الجمعة - 29 جمادى الأول 1441 هـ - 24 يناير 2020 م

التعريف بكتاب: نجد قبل الوهابية.. الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية إبان القرون الثلاثة التي سبقت الحركة الوهابية

A A

واحد من أكثر التحالفات نجاحًا هو التحالف الذي قام بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود، كما أن واحدة من أكثر الدعوات التي كتب الله لها القبول وانتشرت شرقا وغربًا هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولو لم يكن من حسناتها إلا أنها حرَّكت الماء الراكد وأرجعت الأمة إلى التفكّر والتعقّل والتدبّر لكفتها.

وهذه التجربة التي خاضها الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود في إنشاء دولة مركزية إسلامية في منطقة ظلَّت ملتقى النزاعات لقرون طويلة قد شدَّت اهتمام المؤرِّخين والباحثين، فظهرت عدَّة دراسات تحاول فهم الجذور التاريخية لهذه الدولة الناشئة على أسُس دينيّة، ومن هذه الدراسات القيِّمة هذه الدراسة التي بين أيدينا، والتي يحاول المؤلف أن يقدم فيها رأيَه حول الظروف التي دفعت بظهور الدعوة ومن ثم الدولة، فلم تكن الدراسة مجرَّدَ سرد تاريخيٍّ، وإنما تحليل وربط في واحد من أشح الموضوعات من حيث المصادر؛ لذلك احتاج الباحث أن يستعين بمصادر متنوعة سنبيِّنها من أجل فهم تلك المنطقة. ومما ينبئك بصعوبة الدراسة أن هذه المنطقة ليست منطقةً مركزيَّة في العالم الإسلامي، فالخلافة بعيدة عنها، والمقدَّسات الإسلامين كالحرمين الشريفين أيضًا بعيدة عنها، كما أنها لا تتمتَّع بثروة زراعية أو صناعية أو سمكيَّة، فلم يهتمَّ بها عامَّة الناس، ومن هنا صارت دراسة هذه المنطقة من خلال تلك المصادر الشحيحة بالغة الصعوبة، ورغم ذلك استطاع المؤلِّف أن يقدِّم لنا مقاربةً تاريخيةً، وحلَّلها تحليلًا منطقيًّا ليخرج لنا بهذا الكتاب القيِّم، والذي سنستعرضه في هذه الورقة.

أولا: بطاقة الكتاب:

العنوان: نجد قبل الوهابية.. الظروف الاجتماعية والسياسية والدينية إبان القرون الثلاثة التي سبقت الحركة الوهابية.

المؤلف: د. عويضة بن متيريك الجهني، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة الملك سعود.

ترجمة: إحسان زكي.

والكتاب عبارة عن رسالة قدَّمها الدكتور عويضة بن متيريك الجهني لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة واشنطن.

الطبعة: جسور للترجمة والنشر، الطبعة الأولى، سنة 2016م.

ثانيًا: موضوع الكتاب:

يتَّضح من خلال العنوان أن موضوعَه دراسة نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بثلاثة قرون، والمؤلِّف لم يكتفِ بذلك، بل كتب سردًا تاريخيًّا عن نجد، بدأه من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقبة، فالكتاب لن يعطيَك تاريخَ هذه القرون الثلاثة فحسب، بل سيعطيك لمحةً كاملةً عن تاريخ نجد قديمًا وحديثًا، كما أنَّه لا يكتفي بالسردِ التاريخيِّ، بل يضيف إلى ذلك تحليلَه الشخصيَّ والربطَ بين القراءات المختلفة للواقع من المصادر التي اطَّلع عليها، ليخرج لنا بصورة قريبةٍ من الواقعِ الذي عاشته نجد.

وخلاصة الأمر: أن الكتاب قد درس تاريخ نجد، والهجرات منها وإليها، والنزاعات التي حصلت فيها داخليًّا أو خارجيًّا، وكذلك العوامل البيئيَّة لها، ومدى إسهامها في حركة الاستيطان أو الهجرة.

ثالثًا: أهمية الكتاب:

لا شكَّ أنَّ معرفة الخلفيَّة السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة لأيِّ دعوة أو حركةٍ دينيَّة أمر مهمٌّ للغاية، فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا شكَّ أنها قد نشأت وانتشرت لعوامل كثيرة، منها العامل السياسيُّ والعامل الاجتماعيُّ الممتدَّان من قرون سابقة، والمؤلف هنا يبحث عن جذور نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ ليصل في الأخير إلى العامل الذي يراه الأقربَ إلى الصوابِ لنشأة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مع العلم أن الكتابَ ليس موجَّهًا أساسًا إلى دراسة عوامل ظهور الدعوة، وإنما إلى دراسة الخلفيَّة التاريخيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة لها، وهو حقل معرفيٌّ مهمٌّ في أيّ علم، قلَّ من يلجُه ويسبر أغواره.

رابعًا: عرض إجمالي لمحتوى الكتاب:

قسم المؤلف كتابه إلى: تمهيد، ومقدمة، وستة فصول، وخاتمة.

تحدث في الفصل الأول عن الخلفيَّة الجغرافيَّة والبيئيَّة لنجد، فتحدَّث عن أقاليم نجد ومناخها بشكل عام.

وفي الفصل الثاني تحدَّث المؤلف عن الخلفية التاريخيَّة لنجد من قبل الإسلام، فكتب سردًا تاريخيًّا حول سكَّان اليمامة، ثم حكم بني الأخيضر، ثم سيطرة بدو بني لام في نجد.

وفي الفصل الثالث تحدَّث عن بدو نجد ما بين عامي 850هـ و1150هـ، عن جماعات البدو الرحل إلى نجد واستيطانهم.

والفصل الرابع: سكان نجد المستقرون ما بين 850هـ و1150هـ، تحدث فيه عن خصائص المجتمع المستقرّ النجديّ الاجتماعيَّة والسياسيَّة، وإعادة استيطان نجد بعد الهجرة منها، كما تحدَّث عن هجرة النجديِّين.

والفصل الخامس: نمو التعليم الديني في نجد (900هـ-1200هـ)، تحدَّث فيه المؤلف عن اتصال العلماء النجديين بالشاميين والمصريين، وعن مراكز التعليم في نجد، وكيف ازدهرت في فترة الاستقرار السياسيّ.

في الفصل السادس تحدَّث المؤلف عن الظروف السياسيَّة والاجتماعيَّة والدينيَّة في نجد بين عام 850هـ و1150هـ، فتحدَّث عن العلاقات بين سكان نجد البدو والمستقرين، والظروف الدينية ومجتمع نجد، وتحدَّث فيه عن نشوء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

خامسًا: العرض التفصيلي لمحتوى الكتاب:

المقدمة:

في منتصف القرن الثاني عشر الهجري تأسَّست دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وسمَّوا أنفسهم بالموحِّدين، وعُرفوا في الخارج بالوهابيِّين، وسمِّيت حركتهم بالحركة الوهابيَّة، وتنادي هذه الدعوة بعودة المسلمين إلى النقاء والتعاليم الأصلية للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ومن أبرز مميِّزات هذه الدعوة أنها أسهمت في توحيد الجزيرة العربية وفرض السلام والنظام على القبائل، وذلك للمرة الأولى منذ عهد الخلفاء الراشدين.

ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب قد تمَّت دراستها بشكلٍ مفصَّل وعبر دراسات مطوَّلة، إلا أن تاريخ نجد قبل الدعوة لم يخضع للدراسة، ولم يكن نجد مركزًا للتعلّم الديني، ولم تكن هناك دراسة لتحرِّي العلاقة بين الظروف الدينيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة للمجتمع في نجد، فـ”هذا الكتاب هو دراسة للظروف الاجتماعيَّة والدينيَّة والسياسيَّة في نجد إبان القرون الثلاثة التي سبقت الحركة الوهابية… وهو محاولة لفهم البيئة والظروف التي نمت فيها هذه الحركة، وتحديد مدى إسهام تلك الظروف في ظهورها، وعلى الرغم من ذلك فهو ليس دراسة تتناول الحركة الوهابية في حدِّ ذاتها”([1]).

فالكاتب يبيِّن بوضوح أنه ليس هدفه دراسة الدعوة نفسِها، وإنما دراسة ما قبل الدعوة لمعرفة الظروف التي أثَّرت في نشوء الدعوة أو انتشارها، ومعرفة طبيعة المجتمع الذي ظهرت فيه الدعوة، ففي الكتاب “يتمّ التحقيق في ثلاث ظواهر بارزة؛ بهدف إظهار التغيرات التي مرَّ بها المجتمع النجديُّ في فترة ما قبل الوهابية:

1- هجرة عدد من جماعات القبائل الرُّحَّل إلى نجد من الغرب والجنوب الغربي، والضغط الذي مارسته تلك الجماعات على جماعات الرُّحَّل القديمة فيها.

2- مناقشة قضايا نموّ السكان المستقرين، وهجرة عدد من الجماعات المستقرة إلى مناطق ذات كثافة سكانية أقلّ، وتأسيسها لمستوطنات جديدة.

3- تحرِّي نموِّ التعلّم الديني في نجد، والبحث في أسبابه إبان الفترة الممتدَّة من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر الهجريَّين”([2]).

مصادر المؤلف:

واحدة من أكبر مميزات الكتاب -وفي نفس الوقت واحدة من أكثر الصعوبات التي واجهها الباحث- ندرة المصادر، فهي ميزة من ناحية أنه تكلَّم عن منطقة قلَّ من يَتحدَّث عنها، والصعوبة من ناحية ندرة المصادر وقلَّتها، ولذلك اضطر المؤلف إلى الرجوع إلى مصادر تعتبر غير تاريخية، ولكن يستفيد منها في إخراج التصوُّر العام للزمان والمكان محلّ الدراسة، وسبب ندرة المصادر يرجعه المؤلف إلى أنَّ منطقة نجد من القرن الثالث الهجري قد أُهملت، وتمَّ عزلها عن الحياة السياسيَّة والثقافيَّة([3])، بل حتى المصادر القليلة الموجودة بينها تضارب قد يصل إلى حدِّ التناقض؛ مما يضطرُّه إلى الاعتماد على القرائن والكتب الشعبية ككتب الأدب وغيرها؛ لترجيح رواية على أختها، وبقي الأمر هكذا حتى ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأثمرت حركة علميَّة قوية في نجد، فـ”الحركة الوهابية التي أحدثت تغييرات صارمة في عدد من جوانب حياة أهلِ نجد ومظاهرها بحلول نهاية القرن الثاني عشر الهجري قد أسهمت أيضًا في تنميةِ عمليةِ كتابة التدوينات التاريخيَّة وتطويرها في هذه المنطقة”([4]). وذكر أن من أقوى المصادر لدراسة الدعوة وما قبلها: تاريخ ابن غنام، فلقد كان المؤلف شخصيةً معاصرةً شاهِدة على أغلب الأحداث في تلك المنطقة، كما حفظ كمية كبيرة من المراسلات التي كان يقوم بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب([5])، أما عمل ابن بشر فيعدُّ هو التدوين المعياري والأكثر تفصيلًا لتاريخ الوهابيَّة، والأكثر مساعدة في هذه الدراسة هي المعلومات والوقائع المؤرخة المتضمنة في هذا التاريخ، أي: الأحداث التي وقعت في نجد قبل ظهور الوهابيين([6]).

والمصادر التي رجع إليها المؤلف هي:

أولًا: مصادر محلِّيَّة قبل الوهابية من علماء محلِّيِّين قاموا بتدوين مشاهداتهم، مثل مدونة أحمد بن بسام، وتاريخ المنقور، وابن ربيعة، وابن يوسف، وابن عباد، وابن منصور.

ثانيًا: المصادر الوهابيَّة المحليَّة، وهي تاريخ ابن بشر وابن غنام وابن عيسى والبسام.

ثالثًا: مصادر النّسب المحلية، مثل مصادر حمد بن لعبون، ومحمد البسام التميمي.

رابعًا: المصادر الشرعيَّة، أهمها مجموع عبد الرحمن أبا بطين، وأحمد المنقور.

خامسًا: المصادر الخاصة بالتراجم، مثل محمد بن حميد في (السحب الوابلة)، وعبد الله آل بسام في (علماء نجد خلال ثمانية قرون).

سادسًا: المعاجم الجغرافية، مثل: (صحيح الأخبار) لمحمد بن بليهد، و(معجم اليمامة) لعبد الله بن خميس، و(بلاد القصيم) لمحمد بن ناصر العبودي، و(عالية نجد) لسعد بن جنيدل.

سابعًا: مصادر كتبت خارج نجد، مثل: لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب، وكيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.

ثامنًا: مصادر غير عربية وتدوينات الرحالة، وهي:

1- وثائق حكومة بومباي ووثائق شركة الهند الشرقية.

2- كتب هارفرد جونز بريدجز.

3-كتاب للرحالة الدانماركي كارستن نيبور.

4- التدوين الأكثر قيمة هو سجل جون لويس بوركهارت، حيث كتب تدوينتين: رحلات إلى شبه الجزيرة العربية، وملاحظات عن البدو والوهابيين.

5- تدوينات الرحالة فوستر سادلير، وكارلو غوارماني، وويليام بلغريف.

تاسعًا: الشعر الشعبي كمصدر تاريخي، من أهمها شعر راشد الخلاوي الذي تم جمعه على يدي عبد الله بن خميس.

الفصل الأول: الخلفية الجغرافية والبيئية:

في هذا الفصل يتحدَّث المؤلف عن جغرافيا نجد، وعن التكوين الأرضي لنجد، وما يحيط بها من صحراء أو أودية أو هضاب، ثم عرج على أقاليم نجد المستوطنة، فتحدث عن سدير، والمحمل، والشعيب، والعارض، والخرج، والفرع، والأفلاج، ووادي الدواسر، والوشم، وإقليم القصيم، وجبل شمر.

وعند بيان جغرافيا المنطقة كان لا بد أن يبيِّن مناخها؛ إذ إنه أحد العوامل الكبرى لعمليات الهجرة والاستيطان، وقد “تحكَّمت الظروف المناخية وسقوط المطر في حياة الناس في نجد إلى الحدّ الذي أعطى في مؤرخيهم اهتمامًا خاصًّا للأحداث المناخية… وقد تم تسجيل سبع موجات كبرى من القحط خلال القرن الحادي عشر الهجري، بينما سجلت ثماني موجات في القرن التالي”([7]). وبيَّن المؤلف كيف أن تلك الظروف المناخية الصعبة أثرت حتى في طبيعة حياة النجديين؛ حيث كانت الحياة قاسيةً وغير مستقرة، ويؤثر القحط على تحويل مستوطنة أو إقليم أو حتى بلد بأكمله إلى أرض قاحلة جرداء([8]).

الفصل الثاني: خلفية تاريخية:

هذا الفصل بحثٌ في الخلفية التاريخية لمنطقة نجد من عصور ما قبل الإسلام حتى عصر الدراسة، وهو مما يميِّز الكتاب؛ إذ قلَّ أن تجد كتابًا يجمع تاريخَ نجد طوال هذه القرون، وفي هذا الفصل يتتبَّع المؤلف التطوُّر السياسيَّ والديمغرافيَّ في نجد خلال القرون التسعة الأولى من العصر الإسلامي، ودراسة هذا التاريخ ليس ترفًا علميًّا، وإنما لإيجاد أرضيَّة ربما يتمُّ من خلالها دراسة الظروف التي سادَت في القرون الثلاثة التالية والتي هي محلُّ البحث([9]).

بدأ المؤلف هذا الفصل ببيان أكبر مستوطنات نجد وهي اليمامة، فتحدَّث عن تاريخها قبل الإسلام ومن سكنها، ثم تحدَّث عنها حين بزوغ الإسلام، وكان من أوائل من سكنها من قبل عصر الإسلام: بنو حنيفة، وبعد أن جاء الإسلام وأسلموا بقيت البلدة تحت حكم الدولة الإسلامية حتى ظهر منهم نجدة بن عامر الحنفي الخارجي بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سنة 41هـ، وفي عام 65هـ خرج نجدة ببني حنيفة على ولي أمر المسلمين، فهزم بني كعب، واستولى على الفلج، وبدَا نجدة خصما للسلطة السياسية العليا للإسلام، إلا أنه فيما بعد أهملت السلطة المركزية الإسلامية -متمثِّلة في السلطة العباسية- البلادَ النائية كنجد واليمامة، وبقي سلطتها على الحجاز، والجدير بالذكر أن هذه المنطقة قبعت أيضا تحت حكم القرامطة ردحًا من الزمن، ويذكر أحد الرحالة أنه مرَّ باليمامة في حدود عام 443هـ، وكان أمراؤها من العلويِّين، ومع ذلك “كانت نجد مكتظَّة بالسكان ومزدَهرة، وربما كانت اليمامة هي أكبر وأقوى مجتمع مستوطِن في الجزيرة العربية، بغضِّ النظر عن اليمن”([10]).

الفصل الثالث: بدو نجد (850هـ-1150هـ):

من هذا الفصل بدأ المؤلف يدخل في صلب الموضوع، وهنا يستعرض التطوُّر الذي مرَّ به البدو من سكان نجد من القرن التاسع إلى منتصف الثاني عشر، ويتحدَّث بشكلٍ عامٍّ عن الجماعات التي كانت موجودة في نجد أو حتى الجماعات القبلية التي هاجرت إليها واستوطنتها، وقبل أن يدخل المؤلف في بيان هذا قدَّم بمقدِّمة ذكر فيها الظروف المناخية والبيئية لنجد في هذه الفترة، وأهمّ ما تحدَّث فيه المؤلف هو الهجرات التي شهدتها نجد، حيث كانت هذه الفترة فترة مضطربةً، وشهدت نجد هجراتٍ واضحةً قامت بها الجماعات القبلية البدويَّة، والهجرات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالظروف المناخية القائمة في نجدٍ، ولتحليل الأحداث المناخية في نجد قسم المؤلف زمنَ الحقبة التي تتناولها الدراسة إلى جزأين:

الجزء الأول: من 850هـ إلى 1000هـ.

الجزء الثاني: من 1001هـ إلى 1150هـ.

بعد أن تحدَّث المؤلِّف عن أهمِّ أسباب الهجرة بدأ يتحدَّث بشكلٍ تفصيليٍّ عن جماعات البدو الرحَّل، فذكر أن القبائل التي كانت مسيطرةً على نجد من القرن السابع الهجري حتى العاشر هي: بنو لام، وآل مغيرة، وآل فضل. إلا أن المصادر ذكرت جماعاتٍ أخرى من المفترض أنها قد هاجرت إلى نجد واليمامة وهي: زعب، وسبيع، والسهول، وآل عائذ. وتحدَّث المؤلف عن هذه القبائل الأربع، ومتى وصلت إلى يمامة، ومدة نفوذها فيها، ثم بدأ في موضوعه الأساسي وهو هجرة البدو الرحَّل إلى نجد خلال هذه الحقبة.

والقارئ للتاريخ النجديِّ يلحظ أمرًا مهمًّا، وهذا الأمر الذي ذكره المؤلِّف هنا يشكِّل النتيجةَ النهائيةَ التي أسهمت بشكلٍ مباشرٍ في قبول الناس لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو أنَّ البدوَ الرحَّل من عنزة والظفير ومطير وبني خالد والدواسر وقحطان والعجمان وآل مرة، كل هذه الجماعات دخَلت في صراعات مع جماعات أخرى، وكان السيطرة على نجد وما حولها لا تتمخَّض لقبيلةٍ فترةً طويلة، والمؤلِّف يلخِّص هذا كلَّه ويقول: “علينا أن نأخذَ بالاعتبار خاصيَّةً واحدةً مهمَّة في تكوين الجماعة القبلية في الجزيرة العربية… وهي أنه لا توجد جماعة قبليَّة واحدة حافظَت قطّ على تماسكها وبسطِ سيطرتها في نجد لفترة طويلة من الزمن، فلقد ظهرت جماعات بدوية بصورةٍ دوريّة في المشهد النجدي… جدير بالذكر أنه في معظم الأحيان كانت هناك أكثر من جماعة قبلية تدَّعي الهيمنة والحقَّ الحصريَّ في الاستيلاء على المراعي الجيدة”([11]). وغياب الأمن والسِّلم في المنطقة يجعل الناس متعطِّشين لهما، وهو ما تحقِّقه الدعوة كما نرى فيما بعد.

الفصل الرابع: سكان نجد المستقرُّون (850هـ-1150هـ):

بعد أنِ انتهى المؤلِّف من الحديث عن البدو الرحَّل انتقل إلى الحديث عن السكان المستقرِّين في نجد، وأراد المؤلف أن يتتبَّع تطوُّر السكان المستقرّين النجديّين عبر القرون الثلاثة التي سبقت ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

من أهمِّ الظواهر التي استوقفت المؤلفَ أن نجدًا قد أُخليت من السكان في فترة ما، وهاجر الناس منها إلى درجةِ أن هناك بلداتٍ كادت أن تفرغ بالكامل، ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة، من أهمها الظروف المناخيَّة كما بيَّنَّا سابقًا، إضافة إلى ذلك كثرة قَطع الطريق والنَّهب والغارات، خاصَّة في غياب حكومة مركزية، وكان لهذا دور كبير في نزوح كثير من القبائل، وكان أول إقليم من أقاليم اليمامة قد فقَد سكَّانه وازدهاره هو الأفلاج، فقد تعرَّضت أنظمة الريِّ والحصون للدَّمار، ونجا قليل مِن ذراري أهل الأفلاج الأصليِّين، ويلخِّص المؤلف الكلام فيقول: “تُظهر الدراسة المسحيَّة الموجَزة التي قدَّمناها عن الجماعات المستقِرة المختلفة خلال الفترة من القرن الرابع الهجري إلى التاسع الهجري أنَّ البلدة فقدت أعدادًا مهمَّة من مستوطناتها، ومن ثم سكَّانها المستقرين، وبوجه عام فقد تراجعت أعداد السكان المستوطنين في نجد إبان تلك الفترة على نحوٍ كبير، ويبدو أن المناطق التي كانت أكثر خلوًّا من السكان كانت هي التي تعد أكثر المناطق الكثيفة سكانيًا خلال الفترات الأولى من العصر الإسلامي، وأعني بذلك الخرج والأفلاج ووادي حنيفة”([12]).

خصائص المجتمع المستقِر النَّجديّ الاجتماعيَّة والسياسيَّة واستثمار الأرض فيه:

هذا هو لبُّ هذا الفصل، حيث يذكر فيه المؤلِّف خصائصَ المجتمع المستقرّ، وكان ثمة ثلاثة مكونات اجتماعية معروفة في المجتمع النجدي وهي: القبيليّون، والخضيريّون، والعبيد. وكان الجزء الرئيس من المجتمع المستقرّ في نجد يتكوَّن من القبيليّين، أما الخضيريّون فيعيشون في بلدات نجد ومستوطناتها، ومارسوا فيها مهنًا وحرفًا يدويَّة كان يزدريها القبيليّون، أما العبيد فوجودهم لم يكن على نطاقٍ واسع كما هو الحال في الحجاز مثلا.

والنظام السياسي في البلدات النجديَّة يتميز بالطبيعة القبلية، وهذا أسهم في حالة من عدم الاستقرار والفوضى التي كانت هي السمة الغالبة في المجتمع النَّجدي قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبسبب غياب السلطة المركزية ونقص الأمن في نجد كان ازدهار مستوطنة ما والدفاع عنها وبقاؤها أمورًا تعتمِد إلى حدٍّ كبير على عدد أهلها وتعاونهم، فأحد أهم خصائص المجتمع النجدي: عدم الاستقرار.

أما ما يتعلَّق بالاقتصاد فقد كانت الزراعة بمثابة العمود الفقري لاقتصاد سكان نجد المستقرّين، وكانت الزراعة واحدةً من أسباب الحرب أيضًا؛ إذ إن الأراضي كانت تؤجَّر للزراعة، ومع مرور الوقت تحصل نزاعات وخلافات تنتهي بالحروب.

إعادة استيطان نجد وإعادة إسكانها:

بعد أن ذكر المؤلف الهجرة التي انطلقت من مستوطنات نجد ذكر أنها شهدت في القرن التاسع نقطةَ تحوُّل في تاريخ السكان المستقرين في نجد بوجه عام واليمامة بوجه خاصّ، فكانت البلدة تتحسَّن ببطءٍ، وبدأت الأسَر والجماعات تتجمَّع في اليمامة وأجزاء أخرى من نجد، وأُسِّست مستوطنات جديدة، وزاد حجم المستوطنات القديمة، وفي هذا المبحَث يدرس المؤلف عددًا من الجماعات المهاجرة وأقاليمها وبلدانها وأصولها القبلية، وذكر من تلك الجماعات الْمُردة التي هاجرت إلى وادي حنيفة في منتصف القرن التاسع الهجري، وأسَّست الدرعية أيضا، وهجرة هؤلاء واستيطانهم أسهما بدرجةٍ كبيرة في نموِّ السكّان المستقرِّين في الإقليم وإعادة الاستيطان فيه، ولم تكن هي القبيلة الوحيدة، بل هناك هجرة بني تميم وإعادة استيطانهم، وهجرة العناقر، وهجرة آل مزروع وآل حماد وإعادة استيطانهم، وكذلك استيطان آل محفوظ في الرس والأساعدة في الزلفي.

وخلاصة الأمر: أن هناك بلداتٍ قد كبرت وتوسَّعت، من أهمها العيينة، بل حقَّقت رخاء كبيرًا ونفوذًا بالغًا في نجد قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهذا أسهم بشكل أو بآخر في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، من حيث التعليم الذي تلقَّاه والذي انتشر بفعل هذا التوسّع، وكذلك أسباب أخرى لقبول دعوته سنذكرها.

وفي خلاصة هذا الفصل يقول المؤلف: “ولأسباب غير معلومة لنا بدقَّة فقدت نجد عددًا كبيرا من سكانها المستقرين ومستوطناتها خلال الفترة التي تلت القرون الثلاثة الأولى من العصر الإسلاميّ، ومع حلول منتصف القرن التاسع كانت أقاليم الأفلاج والخرج ووادي حنيفة وسدير والقصيم غير مأهولة بالسكان تقريبًا… ومنذ منتصف القرن التاسع بدأت حركة عكسية لإعادة الاستيطان وإعادة الإسكان… وكان أكثر من ثلثي المستوطنات الأكثر نشاطًا وذكرًا خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر إمَّا أسِّست حديثًا، أو أنها مستوطنات قديمة أحيتها جماعات أخرى غير أهلها الأصليين… وأخيرا فإنَّه من الواضح أن الجزء الأكبر من عملية إعادة الاستيطان والإسكان لنجد حدث خلال 150 عامًا التي سبقت ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب”([13]).

الفصل الخامس: نمو التعليم الديني في نجد (900هـ-1200هـ):

كل ما سبق من هجرات ثم عودة وازدهار نتيجتُه ما يتحدَّث عنه المؤلف في هذا الفصل: “فمن الطبيعي أن الاستقرار والازدهار يؤثّران بشكلٍ كبيرٍ على نموِّ التعليم وانتشاره، ومن مظاهر نمو التعليم في نجد: اتصال العلماء النجديِّين بالعلماء الشاميّين والمصريّين، ومما أثَّر أيضًا على الحركة العلمية في نجد: الحصول على أعمال علماء الشام ومصر من الحنابلة المشهورين، وكان العلماء النجديون دائمًا توَّاقين للحصول على مثل هذه الكتب من خلال التجار والمسافرين الذين كانوا يتردَّدون على الشام والعراق والحجاز”([14]).

مراكز التعليم وانتشار العلماء:

كانت مراكز التعليم قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب تتمثَّل في بلدات أشيقر في الوشم ومقرن والعيينة، ومن أهم ما تُظهره الدّراسة في هذا الفصل: “أن الفقهَ كان هو مجال التعلم الأساس لكل العلماء النجديِّين الموجودين ما قبل الحركة الوهابية، وكان ثمة أفراد قليلون فقط هم الذين تلقَّوا التعليم المحدود في الحديث الشريف أو التفسير أو التوحيد أو علوم اللغة العربية”([15])، وهذا أيضًا له أثر كبير في قبول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ إذ إنه لم يقتصر على دراسة الفقه كما هو الشائع، بل توجَّه إلى دراسة العلوم الأخرى. وقد ختم المؤلف هذا الفصل بذكر نبذةٍ عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنها كانت تتويجًا ونتيجة لنموّ التعليم الذي كان يتقدَّم في نجد عبر القرنين السابقين، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب نتيجة مركزين رئيسين للتعليم في نجد وهما: أشيقر والعيينة، وهذه نتيجة مهمة في معرفة العامل الذي أثَّر في البناء العلمي للشيخ محمد بن عبد الوهاب.

الفصل السادس: الظروف السياسيَّة والاجتماعيَّة والدينيَّة في نجد (850هـ-1150هـ):

الفصلُ الخاتم للفصول يتحدَّث فيه المؤلف عن الظروف السياسية والاجتماعية والدينية في نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، خاصة ما يتعلق ببسط نفوذ سلطات أخرى من خارج نجد على نجد.

الظروف السياسية:

منذ منتصف القرن الخامس الهجري لم يكن في نجْد نظام سياسيٌّ مركزيٌّ، ومنذ ذلك الوقت إلى نهاية القرن الثاني عشر كانت نجد مقسمةً إلى بلدات وولايات صغيرة، ولم يكن هناك نفوذ عليهم من ولايات أخرى، حتى من أشراف مكة، إلا في فترات يسيرة وكانت سلطة اسمية ليس إلا، وكانت هناك محاولات حثيثة للتوسع في نجد وفرض السيطرة عليها من قبل أبي نمي الثاني حاكم مكَّة، فقد شنَّ بعض الحملات على نجد حتى منتصف القرن الثاني عشر، ولم يكن الأمر مجردَ فرض سيطرة، بل “كانوا دائمًا يعودون إلى مكة بمواكب طويلة من الجمال التي جمعت من البدو وهي محمَّلة بالقمح والتمور التي جمعت من السكان المستقرين”([16]). ويعزو المؤلِّف هذه الحملاتِ إلى الاستيلاء على الممتلكات، وأنه واحد من أهمِّ أسباب الغزو على قرى نجد ومستوطناتها، خاصَّة من أفراد العائلة الحاكمة في مكة؛ إذ إن مخصَّصاتهم من قبل السلطة العثمانية قد قلَّت، فكانوا يبحثون عن مصادر أخرى، وكان كثير من قبائل وبلدات نجد تدفع رسومها مرَّتين: مرة لشريف مكة، والأخرى لأحد منافسيه.

ولما كان الهدف الوحيدُ للأشراف هو الحصول على الإتاوة لم يحرصوا على إيقاف الحروب بين البلدات، ولا على تأمين الطرق، وكلها واجبات من المفترض أنها تقَع على الحاكم، وبعد أنِ انشغل الأشرافُ بنزاعاتهم جاءت حملاتُ الأحساء مكانها، فكانت تقوم بحملات في منتصف القرن الثاني عشر على الجماعات البدويَّة لنفس الأسباب تقريبًا.

الظروف الدينية:

في هذا المبحث يتحدَّث المؤلف عن أمر مهمٍّ جدًّا وهو الحالة الدينية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فالتعاليم الدينية -بغضِّ النظر عن الحرمين الشريفين- قد فقدت حضورها عند سكانِ نجد وما حولها، وتفيد الخطابات الموجودة والمراسلات التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنَّ معظم بدو نجد كانوا يؤمنون بوجود الله ووحدانيَّته، وأن محمدًا رسول الله، وبالرغم من ذلك فقد أهملوا الفرائض والتشريعات الإسلامية، ولم يؤمن معظمُ بدو نجد بالبعث، ولم يؤدّوا الصلوات ولا الصيام، ولم يدفعوا الزكاة([17])، وعلى عكس البدو كان معظم السكان المستوطنين في نجد قبل الدعوة الوهابية ملتزمين دينيًّا، ويؤدُّون الصلاة، ويدلُّ على ذلك وجود المساجد وعلماء الدين في معظم بلدات نجد ومستوطناتها، إلا أنه قد تراكمت ممارسات البدع والخرافات الدينيَّة عبر القرون، وشكَّلت جزءًا من تديُّنهم.

وهذه هي البدع التي كان يحاربها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكانت تتمثَّل في تعظيم الأشجار والأشياء الطبيعيَّة، وتقديس الأولياء والقبور، والمهمّ جدًّا أن محاربة هذه البدع كانت نتيجته: “أنَّه نشأ لدى السكان المستنيرين دينيًّا في نجد في القرن الثاني عشر الهجري رؤية جديدة لمشكلات مجتمعهم، وبالإضافة إلى ذلك لم تعد المعايير السياسيَّة والاجتماعية والدينية القديمة مرضيَّةً، وقد أدركوا أن الزيارات للكهوف أو الأشجار أو القبور ليست من الممارسات الإسلاميَّة في شيء، وهي أيضًا لن تحلَّ مشكلاتهم”([18]).

وهذا يعطيك تصوُّرًا مهمًّا جدًّا عن الحالة التي صنعتها حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ إذ إنها صنعت حالةً من الوعي لدى الناس؛ ليدركوا أن حل مشكلاتهم لا يمكن أن يكون بالحلول القديمة كالقتال والنهب والسَّلب وغيرها، وهذا ما أدركه الشيخ محمد بن عبد الوهاب مبكِّرا، وكان لاهتمامه البالغ بالعلوم الأخرى غير السائدة في بلاده أثر في تفكيره ومنهجه في التعامل مع الأوضاع الراهنة، “فكرَّس حياته وطاقتَه الحماسيَّة لتوفير حلٍّ شاملٍ لعدد من مشكلات المجتمع النجديِّ؛ من خلال إنشاء حكومة مركزيَّة قويَّة تستطيع فرض الشريعة الإسلامية، وفرض السلام والنظام في الأرض”([19]).

هذه هي النتيجة التي توصَّل إليها المؤلِّف، وهي أنَّ كلَّ تلك الصراعات والأوضاع المعيشية الصعبة وحتى النزاعات والحروب قد أثار لدى الشيخ محمد بن عبد الوهاب تساؤلًا مهمًّا وهو: كيف الخلاص من هذا الوضع؟

وكان الجواب الذي توصَّل له وأفنى عمره في تكريسه هو: أن هذه الحروب والصراعات لا يمكن أن تنتهي إلا بالرجوع إلى الدِّين الصحيح، إذن وسطَ كلِّ هذه الصراعات كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يسعَى إلى السَّلام، وطريقته في ذلك إنشاء حكومة مركزية تقوم على الشريعة الإسلاميَّة التي بدورِها تبسط العدلَ في الناس، وكان يرى أن حلَّ مشكلات المجتمع النجديِّ يكمن في العودة إلى منهج السَّلف الصالح؛ ولأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يدرك بشدَّة حاجة الدعوة إلى سلطة سياسيَّة تساندها -خاصَّة في مجتمع مثل المجتمع النجديّ- ظلَّ يبحث عن هذه السلطة، فكان أول من عرض عليه عثمان بن معمر في العيينة، فوافقه وقام معه، ثم اضطرَّ أن يرحل إلى الدرعية، فتحالف مع الإمام محمد بن سعود، وتحالفهما يؤكد أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يطمَح إلى تغيير شاملٍ يضمُّ الجوانب الاجتماعية والسياسية والدينية، يقول المؤلف: “والشيخ كانت لديه رؤيةٌ واضحة حول ما كان في طور الظهور نتيجةَ حركته: الهدوء والسلام، ونجد متَّحدة سياسيًّا، وتحكمها حكومة مركزية تطبق الشريعة الإسلامية كقانون لها”([20]).

وخلاصة الفصل: “أن ظهور الحركة الوهابية في منتصف القرن الثاني عشر كان نتاجًا طبيعيًّا للتطوّر السياسيّ والاجتماعيّ والدينيّ لسكان نجد المستقرين خلال القرون السابقة، فقد ظهرت الحركة الوهابيَّة لتقديم حلول للمشكلات الجديدة التي ظهرت نتيجة نمو السكان المستوطنين ونمو التعليم الديني في نجد، وقد تمثلت قدرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الإدراك الواضح للمشكلات والظروف السائدة في زمانه، ووضع تصوُّر للحل بشكل واضح، والعمل بكل قوَّة وحماسة لتحقيق ذلك الحل”([21]).

وأخيرًا: شهدت نجد أوضاعًا مختلفة من حيثُ السكان، فتارة يزيدون، وتارة يهاجرون، كما أنها كانت محلًّا لنزاعات طويلة لم تهدأ حتى ظهرت سلطة مركزية في نجد في نهاية القرن الثاني عشر، وطوال هذه القرون شهدت نجد تفكُّكا سياسيًّا وفوضى وانهيارًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، حتى جاءت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحقَّقت تطلُّعات مجتمع نجد الجديد الاجتماعية والسياسية والدينية، فقد أدرك الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن نجدًا في حاجة ماسَّة إلى الإصلاح السياسيِّ والاجتماعيِّ، مثل حاجتها إلى الإصلاح الديني، وأدرك أيضًا أنَّ الحلَّ في إنشاء حكومة مركزية إسلامية.

سادسًا: أبرز مميزات الكتاب:

1- أنه يعدُّ من الكتب النادرة التي بحثت الخلفية التاريخية والسياسية والثقافية لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

2- يعدّ الكتاب واحدًا من أهم المصادر التي جمعت بين السَّرد التاريخي والتحليل المنطقي للتاريخ؛ إذ إن كثيرا من كتب التاريخ تعتمد فقط على سردِ الروايات، ولذلك يقع الاختلافات والتناقض أحيانًا، والمؤلِّف جمع تلك الرواياتِ، وأعمل فيها الفَحص والتدقيق؛ ليخرج لنا بصورة قريبة من الواقع الذي عاشه المجتمع النجدي.

3- يبيِّن الكتاب عمق فهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب للواقع الذي عاشه، وأنه أدرك جيدًا ما الذي يحتاجه المجتمع، فسعى له من بدايته.

4- دراسة ما قبل دعوة الشيخ يعطيك تصورًا عن طبيعة الدعوة وطابعها الاجتماعي، فالدعوة كانت تنتهج نهجًا في الدعوة يميل إلى إبداء رأي واحد هو ما يراه الشيخ راجحًا مع تقبل الخلاف إذا كان سائغًا وظاهرا، دون أن يؤصِّل الشيخ محمد بن عبد الوهاب للخلاف، فمن ينتقد الشيخَ بأنه كان لا يظهر الآراء المخالفة له ولا ينشرها يبيّن له هذا الكتاب أن هذا كان هو الأنسب للمَرحلة، فنقل مجموعات كبيرةٍ من الناس من بِدع وخرافاتٍ ونزاعات وصراعاتٍ ومجتمَع قبليّ تسوده عدَّة زعامات لا يتقبَّل ذكر كل الآراء والخلافات، خاصة وأنه في بداية الدعوة، لكن لا يعني هذا أنه كان يردّ الخلاف إن ورد، بل كان يقبل الاختلاف، بل ويظهره في كثير من رسائله دون كتُبه التأصيلية.

هذا كان عرضًا سريعًا لهذا الكتاب القيِّم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــ
المراجع

[1]نجد قبل الوهابية (11).

[2]نجد قبل الوهابية (12).

[3] نجد قبل الوهابية (14).

[4]نجد قبل الوهابية (26).

[5]نجد قبل الوهابية (27).

[6]نجد قبل الوهابية (28).

[7] نجد قبل الوهابية (68).

[8]نجد قبل الوهابية (69).

[9]نجد قبل الوهابية (71).

[10]نجد قبل الوهابية (98).

[11] نجد قبل الوهابية (127).

[12]نجد قبل الوهابية (170).

[13] نجد قبل الوهابية (221-222).

[14] نجد قبل الوهابية (233).

[15]نجد قبل الوهابية (236).

[16]نجد قبل الوهابية (245).

[17] نجد قبل الوهابية (264).

[18]نجد قبل الوهابية (268).

[19] نجد قبل الوهابية (269).

[20]نجد قبل الوهابية (271).

[21]نجد قبل الوهابية (271).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

حديث: «إذا هلك قيصر فلا قيصر» بيان ورفع إشكال

مقدمة: كثيرةٌ هي دلائل نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها إخباره بما سيكون في المستقبل من الغيوب، فتحقَّق بعض ذلك على ما أخبر به في حياته وبعد موته؛ كالإخبار عن انتشار أمره، وافتتاح الأمصار والبلدان الممصَّرة كالكوفة والبصرة وبغداد على أمته، والفتن الكائنة بعده، وغير ذلك مما أخبر به، ورآه الناس عيانًا، وبعضها […]

الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي

اتَّفق سلف الأمة على أنه لا حجَّة لأحد على الله في تركِ واجب، ولا في فعل محرَّم؛ وتصديق ذلك في كتاب الله قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، والمعنى: “لا حجَّة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده”، قاله الربيع بن أنس رحمه الله([1]) . فمن احتجَّ […]

السَّلَفيةُ..بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدِّمة: يتعرَّض المنهجُ السلفيّ لاستهدافٍ مستمرّ من الخصوم والمناوئين؛ بالتهم والافتراءات وإثارة الشبهات حولَ الأفكار والمواقف، وذلك طبيعيّ لا غرابةَ فيه إن وضعناه في سياقِ الصراع بين اتِّجاه إصلاحيٍّ والاتجاهات المخالفة له، لكن الأخطر من دعاوي المناوئين وتهم الخصوم هو محاولة السعي لقراءة المنهج السلفيِّ والنظر إليه خارجَ إطار […]

التَّقليد المذموم.. إلغاءٌ للشَّخصية وتمهيدٌ للخرافة

المسلم الذي يهمُّه أمرُ هذه الأمَّة يجب عليه أن يبحثَ دائمًا عن أدوائها؛ ليكون هو الطَّبيب الذي يضع يدَه على المرض، فيتفحَّصه ويعالجه بما يناسبه. ومن الأمراض التي عانت الأمة الإسلامية منها كثيرًا وأحدثت شروخًا في الفكر الإسلاميّ القائم على اتّباع الكتاب والسنة وإعمال العقل في دائرته ومجاله: مرض التقليد المذموم، وهذا المرض لم يصب […]

عرض وتعريف بكتاب «ابن تيمية» لجون هوفر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد: لازال أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام الحراني الشهير بابن تيمية والملقب بشيخ الإسلام يملأ الدنيا ويشغل الناس، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل والعالم الغربي! وقد صدر قبل فترة ضمن سلسلة “صُنَّاع العالم الإسلامي” كتابٌ بعنوان: […]

بضاعَتُكم ردَّت إليكُم (موقف نصر حامد أبو زيد من محمَّد شحرور)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يأتي متطبِّب يدَّعي أنَّه حاذق في الطبّ، فيتلاعب بأبجديّات الطب، ويتعالى على أدواته، ويقدح في مسلَّماته، فلِمَ تكون درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تقريبا؟! ولم يكون السكَّر الطَّبيعي في الدم هو ما بين 120 إلى 126؟! ولم يكون معدَّل نبضات القلب ما بين 60 إلى 90؟! بل لِم نصدق […]

إثبات الربوبية بين الوحي وأصحاب الإعجاز العلمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: قضية الربوبية من القضايا التي تشغل كلَّ عاقل في هذا الكون ما دام جسدُه يتحرَّك وعقلُه يستوعِب الأشياءَ، وذلك لنوازعَ كثيرةٍ في النفس البشريَّة، منها أهميةُ معرفة الربِّ فطرةً ودينًا وعقلًا، ومنها حبُّ الاطلاع على الأشياء والوقوف على حقائقها بما يضمَن الطمأنينةَ واليقينَ بالمعتقَد. والعقلُ البشريُّ في مرحلةٍ […]

حديث: «الشمسُ والقمَر مكوَّران في النَّار يومَ القيامة» تفسيرٌ ورفعُ إشكال

تكذيبُ حديثٍ ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقلُّ خطرًا عنِ الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقُله، وأهل العلم “لا يجيزون مخالفةَ حديث تبيَّن إمكان صحَّته، ثم ثبت صحَّة إسناده، ولم يعلم ما يقدح فيه أو يعارضه”([1])، وقد أفرط العقلانيون في ردّ الأحاديث الثابتة بالأهواءِ والمزاعم الباطلة، […]

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: قدَّر الله تعالى أن تُبتلى كلُّ أمّة بمن يحيد عنِ الصراط المستقيم إفراطًا وتفريطًا، وابتُليت أمَّة الإسلام بمثل ذلك منذ عصرها الأول، فظهرتِ الخوارجُ والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرها من الفِرق، واستمرت هذه الفرق إلى يومنا هذا. وكان من عوامل بقاء أفكارها ومعتقداتها وانبعاثها من مراقدها بين الحين […]

موقِف عُلماء الحنابلة من ابن تيميّة ومدى تأثير مدرسته في الفقه الحنبلي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إنَّ شيخَ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يمثِّل شخصيةً فريدة، لها تأثيرها في التاريخ الإسلاميِّ؛ إذ جمع بين العلم والعمل والجهاد والسّلوك؛ ومنزلته في المذهب الحنبليِّ لا تخفَى على من له أدنى ممارسَة للفقه الحنبليِّ وأصوله، وتأثيره فيمن عاصَره ومن جاء بعدَه واضح لا ينكَر؛ حتى فيمن جالسه […]

تغريدات في التعريف بكتاب من شبهات الحداثيين حول الصحيحين

1- لم يترك الحداثيون شيئا من ثوابت الإسلام إلا وخاضوا فيه تغييرا وتبديلًا، ولم يتركوا مصدرًا من مصادر التشريع في الدين إلا ومارسوا عليه مناهجهم النقدية، وتجديدهم المزعوم، وفي هذه التغريدات سنتعرف على كتاب مهم تناول موقفهم من الصحيحين. 2-اسم الكتاب: من شبهات الحداثيين حول الصحيحين (عرض ونقد). موضوعه: يتناول الكتاب موقف الحداثيين من الصحيحين، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017