الخميس - 24 ربيع الأول 1441 هـ - 21 نوفمبر 2019 م

عرض وتعريف بكتاب: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السلف في فهم الكتاب والسنة

A A

أولا: بطاقة الكتاب:

العنوان: تذكير الخلف بوجوب اعتماد منهج السَّلف في فهم الكتاب والسنة.

اسم المؤلف: وليد بن راشد السعيدان.

الطبعة: الدار العالمية للنشر والتوزيع.

عدد الصفحات: 124 صفحة.

ثانيا: موضوع الكتاب:

يريد المؤلف في هذا الكتاب أن يشرح قاعدةً مهمَّةً من قواعد أهل السنة والجماعة في العقائد، وهي: (كلُّ فهمٍ يخالف فهم السَّلف في مسائل الاعتقاد فباطل).

وهذه القاعدة قد شرَحها المؤلف في كتابه: (إتحاف أهل الألباب بمعرفة التوحيد والعقيدة في سؤال وجواب)، إلا أنَّه أراد أن يتوسَّع فيها ويشرحَها شرحًا موسَّعًا يجمع بين التأصيل والتفصيل، مع سوق فروع القاعدة لتكون واضحةً جليَّة. فالكتاب كلُّه في تأصيل هذه القاعدة وشرحِها.

ثالثًا: عرض إجماليّ لعناصر الكتاب:

قسم المؤلِّف الكتاب على أربع مسائل هي بمثابة الفصول، أطولها المسألة الرابعة، والمسائل التي ذكرها باختصار هي:

1- شرح أفراد القاعدة.

2- شرح القاعدة إجمالا.

3- أدلة اعتماد فهم السلف.

4- ذكر فروع القاعدة.

وسنأتي على ذكر هذه المسائل الأربع وعرضها، ثم نذكر مميزات الكتاب وبعض التنبيهات عليه.

رابعًا: عرض تفصيلي لمحتوى الكتاب:

عرض المؤلف في هذ الكتاب أربع مسائل كما بيَّنَّا، وهي:

المسألة الأولى: شرح مفردات القاعدة:

ذكر فيها المؤلف شرحًا لمفردات القاعدة، فبين أنَّ (فهم السلف) يعني به ما أدركه السلف وعرفوه وقرَّروه. وأما (السَّلف) فلفظة يراد بها معنيان:

المعنى الأول: سلف الزمان، وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم، أي: أهل القرون المفضلة، والذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»([1])، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

المعنى الثاني: سلف المعتقد، أي: من كان على مثل ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ومن تبعهم بإحسان من أهل القرون المفضَّلة في العقيدة والعمل، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وأهل الحديث.

المسألة الثانية: في شرح هذه القاعدة شرحًا مجملا:

في هذه المسألة شرَح المؤلف هذه القاعدة شرحًا مجملًا، وقد بدأ يتحدَّث عن بدايات دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، والصعوبات التي واجهها حتى أذن الله بالهجرة، ثم وافته المنية وبقي دينه ومنهجه واضحًا جليًّا حمل رايته الصحابة الكرام، فتفرَّقوا بعد موته في الأمصار، وصاروا يدعون الناس إلى دين الله وفق المنهج الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزل العلم ميراثًا يتوارثه الآخر عن الأول، والتابع عن من فوقه، حتى نبغت في الأمة نابغة، تنكَّبت عن الصراط المستقيم، وخالفت المنهج القويم، واطَّرحت علوم سلفها، وتطلَّعت إلى علوم أقوام من الشرق والغرب، فأُعجبت بقواعدها المخالفة للمنقول، وعلومها المناقضة للمعقول، فترجمت كتبها، ودعوا الأمة إلى الإقبال عليها ودراستها وتدريسها، حتى اختلط الحق بالباطل، وكدّر صفو المشرب، واعتمدت أصول غريبة عن أصول سلف الأمة، وتشرَّبتها القلوب حتى صار يوصف بالتخلُّف والرجعية من كان ملتزمًا بمنهج السلف وداعيًا إليه، وفضلت العلوم المنطقية الفلسفية على علوم الكتاب والسنة، فخفي نور الحق.

ولما صار الأمر إلى هذا الوضع قامَت هذه الطائفة القليلة التي ظلَّت على منهج النبي صلى الله عليه وسلم وما ورثوه من الصحابة الكرام وتابعيهم بدَور التصحيح والتجديد، واهتمَّت برد الأمة إلى أصولها الصَّحيحة، ودعت إلى تصحيح السير إلى الله تعالى بتصحيح الاعتقاد والعمل، فأصَّلت الأصول، وقعَّدت القواعد التي تكفل لمن دان بها واعتقد مدلولها أن يكون من أهل النجاة في الدنيا والآخرة، فكان مما أصَّلت هذا الأصل العظيم، وهو أن كلَّ تقرير يخالف تقرير السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في مسائل الاعتقاد فإنه تقرير باطل، وجعلت فهم السلف وما هم عليه فيصلًا بين الحق والباطل، فكل عقيدة لا يعرفها سلف الأمة فهي عقيدةٌ باطلة، وكل فهمٍ محدَث لا يعرفه السَّلف فهو باطل، وكل سؤال في أمر الاعتقاد لا يؤثر عن السَّلف فهو باطل، وجعلوا الفهوم المخالفة لفهم السلف من جملة المحدثات المنكرة والبدع القبيحة، التي تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»([2])، وفي لفظٍ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»([3])، وبنوا دعوتهم على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، وقرَّروا أنه لا يمكن الانتفاع بالكتاب والسنة الانتفاع الحقيقيَّ المثمر إلا إن أخذ عن فهم سلف الأمة.

المسألة الثالثة: بيان الأدلة على وجوب الاعتماد على فهم السلف:

ذكر المؤلف في هذه المسألة قرابة خمسة وعشرين دليلًا ما بين آية وحديثٍ وأثر ودليل عقلي، ويمكننا بعد تأمل الأدلة أن نقسِّمها إلى خمسة أقسام:

1- اتباع الإجماع:

والذي دلَّ عليه قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

ووجه الدلالة من الآية الكريمة: أنَّ جمهور مسائل الاعتقاد ممَّا هو متَّفق عليه بين أهل السنة رحمهم الله، وقد استدلَّ عمر بن عبد العزيز رحمه الله بهذه الآية على وجوب اتباع سبيل أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد استدلَّ الجمع الكثير الغفير من أهل السنة رحمهم الله على بطلان كثير من المعتقدات والأقوال والأعمال بأنها مخالفة لسبيل المؤمنين والذين هم الصَّحابة في المقام الأول، والتابعون وتابعوهم بإحسان؛ مما يفيد أن أهلَ العلم متفقون -إن شاء الله تعالى- على أن الآية يراد بها السلف الأوائل.

2- مدح الصحابة:

من الأدلة أيضا الأدلة التي فيها مدحٌ للصحابة الكرام، وهي كثيرة متوافرة في القرآن والسنة، وقد ذكر المؤلف جملة منها، فمما ذكر قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة 100]، وهذا المدح يتضمَّن صحَّة ما كانوا عليه من العقيدة والعمل، وهذه الصحة مستمدة من صحة التأصيل والفهم، فمن أراد أن يكون له حظٌّ من هذا المدح والثناء فليتَّفق معهم في فهمهم المفضي إلى صحة الاعتقاد والعمل.

ومن الأدلة أيضا: قَوْله تَعَالَى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل 59]، قال ابن عباس: “هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم”([4]).

ومن الأدلة أيضا: قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6]، فقد ذكر الله أنهم أوتوا العلم.

ومن الأدلة: قوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لقمان: 15]، وكل من الصحابة منيب إلى الله تعالى، فيجب اتباع سبيلهم، وأقوالهم واعتقاداتهم من أكبر سبيلهم.

ومن الأدلة أيضا: ما رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خير النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»([5]). وهذه الخيرية خيرية الاعتقاد والعمل، وهي نابعة من خيرية الفهم والتأصيل.

ومن الأدلة: قوله صلى الله عليه وسلم: «النجومُ أَمنةٌ للسماءِ، فإذا ذهبتِ النجوُمِ أَتى السماءَ ما تُوعدُ، وأَنا أَمَنةٌ لأَصْحَابي، فإذا ذهبتُ أَتَى أَصْحَابِى ما يُوعدونَ، وأَصْحَابي أَمنةٌ لأُمَّتِي، فإِذا ذهب أصحابي أتى أُمِتي ما يُوعَدُون»([6]).

ومن الأدلة أيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيِّين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا -رضي الله عنهم-، فجعلهم أصحابي -قال:- في أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على الأمم، واختار من أمتي أربعة قرون: القرن الأول والثاني والثالث والرابع»([7])، وهذه الخيرية والاختيار الرباني يفيدك أن ما هم عليه من الفهم أصحّ وأحقّ أن يتَّبع من فهم غيرهم المخالف لهم.

ومن الأدلة أيضًا: حديث أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»([8]).

ومن الأدلة: حديث الافتراق المشهور، وهو حديث صحيح بطرقه، وفيه: «وستفترق هذه الأمَّة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة»([9])، والمقصود الأول هم الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

ومن الأدلة أيضًا: ما قال ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “إنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاخْتَارَهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ”([10]).

ومن الأدلة أيضا: المعقول والاعتبار الصحيح، فالمتقرِّر عند عامَّة أهل الإسلام أن الصحابة هم أكمل الأمَّة عقولا، وأبرهم قلوبًا، فكانوا هم الأولى بالاتباع.

3- مدح المؤمنين عمومًا:

ذكر المؤلف هذا النوع من الأدلة والتي فيها مدح للمؤمنين، ووجه الدلالة منها: أن أول المؤمنين هم الصحابة الكرام، فبلا شكّ هم أول من يدخلون في هذه الآيات.

فمما ذكر: قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110]. وهذه الخيرية دليل على صحة ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العقيدة والعمل.

ومن الأدلة: قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، والوسط هم الخيار العدول.

ومن الأدلة أيضا: قَوْله تَعَالَى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78].

4- مدح من يعتصم بالله ويتَّبع الهدى:

ومما ذكر من الأدلة في هذا النوع: قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، فمدحُ الله للمتَّبعين يدخل فيه الصحابة بلا شك.

ومن الأدلة أيضا: قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، ووجه الدلالة: أن الله مدح المعتصمين بالله، والصحابة معتصمون بالله، فهم مهتدون، فوجب اتباعهم.

5- الأمر باتباع الصحابة والاقتداء بهم:

وهذه تختلف عن مدح الصحابة؛ إذ إن هذا النوع من الأدلة يفيد درجة أعلى من مجرد المدح وهي الأمر باتباعهم.

ومما ذكر في هذا النوع: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: “هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”([11]).

ومن الأدلة: حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيري اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة»([12]). وهذا أمر باتباع سبيل الخلفاء الراشدين، والأخذ بما هم عليه من العقيدة والعمل والفهم، وقد تقرر في الأصول: أن الأمر الخالي من القرينة يفيد الوجوب، ففهمهم حجة، والحجة لا يجوز مخالفتها.

ومن الأدلة: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنْ يُطِع الْقَوْمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا»([13])، فَجَعَلَ الرُّشْدَ مُعَلَّقًا بِطَاعَتِهِمَا، فَلَوْ أَفْتَوْا بِالْخَطَأِ فِي حُكْمٍ وَأَصَابَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ لَكَانَ الرُّشْدُ فِي خِلَافِهِمَا، وهو خلاف ما دلَّ عليه هذا الحديث.

فصل:

بعد أنِ انتهى المؤلف من الأدلة وقبل أن يشرع في المسألة الأخيرة -وهي فروع هذه القاعدة- عرج على هذا الفصل الذي نقل فيه نقولات عن علماء الأمَّة تؤكِّد هذه القاعدة، فالقاعدة ليست بدعةً من ابن تيمية أو من تبعه كابن القيم أو محمد بن عبد الوهاب، وإنما هي قاعدة شرعيَّة مستقرَّة معروفة عند علماء الأمة، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفِيتم”([14])، وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة”([15])، ونصَّ على ذلك كثير من العلماء.

المسألة الرابعة: ذكر فروع القاعدة:

هنا بدأ المؤلف أطول مسألة في الكتاب، وهي في ذكر فروعٍ للقاعدة، ويجدر التنبيه إلى أن هذه الفروع كلّها يجمعها أن عليها إجماعَ السلف، فيجب عدمُ الخروج عما قرَّروه، وقد ذكر المؤلِّف أربعًا وخمسين مسألة من فروع هذه القاعدة، وعند التأمّل فيها يمكننا استخلاص موضوعاتها، وهي كالآتي:

1- الأسماء الصفات.

2- التشريع.

3- التبرك والولاية.

4- الإيمان بالملائكة.

5- الإيمان باليوم الآخر.

6- الأسماء والأحكام.

7- الإيمان.

8- الصحابة.

9- الأسباب وأفعال العباد.

10- ما يتعلق بولاة الأمر.

هذا جملةُ ما ذكره المؤلف من موضوعات نقل فيها إجماعات السلف، وسأذكر فيما يلي كل الفروع التي ذكرها باختصار شديد:

الفرع الأول: مذهبُ سلف الأمَّة وأئمتها في باب الأسماء والصفات ينصّ على أننا نثبت لله تعالى كل ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم.

الفرع الثاني: المتقرّر عند سلف الأمّة وأئمتها أن كلَّ ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالواجب فيه أمران: نفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه، الثاني: إثبات كمال الضد له.

الفرع الثالث: اتفق سلف الأمة رحمهم الله تعالى على أن معاني الصفات معلومة، وأن كيفياتها على ما هي عليه مجهولة.

الفرع الرابع: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن باب الأسماء والصفات لله تعالى من الأبواب التوقيفية على النص، فلا مدخل للعقول فيها.

الفرع الخامس: اتفق سلف الأمة وأئمتها على اعتماد طريقة الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- في الإثبات المفصل والنفي المجمل.

الفرع السادس: اتفق سلف الأمة وأئمتها على إثبات الرؤية يوم القيامة.

الفرع السابع: اتفق سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم على الحق من أهل السنة إلى زماننا هذا أن مما يوصف الله تعالى به: أنه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته.

الفرع الثامن: اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الألفاظ المجملة المبهمة التي تحتمل الحق والباطل أنها لا تُرَدّ مطلقًا ولا تُقبَل مطلقًا، وإنما يستفصل عن معانيها.

الفرع التاسع: اتفق الأئمة على أن التشريع أمر موقوف على الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، فلا مدخل لغير ذلك في التشريع.

الفرع العاشر: اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن القرآن كلام الله تعالى، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه كلام الله تعالى حقيقة حروفه ومعانيه.

الفرع الحادي عشر: اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله تعالى يوصف بالعلو المطلق في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله.

الفرع الثاني عشر: أجمع أهل السنة والجماعة على أن لله تعالى يدين لائقتين بجلاله وعظمته، وأنهما من صفاته الذاتية، وأجمعوا على أن له وجهًا لائقا بجلاله وعظمته، وأجمعوا على أن الله تعالى موصوف بالأصابع والقدم والساق.

الفرع الثالث عشر: سلف الأمَّة وأئمّتها رحمهم الله تعالى يفهمون أن ما أضافه الله تعالى لنفسه من الأشياء لا يخلو من حالتين: إما إضافة شيء لا يقوم بذاته، وإما إضافة شيء يقوم بذاته، فما لا يقوم بذاته فصفة، وما يقوم بذاته فإضافة تشريف.

الفرع الرابع عشر: أن روح الآدمي مخلوقة باتفاق. وقد أطال فيها وفي تفسير قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85]، وبيان كون عيسى عليه السلام روحًا من الله، وأن المراد إضافة تشريف، لا إضافة صفة.

الفرع الخامس عشر: اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن التبرك بالذات مما خصّ به ذات النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز التبرك بذات أحد من الخلق إلا بذاته صلى الله عليه وسلم.

الفرع السادس عشر: أجمع سلف الأمة على أن الأولياء لهم المقام الرفيع عند الله تعالى، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأجمع السلف على أن أولياء الله تعالى هم المؤمنون المتقون.

الفرع السابع عشر: اتَّفق السّلف -بل المسلمون جميعًا- على علوّ منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وأنه أعظم الناس جاهًا عند الله تعالى، ولكن سلف الأمّة رحمهم الله تعالى مع إقرارهم بكل ذلك لم يفهموا من ذلك تجويز التوسّل بذاته إلى الله تعالى، وإن ورد لفظ الوسيلة في كلام الصحابة فإنما يراد به طلب الدعاء لا غير.

الفرع الثامن عشر: اتفق المسلمون على وجوب الإيمان بالملائكة والجن، وأنهما صنفان من أصناف ما خلقه الله تعالى.

الفرع التاسع عشر: أجمع أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى على أن ما ورد به الدليل مما سيكون في اليوم الآخر أنه حقّ على حقيقته، وأنه لا يجوز إخراج شيء منه عن مدلوله الصحيح، فسؤال القبر ونعيمه وعذابه حق ثابت.

الفرع العشرون: انعقد إجماع سلف الأمة رحمهم الله تعالى على أن مرتكب الكبيرة في الدنيا لا يكفر الكفر المخرج عن الملة، ولا يكون معه كمال الإيمان، بل هو مؤمن وفاسق.

الفرع الحادي والعشرون: اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن حقيقة الإيمان مركبة من اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح.

الفرع الثاني والعشرون: أجمع سلف الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وأجمَعوا على أنها مع ذلك من كسب العبد وتحصيله.

الفرع الثالث والعشرون: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الله تعالى معنا بمعيتين: معية عامة ومقتضاها العلم والإحاطة والهيمنة، ومعية خاصة ومقتضاها النصر والتأييد والتوفيق والحفظ، وكلها حقّ على حقيقتها، وسلف الأمَّة لا يفهمون من معية الله تعالى لنا أنه مختلط بالخلق أو حال فيهم، أو أنه داخل هذا العالم، أو أنه هو عين وجود هذا العالم.

الفرع الرابع والعشرون: وهذه القاعدة الطيّبة نافعة حتى في مسائل التفسير، فكل تفسير على غير فهم السلف باطل.

الفرع الخامس والعشرون: واختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في الجنة التي دخلها آدم عليه السلام، وأبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى بحث هذه المسألة في الفتاوى، وتوصل إلى أن السلف رحمهم الله تعالى لا يفهمون من لفظ الجنة التي أدخلها أبونا آدم عليه السلام إلا أنها جنة الخلد التي في السماء، وأن من قال بغير هذا القول فإنما هو شيء ساقه من أهل البدع من غير تمحيص.

الفرع السادس والعشرون: أجمع سلف الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى على أنه قد يجتمع في الشخص الواحد موجب الثواب وموجب العقاب، فيثاب من جهة، ويعاقب من جهة.

الفرع السابع والعشرون: قال أبو العباس رحمه الله تعالى: “وَقَدْ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَسَائِرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بأنبياء”([16]).

الفرع الثامن والعشرون: أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]، إنما هي في حياته فقط لا بعد مماته.

الفرع التاسع والعشرون: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الله تعالى يتكلَّم متى شاء، كيفما شاء، وأن كلامه بحرف وصوت يسمعه من يشاء، وأنه قديم النوع حادث الآحاد، وكل ذلك ثابت بالأدلة من الكتاب والسنة.

الفرع الثلاثون: لقد قرر سلف الأمة أن زيارة القبور مشروعة، ولكن قيَّدوا مشروعيتها بكونها يراد بها الاعتبار وتذكر الموت، والدعاء للأموات، واتباع السنة الثابتة.

الفرع الحادي والثلاثون: لقد فهم سلف الأمة رحمهم الله تعالى من قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار»([17]) حرمة الكذب عليه كلّه.

الفرع الثاني والثلاثون: اعلم -رحمك الله تعالى- أن كلَّ تفسير منقول عن الرافضة لآيات القرآن يتضمَّن قدحًا في الصحابة، أو طعنًا في إيمانهم، أو أنهم ليسوا على الهدى، أو أن عليًّا رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن واحدةً من أمهات المؤمنين قد وقعت في السوء، فهو تفسير باطل باطل باطل.

الفرع الثالث والثلاثون: كلّ آية يستدلّ بها المعطِّل على تعطيله لأسماء الله تعالى وصفاته فاعلم أنه استدلال باطل؛ لأنه بني على مخالفة فهم السلف.

الفرع الرابع والثلاثون: لقد اتفق أهل السنة رحمهم الله تعالى على أن حديث الولي من أحاديث الصفات، أعني به قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: «ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها، ولئن استعاذني لأعيذنَّه، ولئن سألني لأعطينه»([18]).

الفرع الخامس والثلاثون: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: أي رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته وجدتني عنده؟ ويقول: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: أي رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: يقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاءك يستطعمك فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي؟»([19]).

وقد أجلب أهل البدع على هذا الحديث بخيلهم ورجلهم، وظنوا أنه يتضمَّن وصف الله تعالى بالنقائص والعيوب، فحرَّفه بعضهم، وأنكر صحَّته بعضهم، وما ذلك إلا لأنهم فهموا منه ما لا يليق بالله تعالى، وخالفوا سلف الأمة في هذا الفهم.

الفرع السادس والثلاثون: أجمع السلف رحمهم الله تعالى على الإيمان بكرامات الأولياء، وأنها حق ثابت، إلا أنهم رحمهم الله تعالى يتثبَّتون فيها تثبّتًا كبيرًا، ولا يقبلون دعواها من كل أحدٍ، بل لا بد من أن يكون من أهل الإيمان والتقوى.

الفرع السابع والثلاثون: ذهب سلف الأمة إلى أن الاستثناء في الإيمان جائز، أي: يجوز للعبد أن يقول: “أنا مؤمن إن شاء الله”، ولا يفهم أهل السنة رحمهم الله تعالى من تجويز ذلك أنه من الشك في الإيمان.

الفرع الثامن والثلاثون: أجمع سلف الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى على أن النطق بالشهادتين هو أوَّل واجب على المكلَّف الذي يريد الدخول في الإسلام.

الفرع التاسع والثلاثون: أجمع سلف الأمة وأئمتها رحمهم الله تعالى على أن المعاد يوم القيامة يكون لهذه الأجساد التي كانت في الدنيا، فالله تعالى يعيد عين هذه الأجساد.

الفرع الأربعون: أجمع أهل السنة على أن للسحر حقيقةً، وأنه لا يؤثر إلا بإذن الله تعالى الكوني القدري.

الفرع الحادي والأربعون: أجمع سلف الأمة على أن للسبب تأثيرًا، لكنه تأثير بقدرة الرب جل وعلا وإرادته ومشيئته، فالسبب مؤثر لا بذاته، وهذا باتفاق أهل السنة.

الفرع الثاني والأربعون: أجمع سلف الأمة على بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية، وأنها من الحجج الداحضة التي لا تنفع صاحبها يوم القيامة، ولا تسمن ولا تغنيه من العذاب يوم القيامة.

الفرع الثالث والأربعون: أجمع سلف الأمة وأئمتها على حرمة الخروج على حاكم الزمان، وإن ظلم وإن جار، وإن أخذ المال واعتدى، إلا أن نرى كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، مع غلبة الظَّنّ أن ننتصر عليه بلا مفسدة أعظم من المصلحة المرجوَّة من إبعاده.

الفرع الرابع والأربعون: أجمع سلف الأمة على أن الجهاد والحج والجمعة والجماعات تقام خلف الأئمة أبرارا كانوا أو فجارا، وأنه لا يتخلف عن الصلاة معهم ولا إقامة الجهاد وراءهم إلا مبتدع مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، وهذا باتفاق أهل السنة والجماعة.

الفرع الخامس والأربعون: أجمع سلف الأمة على أن التكفير العام لا يستلزم انطباقه على أفراده بالعين إلا بعد توفُّر الشروط وانتفاء الموانع.

الفرع السادس والأربعون: لقد انعقَدت كلمة عامَّة أهل الإسلام على أن الدين الإسلامي دين صالح لكل زمان ومكان، وأنه لا صلاح لهذا الكون ولا فلاح له ولا بر ولا خير يكون فيه إلا بالإسلام، وهذا لا بد من الإيمان به، وأنه لا يصلح أن يخلو منه زمان أو مكان.

الفرع السابع والأربعون: اتفق سلف الأمة -فيما أعلم- على إثبات دخول الجن في الإنس، ولا أعلم بينهم نزاعا في ذلك.

الفرع الثامن والأربعون: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن اليهودي لا يجوز له بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتعبد لله تعالى على مقتضى يهوديته، وأجمعوا على أن النصراني بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لا يجوز له أن يتعبد لله تعالى على مقتضى نصرانيته، بل يجب عليهم أن يؤمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم ويتَّبعوه.

الفرع التاسع والأربعون: أجمع أهل السنة على أن دراسة المنطق ليست بشرط في فهم عقيدة الإسلام، بل دراسته في الحقيقة قد تكون سببا من أسباب الضلال والتيه والحيرة والشكوك وكثرة الاضطراب.

الفرع الخمسون: أجمع سلف الأمة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُرى بعد موته في اليقظة، بل قد يُرى منامًا، ومن رآه في المنام فكأنما رآه على الحقيقة.

الفرع الحادي والخمسون: أجمع سلف الأمَّة على أن التلفظ بالنية جهرًا قبل العبادات كالصلاة والصوم والطهارة ونحوها أنه من البدع.

الفرع الثاني والخمسون: عامة سلف الأمة -فيما أعلم- أن البدع في الدين كلها ضلالة، ولا أعلم عن أحد من الصحابة أنه حسَّن شيئا من البدع في الدين، وأما قول عمر: “نعمت البدعة هذه”([20]) فإنما يريد بها البدعة اللغوية، لا الشرعية.

الفرع الثالث والخمسون: ما يقوله أهل البدع من أن تعدد الصفات وتعدد الأسماء يفضي إلى تعدد الواجب -أي: واجب الوجود وهو الله تعالى- هذا قول باطل، باتفاق سلف الأمة.

الفرع الرابع والخمسون: اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة والنار والعرش وغير ذلك.

هذا مجموع ما ذكره المؤلف من تفريعات على هذه القاعدة.

خامسًا: أبرز مميزات الكتاب:

1- صغر حجم الكتاب مع أهميته، وسهولة عبارة المؤلف.

2- المؤلف جمع مادة علمية جيدة من أدلة اعتماد فهم السلف.

3- في الكتاب مادة علمية جيدة في أقوال السلف حول اعتماد فهم السلف.

4- الفروع التي ذكرها يمكن تسميتها بإجماعات السلف العقدية؛ إذ إن ما ذكره كله مما أجمع عليه السلف، وهي مادة علمية جيدة لمن أراد الاطلاع على ما أجمع عليه السلف، وحتى المسألة الوحيدة التي ذكر أن أهل العلم اختلفوا فيها -وهي: الجنة التي هبط منها آدم- رجح أن مذهب السلف في هذه المسألة هي أنها جنة الخلد، وليس لهم قول آخر.

سادسًا: أبرز الملاحظات:

الكتاب اشتمل على عدد من الملاحظات من وجهة نظرنا، والتي قد تكون وجهات نظر لا غير، ويمكن أن يستفيد منها المؤلف في الطبعات القادمة، وهي:

1- يلاحظ اعتماده بشكل كبير على كلام ابن تيمية رحمه الله، ولا شك أن ابن تيمية رحمه الله من أكثر المتأخرين ضبطا لمذهب السلف، ولا يخرج عنه اتباعا لآثارهم أو تخريجا على كلامهم، إلا أنه كان من الأنسب عند ذكر الفروع -ما دام أن المؤلف يتحدث عن إجماعات السلف- أن يأتي بنصوص من السلف تؤكد المسألة التي ذكرها المؤلف، خاصة وأن كلام السلف في المسائل التي ذكرها موجود متوافر ولله الحمد، وننبه إلى أنه لم يفعل ذلك في كل الفروع التي ذكرها؛ ولكن جلُّ الفروع اعتمد فيها ونقل فيها كلام ابن تيمية رحمه الله.

2- عدم ترتيب الأدلة، فالمؤلف حينما استعرض أدلة اعتماد فهم السلف لم يرتبها ترتيبا منطقيا، فكان له أن يضع الآيات أولا ثم الأحاديث ثم الآثار، أو يضع الأقوى والأكثر وضوحا أولا ثم ما بعدها، لكن يلاحظ أن يأتي المؤلف بآيات ثم أحاديث ثم آيات ثم آثار وبعد الآثار آيات وأحاديث، بل من الملاحظ أنه داخل الفصل الواحد قد ينقل عن أحد أتباع التابعين ثم ينقل عن صحابي وهكذا، واعتماد طريقة واحدة يسهل على القارئ الوصول إلى الغاية المرجوة، وأثناء عرضنا للأدلة قسمناها تقسيما موضوعيا قد يكون حسنا.

3- عدم الترتيب في الأدلة يلاحظ أيضًا في ذكر الفروع، فإن الفروع لا يُدرى عن طريقة ترتيبها، فقد يذكر المؤلف فروعا تتعلق بالصفات، ثم يتحدث عن موضوعات أخرى، ثم يرجع للصفات وهكذا، ونرى أنه من الأنسب والأجمل أن يرتبها ترتيبا موضوعيا، وقد فعلنا ذلك عند عرضنا للفروع.

4- هناك نوع تكرار يلاحظه القارئ في بعض الفروع، وكان من الممكن دمجها وذكرها مرة واحدة.

وأخيرًا: هذه قاعدة مهمة من قواعد أهل السنة والجماعة، حرص المؤلف على إظهارها، ورد من يقول بخلافها بطريقة تقرير الحق دون الرد المباشر، فإن تقرر بالأدلة أن هذا هو الحق ظهر بطلان ما عدا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه البخاري (3651)، ومسلم (2533).

([2]) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).

([3]) أخرجه مسلم (1718).

([4]) انظر: تفسير الطبري (19/ 482).

([5]) صحيح البخاري (2652).

([6]) أخرجه مسلم (2531).

([7]) قال الهيثمي في المجمع (10/ 16): “رواه البزار، ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف”، وقال ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار (2/ 723 -ترقيم الشاملة-): “هو أحد ما أنكر على عبد الله بن صالح”، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (6123).

([8]) أخرجه البخاري (3673)، ومسلم (2540).

([9]) أخرجه أحمد (16937).

([10]) أخرجه أحمد (3600).

([11]) انظر: تفسير الطبري (14/ 559).

([12]) أخرجه أحمد (17144)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وقال الترمذي: “حديث حسن صحيح”.

([13]) أخرجه مسلم (681).

([14]) أخرجه الدارمي (211).

([15]) أصول السنة (ص: 14).

([16]) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص: 89).

([17]) أخرجه البخاري (110)، ومسلم (3).

([18]) أخرجه البخاري (6502).

([19]) أخرجه مسلم (2569).

([20]) أخرجه مالك في موطئه (1/ 109) برقم (279)، والبيهقي في السنن الصغير (1/ 294) برقم (816).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

مفهوم الطائِفة بين القرآن والإِسقاطات الخاطئةِ

استخدَم القرآنُ الكريم لفظَ الطائفة استخدامًا لغويًّا، فلم يحدِّد لها معنًى يخصُّها تكون به سلبيَّة أو إيجابيَّة، وإنما جُلُّ استخدامِه لها أنها تعني الجماعةَ منَ الناس اجتَمَعُوا على الخير أو على الشَّرِّ، ويأتي المدحُ أو الذَّمُّ بناءً على طبيعة الاجتماع. ويمكن إجمالُ معاني الطائفةِ في القرآن بحسب الاستخدام في ثلاثة معان: المعنى الأول: إطلاق الطائفة […]

مقوِّمات السلفية المعاصرة.. وقفة مع متَّهمي السلفيّة بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    تمهيد: لم تزل الأصواتُ تعلو بنقدِ السلفية واتهامها حتى صارت مزعجةً لمن صدرت عنهم، وصارت أقرب إلى الصُّراخ والعويل منها إلى صوتِ العلم والعقل، وآل الناسُ في السلفية إلى أمر مريج، وقولٍ مختلف لا يتميَّز فيه حقٌّ من باطل، وحَسْبُ الناكثين عن الحقِّ المصرِّين على الحنث العظيم أن […]

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017