الاثنين - 12 ربيع الآخر 1441 هـ - 09 ديسمبر 2019 م

تغريدات مقالة : دثار الفرق الغالية

A A
  • لم يمر عصر دون أن يُنال من السلفية، ولم يمضِ وقتٌ دون أن تُلصق بها التهم، مع أنَّ كثيرا من تلك التهم لا أساس لها من الصحة؛ لكنها تُشاع وتذاع في كل مكان

 

  • ومن ذلك ما يشاعُ من إلصاق الفرق الغالية في التَّكفير بأهل السنة والجماعة، والادعاء بأن هذه الفرق ماهي إلا مخرجات فكرِ أهل السنة والجماعة، وماهي إلا نبتَة نبتت في أرضٍ سنيَّة، ورَبَتْ في تربة سنية، وتغذَّت على أفكار سنية، وحققت مقاصدَ سنية!

  • وهذا الجمع بين الطائفتين بيِّنٌ بُطلانه لدرجة أنهم يتكلفون الرَّبط بين الفرق الغالية وبين أهل السنة والجماعة لوجود تنافرٍ تام بين الطائفتين على مستوى التَّنظير والتطبيق!

  • ومن هذا التكلف إثبات بعض الكُتَّاب نسبة الفرق الغالية إلى أهل السنة والجماعة وعدم نسبتها إلى الخوارج ببيان أوجه الشبه بين الفكرين، وادعاء أن الفرق المتطرفة خارجة من عباءة السلفية، وسنناقش هذا بالمسائل الآتية:

  • المسألة الأولى/ اتفاق الفرق الغَالية مع السَّلفية في الوصف المميز للفرقة.
  • فإنَّهم أتوا إلى أمورٍ تشترك فيها السَّلفية مع هذه الفرق فجعلوها دليلًا على صحة النسبة، ولم ينظروا إلى الصفات الأخرى التي لم تشابهها فيها والتي عليها مدار الانتساب أصلًا.

  • التَّشارك في بعض الأشياء لا يعني أن هذا فرعٌ لذاك، إذن ما معيار إلحاق فرقةٍ بأُخرى؟

  • المعيارُ في ذلك هو الاتِّفاقُ على الأصل المميِّز للفرقة، فإذا أردنا أن نبحث عن اتِّفاقٍ بين فرقةٍ وأخرى يجب أن نبحث عن الوصف المميِّز لكلِّ فرقة ونرى التَّوافق فيه.

  • وبالفحص والتَّدقيق نجد أنَّهم أقرب إلى الخوارج من أي فرقة أخرى، وإن كانوا قد خالفوهم في بعض المسائل، وإذا أردنا أن نعرف صحَّة هذه النسبة يجب أن نعرف ماهو الوصف المميِّز للخوارج؟

  • كثيرٌ من الباحثين يجعلون الوصف المميز للخَوارج هو: تكفيرُ مرتكب الكبيرة، وهذا هو المعيار الذي وضعه بعض الكتاب وانطلقوا من هذا البناء إلى أن الفرق الغالية في التكفير والسَّلفية لا يكفرون بالكبائر فهم في كفَّة والخوارج في كفةٍ أخرى.

  • لكن الصحيح في ذلك كما توصل له بعض الباحثين ومن خلال مجموع مواقفهم يمكنُ استنباط الوصف المميِّز لهم، وهما وصفان:

  • 1/ أنَّهم يكفِّرون بما ليس بمكفِّر، وهذا واضحٌ في قضية تحكيم الرجال، فإنهم كفَّروا بهذا الفعل التي لم يأت نصٌّ شرعي على تكفيره، وتلاحظ أن هذا الفعل لم يكن من الكبائر، بل لم يُعدَّ ذنبًا قبل أن يعدُّوه هم!

  • 2/ أنَّهم يبنون على هذا التكفير استباحة دماء المسلمين، وقد قاتلوا الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه أوَّل ما قاتلوا، فهذان هما الوصفان المميزان للخوارج.

  • وقد أشار إلى هذين الوصفين ابن تيمية رحمه الله فقال: ” أنهم يكفرون بالذنوب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار حرب ودارهم هي دار الإيمان”  فإن كان الوصف المميز للخوارج هما هذان فلا شك أن الفرق الغالية تتبع الخوارج باعتبار هذين الوصفين.

  • المسألة الثانية/ اتفاق الفرق الغالية مع السلفية في مصادر التلقي وطرق فهمها.
  • وهذه طريقة غريبةٌ في الاستدلال، فإن كل الأمة قد اتفقت على مصادر التشريع الأصلية كالقرآن والسنة، فكيف تكون هذه الطائفة منتسبة إلى الطائفة الأخرى لاشتراكِها معها في أمرٍ تشترك فيه الأمة كلها؟!

  • فالسُّنة ليست مصدرًا تشريعيا خاصة بالسلفية ولا تنكرها -في العموم- الطوائف الأخرى، ومن الممكن أن يأتي أحدٌ ويقول: إن الفرق الغالية تمثِّل الإسلام لأنها تأخذ بالقرآن الكريم وتستدلُّ به، وهذا عين مافعله الخوارج حين فهموا القرآن كما أرادوا ثم دعوا الناس إلى تحكيمه حسب فهمهم!

  • وأما طريقة الفهم، فمن النَّاس أيضًا من يقول إن مما يدل على بُعد هذه الفرق عن الخوارج وقربها من السلفية: أن السلفية تفهم القرآن فهمًا حرفيا.

  • ولا أدري كيف أن هذا يجعل الفرق الغالية أقرب إلى السلفية من الخوارج! فإنَّ الخوارج قد تمسكوا بالنص الظاهر والفهم الحرفي للقرآن دون أن ينظروا إلى الآيات الأخرى، فهُم قد تمسَّكوا بأن لاحكم إلا لله، وقاتلوا من أجله، فهل هناك جمودٌ في الفهم أعلى من هذا؟

  • وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى تلك الصفة فيهم حينَ قال (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) وقال في حديثٍ آخر: ( يحسبون أنَّه لهم وهو عليهم).

  • وخلاصَةُ المسألة أنَّ الفرق الغالية لم تُوافق السلفية في مصدرٍ تميَّزوا به، ولم توافقهُم حتى في طريقة فهمهم للنَّص، فمحاولة الربط بين الطائفتين محاولةٌ سقيمة لا تستقيم معَ الإنصاف والعدل.

  • المسألة الثالثة/ اتِّفاق الفرق الغالية في التَّكفير مع السَّلفية في التَّطبيق.
  • ولفهم هذه القضية ومناقشتها يجب التأكيد على أصلين مهمين:
  • 1/ أنَّ الانتساب لا يعني صحة أخذِ المنتسب بكل أصولِ المنتسب إليه.
  • فإن انتسبت الفرق المتطرفة إلى السلفية لا يعني صحة تلك النسبة.

  • 2/ التطبيق لا يبطل التأصيل، ومعناه: أن بعض الناس قد يكونون على عقيدةٍ معينة، ويتبعون أصولًا معينة، ثم يخطئون في بعض التطبيقات، والطريقة المثلى في التعامل معهم أن نبين خطأهم في التَّطبيق دون أن نرجع ذلك إلى إبطالِ الأصل.

  • فانتساب الفرق الغالية لا يعني شيئا إن لم يحققوا أصول السلفية، وهم لم يحققوها، فأصول الفرق الغالية لا تتفق مع أصول السلفية، وكذلك تطبيقاتها لا تتفق مع تطبيقات السلفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

منهجُ السلف في تعظيم السنة خلافُ منهج الخوارج (أثر ابن عباس نموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة منهج السلف مع النصوص الشرعية: منهج السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسانٍ قائم على تعظيم السنن، والحثِّ على التمسُّك بها، والتسليم والانقياد لها، وترك الاعتراض عليها بقول أحد كائنًا من كان، وقد جاء هذا المعنى مصرَّحًا به عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم. ومِن جملةِ ما جاء عنهم […]

هل السَّلفيةُ عاجزةٌ عن تطبيق أفكارها؟

مقدّمة: لا تُحاكَم الأفكارُ إلى تحقُّقِها في الواقِع دونَ قيودٍ، فذلك أمرٌ غيرُ موضوعيٍّ، فالدّين في صورته النقيَّةِ اكتمَل تشريعًا وبيانًا، لكن بعض أحكامِه بقيَت معلَّقة لموانعَ تتعلَّق بالواقع وحياة الناس، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يبنِ الكعبةَ على قواعدِ إبراهيمَ لحداثة عهد الناس بالجاهليّة، ومات ولم يفعَل ذلك، لكنه بيَّنه، وأرشد إليه. وتمنى […]

الأسبابُ وعلاقتُها بالمسبّبات بين أبي حامد الغزاليّ وأبي العبّاس ابن تيميّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدّمة: العقلُ البشريُّ يطمَح دومًا إلى الاطِّلاع على خفايا الأشياء وما وراء حدوثها، وهذا الطموح هو الذي يَنتج عنه سؤالُ الأثر والمؤثِّر والعلاقة بينهما، وهنا تختلِف أنظار البشَر بحسب مصادر المعرفةِ عندهم، والاعتقادِ في هذه المصادر وطبيعتها، فالعقل الدينيُّ في الغالب لا يعاني من حيرةٍ في تفسير أصلِ الأشياء […]

هواية التشنيع على السلفية والكيل بمكيالين -تهنئة النصارى بأعيادهم نموذجًا-

حرص كثيرٌ من خصوم السَّلفية على رفع شعارات الوسطية والموضوعية في وجهِ السلفية؛ لكنَّ الغريب أنَّ حمَلَة هذا الشعارِ لا يلتزِمون به في أجلَى خصوصيَّاته وهي حالة الاتِّفاق، فالمهمُّ عندَهم هو إثبات المخالفة للسَّلفية، ولو كان ما ادَّعته ليس محلَّ خلافٍ بين المسلمين. وهذا المسلك لا شكَّ أنه يُفقِد المصداقيَّة العلمية في الانتساب وفي التأصيل […]

دَحض شبهة ضعفِ ذاكرةِ أبي هريرةَ

قد تنتِج الأهواءُ شبهاتٍ وأفكارًا، لكن من المحال أن يتولَّد عنها حقائقُ وشهادات؛ لذا نهانا الحقُّ سبحانه عن اتِّباع الأهواء؛ فقال تعالى: {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135]. وقد أشاع أعداء السنة -من المستشرقين ومن سار على دربهم واقتفى آثارهم- بعضَ الشبهات حول راوية […]

كلمة التوحيد… الأهمية والمعنى من خلال تفسير الطبري

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقَدّمَة: في واحد من أقسى أنواع الإعصارات في عصرنا، والتي فر منها قرابة المليون شخص، ودمر فيها عشرات الآلاف من المنازل والمكاتب، ونقل ما يربو على ثمان وسبعين ألفًا إلى ملاذات الطوارئ ومقرات الإسعاف، والتي توقفت فيها الحياة عن السير بانقطاع التيار الكهربائي، وتوقف كثير من المرافق الأساسية في […]

التعارض بين السنة والقرآن.. قضية الإمكان والحلول

تمهيد في تصوير الشبهة: الإحكامُ والتَّشابه مِن صفات الأدلَّة الشرعيَّة وإن كانتِ الغلبةُ للإحكام؛ ومن ثَمَّ فلا يمتنعُ وجودُ مداخلَ لأهل الأهواءِ في الأدلَّة؛ لأنَّ حكمةَ الله في الشَّرع اقتَضت ألَّا تتساوى أدلَّتُه في الدلالة على المراد، فلا يكونُ بعضُها قاهرًا، كما لا تكون الشبهةُ التي يوردُها أهلُ الضلالة عليه غالِبةً، ومع ذلك تتفاوت الشبَه […]

حديث: «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض» ودعوى إخراج غيرهم من الصحبة

تمهيد: حاول بعضهم إخراجَ الطلقاء والعُتقاء من دائرة الصحابة رضي الله عنهم، وقصرَ الصحبة فقط على المهاجرين والأنصار؛ مستدلًا بما لا يؤيد دعواه([1]). وفيما يلي الردّ على تلك الشبهة؛ بإيراد الحديث الذي استدلُّوا به، مع بيان وجوه الفهم الصحيح له، بما يتناسب مع لغة العرب، وما قرره أهل العلم. نص الحديث: عن جرير بن عبد […]

أسباب النّزول وازدِواجيَّة التوظيفِ الحداثيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: علومُ القرآن علومٌ منضبِطة ومخدومة في القديم والحديث، ولا يمكن استغلالها وتوظيفُها للطَّعن في القرآن أو لإلغائه والحدِّ من حاكميّته؛ لأنَّ ذلك مخالفٌ لغرَضها الأصليّ الذي أُنشِئت من أَجله، ومَن رام ذلك فهو غير مدركٍ لحقيقتها، أو لا يعي حجمَ قصدِه وبُعده، لكن الجنون فنونٌ، وبعضُ المقاصد مَقاتل […]

عرض ونقد لكتاب: السلفية وأثرها في تشتيت الأمة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمّة: مكثتُ زمنًا طويلًا أتابع السجالَ الواقعَ بين سعيد فودة وخصومِه، وكنتُ في بعض الأحيان أقرأ الردَّ عليه ولا أقف على كلامِه، فأتعاطفُ معه لعلمي بتجوُّز الناس في هذا الزمان في البحث العقدي ونسبتهم للشخص لازم قوله، وولوعهم بتتبّع الزلات وتصيُّد العثرات إلا من رحم الله تعالى، فلا تزلّ […]

ميراثُ فاطمةَ رضي الله عنها مِن أرْضِ فدَك .. تحقيقاتٌ وأنظار

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثُرَ في الآونةِ الأخيرةِ الحديثُ حول قصَّةِ أرض فدك، والتي يدَّعي فيها المدَّعونَ أنها حقٌّ للسَّيدةِ فاطمةَ رضي الله عنها مِن إرث أبيها صلى الله عليه وسلم، وشنَّعوا فيها كثيرًا على أصحابِ النبي صلوات الله وسلامه عليهِ.  وفدكٌ أرض للنبيِّ صلى الله عليه وسلم من أرضِ خيبرَ، ومن […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017