الاثنين - 24 محرّم 1441 هـ - 23 سبتمبر 2019 م

يومُ عاشوراء في تراثِ ابن تيميّة رحمه الله

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

“كان ابنُ تيمية -باتِّفاق خصومِه وأنصاره- شخصيَّةً ذاتَ طرازٍ عظيم؛ فهو فقيهٌ ومتكلِّم ناقدٌ للمنطق الأرسطي والتصوف من جهة، وناقدٌ استثْنائي وباحثٌ أخلاقي من جهة أخرى.

هكذا ابتدأت الباحثةُ الألمانية (أنكه فون كوجلجن) بحثًا مطوَّلا عن ابن تيمية بعنوان: (نقد ابن تيمية للمنطق الأرسطي ومشروعه المضاد)([1]). وهذا القول تسنده أقوالٌ أخرى كثيرة من معاصري شيخ الإسلام ومن جاء بعدَه، سواء كانوا من الموافقين له أو المخالفين، فلابن تيمية رحمه الله حضورُه العلميُّ البارز في الفكر الإسلامي، ولا شكَّ أن ظهورَه في القرن السابع أثَّر جملةً وتفصيلًا في البحث العلمي طيلةَ القرون التي بعدَه، وكان لاختياراته وتوجيهاته وتحليلاته ظهورٌ بارزٌ في مختلف المدارس الفقهية والعقديَّة، فكان رحمه الله أمَّة في العلم والعمل، يقول ابن كثير رحمه الله: “وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعةٌ من علماء عصره، مثل القاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي قاضي قضاة مصر ابن الحريري، وابن الزملكاني، وغيرهم”([2])، وقال بدر الدين العيني رحمه الله: “ومن الشَّائع المستفيض أن الشيخ الإمامَ العالم العلامة تقيَّ الدين ابن تيمية من شُمّ عرانين الأفاضل، ومن جمّ براهين الأماثل، الذي كان له من الأدب مآدب تغذي الأرواح، ومن نُخب الكلام له سلافة تهز الأعطاف المراح… وهو الذابُّ عن الدين طعنَ الزنادقة والملحدين، والنَّاقدُ للمرويات عن النبي سيد المرسلين، وللمأثورات من الصَّحابة والتابعين… وقد سارت تصانيفه في الآفاق، وليس فيها شيءٌ مما يدلُّ على الزيغ… وهو الإمامُ الفاضل البارع التقي النقي الورع، الفارس في علمي الحديث والتفسير، والفقه والأصولين بالتقرير والتحرير، والسَّيف الصارم على المبتدعين، والحبر القائم بأمور الدين، والأمَّار بالمعروف والنهَّاء عن المنكر، ذو همَّة وشجاعة وإقدامٍ فيما [يردع] ويزجر، كثيرُ الذكر والصوم والصلاة والعبادة”([3])، وقال ابن دقيق العيد: “لَمَّا اجتمعتُ بابن تيمية رأيتُ رجلًا العلومُ كلُّها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد”([4])، ويقول ابن سيد الناس: “وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية، فألفيته ممَّن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد أن يستوعبَ السنن والآثار حفظًا، إن تكلَّم في التفسير فهو حاملُ رايته، أو أَفتى في الفِقه فهو مُدرك غايتِه، أو ذاكر في الحديث فهو صاحِب عِلمه وذو روايتِه، أو حاضَر بالملل والنِّحل لم يُر أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، برَّز في كل فنٍّ على أبناء جنسه، ولم تر عينُ من رآه مثلَه، ولا رأت عينُه مثلَ نفسه، كان يتكلَّم في التفسير فيحضر مجلسه الجمُّ الغفير”([5]).

وكلُّ ذلك لعلوِّ كَعبه في العلم، ولاقترابه من الكتاب والسنة وانتصاره للسلف رضوان الله عليهم، يقول البزار: “وما سمعنا أنه اشتهر عن أحدٍ منذ دهرٍ طويل ما اشتهر عنه من كثرة متابعته للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما والعمل بمقتضاهما؛ ولهذا لا يرى في مسألة أقوالا للعلماء إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول”([6]).

وذِكرُ مناقبِه وثناءِ العلماء عليه يطول جدًّا، وقد ألِّف فيه كتب كثيرة، منها: الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية لعمر بن علي البزار، والرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر لابن ناصر الدين الدمشقي، والشهادة الزكية في ثناء الأمة على ابن تيمية لمرعي بن يوسف الكرمي، وغيرها من الكتب، فابن تيمية رحمه الله له منزلة سامقة لا ينكرها إلا جاهل أو متجاهل.

تمهيد:

يومُ عاشوراء يومٌ فضيل عند المسلمين، وتتعلَّق به عددٌ من المسائل العقديَّة والفقهية([7])، كما تتعلَّق به جملة من البدع التي استحدثها الناسُ، ولما كان مشروع ابن تيمية الأعظم هو إرجاع الناس إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والانتصار لمذهبِ السلف كان من المهمِّ أن نعرفَ مواقِفه من يوم عاشوراء وما استُحدِث فيه من بدع، والسبب الباعث لنشوء تلك البدع عند المسلمين، وسنحاول في هذه الورقة جمعَ أقواله وبيان آرائه في يوم عاشوراء، سائلين الله تعالى التَّوفيقَ والسداد.

أولًا: مشروعية صيام يوم عاشوراء:

ثبتَ في السنة مشروعيةُ صيام يوم عاشوراء، وتتعلَّق بهذه المسألة عدَّة تفريعاتٍ ذكرها ابن تيمية رحمه الله، منها:

1- هل كان صوم يوم عاشوراء واجبًا أم مستحبًّا؟

أجاب رحمه الله فقال: “وقد تنازع العلماء: هل كان صومُ ذلك اليوم واجبًا أو مستحبًا، على قولين مشهورين: أصحهما أنَّه كان واجبًا، ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحبابًا، ولم يأمرِ النبي صلى الله عليه وسلم العامةَ بصيامه، بل كان يقول: «هذا يوم عاشوراء، وأنا صائم فيه، فمن شاء صام»([8])، وقال: «صوم عاشوراء يكفِّر سنةً، وصوم يوم عرفة يكفِّر سنتين»([9]). ولَمَّا كان آخر عمره صلى الله عليه وسلم وبلغه أن اليهودَ يتَّخذونه عيدًا قال: «لئن عشتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع»([10])([11]).

2- هل يُكرَه صومه منفردًا؟

وقد بين رحمه الله أنَّ المسألة محتملة، وأن بعض الصَّحابة قد نُقل عنهم ذلك، لكن اختيار الشيخ أنَّه لا يُكره وإن كان يستحبُّ صيام يومٍ قبله، يقول رحمه الله: “وكان من الصَّحابة والعلماء من لا يصومُه ولا يستحبُّ صومَه، بل يكره إفرادَه بالصوم، كما نُقل ذلك عن طائفة من الكوفيين، ومن العلماء من يستحبُّ صومه. والصَّحيح: أنه يستحبُّ لمن صامه أن يصومَ معه التاسع؛ لأنَّ هذا آخر أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم لقوله: «لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع»([12]) مع العاشر كما جاء ذلك مفسَّرًا في بعض طرق الحديث، فهذا الذي سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم”([13]).

وقال رحمه الله مبيِّنًا اختياره: “وصيامُ يوم عاشوراء كفاَّرة سنةٍ، ولا يكره إفرادُه بالصَّوم، ومقتضَى كلام أحمد أنَّه يُكره، وهو قولُ ابن عباس وأبي حنيفةَ، ووجب صومُه ونُسخ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابنا”([14]).

ومن أدلَّة من رأى كراهة صيام عاشوراء وحده أنَّ تعظيمه وحده فيه تعظيمٌ ليومٍ تعظِّمه اليهود، فكأنَّنا شاركناهم.

وهذا التعليل عند ابن تيمية رحمه الله ضعيفٌ؛ وذلك أنَّ يوم الأحد يومُ عيد للنصارى ولم يأتِ حديثٌ ينهى عن الصيام فيه، يقول رحمه الله: “وعلَّله طائفة من الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظِّمونه، فقصدُه بالصوم دونَ غيره يكون تعظيمًا له، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء بالتعظيم لما عظَّمه أهلُ الكتاب، وإفراد رجب أيضًا لما عظَّمه المشركون، وهذا التعليل قد يعارض بيوم الأحد، فإنَّه يوم عيد النصارى، فإنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «اليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى»([15])([16]).

3- هل يجب تبييتُ النية لصيام عاشوراء؟

بيَّن رحمه الله أنَّ العلماءَ قدِ اختلفوا في هذه المسألة، فقال: “وأمَّا الأصل الثالث: فالصيام، وقد اختلفوا في تبييت نيته على ثلاثة أقوال:

فقالت طائفة منهم أبو حنيفة: إنَّه يجزئ كلُّ صوم فرضًا كان أو نفلًا بنيةٍ قبل الزوال، كما دلَّ عليه حديث عاشوراء، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا دخل على عائشة فلم يجد طعامًا فقال: «إني إذًا صائم»([17]).

وبإزائها طائفةٌ أخرى منهم مالك، قالت: لا يجزئ الصوم إلا مبيتًا من الليل فرضًا كان أو نفلًا، على ظاهر حديث حفصة وابن عمر الذي يروى مرفوعًا وموقوفًا: «لا صيامَ لمن لم يبيِّت الصيامَ من الليل»([18]).

وأما القول الثالث: فالفرض لا يجزئ إلا بتبييت النية كما دلَّ عليه حديث حفصة وابن عمر؛ لأن جميع الزمان يجب فيه الصوم، والنية لا تنعطف على الماضي، وأما النفل فيجزئ بنية من النَّهار كما دلَّ عليه قوله: «إني إذًا صائم»، كما أنَّ الصلاة المكتوبة يجب فيها من الأركان -كالقيام والاستقرار على الأرض- ما لا يجب في التطوُّع؛ توسيعًا من الله على عباده في طرق التطوُّع، فإنَّ أنواعَ التطوعات دائمًا أوسعُ من أنواع المفروضات”([19]).

4- مخالفة اليهود في يوم عاشوراء:

من أكثَر ما أصَّله ابن تيمية رحمه الله في كتاباته عن يوم عاشوراء بيانُ مخالفة اليهود، وأنَّه مقصدٌ من مقاصد الشَّريعة، وقد ساق رحمه الله النُّصوصَ التي تدلُّ على مخالفتهم عمومًا، ثم بيَّن أنه حتى في يوم عاشوراء كان مقصد الشارع مخالفتهم مع أنَّه يومُ صيامٍ وعبادة، فحتى العبادات منها ما تؤصِّل لقضية النَّهي عن التشبه باليهود والنصارى، يقول رحمه الله: “عن أبي غطفان المري قال: سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظِّمه اليهود والنصارى! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان العام المقبل -إن شاء الله- صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم في صحيحه([20]). وروى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود؛ وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا»([21]). ورواه سعيد بالإسناد ولفظه: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود؛ وصوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده»، والحديث رواه ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جدِّه ابن عباس.

فتدبَّر؛ هذا يوم عاشوراء، يومٌ فاضل يكفِّر سنةً ماضية، صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ورغَّب فيه، ثم لَمَّا قيل له قبيل وفاته: إنَّه يومٌ تعظِّمه اليهود والنَّصارى! أمر بمخالفتهم بضمِّ يوم آخَر إليه، وعزم على ذلك؛ ولهذا استحبَّ العلماء -منهم الإمام أحمد- أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وبذلك علَّلت الصَّحابة رضي الله عنهم. قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، سمع عطاء، سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: صوموا التاسع والعاشر؛ خالفوا اليهود([22])([23]).

5- طريقة مخالفة اليهود في يوم عاشوراء:

لَمَّا بيَّن رحمه الله أنَّ المخالفة مقصدٌ من مقاصد الشَّريعة بيَّن أيضًا طريقةَ ذلك، وهي: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بصيام يومٍ قبله، وقرَّر عليه الصلاة والسلام أن يصومه، يقول رحمه الله: “روى مسلم في صحيحه عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسِّدٌ رداءَه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيتَ هلال المحرم فاعدُد وأصبح يوم التَّاسع صائمًا، قلت: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم([24]). وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع»، يعني يوم عاشوراء([25]).

ومعنى قول ابن عباس: صم التاسع، يعني: والعاشر. هكذا ثبت عنه، وعلَّله بمخالفة اليهود، قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان بن عمرو بن دينار، أنه سمع عطاء، سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود([26])([27]).

ويظهر من هذا أنَّ الصحابةَ الكرامَ قد فهموا ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر بصيام التَّاسع وهو مخالفة اليهود، فكان ابن عباس رضي الله عنهما يعلِّل بذلك.

ولأجل هذا كره بعضُ الصحابة والسَّلف الصالح -منهم ابن عباس رضي الله عنهما- إفرادَ يوم عاشوراء بالصِّيام، قال ابن تيمية رحمه الله: “ورُوِّينا في فوائد داود بن عمرو عن إسماعيل ابن عُلَيَّة قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح أنَّ ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التَّاسع، فقال ابن بي نجيح: إنَّما قال ابن عباس: أكره أن أصومَ فاردًا، ولكن صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا. ويحقِّق ذلك ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح([28]). وروى سعيد في سننه عن هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن داود بن علي، عن أبيه، عن جدِّه ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده»، ورواه أحمد ولفظه: «صوموا قبله يومًا، أو بعده يومًا»([29]). وقال حرب: سألت أحمدَ عن صوم يوم عاشوراء، فقال: يصوم التاسع والعاشر. وقال في رواية الميموني وأبي الحارث: من أراد أن يصوم عاشوراء صام التَّاسع والعاشر، إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام؛ ابن سيرين يقول ذلك. وقد قال بعض أصحابنا: إن الأفضل صوم التاسع والعاشر، وإن اقتصر على العاشر لم يُكرَه. ومقتضى كلام أحمد: أنَّه يكره الاقتصار على العاشر؛ لأنَّه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين وأمر بذلك، وجعل هذا هو السُّنة لمن أراد صوم عاشوراء”([30]).

وقد مرَّ بنا أنَّ رأي ابن تيمية رحمه الله هو أنَّه لا يكرَه إفرادُ عاشوراء بالصيام، والأفضلُ من ذلك صيام يوم قبله.

اعتراضٌ وجواب:

إن قيل: إنَّ شَرعَ من قبلنا شرعٌ لنا، فلِمَ نخالف اليهود؟! وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهودَ صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليومُ الذي تصومونه؟» قالوا: هذا يومٌ عظيم؛ أنجى الله فيه موسى وقومَه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله، فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم»، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه. متفق عليه([31]). فقد وافق النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في هذا الفعل!

أجاب ابن تيمية رحمه الله عن ذلك من عدَّة أوجه:

الوجه الأول: أنَّ صيام عاشوراء لم يكن مختصًّا باليهود، يقول رحمه الله: “وأما حديث عاشوراء فقد ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومه قبل استخبارِه لليهود، وكانت قريشٌ تصومه، ففي الصحيحين من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريشٌ تصوم يومَ عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض شهر رمضان قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه»([32]). وأخرجاه من حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريشٌ في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان ترك يومَ عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه([33]). وفيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامَه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افتُرض رمضانُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ عاشوراءَ يومٌ من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه»([34])، فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقًا لأهل الكتاب فيكون قوله: «فنحن أحقُّ بموسى منكم» توكيدًا لصومه، وبيانًا لليهود أنَّ الذي يفعلونه من موافقة موسى نحن أيضًا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم”([35]).

الوجه الثاني: أنَّ موافقة اليهود كان في أوَّل الأمر ثم نسخ ذلك فشرع مخالفتهم، يقول رحمه الله: “هذا كان متقدِّمًا، ثم نسخ الله ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب وأمره بذلك، وفي متن الحديث: أنَّه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد([36])؛ ولهذا صار الفرق شعارَ المسلمين، وكان من الشُّروط على أهل الذمَّة أن لا يفرقوا شعورَهم، وهذا كما أنَّ الله شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقةً لأهل الكتاب ثم نسخ ذلك، وأمر باستقبال الكعبة، وأخبر عن اليهود وغيرهم من السُّفهاء أنهم سيقولون: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142]، وأخبر أنَّهم لا يرضون عنه حتى يتَّبع قبلتهم، وأخبره أنَّه إن اتَّبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي ولا نصير، وأخبره أنَّ لكلٍّ وِجهَةً هُو موَلِّيها، وكذلك أخبره في موضع آخر أنه جعل لكلٍّ شرعةً ومنهاجًا، فالشعار من جملة الشرعة.

والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم عاشوراء الذي صامه وقال: «نحن أحقُّ بموسى منكم» قد شرَع قُبيل موته مخالفةَ اليهود في صومه، وأمَر صلى الله عليه وسلم بذلك؛ ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما -وهو الذي يقول: وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وهو الذي روى قوله: «نحن أحق بموسى منكم»– أشدَّ الصحابة رضي الله عنهم أمرًا بمخالفة اليهود في صوم يوم عاشوراء، وقد ذكرنا أنَّه هو الذي روى شرع المخالفة.

وروى أيضًا مسلمٌ في صحيحه عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسِّدٌ رداءَه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء، فقال: إذا رأيتَ هلال المحرَّم فاعدُد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان محمَّد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم([37]). ومعنى قول ابن عباس: صم التاسع، يعني: والعاشر… وممَّا يوضح ذلك: أنَّ كلَّ ما جاء من التشبُّه بهم إنَّما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ؛ ذلك أنَّ اليهود إذ ذاك كانوا لا يتميَّزون عن المسلمين، لا في شعور ولا في لباس، لا بعلامة ولا غيرها.

ثم إنَّه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي. وسبب ذلك: أنَّ المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوِّه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاءَ لم تشرع المخالفة لهم، فلمَّا كمل الدين وظهر وعلا شرع ذلك”([38]).

الوجه الثالث: أنَّ ما كان مشروعًا عند اليهود والنصارى وشُرع لنا فإنَّنا أُمرنا بالمخالفة صفةً، فلم نوافقهم على مثل فعلهم، يقول رحمه الله: “قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار ما دلَّ على أنَّ التشبهَ بهم في الجملة منهيٌّ عنه، وأنَّ مخالفتهم في هديهم مشروع، إما إيجابًا وإمَّا استحبابًا بحسب المواضع. ثم اعلم أنَّ أعمالهم ثلاثة أقسام:

قسمٌ مشروع في ديننا مع كونه كان مشروعًا لهم، أو لا يعلم أنه كان مشروعًا لهم لكنَّهم يفعلونه الآن.

وقسمٌ كان مشروعًا ثم نسخه شرعُ القرآن.

وقسمٌ لم يكن مشروعًا بحال، وإنَّما هم أحدثوه.

وهذه الأقسام الثلاثة إما أن تكون في العبادات المحضة، وإما أن تكون في العادات المحضة وهي الآداب، وإما أن تجمع العبادات والعادات، فهذه تسعة أقسام.

فأما القسم الأول -وهو ما كان مشروعا في الشريعتين، أو ما كان مشروعا لنا وهم يفعلونه- فهذا كصوم عاشوراء، أو كأصل الصَّلاة والصيام، فهنا تقع المخالفة في صفة ذلك العمل، كما سنَّ لنا صوم تاسوعاء وعاشوراء، كما أمرنا بتعجيل الفطور والمغرب مخالفةً لأهل الكتاب، وبتأخير السحور مخالفةً لأهل الكتاب، وكما أمرنا بالصلاة في النعلين مخالفةً لليهود، وهذا كثير في العبادات”([39]).

ثانيًا: فضل صيام عاشوراء:

من المسائل المتعلِّقة بفضل صيام يوم عاشوراء مسألة تكفيره للذنوب، فهل يكفِّر صيام يوم عاشوراء كبائرَ الذنوب؟

يقرِّر ابن تيمية رحمه الله أنَّ التَّكفير الوارد في عاشوراء لا يتناول كبائرَ الذنوب، فإنَّها تحتاج إلى توبةٍ خاصَّة، يقول رحمه الله: “صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «صيامُ يومِ عرفة يكفِّر سنتين، وصيامُ يوم عاشوراء يكفِّر سنة»([40])، لكن إطلاق القول بأنَّه يكفِّر لا يوجب أن يكفِّر الكبائر بلا توبة، فإنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفَّارةٌ لما بينهنَّ إذا اجتُنِبتِ الكبائر»([41])، ومعلومٌ أنَّ الصلاةَ هي أفضل من الصيام، وصيام رمضان أعظَم من صيام يوم عرفة، ولا يكفِّر السيئاتِ إلا باجتنابِ الكبائر كما قيَّده النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يُظَنّ أنَّ صومَ يومٍ أو يومين تطوّعًا يكفِّر الزنا والسرقة وشربَ الخمر والميسر والسحر ونحوه؟! فهذا لا يكون. وتكفير الطَّهارة والصَّلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصَّغائر فقط، وكذا الحج؛ لأنَّ الصلاة ورمضان أعظم منه”([42]).

وقد استدلَّ رحمه الله هنا بدليل الأولى، فقد جاء نصٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن فيه أن الصلوات المفروضة لا تكفِّر الكبائر، فصيام التطوع من باب أولى. وفي هذا ردٌّ على منكري هذا النوع من السنَّة بحجَّة أنَّ هذا الفضلَ العظيم لا يمكن أن يكونَ في صيام تطوّع، فينكرون أحاديث الفضائل لهذا السبب! وقد قالوا هذا القول بناء على تصوُّر خاطئٍ لنوع الذنب الذي يكفِّره صيام عاشوراء، وهي الصغائر دون الكبائر.

ثالثًا: عاشوراء ومقتل الحسين:

لا شكَّ أنَّ من أعظم ما حدث في هذا اليوم: استشهادَ الحسين رضي الله عنه، وذلك في عهد يزيد بن معاوية سنة إحدى وستين([43])، والمسلمون بعد هذه الحادثة في يوم عاشوراء ليسوا كما كانوا قبلها؛ فقد استُحدِثت بدعٌ كثيرة بسببها، وكان لابن تيمية رحمه الله موقفٌ واضحٌ من استشهاد الحسين رضي الله عنه، وهو على خلاف ما يحاول البعض تصويرَه على أنَّه مبغضٌ لآل البيت كارهٌ لهم([44])، رغم أنَّ موقفه من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان عكسَ ذلك تمامًا، فقد أحبَّ آل البيت، وأنصفَهم، وذكر بالسوء منِ انتقَص مِن حقِّهم، بل قد قيل له: لا تحبون أهل البيت، فقال: “محبَّتهم عندنا فرضٌ واجبٌ يؤجَر عليه”([45])،

فكان رحمه الله محبًّا لأهل البيت كما هو شأن كلِّ مسلم سنِّيٍّ([46])، وسنذكر باختصار ما قاله ابن تيمية رحمه الله عن مقتل الحسين في سياق ذكره ليوم عاشوراء؛ إذ إنَّه ليس مقصدنا التَّوسّع في ذكر موقفه من استشهاد الحسين رضي الله عنه، وذلك عبر النقاط الآتية:

1- بيان مبعث خروجه:

كانَ الحسين رضي الله عنه في مكة المكرمة، ثم خرج منها إلى العراقِ بعد أن بعثَ إليه أهلُها بكتبٍ تدعوه إلى القدوم إليهم ليبايِعُوه، وقد نهاه عددٌ من الصحابة الكرام عن هذا الخروج لِما رأوا في ذلك من المفاسد، فممَّن نهاه ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، لكن الحسين رضي الله عنه ذهب إلى العراق حيث استشهد رحمه الله([47])، وابن تيمية رحمه الله يؤكِّد أنه استشهد يوم عاشوراء فيقول: “والحسين -رضي الله عنه ولعن من قتله ورضي بقتله- قُتل يومَ عاشوراء عامَ واحدٍ وستين”([48])، ويقول في بيانِ سبب خروجه إلى العراق: “وقامت طوائف كاتبوا الحسينَ، ووعدوه بالنَّصر والمعاونة إذا قام بالأمر، ولم يكونوا مِن أهل ذلك، بل لَمَّا أرسل إليهم ابن عمِّه أخلفوا وعده، ونقضوا عهدَه، وأعانوا عليه من وعدوه أن يدفعوه عنه ويقاتلوه معه. وكان أهل الرأي والمحبَّة للحسين -كابن عباس وابن عمر وغيرهما- أشاروا عليه بأن لا يذهبَ إليهم، ولا يقبلَ منهم، ورأوا أنَّ خروجَه إليهم ليس بمصلحة، ولا يترتَّبُ عليه ما يسرُّ، وكان الأمر كما قالوا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

فلمَّا خرج الحسين رضي الله عنه ورأى أنَّ الأمور قد تغيَّرت طلب منهم أن يدَعوه يرجِع، أو يلحق ببعض الثغور، أو يلحق بابن عمِّه يزيد، فمنعوه هذا وهذا حتى يُستأسر، وقاتلوه، فقاتلهم فقتلوه وطائفةً ممن معه مظلومًا شهيدًا شهادةً أكرمه الله بها، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه، وأوجَب ذلك شرًّا بين الناس”([49]).

2- بيانُ مكانة الحسين رضي الله عنه وأنَّه قتل مظلومًا:

في كلِّ مرة يتحدَّث فيها ابن تيمية رحمه الله عن استشهاد الحسين يذكر أنَّه قد قُتل مظلومًا، ويترضَّى عليه، ويتحدَّث بالسوء عن قاتله، فلو أنه كان مواليًا لأعداء آل البيت كما يدَّعي خصوم شيخ الإسلام لما كان منه ذلك رحمه الله؛ لكنَّه يذكر الحقَّ، ويضع الأمور موضعَها الذي وضعته الشريعة، يقول رحمه الله: “وقاتلوه، فقاتلهم فقتلوه وطائفةً ممن معه مظلومًا شهيدًا شهادة أكرمه الله بها، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه”([50])، ويقول: “فلمَّا قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم عاشوراء قتلته الطائفة الظَّالمة الباغية، وأكرم الله الحسين بالشَّهادة، كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته، أكرم بها حمزة وجعفرًا وأباه عليًّا وغيرهم، وكانت شهادته ممَّا رفع الله بها منزلته وأعلى درجته، فإنَّه هو وأخوه الحسن سيِّدَا شباب أهل الجنة، والمنازل العالية لا تُنال إلا بالبلاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ فقال: «الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة»([51])، فكان الحسن والحسين قد سبق لهما من الله تعالى ما سبق من المنزلة العالية، ولم يكن قد حصل لهما من البَلاء ما حَصَل لسلفِهما الطَّيب، فإنَّهما وُلدا في عزِّ الإسلام، وتربَّيا في عزٍّ وكرامة، والمسلمون يعظِّمونهما ويكرمونهما، ومات النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يستكملا سنَّ التَّمييز… كانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يُلحقهما بأهل بيتِهما كما ابتلى من كان أفضلَ منهما، فإنَّ عليَّ بن أبي طالب أفضلُ منهما وقد قُتل شهيدًا”([52]).

أمَّا عن قاتل الحسين رضي الله عنه فإنَّ ابن تيمية يقول فيه: “وأمَّا من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضِيَ بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقبَل الله منه صرفًا ولا عدلًا”([53]).

3- الواجب على المسلم في قضيةِ مَقتل الحسين:

استشهد الحسين رضي الله عنه في يوم عاشوراء، وقد حدَث بعد ذلك في الأمة من التَّفرق والتحزُّب وسفك الدماء وإظهار البدع ما لم يكُن قبل، والمسلم مطلوبٌ منه عند المصائب أن يسترجع ويقول كما ذكر الله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156]، ومن الخروج عن السُّنة أن يكونَ هذا الحدثُ مدعاةً للحزبيَّات والتَّفرق وإظهار البدع كل عام.

يقول ابن تيمية رحمه الله مبيِّنًا ما يجب على المسلمين فعلُه عند تذكُّر استشهاد الحسين رضي الله عنه: “فإنَّ مصيبةَ الحسين وغيره إذا ذُكرت بعد طول العهد فينبغي للمؤمن أن يسترجعَ فيها كما أمر الله ورسولُه؛ ليُعطى من الأجر مثلَ أجر المصاب يومَ أصيب بها، وإذا كان الله تعالى قد أمرَ بالصَّبر والاحتساب عند حدثان العهد بالمصيبة، فكيف مع طول الزَّمان؟! فكان ما زيَّنه الشَّيطان لأهل الضَّلال والغيِّ منِ اتِّخاذ يوم عاشوراء مأتمًا، وما يصنعون فيه من الندب والنِّياحة، وإنشاد قصائدِ الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذبٌ كثير، والصِّدق فيها ليس فيه إلا تجديدُ الحزن والتعصُّب، وإثارة الشَّحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتَّوسل بذلك إلى سبِّ السَّابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدنيا”([54])، ويقول رحمه الله: “وأهل الاستقامة والاعتدال يطيعون الله ورسولَه بحسب الإمكان، فيتَّقون الله ما استطاعوا، وإذا أمرهم الرسولُ بأمرٍ أَتوا منه ما استطاعوا، ولا يتركون ما أُمروا به لفعل غيرهم ما نهى عنه، بل كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، ولا يعاونون أحدًا على معصيةٍ، ولا يزيلون المنكر بما هو أنكرُ منه، ولا يأمرون بالمعروف إلا بالمعروف، فهم وسطٌ في عامة الأمور؛ ولهذا وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّهم الطَّائفة الناجية لما ذكر اختلاف أمته وافتراقهم.

ومن ذلك: أنَّ اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيِّه، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء، وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظَم المصائب الواقعة في الإسلام، وقد روى الإمام أحمد وغيره عن فاطمة بنت الحسين -وقد كانت قد شهدت مصرع أبيها- عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهم، عن جدِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «ما من رجلٍ يُصاب بمصيبةٍ فيذكر مصيبتَه وإن قدمت، فيحدث لها استرجاعًا، إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها»([55])، فقد علم الله أنَّ مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدَّد ذكرها مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديثَ صاحبُ المصيبة والمصاب به أولًا، ولا ريب أنَّ ذلك فعله الله كرامةً للحسين رضي الله عنه، ورفعًا لدرجته ومنزلته عند الله، وتبليغًا له منازلَ الشهداء، وإلحاقًا له بأهل بيته الذين ابتُلوا بأصناف البلاء”([56]).

4- موقف ابن تيمية ممَّا حدث بعد استشهاد الحسين من إقامة المآتم وغيرها:

أمرَ الله المسلمين عند المصائب بالصَّبر والاحتساب والاسترجاع، إلَّا أن بعضَ الفرق كالشيعة لم تبقَ على منهاج النبوة، ولم تسِر على هدي الشرع في هذه المسألة، فاستحدثت بدعًا كثيرةً ما أنزل الله بها من سلطان، ويبيِّن ابن تيمية رحمه الله أنها بدعُ ضلال، وأنَّ لها مآلاتٍ خطيرةً على الأمة الإسلامية كلِّها، وهذه البدعُ إمَّا أن تُدخل الأمة إلى وحل الخرافة والدجل، أو تجرَّها إلى مستنقعات الدماء والثأر، وكل ذلك غير مرادٍ للشريعة، ولم تأمر به، بل نهت عنه، يقول ابن تيمية رحمه الله: “النَّوع الثالث: ما هو معظَّم في الشريعة؛ كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، ويومي العيدين، والعشر الأواخر من شهر رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، وليلة الجمعة ويومها، والعشر الأول من المحرم، ونحو ذلك من الأوقات الفاضلة، فهذا الضَّرب قد يحدث فيه ما يعتقد أنَّ له فضيلةً، وتوابع ذلك ما يصير منكرًا ينهى عنه؛ مثل ما أحدث بعض أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التَّعطُّش والتَّحزُّن والتَّجمُّع وغير ذلك من الأمور المحدثة التي لم يشرعها الله تعالى، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدٌ من السلف، لا من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من غيرهم، لكن لَمَّا أكرم الله فيه سبط نبيِّه أحد سيدي شباب أهل الجنة وطائفة من أهل بيته بأيدي الفجرة الذين أهانهم الله، وكانت هذه مصيبةً عند المسلمين يجب أن تتلقَّى بما يتلقَّى به المصائب من الاسترجاع المشروع، فأحدث بعض أهل البدع في مثل هذا اليوم خلافَ ما أمر الله به عند المصائب، وضمُّوا إلى ذلك من الكذب والوقيعة في الصَّحابة البرآء من فتنة الحسين رضي الله عنه وغيرها أمورًا أخرى ممَّا يكرهها الله ورسوله، وقد روي عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصيب بمصيبة، فذكر مصيبته، فأحدث استرجاعًا، وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثلها يوم أصيب»([57])، فتدبَّر كيف روى مثل هذا الحديث الحسين رضي الله عنه، وعنه بنته التي شهدت مصابه! وأمَّا اتخاذ أمثال أيَّام المصائب مآتمَ فهذا ليس في دين المسلمين، بل هو إلى دين الجاهلية أقرب”([58]).

وقد سلك ابن تيمية رحمه الله في بيان بدعية هذه الأفعال وحرمتها عدة مسالك منها:

المسلك الأول: بيان أن هذه الأفعال مما نهت عنه الشريعة، وذكرت فيه الوعيد، وبناء عليه فهي ليست من الدين، ولا يجوز للمسلم أن يفعلها، يقول رحمه الله: “فصارت طائفةٌ جاهلة ظالمة -إمَّا ملحدة منافقة، وإما ضالَّة غاوية- تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتَّخذ يوم عاشوراء يوم مأتمٍ وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية؛ من لطم الخدود، وشقِّ الجيوب، والتعزِّي بعزاء الجاهلية. والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة إنَّما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع، كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157]، وفي الصَّحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «ليس منَّا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»([59])، وقال: «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة»([60]). وقال: «النائحةُ إذا لم تتُب قبل موتها تُقام يومَ القيامة وعليها سربالٌ من قطِران ودِرع من جرَب»([61])([62]).

المسلك الثاني: أن هذا لم يفعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند المصائب، ولم يفعله الحسن والحسين عند استشهاد علي بن أبي طالب، ولم يفعله آل بيت الحسين، فمن أين شرعوا هذه الأفعال؟! يقول رحمه الله: “أمَّا اتخاذُ المآتم في المصائب واتخاذ أوقاتِها مآتم فليس من دينِ الإسلام، وهو أمرٌ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولا أحدٌ من السَّابقين الأولين، ولا من التَّابعين لهم بإحسان، ولا من قادة أهل البيت، ولا غيرهم، وقد شهد مقتلَ عليٍّ أهلُ بيته، وشهد مقتلَ الحسين من شهِده من أهلِ بيتِه، وقد مرَّت على ذلك سنونٌ كثيرة وهم متمسِّكون بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحدثون مأتمًا ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله، أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة”([63]).

وخلاصة الأمر: أنَّ ما تفعله الشيعة اليوم لم يأت به الشَّرع، بل قد نهت عنه، ولم يفعله آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بل لم يفعله الحسين رضي الله عنه بعد استشهاد أبيه.

5- موقف ابن تيمية من إظهار الفرح ومظاهره في يوم عاشوراء:

إن كان إظهار الحزن وإقامةُ المآتم وضربُ الخدود وشقُّ الجيوب من البدع التي استحدثتها الشيعة في يوم عاشوراء، فإنَّه أيضًا من البدع أن يجعلَ الإنسانُ يوم عاشوراء يومًا لإظهار الفرح والسُّرور، أو يخصّصه باكتحالٍ أو خضاب أو غير ذلك، ومن إنصاف ابن تيمية رحمه الله أنه يذكر البدعَتين جميعًا، وفيه رد على مزاعم من يتَّهمه بأنه يتحامل على الشيعة، أو يذكر عنهم ما ليس بحق، أو يتغاضى عن غيرِهم، فدين الله فوق أيّ طائفةٍ أو حزب، وفوق كل البدع من أيِّ طائفة كانت.

وقد تحدَّث الشيخ رحمه الله عن هذه البدع، وبيّن أنَّها لا يصحّ فيها حديثٌ واحد، يقول رحمه الله: “وأحدَثَ بعضُ النَّاس فيه أشياء مستندةً إلى أحاديث موضوعة لا أصلَ لها، مثل: فضل الاغتسال فيه، أو التكحُّل، أو المصافحة، وهذه الأشياء ونحوها من الأمور المبتدعة، كلُّها مكروهة، وإنَّما المستحب صومه.

وقد روي في التَّوسيع على العيال في آثار معروفة أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: بلغنا أنه من وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر سنته. رواه عنه ابن عيينة. وهذا بلاغٌ منقطع لا يُعرف قائله، والأشبه أنَّ هذا وُضع لما ظهرت العصبيَّة بين النَّاصبة والرَّافضة، فإنَّ هؤلاء اتَّخذوا يومَ عاشوراء مأتمًا، فوضع أولئك فيه آثارًا تقتضي التوسّع فيه، واتخاذه عيدًا، وكلاهما باطل([64]).

ويبيِّن رحمه الله أنَّ هذه الأفعالَ لم يرد فيها حديثٌ، ولم يفعلها الصحابة ولا التَّابعون لهم بإحسان، ولم يستحب ذلك أحد من الأئمة، فقد سُئل عمَّا يفعله النَّاس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وغير ذلك، فهل ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ صحيح أم لا؟ وإذا لم يرد حديثٌ صحيحٌ في شيءٍ من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟

فأجاب رحمه الله: “الحمد لله رب العالمين. لم يرد في شيء من ذلك حديثٌ صحيحٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولا استحبَّ ذلك أحدٌ من أئمَّة المسلمين؛ لا الأئمَّة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصَّحابة ولا التابعين، لا صحيحًا ولا ضعيفًا، لا في كتب الصحيح، ولا في السُّنن ولا المسانيد، ولا يعرف شيءٌ من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة.

ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أنَّ من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك. ورووا فضائل في صلاةِ يوم عاشُوراء، ورووا أنَّ في يوم عاشوراء توبة آدم، واستواء السفينة على الجودي، ورد يوسف على يعقوب، وإنجاء إبراهيم من النَّار، وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك. ورووا في حديث موضوعٍ مكذوبٍ على النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة([65])، ورواية هذا كله عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب”([66]).

بل يرى رحمه الله أنَّ بعضَ هذه الأحاديث التي روِيت في مظاهر الفرح في هذا اليوم قد وُضعت ممَّن يكره عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، يقول رحمه الله: “وأمَّا سائر الأمور؛ مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة، إما حبوب وإمَّا غير حبوب، أو تجديد لباس وتوسيع نفقة، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم، أو فعل عبادة مختصة؛ كصلاةٍ مختصة به، أو قصد الذَّبح، أو ادِّخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب، أو الاكتحال والاختضاب، أو الاغتسال أو التصافح، أو التزاور أو زيارة المساجد والمشاهد، ونحو ذلك، فهذا من البِدع المنكرة التي لم يسنَّها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤُه الرَّاشدون، ولا استحبَّها أحدٌ من أئمَّة المسلمين، لا مالك، ولا الثوري، ولا الليث بن سعد، ولا أبو حنيفة، ولا الأوزاعي، ولا الشَّافعي، ولا أحمد بن حنبل، ولا إسحاق بن راهويه، ولا أمثال هؤلاء من أئمَّة المسلمين وعلماء المسلمين، وإن كان بعض المتأخرين من أتباع الأئمَّة قد كانوا يأمرون ببعض ذلك، ويروون في ذلك أحاديث وآثارًا، ويقولون: إنَّ بعضَ ذلك صحيح، فهم مخطئون غالطون بلا ريبٍ عند أهل المعرفة بحقائق الأمور.

وقد قال حرب الكرماني في مسائله: سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: «من وسع على أهله يوم عاشوراء» فلم يره شيئًا. وأعلى ما عندهم أثر يروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه أنه قال: بلغنا أنه من وسَّع على أهله يوم عاشوراء وسَّع الله عليه سائر سنته. قال سفيان بن عيينة: جربناه منذ ستين عاما فوجدناه صحيحًا. وإبراهيم بن محمد كان من أهل الكوفة، ولم يَذكُر ممَّن سمع هذا ولا عمَّن بلغه، فلعلَّ الذي قال هذا من أهل البدع الذين يبغضون عليًّا وأصحابَه، ويريدون أن يقابلوا الرافضة بالكذب مقابلة الفاسد بالفاسد والبدعة بالبدعة([67]).

فالطَّرفان مبتدعان، الطَّرف الذي يجعل يوم عاشوراء يوم حزنٍ ومأتمٍ وتفريق بين الأمَّة وسبٍّ للصحابة الكرام، والطرف الذي يقابل هذا فيجعله يوم فرح وسرورٍ، ويخصه بالاغتسال والاكتحال والتوسيع على الأهل وغير ذلك، يقول رحمه الله في بيان ذلك: “وأمَّا ما يروَى في الكحل يوم عاشوراء أو الخضاب أو الاغتسال أو المصافحة أو مسح رأس اليتيم أو أكل الحبوب أو الذبح ونحو ذلك، فكل ذلك كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك بدعة لا يستحب منه شيء عند أئمة الدين، وما يفعله أهل البدع فيه من النياحة والندب والمأتم وسب الصحابة رضي الله عنهم هو أيضا من أعظم البدع والمنكرات، وكل بدعة ضلالة”([68]).

رابعًا: عاشوراء والابتداع في الدين:

ممَّا يفعله بعض الناس في يوم عاشوراء: تخصيصُهم له بصلاة خاصةٍ، وهذا لم يأت به الشَّرع، فيكون التخصيصُ مخالفًا للسنة، يقول ابن تيمية رحمه الله في بيان ذلك: “وصلوات أخر تذكر في الأشهر الثلاثة، وصلاة ليلتي العيدين وصلاة يوم عاشوراء، وأمثال ذلك من الصلوات المرويَّة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مع اتِّفاق أهل المعرفة بحديثه أنَّ ذلك كذبٌ عليه، ولكن بلغ ذلك أقوامًا من أهل العلم والدِّين، فظنوه صحيحًا فعملوا به، وهم مأجورون على حسن قصدهم واجتهادهم، لا على مخالفة السُّنة”([69])، ويقول رحمه الله: “وكذلك قد يروج على كثيرٍ ممَّن ينتسب إلى السنة أحاديثُ يظنُّونها من السنة وهي كذب، كالأحاديث المروية في فضائل عاشوراء غير الصوم، وفضل الكحل فيه، والاغتسال، والحديث، والخضاب، والمصافحة، وتوسعة النفقة على العيال فيه، ونحو ذلك، وليس في عاشوراء حديثٌ صحيح غير الصوم. وكذلك ما يروى في فضل صلواتٍ معينة فيه، فهذا كلُّه كذبٌ موضوعٌ باتِّفاق أهل المعرفة، ولم ينقل هذه الأحاديث أحدٌ من أئمَّة أهل العلم في كتبهم”([70]).

وخلاصة الأمر: أن هذا اليوم ثبت فيه الصيام فقط، ولم يثبت فيه حديث آخر في مشروعية شيء من العبادات فيه.

بيانُ الباعث على هذه البدع وأصلها:

تقدَّم ذكرُ أنَّ من النَّاس من جعلوا هذا اليوم يوم حزنٍ ومأتم، ومنهم من جعلوه يوم فرحٍ وسرور، وأصل منشأِ هذه البدع أنَّ الشيعة ابتدعوا حزنَهم ومآتمهم بعد استشهاد الحسين رضي الله عنه، ولم يكن ذلك قبل، فلمَّا فعلوا ذلك وأوغلوا فيه ابتدع قومٌ من النَّاصبة المبغضين لآل البيت أفعالًا في مقابلة أفعال الشيعة من إظهار الفرح والسرور، وكلا الفعلين بدعة.

يقول ابن تيمية رحمه الله: “وقد يكون سببُ الغلوِّ في تعظيمه من بعض [المتسنِّنة] لمقابلة الروافض، فإنَّ الشيطان قصده أن يحرف الخلق عن الصِّراط المستقيم، ولا يبالي إلى أي الشقَّين صاروا”([71])، ويقول أيضًا: “والأشبه أنَّ هذا وُضع لما ظهرت العصبية بين النَّاصبة والرَّافضة، فإنَّ هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتمًا، فوضع أولئك فيه آثارًا تقتضي التوسّع فيه، واتخاذَه عيدًا، وكلاهما باطل”([72]).

ويفصِّل رحمه الله هذا الأمر ويبين أن البدعتين قد خرجتا من الكوفة، بدعة مقابل بدعة، يقول رحمه الله: “وأهل الكوفة كان فيه طائفتان:

طائفةٌ رافضة يظهرون موالاة أهل البيت، وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة، وإما جهال، وأصحاب هوى.

وطائفة ناصبةٌ تبغض عليًّا وأصحابه، لما جرى من القتال في الفتنة ما جرى. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير»([73]).

فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان يظهر موالاة أهل البيت، والانتصار لهم… وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان منحرفًا عن علي وأصحابه، فكان هذا من النَّواصب، والأوَّل من الروافض، وهذا الرافضي كان أعظمَ كذبًا وافتراءً وإلحادًا في الدين، فإنه ادَّعى النبوةَ، وذاك كان أعظم عقوبة لمن خرج على سلطانه، وانتقامًا لمن اتَّهمه بمعصية أميره عبد الملك بن مروان، وكان في الكوفة بين هؤلاء وهؤلاء فتنٌ وقتال، فلمّا قُتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يومَ عاشوراء قتلته الطائفة الظَّالمة الباغية، وأكرم الله الحسين بالشَّهادة، كما أكرم بها من أكرم من أهل بيته؛ صارت طائفة جاهلة ظالمة: إمَّا ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية، تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتَّخذ يوم عاشوراء يومَ مأتم وحزن ونياحة، وتُظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهلية… فعارض هؤلاء قومٌ إمَّا من النَّواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته، وإمَّا من الجهَّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشَّرَّ بالشَّر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسُّرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب، وتوسيع النَّفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك ممَّا يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتَّخذون يومَ عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتَّخذونه مأتما يقيمون فيه الأحزان والأتراح، وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة، وإن كان أولئك أسوأ قصدًا، وأعظم جهلًا، وأظهر ظلمًا، لكن الله أمر بالعدل والإحسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كلَّ بدعة ضلالة»([74]). ولم يسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤُه الرَّاشدون في يوم عاشوراء شيئًا من هذه الأمور، لا شعائر الحزن والتَّرح، ولا شعائر السُّرور والفرح”([75]).

ويقول أيضًا رحمه الله: “وصارَ الشَّيطان بسبب قتل الحسين رضي الله عنه يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم والصُّراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي، وما يفضي إليه ذلك من سبِّ السلف ولعنتهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذُّنوب، حتى يسب السَّابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثيرٌ منها كذب، وكان قصد من سنَّ ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمَّة، فإنَّ هذا ليس واجبًا ولا مستحبًّا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله. وكذلك بدعة السرور والفرح.

وكانت الكوفة بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسين، وكان رأسهم المختار بن أبي عبيد الكذاب، وقوم من النَّاصبة المبغضين لعلي رضي الله عنه وأولاده، ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «سيكون في ثقيفٍ كذَّاب ومبير»([76]).

فكان ذلك الشِّيعي هو الكذّاب، وهذا النَّاصبي هو المبير، فأحدث أولئك الحزنَ، وأحدث هؤلاء السرورَ… وهذه بدعة أصلها من المتعصِّبين بالباطل على الحسين رضي الله عنه، وتلك بدعة أصلها من المتعصِّبين بالباطل له، وكل بدعةٍ ضلالة، ولم يستحبَّ أحدٌ من أئمَّة المسلمين الأربعة وغيرهم لا هذا ولا هذا، ولا في شيءٍ من استحباب ذلك حجَّة شرعيَّة، بل المستحب يوم عاشوراء الصِّيام عند جمهور العلماء، ويستحب أن يصام معه التَّاسع، ومنهم من يكره إفراده بالصيام، كما قد بسط في موضعه”([77]).

بيان أن الواجب هو الوسطية([78]):

لَمَّا ابتدع الناسُ في يوم عاشوراء تلك البدعتين بيَّن ابن تيمية رحمه الله أن الواجبَ على المسلم هو الوسطية، وتتمثَّل في اتباع ما جاء به الشَّرع الكريم من صيامه وصيام يوم قبله، وإحداثُ أي أمرٍ آخر عدا هذا يُعَدُّ بدعة لم تأت بها الشريعة، يقول رحمه الله: “ولكن الذي ثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه وقال: «صومُه يكفِّر سنة»([79])، وقرَّر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الله أنجى فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، وروى أنه كان فيه حوادث الأمم… فمن كرامة الحسين أن الله جعل استشهاده فيه، وقد يجمع الله في الوقت شخصًا أو نوعًا من النعمة التي توجب شكرًا، أو المحنة التي توجب صبرًا، كما أنَّ سابع عشر شهر رمضان فيه كانت وقعة بدر، وفيه مقتل عليّ… وأبلغ من ذلك: أنَّ يوم الاثنين في ربيع الأول فيه مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه هجرته، وفيه وفاته.

والعبد المؤمن يُبتلى بالحسنات التي تسرُّه، والسيئات التي تسوءه في الوقت الواحد؛ ليكون صبَّارًا شكورًا، فكيف إذا وقع مثل ذلك في وقتين متعدِّدين من نوع واحد؟!

ويستحبُّ صوم التاسع والعاشر، ولا يستحبّ الكحل، والذين يصنعونه من الكحل من أهل الدين لا يقصدون به مناصبة أهل البيت وإن كانوا مخطئين في فعلهم، ومن قصد منهم أهل البيت بذلك أو غيره، أو فرح أو استشفى بمصائبهم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنَّة حتى يحبُّوكم من أجلي»([80]).

فانظر كيف ينصف ابن تيمية رحمه الله ويبيِّن أنَّ بعضَ مظاهر الفرح لا يقصد بها أصحابها مناصبةَ العداء لآل البيت، ومع ذلك فهم مخطئون، أما مَن قصد مناصبة العداء لأهل بيت النبي صلَّى الله عليه وسلم فقد أتى بذنبٍ عظيم، “والمقصود هنا أنَّ ما أحدثوه من البدع فهو منكر، وما أحدثه من يقابل بالبدعة البدعة وينسب إلى السنة هو أيضا منكر مبتدع. والسُّنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي برية من كلّ بدعة، فما يفعل يوم عاشوراء من اتخاذه عيدًا بدعة أصلُها من بدع النواصب، وما يفعل من اتخاذه مأتمًا بدعة أشنَع منها، وهي من البدع المعروفة في الروافض”([81]).

فالمطلوب من المسلم أن يلتزم بما جاء به الشرع، فقد قال الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وكلُّ ما يفعله الناس من الدين بعد أن أتمَّ الله الإسلام هو من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وأخيرًا: ابن تيمية رحمه الله سائرٌ على منهج السلف الصَّالح من قبله، ويؤصِّل ليوم عاشوراء كما أراد الشَّرع الكريم، فيبين أنَّ المشروع فيه هو الصيام فقط، وصيام يوم قبله أو بعده، ولا يشرع فيه شيءٌ من البدع التي أحدثتها الشيعة من جانب، والنواصب أو الجهال من جانبٍ آخر، ومن خلال هذا العرض ندرك أن ابن تيمية رحمه الله كان منصفًا في أحكامه ومواقفه، فلا يحابي أحدًا إن وقع في خطأ، ولا يظلم أحدًا أو يقوِّله ما لم يقله أو يسكت عن قول مخالفه من أجل إظهار شناعة قوله فحسب، بل مشروعه الذي أفنى فيه عمره هو إرجاعُ النَّاس إلى الكتاب والسنة على هدي السلف الصالح رضوان الله عليهم.

وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) Taymiyyas Kritik an der Aristotelischen Logik und sein Gegenentwurf

وقد ترجم البحثَ الأستاذ أحمد فتحي، وهو منشور بموقع الألوكة على الرابط:

https://www.alukah.net/translations/0/28620/

([2]) البداية والنهاية (14/ 158).

([3]) ينظر: الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية كافر (ص: 261-262).

([4]) ينظر: الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية (ص: 29).

([5]) ينظر: الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية كافر (ص: 58-59).

([6]) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: 79).

([7]) انظر ورقة علمية في مركز سلف بعنوان: “يوم عاشوراء ينطق بالتوحيد”، على الرابط:

https://salafcenter.org/4111/

([8]) أخرجه مسلم (1129) بلفظ: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن أحبَّ منكم أن يصوم فليصم، ومن أحبَّ أن يفطرَ فليفطر».

([9]) أخرجه مسلم (1162) بنحوه.

([10]) أخرجه مسلم (1134).

([11]) مجموع الفتاوى (25/ 311).

([12]) في الحديث ذكرٌ لليوم التاسع، والمراد التاسع مع العاشر كما ذكر ذلك العلماء. انظر: مسند الشافعي (1/ 262)، وشرح معاني الآثار (2/ 77).

([13]) الفتاوى الكبرى (1/ 203).

([14]) الفتاوى الكبرى (5/ 378).

([15]) أخرجه مسلم (855).

([16]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 78).

([17]) أخرجه مسلم (1154).

([18]) أخرجه الترمذي (730) بمعناه، والنسائي (2334) باختلاف يسير، وابن ماجه (1700) بنحوه، قال الترمذي: “حديث حفصة حديثٌ لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قولَه، وهو أصحّ، وهكذا أيضا روي هذا الحديث عن الزهري موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه إلا يحيى بن أيوب”.

([19]) مجموع الفتاوى (25/ 119-120).

([20]) صحيح مسلم (1134).

([21]) مسند الإمام أحمد (2154)، وأخرجه أيضًا البزار (5238)، وصححه ابن خزيمة (2095)، وفي سنده داود بن علي، قال البزار (11/ 394): “لم يكن بالقويِّ في الحديث”.

([22]) علَّقه الترمذي بعد الحديث (755)، وصححه ابن رجب في لطائف المعارف (ص: 108)، والعيني في نخب الأفكار (8/ 420).

([23]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 282-284).

([24]) صحيح مسلم (1133).

([25]) صحيح مسلم (1134).

([26]) سبق تخريجه.

([27]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 467-468).

([28]) سنن الترمذي (755).

([29]) سبق تخريجه.

([30]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 468-469).

([31]) صحيح البخاري (2004)، صحيح مسلم (1130).

([32]) صحيح البخاري (1893)، صحيح مسلم (1125).

([33]) صحيح البخاري (2002).

([34]) صحيح مسلم (1126).

([35]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 465-466).

([36]) أخرجه البخاري (3944) بنحوه.

([37]) صحيح مسلم (1133).

([38]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 466-471)، وانظر في نفس المعنى: مجموع الفتاوى (21/ 170).

([39]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 473-474) ملخَّصًا.

([40]) سبق تخريجه.

([41]) أخرجه مسلم (233).

([42]) المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 126).

([43]) انظر: تاريخ الطبري (5/ 400)، والبداية والنهاية (8/ 186).

([44]) انظر: اتهامات كمال الحيدري على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=VdIxYf4NkPI

وممن اتهمه بذلك أيضًا أحمد الخليلي، حتى إنه قال: “ومع تقادم العهد بقي ابن تيمية -مع محاولته طيَّ ما في نفسه عن الناس- تنفلت منه عبارات، تشي عما يعتمل بين حناياه من الحقد على أبي طالب، حتى إنه شبَّهه بفرعون”. انظر: كتاب الاستبداد مظاهره ومواجهته لأحمد الخليلي (ص: 60).

([45]) مجموع الفتاوى (4/ 487).

([46]) انظر في ذلك: أهل البيت عند شيخ الإسلام ابن تيمية لعمر القرموشي، وجهودُ ابنِ تيميَّةَ في الدِّفاعِ عن آلِ البيت لخالد الربَّاح.

([47]) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (8/ 172-173).

([48]) مجموع الفتاوى (4/ 505).

([49]) الفتاوى الكبرى (1/ 199-200).

([50]) الفتاوى الكبرى (1/ 199-200).

([51]) أخرجه الترمذي (2398)، وأحمد (1481)، وقال الترمذي: “حديث حسن صحيح”، وصححه ابن حبان (2920،2921).

([52]) الفتاوى الكبرى (1/ 196-170).

([53]) مجموع الفتاوى (4/ 487).

([54]) الفتاوى الكبرى (1/ 201).

([55]) أخرجه بنحوه ابن ماجه (1600)، وأحمد (1734)، وضعَّفه البخاري في الضعفاء الكبير (1/ 64)، وقال ابن حجر في الإصابة (1/ 332): “في إسناده ضعف”.

([56]) حقوق آل البيت (ص: 44).

([57]) سبق تخريجه.

([58]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 129-131).

([59]) أخرجه البخاري (1294)، ومسلم (103).

([60]) أخرجه البخاري (1296)، ومسلم (104)، بنحوه.

([61]) أخرجه مسلم (934).

([62]) الفتاوى الكبرى (1/ 200).

([63]) حقوق آل البيت (ص: 46).

([64]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 131-132).

([65]) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (2/ 203).

([66]) الفتاوى الكبرى (1/ 194)، وانظر: حقوق آل البيت (ص: 47).

([67]) الفتاوى الكبرى (25/ 312-313).

([68]) الفتاوى الكبرى (5/ 479).

([69]) الفتاوى الكبرى (2/ 359).

([70]) منهاج السنة النبوية (7/ 433).

([71]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 134).

([72]) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 132).

([73]) صحيح مسلم (2545).

([74]) أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، قال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”، وصححه الحاكم، والحافظ أبو نعيم الأصفهاني، والدغولي، وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي: “هو أجود حديث في أهل الشام وأحسنه”. ينظر: تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب لابن كثير (ص: 135).

([75]) الفتاوى الكبرى (1/ 195-202) ملخصًا.

([76]) سبق تخريجه.

([77]) منهاج السنة النبوية (4/ 554-556)، وانظر أيضًا: (8/ 148).

([78]) في مركز سلف مقال بعنوان: “يوم عاشوراء ووسطية أهل السنة والجماعة”.

([79]) سبق تخريجه.

([80]) حقوق آل البيت (ص: 48).

([81]) منهاج السنة النبوية (8/ 153).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مقال تاريخي للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله

إن استيلاء إمام السنة في هذا العصر عبد العزيز السعود(المقصود فيه الملك عبدالعزيز) على الحجاز , وشروعه في تطهير الحرمين الشريفين من بدع الضلالة , وقيامه بتجديد السنة قد كشف لأهل البصيرة من المسلمين أن ما كان من تساهل القرون الوسطى في مقاومة أهل البدع ؛ قد جر على الإسلام وأهله من الأرزاء , والفساد […]

تغريدات مقالة : دثار الفرق الغالية

لم يمر عصر دون أن يُنال من السلفية، ولم يمضِ وقتٌ دون أن تُلصق بها التهم، مع أنَّ كثيرا من تلك التهم لا أساس لها من الصحة؛ لكنها تُشاع وتذاع في كل مكان   ومن ذلك ما يشاعُ من إلصاق الفرق الغالية في التَّكفير بأهل السنة والجماعة، والادعاء بأن هذه الفرق ماهي إلا مخرجات فكرِ […]

محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم سيِّدُ ولَد آدَم ودَفعُ شُبَه المنكِرينَ

 تصوير الشبهة: لا يخفى على مَن مارس شيئًا من العلم أو رُزِق أدنى لمحة من الفهم تعظيمُ الله لقدر نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وتخصيصُه إيَّاه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنقاد لزِمام، وتنويهُه بعظيم قدره بما تكِلُّ عنه الألسنة والأقلام([1]). ومما يُرثَى له أن يظهرَ في وقتنا المعاصر -ممن ينتسب إلى الإسلام- من ينكِر سيادةَ […]

هل يحبُّ الله الكافرين؟ ضلالُ التيجانية وارتباك الأشاعرة

مقولة التيجاني: وردَت كلماتٌ على لسان شيخِ التيجانية ومؤسِّسها الشيخ أحمد التيجاني مصرِّحةٌ بأن الله يحبُّ الكافرين، وقد حاول بعض التيجانيِّين الدفاعَ عنه بحمل كلامِه على ما يصرِّح به الأشاعرةُ من مرادفَةِ المحبَّة للإرادة، وأبدى في ذلك وأعاد، وصرف القولَ حتى يجدَ مخرجًا لشيخه مما قال([1]). وغالبُ من نقل عنهم أنَّ الإرادةَ بمعنى المحبة إمَّا […]

عرض وتعريف بكتاب: “التطاول الغربي على الثوابت الإسلامية”

معلومات الكتاب: العنوان: التّطاوُل الغربيّ على الثوابت الإسلامية رؤية مستقبليّة. المؤلف: الدكتور محمد يسري، رئيس مركز البحوث وتطوير المناهج في الجامعة الأمريكية المفتوحة. دار النشر: دار اليسر. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة: 1428هـ/ 2007م. محتوى الكتاب: يتكوَّن الكتاب من: مقدمة، وستة مباحث، وخاتمة. المقدّمة: تحدَّث فيها المؤلف عن عالمية الشريعةِ، وأنه يقابل عالميتها عالميةٌ أخرى […]

سُنَّة الصَّحابةِ حجَّةٌ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  من شعارُ أهل البدع: استبدال سنَّةٍ بسنَّةٍ وطريقةٍ بطريقة هو شعارُ أهلِ البدع والضلالات؛ حيث يريدون من الأمَّةِ أن تستبدلَ الذي هو الأدنى بالذي هو خير، يريدونَ مِنها أن تستبدلَ سنَّةَ الضلالة والغواية بسنَّةِ الرشاد والهداية، سنَّةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وسنةِ أصحابه الكرام وخلفائه الراشدين رضي الله […]

يومُ عاشوراء في تراثِ ابن تيميّة رحمه الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة “كان ابنُ تيمية -باتِّفاق خصومِه وأنصاره- شخصيَّةً ذاتَ طرازٍ عظيم؛ فهو فقيهٌ ومتكلِّم ناقدٌ للمنطق الأرسطي والتصوف من جهة، وناقدٌ استثْنائي وباحثٌ أخلاقي من جهة أخرى“. هكذا ابتدأت الباحثةُ الألمانية (أنكه فون كوجلجن) بحثًا مطوَّلا عن ابن تيمية بعنوان: (نقد ابن تيمية للمنطق الأرسطي ومشروعه المضاد)([1]). وهذا القول تسنده […]

دعوى رؤية النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقظة وتلفيق الأحكام

كمال الدين وتمام النعمة: إكمال الدين من أكبر نعم الله تعالى على عباده المؤمنين؛ فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبيٍّ غير نبيِّهم -صلوات الله وسلامه عليه-، فقد جعله الله تعالى خاتمَ الأنبياء والمرسلين، وبعثه إلى جميع الثقلين الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما […]

الأدب مع الله تعالى.. بين الإرشادات القرآنية العالية ومقامات التصوُّف الغالية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الأدبُ عنوان المحبةِ وشعارُ التَّقوى، ودِين الأنبياء وشرعُ الحكماء، وبه يتميَّز الخاصَّة منَ العامةِ، ويُعرف الصادق من الكاذِب، ولا جمالَ للقلب إلا بهِ، فمن حُرِمَه حُرم خيرًا كثيرًا، ومن تحقَّقه ظَفر بالمرادِ في الدنيا والآخرة، وبه يصل العبدُ إلى مقامات العبوديَّة الحقيقيَّة من إحسانٍ ورضا عن الله سبحانه […]

تغريدات مقالة: يومُ عاشوراء ووسطيَّة أهل السُّنة

الناس في دين الله ثلاثة أصناف، فإما غالٍ فيه بالزيادة عليه، أوالجافي عنه بارتكاب المحرمات أو ترك الواجبات، وهما مذمومان، أما الصنف الثالث: فهو التوسط والاعتدال والذي يتمثل في التمسك بالكتاب والسنة. المسلمون أهل وسط بين أهل الأديان كلها، كما قال الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا)، يقول الطبري رحمه الله: ” فلا هم أهلُ […]

يومُ عاشوراء ووسطيَّة أهل السُّنة

أصناف الناس في التزامهم بالدين: النَّاس في دين الله ثلاثة أصناف: الصِّنف الأول: الغالي فيه، وهو المتشدِّد في الدين والمتنطِّع فيه، ويكون غالبًا بفعل شيء لم يأت به الشرع فيكون محدثًا، أو بزيادةٍ على القدر الذي أتى به الشَّرع حتى وإن كان الأصل مشروعًا. الصِّنف الثاني: الجافي عنه، وهو المفرِّط في الدِّين إما بترك الواجبات […]

يومُ عاشوراء ينطِقُ بالتَّوحيد

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: الإنسانُ منذ أن يبدأَ فيه الشعورُ بمن حولَه وهو في سنِّ الطفولة تثور في نفسِه تلك الأسئلة العميقة، وتُلِحّ عليه، فلا يجد مفرًّا منها، أسئلةٌ مثل: من أين أتيتُ؟ وإلى أين أسير؟ من أين جاء هذا الوجود العظيم؟ لماذا أنا موجود؟ ما الغاية التي يجب أن أحقِّقها؟ لماذا […]

هل خالفت “السلفيَّةُ المعاصِرة” منهجَ السلف في المقررات العقدية والتفقُّه؟

 تصوير التهمة: بعضُ خصوم السلفية اليومَ لا يفتؤون يرمونها بكلِّ نقيصةٍ، وإذا رأوا نقطةً سوداءً ركَّزوا عليها العدسة؛ ليجعلوا منها جبلًا يسدُّ أبصار العالَم، فلا يرونَ غيرَه، ولا يتحدَّثون إلا عنه، ولم تزل الخصومةُ ببعضهم حتى أوبقَته في أنفاقِ الفجور عياذًا بالله، وأعمته عن حالِه وحالِ ما يدعُو إليه، فلا يستنكِف مادحُ علمِ الكلام والمفتخِرُ […]

عرض ونقد لكتاب: “الخلافات السياسية بين الصحابة رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ”

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معلومات الكتاب: مؤلف الكتاب: الدكتور محمد المختار الشنقيطي. تقديم: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، والأستاذ راشد الغنوشي. الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى، 2013م. محتويات الكتاب: ليس الكتابُ مؤلَّفًا عبرَ خطَّة بحثيَّة أكاديميَّة، وإنما هو مكوَّن من عناوين عريضة تعبِّر عن فكرة الكاتب وعن مضمونها […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017