة.

2 – قصر المدِّ الإسلامي، واحتواؤه.

3 – تأتي على الإسلام من القواعد، مستهدفةً إبرام القضاء على الإسلام واندراسه، ووهن المسلمين، ونزع الإيمان من قلوبهم وَوَأده.

4 – حلُّ الرابطة الإسلامية بين العالم الإسلامي في شتَّى بقاعه لإحلال الأخوة البديلة: “أخوة اليهود والنصارى”.

5 – كفُّ أقلام المسلمين وألسنتهم عن تكفير اليهود والنَّصارى وغيرهم، ممَّن كفَّرهم الله وكفرهم رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن لم يؤمنوا بهذا الإسلام، ويتركوا ما سواه من الأديان.

6 – إبطالُ أحكام الإسلام المفروضة على المسلمين أمامَ الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم من أمم الكفر ممن لم يؤمن بهذا الإسلام، ويترك ما سواه من الأديان.

7 – هدم قاعدة الإسلام، وأصله: “الولاء والبراء” و”الحب والبغض في الله”، فترمي هذه النظرية الماكرة إلى كسرِ حاجز براءة المسلمين من الكافرين ومفاصلتهم، والتدين بإعلان بغضهم وعدَاوتِهم، والبعد عن موالاتهم، وتولّيهم، وموادّتهم، وصداقتهم.

9 – صياغة الفكر بروح العداء للدِّين في ثوب وحدة الأديان، وتفسيخ العالم الإسلامي من ديانته، وعزل شريعتِه في القرآن والسنة عن الحيَاة، حينئذ يسهل تسريحه في مجاهل الفكر، والأخلاقيَّات الهدَّامة، مفرغًا من كل مقوماته، متشعِّبا بأفكار أخرى يسهل بها عليهم توجيهُه إلى ما يريدُون.

10 – تمهيد السبيل “للتبشير بالتنصير” والتقديم لذلك بكسر الحواجز لدى المسلمين، وإخماد توقُّعات المقاومة من المسلمين لسبق تعبئتهم بالاسترخاء والتبلُّد.

11 – غاية الغايات: بسط جناح الكفرة من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرهم على العالم بأسره، والتهامه، وعلى العالم الإسلامي بخاصَّة، وعلى العالم العربي بوجه خاصّ، وعلى قلب العالم الإسلامي وعاصمته “الجزيرة العربية” بوجهٍ أخصّ، في أقوى مخطَّط تتكالب فيه أمم الكفر وتتحرك من خلالِه؛ لغزوٍ شامل ضدَّ الإسلام والمسلمين بشتَّى أنواع النفوذ الفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي([12]).

فالدعوة تناقض أصول الإسلام، وتسعى إلى هدمه حتى في عقول وقلوب معتنقيه، فهي وبالٌ على المسلمين، لا فوزٌ ونجاحٌ كما يصوِّر البعض.

المقام الثالث: في الجواب مفصَّلًا.

في هذا الفصل بدأَ المؤلِّف بالردِّ على هذه الدَّعوة ردًّا مفصلًا، ومجمل كلامه في هذا المقام يدورُ حول بابين رئيسين بنى عليهما إبطال هذه الدعوة وبيان تناقضها مع أصولِ الإسلام([13])، وهما: دينُ الأنبياء واحد وشرائعهم متعددة، مناقضةُ اليهوديَّة والنَّصرانية لأصولِ الإسلام.

الباب الأول: دينُ الأنبياء واحد وشرائعهم متعدِّدة:

حينما تُطلَق هذه الدعوات تنسِبُ نفسَها إلى إبراهيم عليه السلام، بل ويطلق عليها “الدعوة الإبراهيمية” أو “المجمع الإبراهيمي” وغيرها، وهم بذلك يدَّعون أن أصلَ هذه الأديان الثلاثة هو دينُ إبراهيم عليه السلام، والمؤلف ينطلق من أصل متينٍ عند المسلمين وهو: أنَّ دين إبراهيم صحيحٌ حقٌّ وهو دين الإسلام، وليس اليهودية ولا النصرانيَّة، فيدور كلامه جلُّه حول هذا الفلك ليثبتَ أن الدين عند الله لا يتبدَّل ولا يتغير، ولا يمكن أن تكونَ ثلاثُ ديانات أصولُها متناقضة صحيحةً كلّها، ثم ردَّ على انتساب اليهود والنصارى إلى إبراهيم عليه السلام، فهذا الباب إذن مكوَّنٌ من نقطتين وهما: بيان أن الدين واحد، وبيان أن نسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم -عليه السلام- غير صحيحة

فأمَّا النقطة الأولى وهي بيانُ أنَّ الدين واحد ولا يُمكن أن تكونَ الثَّلاثة صحيحة فقد ذكر فيها المؤلّف أنَّ “من أصول الاعتقاد في الإسلام: اعتقاد توحّد الملَّة والدين في: التوحيد، والنبوات، والمعاد، والإيمان الجامع بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وما تقتضيه النُّبوة والرسالة من واجبِ الدعوة، والبلاغ، والتبشير، والإنذار، وإقامة الحجة، وإيضاح المحجة، وإخراج الناس من الظُّلمات إلى النور، بإصلاح النفوس، وتزكيتها، وعمارتها بالتوحيد، والطاعة، وتطهيرها من الانحراف، والحكم بين الناس بما أنزل الله”([14]).

فكلُّ الأديان متَّحدة في هذه الأصول، وكانت مهمَّة الأنبياء جميعًا مع اختلافهم وكثرتهم هي ثلاثة أمور:

1- الدعوة إلى الله في إثبات التوحيد وتقريره وعبادته وحده.

2- التعريف بالطريق الموصل إليه وهي الشرائع.

3- التعريف بالمآل، وذلك ما يتعلق بالمعاد واليوم الآخر.

“وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، وإن السعادة والفلاح لموقوفة عليها لا غير، وهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب المنزلة، وبعث به جميع الأنبياء والرسل، وتلك هي الوحدة الكبرى بين الرسل والرسالات والأمم”([15]).

فالأديان موحَّدة من قبل الله قبل أن يدعوَ هؤلاء إلى وحدة الأديان! فإنَّها واحدة في “إسلام الوجه لله، وطاعته، وعبادته وحده، والبراءة من الشِّرك، والإيمان بالنُّبوات، والمبدأ، والمعاد”([16])، فالإسلام بِهذا الاعتِبَار هو دينُ جميعِ الأنبِيَاء والمُرسلين، وبناءً عليه فإنَّه إن كانت الديانات كلّها دينا واحدًا فإنه يدخله النسخ والتدريج كما يدخل في الدِّين الواحد، فإنه مثل ما يدخل النسخ في تشريعات الإسلام فيكون الشيء حلالًا ثم يحرم، فكذلك يدخل في الدِّين الواحد الممتدّ الذي يشمل كلّ الأديَان، فكان الدين الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الدين النَّاسخ لكلِّ الأديان السَّابقة، فهو إذن يمثل آخر الأمر من الله تبارك وتعالى، وتجبُ عبادته به، وكما أنَّه لا يجوز أن يأخذ الإنسان ويعمل بالمنسوخ بعد ورود النَّاسخ، فكذلك لا يجوز التعبُّد باليهوديَّة أو النَّصرانية بعد أن أرسَلَ الله محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بهذهِ الشَّريعَة.

ثمَّ شرع المؤلِّف في بيان النُّقطة الثَّانية في هذا الباب وهِي: أنَّ اليهوديَّة والنَّصرانية ليسَا دين إبراهيم عليه السَّلام، وأنَّ انتسابَهم هذا باطلٌ واضح البُطلان، وإبطال هذه الدعوى ليست منا نحن المسلمين، وإنَّما جاء من الله سبحانه وتعالى، فقد أبطل الله هذه الدعوى بأفضل طريق وأحسن بيان، فبين أن كون إبراهيم -عليه السلام- يهوديًّا أو نصرانيًّا علمُهُ موكول إلى الله، ولا يعلمُه اليهود ولا النصارى، ولا يمكن أن يقدِّموا دليلًا واحدًا على دعواهم هذه! وفي ذلك يقول الله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140]، ثم بيَّن الله بطلان دعواهم تلك بيانا شافيًا واضحًا فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 65]، وفي هذا تقريعٌ شديد كما هو واضحٌ وبيِّن، فلو كان فيكم ذرةُ عقلٍ لما ادَّعيتم أن إبراهيم -عليه السلام- يهوديٌّ أو نصرانيٌّ؛ وذلك لأنه لم يأت أصلًا بعد موسى وعيسى عليهما السلام! ثم زاد الله هذا الأمر وضوحًا فقال: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66]، ثم ختم الله هذه المحاجَّة بقولٍ صريح لا يحتمل التأويل فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]. ولم يكتف الله جل وعلا بهذا البيان الواضح بل أكَّد على قضيَّة مهمَّة، وهي أنَّ المسلمين هم أولى الناس بإبراهيم عليه السلام، وهم أجدَر النَّاس بالانتساب إليه، قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68]، “وبيَّن سبحانه أن هذه المحاولةَ الكاذبة البائسة من أهل الكتاب جاريةٌ في محاولاتهم مع المسلمين؛ لإضلالهم عن دينهم، ولبس الحق بالباطل، فقال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135]”([17]).

وخلاصةُ الباب: أن الدين العامّ لكل البشرية هو الإسلام بالمعنى العام، وهو الاستسلام لله وحده والإيمان به وتوحيده وعبادته والتصديق بالأنبياء والإيمان باليوم الآخر، وكان الإسلام بمفهومه الخاص -أي: ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم- هو الناسخ لكل ما سبق، فلا يصحّ اليوم أن يعبد الله إلا باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

الباب الثاني: مناقضة اليهودية والنصرانية لأصول الإسلام:

بعد أن بيَّن -رحمه الله- أن الدين المقبول اليوم هو الإسلام بمفهومه الخاص؛ وذلك لأنه ناسخٌ لكلِّ الأديان السابقة، وليس ثمَّة طريق يوصل إلى الله إلَّا الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم، بدأَ يسرد كيف أن أصول الإسلام وهي الإيمان بالله وبالكتب المنزلة وبالرسل جميعا وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم قد ناقضتها اليهودية والنصرانية، وبناءً عليه فكيف يقال: إنهم على حقٍّ أو يجوز تصحيح عقائدهم أو الدخول معهم في عباداتهم وهي متناقضة مع أصول الدين الحق؟!

وقد بدأ -رحمه الله- بيان تلك التناقضات مرتَّبة، واستغرق في ذلك قرابة نصف الكتاب، وسنستعرضها مختصرة في الآتي:

الأصل الأول: الإيمان بالله سبحانه وتعالى:

والإيمان به يعني توحيدَه وإفرادَه بالعبادة، وهو ما خلق الله الخليقةَ من أجلها، وبين ذلك بوضوحٍ في كتابه فقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59]، وقد كان الناس على هذا الأصل كلهم على الإسلام والتوحيد، والإخلاص، والفطرة، والسداد، والاستقامة، فالأمة واحدة، والدين واحد، والمعبود واحد، حتى وقع الشِّرك في الأمة، ثم تتابع الرسل والأنبياء، حتى اندرس كثيرٌ من معالم الوحي قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث الله خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى النَّاس كلهم لدعوتهم إلى الدِّين الصَّحيح، وإلى إجلال الله سبحانه وتعالى وتعظيمه.

وخُلاصة هذا الأصل أنَّ الله سبحانه متصفٌ بالكمال والجلال والعظمة، وأنه يجبُ على النَّاس كلهم الإيمان به من حيث وجوده، والإيمان به من حيث توحيده، والإيمان به من حيث إفراده بالعبادة، والإيمان به من حيث نعته بكل صفات الكمال والجلال والعظمة.

وهذا الأصل الأصيل في عقيدة المسلمين قد ناقضه اليهود والنصارى بشهادة القرآن، وفي بيان ذلك قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30]، وقال تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181]، وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 64]. أما النصارى فليسوا بأقل من اليهود في نسبة النقائص إلى الله -تعالى الله عما يقولون- وقد فضحهم الله في القرآن العظيم فقال فيهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: 30]، وقال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، وقال تعالى مبيّنًا كفرَهم الصريح: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73].

وبهذا يتَّضح لك أن الأصلَ الذي يدعو إليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم من إجلال الله وتعظيمه ليس موجودًا عند اليهود والنصارى، فإذا كان أعظم موجود وأقدس موجود عند المسلمين وهو الله، وهو الذي تُسترخص في سبيله الأرواح وتُبذل الأنفس، ينسب إليه اليهود والنصارى هذه النقائص، فكيف يمكن جمعهم في دينٍ واحد؟!

الأصل الثاني: الإيمان بالكتب المنزلة:

وعقيدة المسلمين في ذلك: الإيمانُ بجميع كتب الله المنزلة على أنبيائه ورسله، وأن كتاب الله: القرآن الكريم هو آخر كتب الله نزولًا، وآخرها عهدًا بربّ العالمين.

وهذا الأصل أيضًا يناقضه اليهود والنصارى، فهم لا يؤمنون بالقرآن الكريم، ولا يؤمنون بأنَّه منزَّل من عند الله، ولا يؤمنون بأنَّه محفوظ من قِبَل الله تعالى، فالمسلمون يفترقون عنهم في هذا المقام في نقطتين: الإيمان بكلِّ الكتب، والحفظ والصون للقرآن الكريم، فالقرآن محفوظٌ بحفظ الله، أما التَّوراة والإنجيل فقد وقع فيهما التحريف والتبديل حتى جعل الله ذلك سمةً لهم فقال: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13]، ومنِ اطَّلع على التَّوراة والإنجيل عرف أنَّه لا يمكن أن يكونَ كل ما فيهما ممَّا أنزله الله على موسى وعيسى عليهما السلام، كيف وفيه تنقُّصٌ من الله جل جلاله؟! وكيف وفيه تناقضات حقيقية لا يمكن الجمع بينها؟! وكيف وهذه الكتب تنسِب القبائح إلى الأنبياء عليهم السَّلام، كما نسب اليهود الردَّة إلى نبي الله سليمان -عليه السلام-، وأنه عبدَ الأصنام([18])، ونسبوا إلى نبي الله هارون -عليه السلام- صناعة العجل وعبادته له([19])، ونسبوا إلى خليل الله إبراهيم -عليه السلام- أنه قدَّم امرأته سارة إلى فرعون لينال الخير بسببها([20])، ونسبت النصارى -قبحهم الله- إلى جميع أنبياء بني إسرائيل أنهم سرَّاق ولصوص، كما في شهادة يسوع عليهم([21])، ونسبت النصارى -قبحهم الله- جدّ سليمان وداود: فارض من نسل يهوذا بن يعقوب من نسل الزنا([22])، “فكيف يدعى إلى وحدة المسلمين الموحِّدين، والمعظمين لرسل الله وأنبيائه مع هذه الأمم الكافرة الناقضة للإيمان بالكتب المنزلة والأنبياء والرسل؟! ومن هنا: كيف لا يستحيي مِن المنتسبين إلى الإسلام مَن يدعو إلى طبع هذه الأسفار والإصحاحات المحرَّفة المفترَى فيها مع كتاب الله المعصوم: القرآن الكريم؟!”([23]).

الأصل الثالث: الإيمان بالرسل:

من أصول الإسلام: الإيمانُ بالرسل إيمانًا جامعًا عامُّا بكلّ الرُّسل، دون تنقُّص أو إنكار لنبوة أحد ثبتَت له، وهذا الإيمان يتضمَّن تصديقَهُم وإجلالهم وتعظيمهم كما شرع الله في حقِّهم، وطاعتهم ممن بعثوا إليهم في الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وأنهم كلَّهم متفقون على وحدة الملة والدِّين في التوحيد، والنبوة والبعث، وما يشمله ذلك من الإيمان الجامع بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشَره، وما في ذلك من وحدة العبادة لله تعالى لا شريك له، فالصلاة والزكاة والصدقات، كلها عبادات لا تُصرف إلا لله تعالى، وشرائعهم في العبادات في صورها ومقاديرها وأوقاتها وأنواعها وكيفيتها متعدِّدة، وأفضل الأنبياء وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نبي بعده، وشريعته ناسخة لجميع الشرائع قبله، وبعد بعثته لا يجوز لأحد أن يعبدَ الله إلا بشريعته.

ومن نواقض هذا الأصل أن يكفرَ الإنسان بنبيٍّ واحدٍ من الأنبياء، وذكر الله ذلك صريحًا في كتابه العزيز فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150، 151]. وهو ما فعله اليهود والنصارى كما ذكر الله عنهم في كتابه فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 91]، فاليهود لا يؤمنون بعيسى -عليه السلام- ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والنَّصارى لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهم بذلك قد ناقضوا هذا الأصل، ولم يتَّفقوا فيه مع المسلمين، بل لم يتفقوا فيما بينهم.

ومن نواقض هذا الأصل لدى اليهود والنصارى: نسبة القبائح والكبائر إلى الأنبياء والرسل، كصناعة الأصنام، والردة، والزنا، والخمر، والسرقة، وغيرها.

ومن نواقض هذا الأصل: نفيُ بشرية أحد من الأنبياء، أو تأليه أحد منهم، وقد حكى القرآن عن الفريقين تأليه بعض البشر، فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30].

فهم بذلك قد ناقضوا الإسلامَ في هذا الأصل أيضًا، فهذه أصول ثلاثة كبرى ناقضت فيها اليهوديةُ والنصرانيةُ الإسلامَ.

النتيجة:

عَقدَ المؤلف هذا المبحث في كتابِه لبيان قواعد مهمَّة هي نتيجة ما في الكتاب وخلاصته، فقال:

– يجبُ على أهل الأرض اعتقادُ توحّد الملَّة والدِّين في دعوة جميع الأنبياء والمرسلين في: التوحيد، والنبوات، والمعاد، وهذا الأصل العقدي لم يسلَم إلا لأهل الإسلام، وأنَّ اليهود والنصارى ناقضون له، متناقضون فيه، لا سيَّما في الإيمان بالله وكتبه ورسله.

– يجبُ على أهلِ الأرض اعتقادُ تعدُّد الشرائع وتنوّعها، وأن شريعة الإسلام هي خاتمة الشرائع، ناسخة لكلِّ شريعة قبلها، فلا يجوز لبشرٍ من أفراد الخلائق أن يتعبَّد الله بشريعة غير شريعة الإسلام.

– ويجبُ على جميع أهل الأرض من الكتابيّين وغيرهم الدخولُ في الإسلام بالشَّهادتين، والإيمان بما جاء في الإسلام جملةً وتفصيلًا، والعمل به، واتباعه، وترك ما سواه من الشرائع.

– يجبُ على أمَّة الإسلام: “أمة الاستجابة” ” أهل القبلة ” اعتقاد أنَّهم على الحق وحدهم في: “الإسلام الحقّ”، وأنه آخر الأديان، وكتابه القرآن آخر الكتب، ومهيمنٌ عليها، ورسوله آخر الرُّسل وخاتمهم، وشريعته ناسخة لشرائِعِهم، ولا يقبلُ الله من عبدٍ دينًا سواه. فالمسلمون حملة شريعةٍ إلهيَّة خاتمة خالدة، سالمة من الانحراف الذي أصابَ أتباع الشَّرائع السَّابقة، ومن التَّحريف الذي داخل التَّوراة والإنجيل مما ترتَّب عليه تحريف الشريعتين المنسوختين: اليهودية والنصرانية.

– يجِبُ على كلِّ مسلم اعتقاد كفر من لم يدخل في هذا الإسلام من اليهود والنَّصارى وغيرهم، وتسميته كافرًا، وأنه عدوٌّ لنا، وأنَّه من أهل النار.

– لا يجوز لمسلم طباعة التوراة والإنجيل، ولا توزيعهما، ولا نشرهما، وأن نظريَّة طبعهما مع القرآن الكريم في غلافٍ واحد من الضَّلال البعيد والكُفرِ العظيم؛ لمَا فيها من الجَمع بينَ الحق -القرآن الكريم- والبَاطل في التَّوراة والإنجيل من التَّحريف والتَّبديل، وأما ما فيهما من حقٍّ فهو منسُوخ.

– لا تجوز الاستجابة لدعوتهم ببناءِ (مسجد وكنيسة ومعبد) في مجمعٍ واحد؛ لما فيها من الدينونة والاعتراف بدينٍ يعبَد الله به سوى الإسلام، وإخفاء ظهورِه على الدِّين كله، ودعوة ماديَّة إلى أنَّ الأديان ثلاثة على أهل الأرض التدين بأي منها، وأنها على قَدَم التساوي، وهذه المساجد من شعائر الإسلام، فواجب تعظيمها، ورعاية حرمتها، وعمارتها، ومن تعظيمها ورعايتها عدم الرضا بحلول كنائس الكفرة ومعابدهم في حرمها، وفي جوارها، وعدم إقرار إنشائها في بلاد الإسلام، ورفض مساجد المضارّة بالإسلام، والضّرار بالمسلمين في بلاد الكافرين، فإن “المسجد” والحال هذه مسجد مُضَارّة للإسلام، ولا يجوز إقراره، ولا التبرع بمال أو جهد لبنائه، ولا الصلاة فيه، ويجب على من بسط الله يده من ولاة المسلمين هدم هذا المجمع، فضلا عن السكوت عنه، أو المشاركة فيه، أو السماح به، وإن كان -والحال ما ذكر- في بلاد كفر وجب إعلان عدم الرضا به، والمطالبة بهدمه، والدعوة إلى هجره.

– ليعلم كل مسلم أنه لا لقاءَ ولا وفاقَ بين أهل الإسلام والكتابيين وغيرهم من أمم الكفر إلا وفق الأصول التي نصَّت عليها الآية الكريمة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وهي: توحيد الله تعالى ونبذ الإشراك به وطاعته في الحكم والتشريع واتباع خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي بشرت به التوراة والإنجيل، فيجب أن تكون هذه الآية هي شعار كل مجادلة بين أهل الإسلام وبين أهل الكتاب وغيرهم، وكل جهد يُبذل لتحقيق غير هذه الأصول فهو باطل باطل باطل([24]).

وأخيرًا: كيف ينادى بالوحدة بين هذه الأديان الثلاثة وهي مختلفة غاية الاختلاف، بل ومتناقضة في أعظم الأصول وهي الإيمان بالله وبالكتب والرسل؟!

وكيف ينادى بهذا الدين الجديد ونحن وهم نعتقد اعتقادًا جازمًا أننا على حقّ ومخالفنا على باطل؟!

فتطبيق هذه النظرية لا يمكن أن يكونَ إلا بترك أصول الدين الكبرى؛ إذ لا يمكن الاجتماع عليها مع وجود التناقضات بين الأديان الثلاثة؛ ولذلك يجب على المسلمين الكفر بهذه النظرية، وعدم الدخول فيها والدعوة إليها؛ لمنافاتها أصول ديننا وعالميته وشموليته ونسخه للشرائع السابقة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 12).

([2]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 14).

([3]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 11- 12).

([4]) تفسير الطبري (1/568).

([5]) تفسير ابن كثير (1/245).

([6]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 18).

([7]) هي حركة تدعو إلى توحيد الأديان وصهرها في قالب واحد، وقد نشأت على يد صن مون الكوري، فسمِّيت باسمه، كما تسمى: المونية. لمعرفة المزيد انظر الرابط:

https://saaid.net/feraq/mthahb/72.htm

([8]) هي جمعية تستقطب الناسَ من سائر الأديان، تدعي أنها لا تهتم ّبالعقيدة ولا دورَ لها، وتدعو إلى التسامح فيما بينها، ولها جمعيات كثيرة منتشرة. انظر فيها:

 https://ar.islamway.net/fatwa/11283/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7

([9]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 22).

([10]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 35).

([11]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 36).

([12]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 37-47) بتصرف.

([13]) لم ينص المؤلف على هذين البابين، ولكن عليهما يدور مجمل كلامه في هذا الفصل.

([14]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 47).

([15]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 49).

([16]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 51).

([17]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 54).

([18]) كما في سفر الملوك الأول، الإصحاح (11)، العدد (5).

([19]) كما في الإصحاح (32)، عدد(1)، من سفر الخروج.

([20]) كما في الإصحاح (12)، العدد (14)، من سفر التكوين.

([21]) إنجيل يوحنا، الإصحاح (10)، العدد (8).

([22]) كما في إنجيل متى، الإصحاح (1)، العدد (10).

([23]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 77).

([24]) الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان (ص: 90- 100) بتصرف واختصار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

(الكتاب والسنة) مقال للمسلم النمساوي الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وبعد: فإن قضية السنة وحجيتها بقيت منذ ثلاثة عشر قرناً هي القضية الأولى لمن يريدون إسقاط الإسلام من داخله، وسار المسلمون مع هذه القضية مسيرة طويلة رادِّين عليها أحياناً، ومتأثراً بعضهم بها أو ببعض مستلزماتها أحياناً، وفي […]

هل خصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا من الأمَّة بشيءٍ من الدين؟

النبي صلى الله عليه وسلم بلَّغ البلاغَ المبين: المفهومُ مِن نصوصِ الشرع ومِن محكمات الدِّين أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم بلَّغ كلَّ ما أُنزل إليه من ربه، ولا يسعُه غيرُ ذلك، وهذا عامّ في فضائل الأعمال وفي شرائع الأحكام، فلا يكتُم فضلًا في عمل، كما أنَّه لا يكتم تشريعًا، وهذا مصداق قوله صلى الله […]

يعيش لها الجهابذة… شيء من أحوال المحدثين في حفظ السنة والذبّ عنها

قدَّم الإمام المحدث أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الرازي الشهير بابن أبي حاتم (327هـ) كتابه “الجرح والتعديل” بهذا النصِّ الذي يبيِّن فيه دقَّةَ المحدِّثين وجهودَهم في الذبِّ عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي لم يُعرَف مثلُها في الدنيا -وهو ما نقصد الإشارة إلى طرف منه في هذا المقال-، وأيضًا يبيِّن موقفَ […]

الدلائِل القُرآنيَّة على أنَّ (لا إله إلا الله) تعنِي لا معبُودَ بحقٍّ إلَّا الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   تمهيد: معرفةُ المصطلحات وضبطُها لها أهميَّة بالغةٌ في حياتنا، سواء تعلَّق المصطلح بأمرٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ، وقد تجِد الشخصَين يتجادلان ويتخاصمَان وهما في الحقيقة متَّفقان على المراد، فالوعيُ بالمفاهيم والمُصطلحات يعدُّ لبنةً أساسيَّةً في الاتفاق ونبذ الاختلاف، ويوضِّح ذلك ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: “فإنَّ كثيرًا من […]

خلاصات وتحقيقات (33)

وضوح أدلة القرآن في تقرير التوحيد: (والله سبحانَه حاجَّ عبادَه على ألسن رسلِه وأنبيائِه فيمَا أراد تقريرهم به وإلزامهم إيَّاه بأقرب الطُّرق إلى العقل، وأسهلِها تناولًا، وأقلِّها تكلفًا، وأعظمها غناءً ونفعًا، وأجلِّها ثمرةً وفائدةً، فحُجَجُه سبحانه العقلية التي بينها في كتابِهِ جمعت بينَ كونِها عقلية سمعية، ظاهرة واضحة، قليلَة المقدمات، سهلة الفَهم، قريبَة التَّناول، قاطعة […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017