الخميس - 24 ربيع الأول 1441 هـ - 21 نوفمبر 2019 م

تمثيل أئمة الهدى والضلال.. رؤية شرعية ودراسة للأحكام والمقاصد

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

أولًا: مقدمة:

مما لا شك فيه أن أيَّ أمة تسعى إلى فرض قِيَمها وتسويق قيادتها ونشر ثقافتها في كل أرض وتحت كل سماء، وأن حالة النموّ الحقيقية للأمة والازدهار هي تلك الحالة التي تعمّ فيها قيمها أغلبَ سكان العالم إن لم تعمَّهم جميعًا، وهذه الرغبة الجامحة في فرض القيَم وتسويقها ومحاولةِ أن يتبناها أكثرُ أهل المعمورة تحتاج جهدًا بقدر أهل الأرض وعقولهم واهتماماتهم واحتياجاتهم، ومحاولة التواجد في كلّ ميدان من ميادين الحياة، وفرض الفكرة من خلاله. بسبب ذلك كلِّه توسّع بعض الناس في اتِّخاذ الوسائل لنشر القيَم حتى خرج بالوسائل عن المبادئ، واختلطت عليه الوسيلة بالمقصَد، وطفق يضرب في كلِّ ميدان بسَهم، وهذا الحماسُ في تبنِّي الأفكار ومحاولة استغلال الوسائل لذلك أدَّى إلى عجلةٍ في الدراسة الشرعيَّة لها، فالنظرة الشرعية المجيزة والمانعة كلتاهما في بعض جوانبها تعاني من قصورٍ:

فالأولى: قصورها جاء من جهة الاعتقاد قبل الاستدلال، والحماس للفكرة، فكانت الأدلة مقتضَبةً، وجانب النظر ضعيفًا، والاستشراف والإدراك أضعف.

والثانية: أُتيت من جهة أنها ردَّة فعل وهبَّة من غفلةٍ تحاول حماية الدين، لكنها لا تدرك حقيقةَ ما عند المخالفين، ولا طبيعة التفصيل الذي عندهم.

وكان حظّ الأمة من هذا كلِّه هو الاصطفاف الفكريِّ بين الفريقين، ولأغراض مختلفة، في حين إن الحقَّ قد يكون في كلا الرأيَين بدرجةٍ ما، لكنَّه يحتاج روِيَّةً وتؤدة وبُعدَ نظر وعدمَ عجلةٍ في تبني الأفكار ورفضها.

ومن بين القضايا التي شغلت الرأيَ العام الإسلاميَّ قضيَّة تمثيل أئمَّة الهدى من صحابةٍ وغيرهم، فانقسم الناس فيها بين مجيز، ومانع لها مطلقًا، وبين مفصِّل، وبطبيعة الحال فإن المساحة الكبيرة من البحث أخذَها الحديث عن حكم تمثيلِ أئمَّة الهدى، مع بعضٍ من الغفلة عن تمثيل أئمة الضلال الذي يصاحِب تمثيل أئمَّة الهدى، وقد ينفرد عنه، فكان لا يُذكر إلا جانبيًّا، وهو أيضًا يحتاج حكمًا خاصًّا وتنظيرًا أعمقَ في تبيين حكم ممثِّله أصلا، وتبيين حكم تمثيله كذلك. كما غفل كثير من أهل الفضل من حيث لا يشعرون -حين أجازوا تمثيل أئمة الهدى- عن التركيز الذي تهتمّ به السينما؛ نظرا لعناصر تتعلَّق بمبادئها كالتشويق وغيره؛ مما يجعل تمثيل الشخصية منتقًى جدًّا؛ لكي يخضع لطلب المشاهد، ويتمّ استبعاد أحداث مهمَّة في حياة الإمام؛ لأنها لا تخدم السياق العالمي، أو لأن شركة الإنتاج والجهة المنفِّذة لا ترغبان في التركيز على هذه الأحداث.

وسوف نبحث في هذه الورقة العلمية حكمَ تمثيل كلٍّ من أئمة الهدى والضلال؛ مستندين للأدلة الشرعية والقواعد المرعية، ولكلام أهل العلم والفقه.

وقبل ذكر الخلاف في هذه القضية نذكر تعريف التمثيل ونحدِّد مفهومه في المبحث الآتي.

ثانيًا: تعريف التمثيل:

التمثيل في اللغة: المثل والشبيه كلاهما بمعنى واحد، قال ابن فارس: “المثْل: النظير. والمثَل: السائر من أمثال العرب. ومثَّل بالقتيل: جدعه، وهي المثلات. ومثُل الرجل قائمًا: انتصب. ومثَل يمثُل: زال عن موضعه. والمثال: مثال الشيء، والجمع أمثل. والمثال: الفراش، وجمعه مُثُل. وفلان أمثل بني فلان، أي: أدناهم للخير. وأماثل القوم: خيارهم”([1]).

وقال أيضا: “الميم والثاء واللام أصل صحيح يدلّ على مناظرة الشيء للشيء. وهذا مثل هذا، أي: نظيره، والمثل والمثال في معنى واحد. وربما قالوا: مثيل كشبيه. تقول العرب: أمثل السلطان فلانا: قتله قَوَدًا، والمعنى: أنه فعل به مثل ما كان فعله”([2]).

فمادة الكلمة الأصليَّة تدلّ على التشبيه والمحاكاة([3]).

التمثيل في الاصطلاح: يعرفونه بأنه: “عرض حيّ لقصّة وأصحابها واقعة أو متخيَّلة”([4]).

والتمثيل في الواقع أسلوب تثقيفيّ ترفيهيّ، يقوم على تقليد الشخصيات ومحاكاتها وإعادة الأحداث التي وقعت في الماضي، أو يتخيَّل وقوعها في الماضي أو المستقبل، فهو يسعَى إلى تجسيدِ صورةٍ ذهنيَّة للقصص التاريخية أو المتخيَّلَة وجعلها واقعية؛ ليعيشها الجمهور من جديد.

ولا يخفى على القارئ الكريم أنَّ التمثيلَ كفنٍّ سينمائيٍّ ذي طابع إعلامي لا تهتمّ تعريفاته بالحدود الجامعة المانعة كما هو الشأن في بعض الحقول المعرفية الشرعية، وإنما تهتمّ هذه التعريفات بمحاولة تصوير الجانب الإجرائي العمَلي في المصطلح، ومن ثم فإنَّ العبارات وإن تعدَّدت -سواء من أهل الاختصاص وغيرهم- فإنما تحاول أن تكون منطبقة على الجانب الإجرائي للتمثيل فقط.

وبعد أن عرفنا معنى التمثيل ننتقل إلى الحديث عن قضية البحث، وهي حكم تمثيل أئمة الهدى من الصحابة وغيرهم، وكذلك تمثيل أهل الضلال، وذلك في المبحث الآتي:

ثالثًا: حكم التمثيل:

من المعلوم أن هذه القضيةَ نازلة من النوازل التي بحثها المعاصرون، لكن لا أحد يدَّعي أن الأدلةَ فيها استوفاها أحد الطرفين، سواء بحثها في بحثٍ خاصٍّ بها أو بحثها ضمن جملة من القضايا؛ ولذا فإننا حين عرض الأدلة في هذه المسألة فقد نزيد على أدلِّة كل قول ما نراه يشهد له من الأدلة، ولو لم ينص عليه القائلون به، وكذا نفعل في نقض الأدلة والجواب عنها؛ لأن القضية محل الدراسة لم يستقرّ البحث فيها على قولٍ يعَدّ مستوفيًا وجامعًا لكل ما فيها.

تحرير محل النزاع:

قبل الكلام عن المسألة وأدلتها ثمة نقطَة متَّفق عليها ينبغي التنبيه إليها، وهي خصوصية الأنبياء بالقدسيَّة، وخطر محاكاتهم لا على سبيل الاتِّباع بل لمجرد التمثيل، فقد أجمع من يعتدُّ به في العلم على حرمة تمثيلهم([5])، ومن أجازه لم يخرج عن كونه جعل من نفسه أضحوكة علمية لأهل الشرع([6])، وبقي الكلام في غيرهم من أئمة الهدى كالصحابة ومن سار على نهجهم، وذلك ما سيتمّ بسط الكلام فيه، فنقول:

اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: أنه يجوز تمثيل الصحابة وغيرهم من أئمة الهدى.

أدلة هذا القول([7]):

كثير من أدلة المجيزين ترجع إلى النظر المصلحيّ، والتمسك بالأصل -على حدِّ قولهم- وهو الجواز، بالإضافة إلى بعض الأدلة الشرعية التي يرونها تشهَد لما يذهبون إليه.

وبما أن الأدلة مشتركة بين المجيزين مع اختلاف مدارسهم؛ فإننا سنقتصر على الأدلة المكتوبة دون الرجوع إلى ما قيل وطرح في البرامج والحوارات التلفزيونية، محاولين استيعاب هذه الأدلة، بادئين بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، ثم بالأصول والقواعد:

أولا: ما ورد من أدلة الشرع مما يشهد لجواز التمثيل:

وهو قسمان: كتاب وسنة:

فمن أدلة الكتاب: قوله سبحانه: {وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب} [ص: 21-25].

ووجه الاستدلال: أن الملكين مثَّلا دور الخصمين أمام داود عليه الصلاة والسلام؛ ليبيِّنا له الحق.

ومن السنة: ما جاء في قصة النفر الثلاثة من بني إسرائيل: الأبرص والأقرع والأعمى، ومجيء الملَكِ إليهم في صورة إنسان ابتلاءً من الله لهم واختبارًا، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ ثَلاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، بَدَا للَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، قَالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللَّه إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّه إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ الغَنَمُ: فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلَّا باللَّه ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجِلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّه؟! فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّه إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّه إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلَّا باللَّه ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّه بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّه لاَ أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ للَّه، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّه عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْيك»([8]).

ووجه الاستدلال من الحديث: أنّ الملك مثَّل أدوارًا متعدِّدة، وفي أحوال متعدِّدة، أراد من خلالها تبيين حال هؤلاء الأقوام، فحكاية الأحوال ومحاكاتها أمر قديم معروف عند السلف وقبلهم.

ثانيًا: الأدلة من الأصول والقواعد:

ومنها: التمسك بالأصل وهو الإباحة، وانتفاء الدليل الناقل.

ومنها: أن الوسائل لها أحكام المقاصد؛ فإذا كان التمثيل وسيلة توضيحيَّة مجدية وفعَّالة لنشر القيم الأخلاقية والتربوية وبناء العقليات المستقيمة كان مشروعًا ومستحسنًا، وينبل بمقدار نبل غايته؛ بشرط انضباطه بالضوابط والقيود الشرعية، وخلوِّه من المخالفات والمحظورات الشرعية؛ كالإثارة والنظر واللمس والألفاظ المحرمة.

كما أضافوا ضوابط لتجويز التمثيل، منها: مراعاة الدقة في الأحداث التاريخية، والاعتماد على المراجع الموثوقة، وتجنُّب إثارة الفتنة والفُرقة بين الأمة الإسلامية([9]).

هذه هي أهمّ أدلة المجيزين بعد حذف المتوارد منها والمكرَّر، ولا تخلو هذه الأدلَّة من إيراد يرد عليها، لا يُفهم من طرحهم الانتباهُ لجوابه، وذلك ما سيتم بيانه.

الجواب على أدلة المجيزين:

أجاب المانعون من التمثيل على أدلة المجيزين بعدة أجوبة، نذكر منها:

  1. أن الكلام عن تمثيل المفضول للفاضل وليس العكس، بمعنى: هل من الجائز أن يقوم شخص معروف بالفسق وممتهِن له بتمثيل شخصية كبيرة بحجم أبي بكر وعمر؟ أما ما استدلّوا هم به فهو تمثيل الفاضل للمفضول؛ فالملائكة مثَّلوا أدوارًا بشريةً، وجاؤوا في هيئاتهم، فهذا لا ينقص من الملائكة، لكن هل يجوز أن يقوم بشر بالعكس فيمثل دور جبريل؟ ومن المعلوم أنَّ عدم دخول الدليل في المثال مسقِط له.
  2. ونفس الشيء في حال الصحابة، فهم أفاضل كرماء على الله، أجلاء عند الأمة، فهل يجوز محاكاة الفسقة لهم أمام الناس؟! وما العمل مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «فإن الشيطان لا يتمثل بي»([10])؟! فهو دليل على أن الفاضل منقَصة في حقِّه أن يتمثَّل به الناقص.
  3. ومن ناحية أخرى يوجد فرق كبير بين حكاية الحال وبين محاكَاته، فالأولى لا بأس بها: أن تحكي أن فلانا تزوَّج وخرج ودخل وقتل، وبين أن تحاكِي هيئتَه مما يعد إزراء به وتدخُّلا في خصوصياته، وأحيانا يكون أقرب للغيبة والسخرية منه إلى التعظيم.
  4. كما أن ما استدلّوا به من تمثيل الملائكة يمكن الجواب عنه من وجهين:

الوجه الأول: أنه احتجاج بالقدَر الكوني على الشرعي، فمعلوم أن تكليف الملائكة كان بأمر خاصّ، وهو مختلِف عن تكليف البشر، وليسوا قدوةً لهم، فالخصوصية ثابتة في حقهم، فالله أمرهم بتمثيل هذه الأدوار أمرًا خاصًّا، ولحكمة هي الابتلاء والاختبار، وأعانهم على ذلك بالقدرة على التشكّل، فمن أين لنا ذلك؟!

الوجه الثاني: أن الملائكة من عالم الغيب، وليسوا من عالم الشهادة، فلا وجه للقياس على أحوالهم، فقد تمثل جبريل لمريم بشرًا سويًّا كما أخبر الله، وجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وهذه القدرة أعطاها الله لهم، وأعطاها للشياطين، فقد جاء الشيطان يوم بدر في صورة سراقة بن مالك، فهل هذا دليل على الجواز أو المنع؟!

فلا وجه لقياس عالم الغيب على عالم الشهادة، فهو قياس مع الفوارق.

  1. أما استدلالهم بالقواعد الأصولية فإنَّ التمسك بالأصل وعدم وجود الدليل الناقل إن قصد به الدليل الخاصّ الظاهر فهذا لا متمسَّك به، فأغلب الحوادث أدلتها مستنبطة وليست منصوصَة، ورمي الأدلة المستنبطة عُرض الحائط ليس أسلوبًا علميًّا، فالشرع يعتبر الأدلة كما يعتبر الظنون والقواعد وسد الذرائع إلى المحرمات والابتعاد عن المتشابهات والتمسك بالمحكمات والنظر في المآلات.
  2. أما ما ذكروه من المقاصد الحسنة فقصاراه أن يقلِّل من الشرور، لا أن يقضي عليها أو يغيِّر الواقع، فلن يُلتَزم بهذه الضوابط التي ذكروا؛ لأن التمثيل يقتضي الإتيان بالصورة من جميع وجوهها، وهذا يعني بطبيعة الحال تمثيل أهل الضلال كما هم، ومحاكاتهم في أقوالهم وافعالهم، وهذا كله يوقع في محاذير شرعية، وحتى محاكاة أئمة الهدى توقع في محاذير من نحو الجلوس مع الزوجة الافتراضية، والكلام معها كلام الزوجة، وغير ذلك من المخالفات التي لا يمكن اعتبار التمثيل حاجة مبرِّرة شرعًا لفعلها أو الاقتراب منها، مع ما فيها من إيصال صورة غير مرضية شرعًا عن القدوات والفضلاء. وسوف يأتي لذلك مزيد بيان.

فهذه بعض القوادح في أدلة القائلين بالجواز، ونشرع الآن في بيان القول الثاني وأدلته.

القول الثاني: عدم جواز تمثيل أئمَّة الهدى من الصحابة الكرام والأئمَّة الأعلام، وعليه أغلب المجامع الفقهية والروابط العلمية([11])، وجلّهم أصدر في ذلك بيانًا يبين حرمته، كما صدرت عدة بحوث في نفس الموضوع([12]).

أدلَّة هذا القول:

استدلَّ أصحاب هذا القول بأوجه، منها:

الوجه الأول: أن قواعدَ الشرع وأصوله الكلية تدلّ على أن التمثيل من قبيل المحرم لذاته، وبيان ذلك كالتالي:

أولا: من المعلوم أن الأعمال إما عبادات أو عادات، فالعبادات لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله([13]). فالتمثيل الديني إما أن يكون على سبيل التعبّد أو التعوّد، فإن كان على سبيل التعبد فهو بدعة؛ لأن العبادة موقوفة على النص، وهو لم يرد فيه، وهو من خصائص ملل الكفر كالنصرانية، والناس إنما عدلوا إليه على فترة من انقطاع العلم وضعف المسلمين([14]).

وإذا كان التمثيل على سبيل العادات، وقد ثبت أن التمثيل الديني من خصائص الكافرين، فقد حرمت الشريعة التشبّه بهم والخوض فيما كانوا يخوضون فيه، فقال سبحانه: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون} [التوبة: 69]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون} [الأنعام: 159]. وهذا النهي يشمل كل اتِّباع لهم في شيء يخصّهم من لهوهم أو من دينهم كما نص على ذلك العلماء([15]).

ثانيا: التمثيل الذي بمعنى المحاكاة منهيّ عنه، ففي الحديث عن عائشة قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا -تعني قصيرة-، فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»، قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا»([16]). قال النووي: “ومن الغيبة المحاكاة بأن يمشي متعارجًا أو مُطأطئًا رأسَه”([17]).

فالمحاكاة هضم وإيذاء، وعشّاق اللهو من العظماء لا يجرؤ أحد على التجاسر عليهم بمحاكاتهم ولو في مواطن الشجاعة والكرم، فكيف بأئمة الإسلام ممن مضوا ولهم في الشرع قدَم صدق، وفي الإسلام قدر عظيم، فتنتهك خصوصياتهم، وتخرج أحوالهم الخاصة مع زوجاتهم، وتمثل أمام الناس، فأي ازدراء أعظم من هذا؟!

ثالثا: المروءة من مقاصد الشرع، وخوارمها من مسقطات الشهادة قضاءً، والشرع يأمر بالمروءة وينهى عن سفاسف الأخلاق ورذائلها، وكم رأى الناس الممثل يلعب بنفسه وبأعضائه، ويتكلم بالهجر من القول؛ لأنه يمثل دور المجنون والمعتوه والأبله، وقد نصَّ الفقهاء على سقوط شهادة ممتَهن الضحك والسخرية والاستهزاء، وذكروا في مسقطات الشهادة الإِكْثَار من الحِكَايَات المضْحِكَة([18])، وقال في كفاية الرباني معلقا على قول ابن أبي زيد رحمه الله: “(و) من الفرائض صون اللسان (عن الباطل كله)، وهو خلاف الحق، والباطل أكثر من أن يحصى، ومنه كثرة المزاح”([19]). وكلام الفقهاء في خوارم المروءة لا يحصى.

رابعا: الإسلام يرشد معتنقيه إلى معالي الأمور، ويبتعد عن الطبقات التي دأبها اللهو واللعب والتفاهة واللغو، وهو كل ما لا فائدة فيه، ولا يرجي منه خير في الآخرة، قال سبحانه واصفا أهل الإيمان: {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]. وعامة أهل الملة من ذوي الصلاح والديانة لا يتَّخذون التمثيل وسيلة ولا مهنةً، ومن فعل ذلك منهم فغالب حاله أن يكون في دينه مغمز، وفي عقله نقص أو اختلال، فالإسلام حين أبيح فيه المزاح والضحك أبيح بضوابط لا تتعارض مع الأخلاق، ولا ترجع الإنسان إلى اتباع الهوى بدل الشرع، أما الضحك والمزاح بإطلاق وفي كل هيئة فلم يبح؛ لأنه قد يناقض ما هو أعظم منه كالحياء، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه؛ فإن الحياء من الإيمان»([20]).

خامسا: أنه تضييع للوقت فيما لا طائل من ورائه ولا منفعة فيه([21]).

سادسا: أن القائلين بالجواز المقيَّد أجمعوا على تحريمه في حق الأنبياء عليهم السلام، وعلى تحريمه في حقّ أمهات المؤمنين، وفي حق الخلفاء الراشدين، فما وجه التفريق بينهم وبين بقية الأئمة من العشرة المبشرين بالجنة وأئمة السلف رحمهم الله([22]).

الوجه الثاني: تحريم التمثيل باعتبار المآل، وهو تابع لأوجه التحريم التي اعتبرها العلامة بكر أبو زيد، حيث قرر قاعدة الشرع في أن المباح بأصله لا يلزم منه دوام إباحته إذا أفضى إلى محرم، والتمثيل من هذا القبيل، فهو وإن أبيح من قبيل أن أصله لهو ولعب قد يجوز في بعض الأوقات وبضوابط؛ إلا أنه تعرض له عوارض تجعله محرمًا، فهناك أقوال وأفعال محرمة تصاحب التمثيل تجعله محرمًا، من ذلك:

  1. قيام مسلم بتمثيل دور شيطان أو كافر عياذا بالله، فيقول ما يقول، ويفعل ما يفعل الشيطان والكافر.
  2. قيام كافر بتمثيل دور مسلم كما وقع في بعض المسلسلات، فقد مثل دور خالد شخصية نصرانية.
  3. محاكاة الرجال للنساء والعكس، كأدوار في التمثيل، وهو من التشبه المنهي عنه شرعًا، وهو سيئ طبعًا وعقلا.
  4. محاكاة معيّن من المسلمين على سبيل الإضحاك والهزء به والإيذاء، وهو مرحم شرعا.
  5. الاختلاط في التمثيل، ولعب دور الزوج والزوجة مع من ليس بزوج، مع ما يصاحب ذلك من خضوع في القول ولمس محرم شرعًا للأجنبية والأجنبي.
  6. كشف العورة المغلظة من الرجل والمرأة لأداء أدوار تمثيلية.
  7. الخوض واللعب والاستهزاء بأحكام الله بإيقاع الطلاق والخلع وغيرها من الأحكام التي هي معظمَّة في شرع الله، ولا يجوز اللعب بها([23]).

هذه هي أهم المحرمات والمنكرات التي يفضي إليها التمثيل، وقد أعرضنا عن بعض ما ذكر بحكم أنه توسّع في الاستدلال، وخلط بين التمثيل الذي له ضوابط والتمثيل الذي لا ضوابط له، وما ذكره العلامة بكر أبو زيد هو محلّ اعتبار وفي محله، وإن كان بالإمكان التحفظ على جعله التمثيل من قبيل المحرم لذاته، فهو تخريج لا يخلو من مراجعة واستدراك، لكن تحريمه باعتبار ما يفضي إليه، وما هو ملازم له لا ينفك عنه من المخالفات الشرعية، والتي إن لم تفعل فإن التمثيل لا يكون تمثيلا جيِّدا وفقًا لقواعد الفنِّ؛ وذلك بتقديم الأدوار كما هي والتي من بينها أدوار الكفار ورقصهم وسبهم لله والرسل والعياذ بالله وسجودهم لغير الله إلى غير ذلك، فهذه أمور مشاهدة معلومة لا ينفك عنها التمثيل غالبا، وقد يُتَصوَّر ذهنًا وجوده من دونها، لكن الواقع بخلاف ذلك، فالتمثيل كفَنٍّ لا يقبلها في صورته المثالية والمعتمدة عند المختصّين، هذا فضلا عن أن ما تقدَّم به المجيزون من ضوابط قد تخفِّف الشر، لكنها لا تدفعه، “فما يدعيه دعاة التمثيل الإسلامي من ضوابط غايتها أن تخفِّف من المحاذير التي يذكرها المانعون، وكم من باب من مداخل الشر فُتح بحجَّة وضع ضوابط وشروط، ثم كان ذلك سببًا في فتح هذا الباب واقتحامه دون وفاء بتلك الضوابط حينًا، بل ولا اعتبار لها أحيانا، فما تلك الضوابط إلا شبهاتٌ للتسويغ ودفعٌ لحجة المانعين! وبسبب ذلك صار حكم التمثيل قضيةً فقهية تتجاذب فيها أنظار الفقهاء بين التحريم مطلقا والتفصيل. ومن مسائل التفصيل تمثيل الصحابة رضي الله عنهم، وهي التي نقصد إليها في هذا المقام؛ فقد أجمع أهل الفتوى في هذا العصر -إلا من شذ- على تحريم تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم، فضلا عن الأنبياء، وكل ما يذكره المسوغون لتمثيل الصحابة يلزمهم أن يقولوه في الأنبياء، مع إضافة ضوابط أخرى. وكل ما يذكرونه من مصالح تمثيل الصحابة يتحقق بذكر أخبارهم على ما جرت به العادة في سياق الأخبار، وإذا دعت الحاجة إلى مزيد الإيضاح كان ذلك بتمثيل الفعل لا بتمثيل الفاعل، والعادة أن ذلك يكون قليلا، مثل ما تكفي فيه الإشارة باليد. وأما ما ذكروه من تمثل الملائكة لإبراهيم ولوط ومريم، وتمثل جبريل بصورة دحية، أو رجل غريب وكما في حديث الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى، وتمثل الملك لهم؛ فكل ذلك مختص بالملائكة لا يقاس عليه؛ لأنهم غير متعبدين بشريعتنا، وهم يفعلونه بإذن الله، وقد جعل الله لهم القدرة على ذلك”([24]).

تنبيه مهمّ:

وهاهنا قيد يجدر التنبيه عليه وإن كان لم يذكره المانعون، لكنه مقرر من الناحية الأصولية ومعلوم لدى كل مختص، وهو أن التحريم المبني على رجحان المفسدة ليس تحريمًا مطلقًا، وإصداره على ذلك الوجه تسوُّر على الشرع وإعطاء للعقل البشريِّ صلاحيةَ الوحي في إصدار الأحكام الكلِّيَّة، ونفس الشيء ينطبق على المجيزين حين لا يكون لضوابطهم تأثير في الواقع ولا ترفع المفسدة الراجحة رفعًا ينتفي معه التحريم، فقد وقع المجيزون في غلفة عجيبة حيث إن بعض الأفلام التي وُقِّعَت بأسمائهم لم تخل هي نفسها من المحاذير الشرعية وإيصال بعض الرسائل المغلوطة التي كان من المفترض أن ينتبهوا إليها، فمن ذلك أن مسلسل عمر بن الخطاب رضي الله والذي وقَّعه بعض العلماء كان هو نفسه تصاحبه محاذير، منها: أن لباس النساء لم يكن على نحو لباس نساء السلف، ولم يكن تعاملهم مع الرجال على نفس الحشمة. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي في وجوب النقاب، فليس كل من قال بندبه من السلف أحل لنسائه تركَه، ومع ذلك ظهر النساء فيه غير منقبات، بل الزي الذي عندهم كان أقرب إلى زي الجاهلية، ولم تراع فيه الضوابط فيما يتعلق بوجه المرأة، فمن أجاز للمرأة الكشف عن وجهها وكفيها قيَّدوه بما إذا لم تخش الفتنة، فإذا خشيت وجب تغطية الوجه عليها([25])، ومع ذلك لم يلتزم المنفِّذون لا بالضوابط الشرعية في وجه المرأة، ولا بحال نساء السلف وما كانوا عليه، كما أن المسلسل كتب بطريقة انتقائية، ولم يقدِّم عمر بن الخطاب خليفة المسلمين القائم بأمر الله الذي لا يخشى في الله لومة لائم العزيز على الكافرين الذليل على المؤمنين، وإنما قدَّم عمر الذي تتماشى حياته وسيرته مع الرؤية الليبرالية والتوجُّه الدولي، ومحاولة تلمُّس نماذج للدولة المدنية ودولة المواطنة في حياة عمر، وجعل ذلك مسوغا لبعض المفاهيم الهدامة التي يروج لها الغرب، وتقديم مسيرة عمر بهذه الهيئة ونساء السلف بالهيئة التي ذكرنا يخالف المقصد من التمثيل الذي هو الاقتداء وتقريب حياة السلف للناس؛ ليتمكنوا من التعرف عليها عن قرب، وهو ما ادعاه المجيزون، ولم يقع في الفلم، بل تم تزويرها وتقديمها بانتقائية وإخفاء الجوانب المؤثرة، والتعلية من جوانب أخر ليست بتلك الدرجة المؤثرة في حياة عمر، ولا في منهج السلف، ولا حتى فيمن جاء بعدهم ممن سار على نهجهم من الخلفاء، وما ذلك إلا لأغراض خاصة تخدم الجهة المشرفة ماليا على المسلسل والجهة المنفذة الخادمة لها، ولعل بعض العلماء رأى في المسلسل أفضل الموجود، فأجازه بهذا الاعتبار، ونسي المفاسد المترتبة عليه والمصاحبة له من تزييف للوعي الديني وإيصال رسائل مغلوطة، كما أن مفهوم أئمة الدين يختلف من مجموعة إلى مجموعة، فحين أجاز هؤلاء تمثيل عمر بحجة أن في تمثيله تقريبًا لصورة حياة الصحابة وأئمة الدين، فاستغل ذلك أهل الضلال، فقدموا أئمتهم أئمة للدين، وهاهم اليوم ينشرون مسلسلا عن الحلولي المنحرف الذي أجمع العلماء على ضلاله وهو الحلاج؛ ليقدِّموه كما لو أنه مصلِح مجدِّد، وهذا يدلّ على أن هذا الفنَّ خطير، والمجاراة فيه لا يمكن أن يبقَى فيها غير أهل الضلال والبدع وأصحاب الانحراف؛ لأنه فنّ يعتمد على الإثارة بدل الإنارة، وعلى التشويق بدل التحقيق والتدقيق، فكل ما كانت المجموعة أكثر استعدادًا لهذه الأمور كانت أقدر على التمثيل وحظوظها أكثر، خصوصًا أن الإعلام والنشر يخضع لجهات رقابية عالمية ذات توجهات خاصة، لا تسمح بما ينافي قيمها ومعتقداتها الباطلة، فالمشاركة فيه تسويغ لما هم عليه من الباطل، وليست نصرة للحق.

ولا يخفى عليك -أيها القارئ المبارك- أن القائلين بالجواز يظهر في أدلتهم الحماس للفكرة؛ وذلك أنهم عمدوا إلى كل ما يفهم منه تمثيل بغضّ النظر عن الفارق، واستدلوا به وصرفوا العبارة ليتسنى لهم تجويزه، واكتفوا بمحاولة التهذيب الأدبية للتمثيل، والتي لم توجد لها صورة في الواقع يمكن إسقاط ضوابط المجيزين عليها حتى يجيزوها على مذهبهم، فكيف بغيرهم، وما أجازوه من هذه التمثيليات كان تسامحًا منهم في الضوابط، وليس تحقّقا لضوابطهم، وكان تأثيره في تزييف الوعي وتقريب المفاهيم العلمانية الليبرالية أكثر من تصويره لحياة عمر كما هو في التاريخ وعند المسلمين، والله ولي التوفيق.

([1]) مجمل اللغة (ص: 823).

([2]) مقاييس اللغة (5/ 297).

([3]) ينظر: الفائق (3/ 345).

([4]) ينظر: التمثيل، لبكر أبو زيد (ص: 15).

([5]) ينظر: بحث تمثيل الصحابة، فقد وثق فيه أقوال أهل العلم والهيئات الشرعية والمجامع الفقهية في حرمة تمثيل الأنبياء (ص: 9) وما بعدها.

([6]) كما في مقال: “سبعة أدلة من القرآن والسنة على جواز تجسيد الرسول في الأفلام”، فهو نموذج لمجيزي تمثيل الأنبياء، كما أنه نموذج صارخ لمضحكات الاستدلال:

https://elaph.com/Web/Culture/2011/10/689963.html

([7]) في هذا الرابط تجد جملة من أدلتهم:

http://ahkam667.blogspot.com/2014/04/blog-post.html

([8]) صحيح البخاري (3464)، صحيح مسلم (2964).

([9]) ذكر د. علي جمعة بعض الضوابط الشرعية للتمثيل -وهو ممن يرى جواز تمثيل الصحابة رضي الله عنهم باستثناء: العشرة المبشرين بالجنة، وأمهات المؤمنين، وبنات المصطفى صلى الله عليه وسلم، وآل البيت الكرام؛ فلا يجوز تمثيلهم؛ لِمَا لَهُم من مكانةٍ عظيمةٍ وسابقةٍ في الإسلام- وذلك في هذا الرابط:

http://www.dar-alifta.org/ar/ViewFatwa.aspx?ID=11459&LangID=1&MuftiType=0

([10]) أخرجه مسلم (2266).

([11]) ينظر: التمثيل لبكر أبو زيد (ص: 40 وما بعدها)، تمثيل الصحابة لعبد الرحمن بن سعد الشثري (ص: 9 وما بعدها).

([12]) من أجمعها بحث العلامة بكر أبوزيد -رحمه الله- بعنوان: التمثيل. وقد خلص فيه إلى تحريم التمثيل الديني من عدَّة وجوه.

([13]) ينظر: مجموع الفتاوى (4/ 196).

([14]) ينظر: التمثيل (ص: 29).

([15]) ينظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص: 362)، واقتضاء الصراط المستقيم (ص: 46).

([16]) أخرجه أبو داود (4875) والترمذي (2503) وقال: “هذا حديث حسن صحيح”.

([17]) الأذكار (ص: 490).

([18]) ينظر: بداية المحتاج شرح المنهاج (4/ 491).

([19]) كفاية الطالب الرباني (2/ 415).

([20]) أخرجه البخاري (24).

([21]) ينظر: التمثيل (ص: 42).

([22]) ينظر المرجع السابق (ص: 45). تنبيه: هكذا حكى الشيخ الإجماع، وكان يقصد العلماءَ وقت كتابة بحثه، والظاهر أن الخلاف ظهر بعدهم أو أعلن على الأقل.

([23]) التمثيل (ص: 45 وما بعدها).

([24]) من فتوى عبد الرحمن بن ناصر البراك، هذا رابطها:

https://www.feqhweb.com/vb/t14030.html

([25]) ينظر: تفسير القرطبي (12/ 229).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

مفهوم الطائِفة بين القرآن والإِسقاطات الخاطئةِ

استخدَم القرآنُ الكريم لفظَ الطائفة استخدامًا لغويًّا، فلم يحدِّد لها معنًى يخصُّها تكون به سلبيَّة أو إيجابيَّة، وإنما جُلُّ استخدامِه لها أنها تعني الجماعةَ منَ الناس اجتَمَعُوا على الخير أو على الشَّرِّ، ويأتي المدحُ أو الذَّمُّ بناءً على طبيعة الاجتماع. ويمكن إجمالُ معاني الطائفةِ في القرآن بحسب الاستخدام في ثلاثة معان: المعنى الأول: إطلاق الطائفة […]

مقوِّمات السلفية المعاصرة.. وقفة مع متَّهمي السلفيّة بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    تمهيد: لم تزل الأصواتُ تعلو بنقدِ السلفية واتهامها حتى صارت مزعجةً لمن صدرت عنهم، وصارت أقرب إلى الصُّراخ والعويل منها إلى صوتِ العلم والعقل، وآل الناسُ في السلفية إلى أمر مريج، وقولٍ مختلف لا يتميَّز فيه حقٌّ من باطل، وحَسْبُ الناكثين عن الحقِّ المصرِّين على الحنث العظيم أن […]

صِفاتُ الخوارجِ بينَ النّصوص الشرعيّة وإسقاطاتِ خُصوم السّلفيّة

تمهيد: الشَّريعةُ جَرت على سنن العَرب في الكلام، فعرَّفت الشيءَ بما يتعرَّف به ويتميَّز في ذهن السامعِ والمخاطَب، ولم تقصد إلى التعريف الجامع المانِع، وكلَّما احتاج المخاطَب إلى توضيح زادته في الصفات حتّى يتميّز الشيءُ في ذهنه وفي الخارج تميُّزًا لا يخالطه فيه شيءٌ. وقد جرتِ الشَّريعة على هذا السَّنَن في جميع أبوابِ الدين منِ […]

تطرُّف التيَّار العقلاني الحداثي في الموقف من الكتاب والسنة

تمهيد: للقارئِ أن يستغربَ وجودَ نسبةٍ للعقل تكون قدحًا في أهلها؛ لأنَّ النسبةَ للعقل في عرف الشرع واللّغة لا تكونُ إلا مدحًا؛ لكن العقل هنا الذي يقدَح به هو العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم، فالنسبة إليه تكون ذمًّا في مقابل الوحي والدين، وليست في مقابل شيءٍ آخر، فالعقلانيّون هم الذين استغنَوا بعقولهم عن […]

مقال: لكلّ جديدٍ لَذعة للكاتب النصراني: أمير بُقْطُر

تقديم: لا تخلو أمَّةٌ من الأمم منِ اتِّخاذ مواقفَ تجاه أيِّ جديد دخيل على ثقافَتها، ومن وجود أفكار وفهومٍ وآراء مختلفة نحوها، بعضها تتَّسم بالسطحية في تناولها، وأخرى بالعُمق في دراستها، بيدَ أنَّ تعمُّد خلط الأوراق ورمي التّهَم بقصد الإساءة والتضليل ديدنُ من فقد النَّصَفة والاعتدال في الحوار والمناقشة. ومما طال منهجَ علماء الدعوة السلفيّة […]

المنهج السلفي والتراث الأصولي .. مقاربة لموقف المنهج السلفي من قضايا علم أصول الفقه ومدوناته القديمة والمعاصرة  

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد الحديثُ عن موقفِ المنهج السلفيِّ مِن علم أصول الفقه حديثٌ شائك؛ لأنه يتناول العديدَ من القضايا المتداخِلة والمتشابكة، والتي لا يمكن تناولها بحديثٍ مجمل، لأنَّه سيكون مخلًّا بالحقيقة أو سطحيًّا لا يعبّر عنها، خاصَّة أن المعاصرين اليومَ من متعصِّبي الأشاعرة يحاولون استغلال هذا العِلم للانتصار للمنهج الأشعريِّ الكلاميِّ […]

هل تأثر المحدثون بالواقع السياسي؟ التأليف في الحديث نموذجاً

منَ المعلومِ أنَّ علمَ الحديث من أشرفِ العلوم الشرعية؛ وذلك بنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعدُّ من العلوم الخادِمة للأصل الثاني من أصول التشريع؛ ولذا اعتنت الأمة به اعتناءً خاصًّا، فاعتنت بألفاظ الحديثِ وبطرقه ورواته، وهذَا الاعتناءُ سببُه تأثير كلِّ من انتسَب لهذا الميدان وقوَّة مصداقيته إن ثبتت أهليته، فاهتمَّتِ الأمَّةُ […]

تعظيم الأئمة الأربعة للسنة ونبذهم التّعصّب

تمهيد: “كلُّ أمَّةٍ -قبل مبعَث نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم- فعلماؤها شِرارُها، إلا المسلمين فإنَّ علماءَهم خيارُهم؛ ذلك لأنهم خلفاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم في أمَّته، والمحيون لما مات من سنَّته، بهم قام الكتابُ وبه قاموا، وبهم نطَق الكتابُ وبه نطقوا”([1])، فكانوا شهودَ عدلٍ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمل […]

إثبات صِفتَي السمع والبصر بين القرآن والأشاعرة

تمهيد: منَ المعلوم أنَّ الأشاعرةَ من أعلى الطوائف الإسلامية صوتًا في العقائد؛ وذلك لقربهم من السنة، ولأنَّ إمامَهم كان في بدء أمره قاصدًا لنصرةِ منهج السنة والردِّ على أهل البدعة، وقد ساهم هذا القصدُ -مع الانتساب العامِّ لأهل السنة- في تهذيب كثيرٍ من معتقداتِ هذه الطائفة وجعلِها تكون أقربَ للوحي من غيرها. وهذا القربُ والانتصارُ […]

موقفُ مُعاويَةَ من آلِ البَيت وموقفُهُم مِنه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدِّمة: مُعاوية بن أبي سُفيان رضي الله عنه صحابيٌّ جليلٌ، أسلَم قبل فتحِ مكَّة، وهو أحدُ كتَّاب الوحي بين يدَي النَّبي صلى الله عليه وسلَّم، وأحد الصَّحابة الكرام الذين زكَّاهم الله وفضَّلهم على سائر من جاؤوا بعدَهم، هكذا يرى أهلُ السنة معاويةَ رضيَ اللهُ عنه. أمَّا الشيعة فإنَّه […]

كائِنةُ الحنابِلة مَع الإمام الطبريِّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: محن الله تعالى على العباد لا تقتصر على البلاء الجسديّ من ضرب وتعذيبٍ وقتل، بل من البلاء ما هو نفسيٌّ، ويكون أحيانًا كثيرةً أشدَّ على الإنسان من البلاء الجسديّ، وقد كتب الله أن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وإذا كان النبي صلى الله […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017