الاثنين - 11 صفر 1442 هـ - 28 سبتمبر 2020 م

أصولُ الفِقه محكمة: مراجعَةٌ علميَّةٌ لِسَقطات نُقَّاد أصول الفقه قضيةُ النسخ نموذجًا

A A

  للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

لا يمكن فهم الشريعة وفقَ إطار منهجيٍّ إلا بالرجوع إلى جهازها الدِّلالي، الذي يحدِّد المنهجية العلميةَ المعتبرة في فهمها والاستنباط منها، ويُعدُّ تجاوُزُه إلى غيره إصرارًا من الباحث على الجهل بالشرع ومواظبةً على عدم الفَهم، ومع السَّعي الحثيث من كثير من الاتجاهات إلى تحريف الشَّرع، ورجوع هذا السعي بخُفَّي حُنين، ورجوع أصحابه حاسِرين مقنِّعي رؤوسِهم؛ قرَّروا أن يغيِّروا منهجيَّتهم في التعامل مع الشرع؛ لأنها في الغالب تكون تعلُّقًا بالمتشابه، وبمجرَّد ردِّه إلى المحكم من الشرع يتبيَّن تهافتُ الشبهة، وتزول زوالًا لا ترجع معه، فكان آخر الأمرين منهم صيحة النذير في وجه أصول الفقه، ومحاولة التشكيك فيها وفي بنائها وقطعيَّتها، فحملوا عليها حلمةَ رجل واحدٍ، وشدُّوا سواعدهم لذلك؛ لعلمهم بأنَّ المهمة صَعبة، وأنَّ الوصول للهدف يشبه المستحيل، لكن الهمَّة والأماني الكاذِبة حدت بهم إلى أن يشرَعوا في محاولتهم علَّها تؤثِّر أو تصدَع هذا البنيان الأصوليَّ، وامتازت المحاولات بالتكرير والاجترار والإفاضة بدون إضافة، فعمدوا إلى موضوعات أصول الفقه، وشغَّبوا عليها، وألقى الشيطانُ في أمنيَّتهم ما ألقَى، فرفعوا شعارَ التشكيك في الأصول وفي صلاحيَّتها للمراد منها، ومدَى قدرتها على القيام بحاجة الاجتهاد والاستنباط، وقعدوا بكل صراط يوعِدون، وعند كلِّ قاعدة يصرخون: (هذه تقيِّد الإبداع، وهذه تخالف العَقل، وأخرى لا تصلُح للزمان ولا للمكان). ومن بين قواعد كثيرة شكَّكوا فيها نال مبحث النسخِ في أصول الفقه جلُّ اهتمامهم، بين منكر له، وبين مثبت مدَّع للتناقض في القرآن، وأن النسخ ما هو إلا مجرد إدارة لهذا التناقض ومحاولة لدفعه، لكن مضَت سنة الله عز وجل على إحكام آياته وردّ كيد الكائدين، فلم يأتوا بمَثَلٍ إلا قيَّض الله من أهل الحقِّ من يأتي بأحسن تفسيرًا وأفضل جوابًا مما أتوا به، وبه يستقرُّ الإيمان في القلب، ويزهق الباطل، ويشرح الله صدورَ أهل الإيمان له ولقبولِه.

ولنا وقفة في هذه الورقة العلمية مع موضوع من موضوعات الشُّبَه حول أصولِ الفقه، ألا وهو النسخُ، نستقصي الشُّبَه حولَه، ونردُّ عليها بما ينقُض أصل منشَئِها، ويأتي على بنيانها من القواعد، وذلك في المباحث الآتية:

المبحث الأول: تصوير الشبهة وبيان منطلقاتها

الشبهةُ حولَ النسخِ تختلف بحسَب القائلين بها، فمِن داخل الحقلِ الإسلاميِّ تجِد المنكرين للنسخ يعتبرون أنَّ القول به موجِب للبداءة، أي: أن الله يفعل الأمر ثم يبدُو له صواب غيره فيشرعه، وآخرون يرونَ أنَّ دافع القول بعدم النسخ هو إمكان العمَل، وأن ما يسمِّيه الفقهاء نسخًا هو مجرَّدُ تحيين للآيات، فإذا جاء موجبها عُمِل بها، ويتأوَّلون كلَّ ما ورد من الآيات مما يدلُّ على النسخ، ومن أبرز من أفرد هذه المسألةَ بالتأليف الأزهريُّ أحمد حجازي السقا في كتابه (لا نسخ في القرآن)، وتناولها كذلك الشيخ محمد محمود ندا في كتابه (النسخ في القرآن بين المؤيِّدين والمعارضين)، وكلا الرجلين مال إلى القول بعدم النسخ، إلا أن الأخيرَ اتَّكأ على محمد الغزالي المعاصِر في رد النسخ في القرآن، فقد فاضل بين أقوال المفسرين بناءً على ترجيحات الغزالي ونظراته ذات الطبيعة الاعتزاليَّة، والتي تشيد برأي المعتزلة في مقابل الإجماع المنعقد قبلهم([1]). وهناك بحوث أخرى، منها بحث بعنوان: (التبيان لرفع الغموض في النسخ في القرآن) للدكتور مصطفى إبراهيم الزلمي، صاحبه أكثر اعتدالا من السابقَين، ومع ذلك مال إلى القول بعدم النسخ.

ومن خارج الحلبة الإسلاميَّة يأتي المستشرقون والحداثيون ليطعنوا في النسخ، ويجعلوه دليلًا على التناقُض، ومنهم من هو دون ذلك، فيجعله دليلا على إمكان تعطيل الشريعة في بعض الأزمنة، وقد ألِّفت ردود كثيرة على هؤلاء، ومن بينها كتب وبحوث، فقد أصدر مركز بيان الإسلام ضمن موسوعته جزءًا خصَّصه للقرآنِ، وتناول فيه الشُّبَهَ حول النسخِ، هذا مع تنوُّع المراجع التي لا تتَّفق في المضمون ولا في النتيجة، ولم أقف على ردٍّ يُفرد قضية الناسخ والمنسوخ بالدراسة، وإنما هناك دراسات تتناولها ضمن الردود العامة، وبعض ما يتناولها تناولًا مفردًا لم تطله يدي؛ مما جعلني أجد في نفسي الشوق للمشاركة في الذب عن حياض الإسلام، وردِّ عاديات الباطل.

ولا شكَّ أنَّ الشبهةَ في ثوبها المعاصر ومن داخل الحقل الإسلامي كانت صادرةً عن ردَّة فعل على ما يردِّده المناوئون للإسلام، فانبرى المتحمِّسون من المسلمين للدِّفاع عنه، ونظرا لمنطلقات بعضهم العقلية وضَعف الاطلاع على السنَّة أو الموقف المحاذر منها وصلوا إلى نفس النتيجة عند غيرهم ونفس الدعوى؛ لكن الفرق بينهم في النيات والمقاصد، فهؤلاء المسلمون يثبتون ما يثبته أعداء الإسلام عن النسخ ويقولون به، ومن ثمَّ يلتزمون نفيَه عن القرآن، ويَرونَ في نسبته للقرآن نقصًا من قيمة القرآن، بينما الآخرون ينطلقون من تكذيب القرآن أو محاولة التخلُّص من سلطته عبر إثباتِ تاريخيَّته من خلال القول بالنسخ، لكن علوُّ صوتهم وإتقانهم لثقافة الضَّجيج جعل خصومَهم تصطكُّ أسماعهم من صداه، ويؤثِّر فيهم ولو بنسبة تجعلهم يُدهنون، ويتقوَّلون بعض الأقاويل في الوحي، وهذا من مقاصد من يلحدون في آيات الله أن يلغوا في القرآن ولا يسمعوا له من أجل غلبة أهل الحقِّ بالضجيج، قال الله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون} [فصلت: 26].

ومن ثمَّ كانت أقاويل منكِري النسخ هي تأثُّر وخضوع لصوتِ الباطل، ومن ثم فإننا نستأذن القارئ الكريم في عدم التفريق بين منكري النسخ؛ لأنهم وإن اختلفوا في المنطلقات فهم متَّفقون في النتائج، فالرد عليهم بابُه واحد.

ويمكن تلخيص الشبَه حول النسخ في الآتي:

– أن النسخ تناقضٌ في القرآن.

– تأويل الآيات الدالة على النسخ.

– النسخ إثبات لتاريخية القرآن.

وهذه الشبه نتناولها بعون الله في بقية المباحث:

المبحث الثاني: تعريف النسخ لغة واصطلاحا

المقصود من التناول للنسخ من هذه الحيثية تقرير معناه الشرعي؛ لأن بعض التشغيب على النسخ سببه عدم فهم مصطلح النسخ عند الفقهاء والمفسرين.

النسخ في اللغة:

يطلق على معانٍ عدة، منها: النقل والإزالة والتبديل، قال ابن فارس: “النون والسين والخاء أصل واحد، إلا أنه مختلف في قياسه؛ قال قوم: قياسه رفع شيء وإثبات غيره مكانه، وقال آخرون: قياسه تحويل شيء إلى شيء، قالوا: النسخ: نسخ الكتاب، والنسخ: أمر كان يعمل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره، كالآية ينزل فيها أمر ثم تنسخ بآية أخرى، وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه، وانتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب، وتناسخ الورثة: أن يموت ورثة بعد ورثة وأصل الإرث قائم لم يقسم، ومنه تناسخ الأزمنة والقرون. قال السجستاني: النسخ: أن تحول ما في الخلية من العسل والنحل في أخرى، قال: ومنه نسخ الكتاب”([2]).

قال ابن الأعرابي: “النسخ: تبديل الشيء من الشيء وهو غيره، ونسخ الآية بالآية: إزالة مثل حكمها، والنسخ: نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو”([3])، ونسخه ومسخه بمعنى واحد([4]).

النسخ في الاصطلاح:

هو مستمد من معانيه اللغوية عند العلماء، لا يبعد عنها كثيرا، إلا أنه محصور في الأحكام، فليس كل تغيير يجري في الحكم يسمى نسخا، فما ثبت بالبراءة الأصلية ثم ورد الشرع بتحريمه فإن هذا التحريم لا يسمى نسخًا؛ لأنه حكم شرعي في مقابل حكم عقلي، إلا أن المعاني اللغوية في النسخ على جهة المجاز، فالحكم لا يمكن نقله من مكان إلى مكان، ولا إزالته على سبيل الحقيقة، وإنما إذا استخدم النسخ بأحد المعاني المذكورة فإنما هو استخدام مجازي([5]).

وقد راعى الأصوليون في تعريفه ما ينضبط به ولا يتداخل مع المصطلحات الأخرى، فقالوا: “هُوَ الْخطاب الدَّال على ارْتِفَاع الحكم الثَّابِت بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدّم على وَجه لولاه لَكَانَ ثَابتا مَعَ تراخيه عَنهُ”([6]). وقد احترز هذا التعريف بالخطاب من النص؛ لأن النص في دلالته عند الأصوليين لا يتناول فحوى الخطاب، وفي تقييده بالخطاب دليل على أن النسخ لا يقع إلا فيما ثبت بالدليل كما أسفلنا، وفي قوله: (على وجه لولاه لكان ثابتا مع تأخر تاريخه) مخرج للتخصيص بقسمية المتصل والمنفصل.

فهذا هو النسخ في اصطلاح الأصوليين، وهو المبوَّب له في أصول الفقه وكتب المصطلح، لكن من سلف من العلماء كانوا يستخدِمون النسخَ بمعناه اللغوي، ولا يقصدون به رفع الحكم، وإنما يقصدون به مطلق التخصيص أو التقييد، فيظن من لا درايةَ له بمصطلحات الفقهاء أنهما متواردان، ومن ثم يدقِّق النظر فيجد أن القول بالنسخ في بعض الأبواب غير منضبط، وكل ما في الأمر أن المصطلح استخدم في بعض معانيه دون قصد لتحريره كما هو شأن المتأخرين، وقد نبه الشاطبي على هذا المعنى فقال رحمه الله: “وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين؛ فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحدٍ، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا؛ فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به”([7]).

ونحن نورد للقارئ الكريم الفرق بين النسخ وبين غيره.

الفرق بين النسخ والتخصيص:

تنوعت عبارة الفقهاء في بيان التفريق بينهما، وحاصلها أن النسخ تخصيص في الأزمان دون المسميات المندرجة تحت ظاهر اللفظ.

أو بعبارةٍ أدقَّ: التخصيص بيان المراد باللفظ، والنسخ لا تعلُّق له بمقتضى اللفظ، ولا يتضمَّن رفع حكم ثابتٍ، ولكنه إظهارُ ما ينافي شرط استمرار الحكم الأول([8]).

وهناك خمسة فروق جوهرية بين النسخ والتخصيص ذكرها الغزالي وهي:

الأول: أن الناسخَ يُشتَرط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانُه؛ لأنه بيانٌ، بل يجب اقترانه عند من لا يجوِّز تأخير البيان.

الثاني: أن التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحدٍ، والنسخ يدخُل عليه.

والثالث: أن النسخ لا يكون إلا بقولٍ وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع.

الرابع: أن التخصيص يبقِي دلالة اللفظ على ما بقِي تحته حقيقةً كان أو مجازا على ما فيه من الاختلاف، والنسخ يُبطل دلالة المنسوخ في مستقبل الزمان بالكلية.

الخامس: أن تخصيص العام المقطوع بأصله جائز بالقياس، وخبر الواحد وسائر الأدلة، ونسخ القاطع لا يجوز إلا بقاطع([9]).

المبحث الثالث: شروط النسخ

هذا من أجل تحرير محل النزاع وتضييق موردِ الاعتراض، فبمعرفة شروطِه ومدى تحقُّقها يتبين إمكانُه ودقَّة البحث فيه، ومن هذا الشروط:

– أن النسخ لا يجوز إلا فيما يجوز وقوعه على وجهين كالصلاة والصوم والعبادات الشرعية، فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله عز وجل فلا يصح فيه النسخ.

– أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًا لا عقليًّا أصليًّا، كالبراءة الأصلية التي ارتفعت بإيجاب العبادات.

– أن يكون النسخ بخطاب، فارتفاع الحكم بموتِ المكلف ليس نسخًا؛ إذ ليس المزيل خطابًا رافعًا لحكم خطاب سابق، ولكنه قد قيل أولا الحكم عليك ما دمت حيًّا، فوضع الحكم قاصر على الحياة، فلا يحتاج إلى الرفع.

– أن لا يكون الخطاب المرفوع حكمُه مقيَّدًا بوقت يقتضي دخوله زوال الحكم، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلَ} [البقرة: 187].

– أن يكون الخطاب الناسخ متراخيًا([10])، لا كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29].

فإذا تبينت شروط النسخ المحددة له المطلوبة في قبوله لم يبق إلا بيان وقوعه وفق هذه الشروط في الشريعة.

المبحث الرابع: النسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا

ظنَّ بعض نُظَّار المتكلمين أن النسخَ يلزم منه تصييرُ الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا، والمعصية طاعةً والطاعة معصية، ومن ثمَّ تصوَّروا استحالتَه انطلاقا من هذا التقعيد، وهذا التقعيد باطلٌ، فورود الحُسن والقبح ليس على زمن واحد ولا مورد واحد حتى يُتصوَّر اجتماع النقيضين، فمن المعلوم البدَهيِّ أنَّ الشيء قابل للحسن وللقبح في أزمان مختلفة، فالأكل حسَن كلَّ الأيام قبيح في نهار رمضان، وعدم الأكل جائز في كلّ وقتٍ قبيحٌ في ليل رمضان منهيّ عنه؛ وذلك لاختلاف الأوقات مع أن الأكل هو الأكل والطاعة هي الطاعة والمعصية هي المعصية، لكن حين اختلفت الأزمنة اختلفت الأحكام، ومسُّ الزوجة جائز في ليل رمضان محرم في نهاره، ومسُّها محرَّم في الليل والنهار في صوم الظهار، وهذا معلوم من الشرع لا ينكره أحدٌ، ولا ينازع فيه منتسِب للشرع، والنسخ في الشرع دليل على انتهاء صلاحية الحكم، لا على حدوث علمٍ لله عز وجل لم يكن يعلَمه حاشاه، ولا شيء يمنع من حدوث النسخ؛ فقدرة الله ومشيئته الكونيَّةُ والشرعية لا تحدَّان بعقول المخلوقين، فله أن يأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، لا معقب لحكمه، والمانع له إما أن يجعله من الممتنع لذاته، وذلك ممتنع أو من الممتنع لغيره، فهو مدفوع بالوقوع شرعًا وبالجواز عقلًا كما بيَّنَّا، قال سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [النحل: 101].

قال الشافعي: “إنَّ الله خلَق الخلْق لِما سَبَق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، لا مُعَقِّبَ لحُكْمه، وهو سريع الحِساب. وأنزل عليهم الكتاب تِبْيانًا لكلِّ شيء وهُدًى ورحمةً، وفرض فيه فرائض أثبتَها، وأُخْرَى نسَخَها، رحمةً لِخَلْقه، بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به مِن نِعَمه، وأثابَهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم: جَنَّتَه والنجاة من عذابه؛ فعَمَّتْهم رحمتُه فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه. وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنةَ لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تَبَع للكتاب بمثلِ ما نَزل نصًّا، ومفسِّرةٌ معنى ما أنزل الله منه جُمَلًا، قال الله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15]، فأخبر الله أنه فرَضَ على نبيه اتباعَ ما يوحَى إليه، ولم يجعل له تبديله مِن تِلْقاء نفسه”([11]).

وقال أبو إسحاق الشيرازي: “وَقَوله تَعَالَى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} وهذا دليل على جواز النسخ، ولأن نكاح الأخوات كان جائزا في شرع آدم -صلوات الله عليه- ثم حرم ذلك في شرع غيره فدل على جواز النسخ، ولأن التكليف وإن كان على وجه المصلحة كما قال بعض الناس، فيجب أن يجوز النسخ؛ لأنه يجوز أن تكون المصلحة للعباد في فعل الشيء إلى وقت، ثم المصلحة لهم في تركه في وقت آخر… ولأنه إذا جاز أن يخلق الله تعالى خلقَه على صفةٍ ثم ينقلهم إلى صفة أخرى، ولم يمنع ذلك من العقل، جاز أن يكلفهم فعل العبادة في وقت ثم يسقط ذلك عنهم في وقت آخر”([12]).

وقد حرم نكاح الأخوات بعد جوازه في شرع آدم، والجمع بين الأختين بعد جوازه في شرع يعقوب، وقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160]، وهو حقيقة النسخ.

وقال: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106]، ونسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر، والوصية للوالدين بآية الميراث([13]).

فإذا تبين جوازه عقلا ووقوعه شرعًا لم يكن بدٌّ من الإلزام به والرد على منكريه، وذلك ما نتناوله في المبحث التالي:

المبحث الخامس: الرد على منكري النسخ

قبل الرد عليهم لا بد من التأريخ للشبهة، فهذه الشبهة ليست جديدةً، والاعتراض عليها ليس جديدا؛ فإنكار النسخ هو قول عامة اليهود من غير الطائفة العيسوية، ولم ينقل عن أحد من أهل الملة غير جمع من الروافض من غلاتهم، أما نسبته إلى أبي مسلم الأصفهاني فليست تحقيقًا، فقد أنكر تجويزَه العقليَّ، مع إثباته له شرعا وسماه تخصيصًا([14]).

والمنكرون له منَ القدماء نفوه لأنه يدلّ على البداءة، ولأن التغير في الشرع في العبادات يصيِّر العبادة كفرًا وهو مستحيل، وهذا القول لا يستقسم لا عقلًا ولا شرعًا؛ فإن النسخ ليس فيه إضافة علم لله عز وجل؛ لأنهم إن قالوا: النسخ يدل على البداء، قلنا: إن عنيتم أنه يدل على تبيُّن شيء بعد غموضه فليس كذلك، فالله عز وجل عالم بما كان وما سيكون، وعالم بصلاحية هذا الحكم لزمان دون زمان، فنسخه وفقًا لحكمته وتشريعه، وإن ادَّعوا أنه يؤدِي إلى افتتاح أمر لم يكن، فالله تعالى يبدِّل الأحوال؛ يحيي ويميت ويحرك ويسكن([15]).

والقول بالنبوة مستلزم للقول بالنسخ؛ لأن إلزام النبي بموافقة شرع من قبله أو بثبات شرعه اشتراط عليه يخالف التسليم بالنبوة والتصديق في الأخبار([16])، وقد احتج منكرو النسخ عقلا بأن الفعل الواحد إما أن يكون حسنا أو قبيحًا، فإن كان حسنًا كان النهي عنه نهيًا عن الحسن، وإن كان قبيحًا كان الأمر به أمرًا بالقبيح، وعلى كلا التقديرين يلزم إما الجهل وإما السفه.

وجوابه أن يقال: يجوز أن يكون ذلك الفعل مصلحة في وقت ومفسدة في وقت آخر، فيأمر به في الوقت الذي علم أنه مصلحة فيه، وينهى عنه في الوقت الذي علم أنه مفسدة فيه([17])، وهذا حال الشرائع قبل النبوة، فقد أمر بها وشرعت على وجه يناسب المؤمنين بها في وقتهم، ثم نسخت بالشريعة الخاتمة، ثم نسخ من هذه الشريعة ما كان مؤقتا شرع في بدايتها لمصلحة ثم زالت أو مراعاة لحال تغيرت، وهذا مخصوص -كما تقدم في شروط النسخ- بأن لا يقع في الأخبار، وإنما يقع في المحتمل من الأحكام؛ لأنه إذا وقع في القواطع من الشرائع لزم منه أن لا يوثق بوعد ولا وعيدٍ؛ لإمكان نسخه، وذلك متعذِّر شرعًا.

أما المعاصرون فقد اعترضوا على النسخ باعتراضات، منها: أنه مدخل لأهل الإلحاد في القول بتاريخية الشريعة، وقد صدَّر صاحب كتاب التبيان الذي مر ذكره بهذه الشبهة كتابه([18]).

كما تأوَّلوا الآيات التي تثبت النسخ.

والاعتراض الثالث: أن النسخ يثبت التناقض في القرآن، وهذا الاعتراض يخص الملحدين والمستشرقين.

وجواب هذه الاعتراضات هو كالتالي:

أولا: دعوى تاريخية القرآن من خلال النسخ:

هذه الدعوى لا تنهض؛ لأن النسخ شرعي وليس عقليًّا ولا اجتهاديًّا، فلا يمكن النسخ بمجرد التشهِّي أو الإمكان العقلي، بل لا يُنسخ النصُّ إلا بنصٍّ شرعيٍّ، والنسخ دليل على بقاء القرآن وعلى دوام أحكامه لا العكس، بدليل أن ما لا يصلح لجميع الأزمان لم يوكل أمره إلى الناس، بل تولى الشرع تغييره أو تبديله أو إلغاءه مطلقا، وهذا أنسب ليبقى التشريع حقا لرب العالمين، فالشرائع السابقة حين كانت خاصة بقوم دون قوم وتراعي حالهم نسخت بالشريعة المحمدية، ثم الشريعة المحمدية نسخ منها ما لا يمكن بقاؤه إما لمشقته أو لعدم صلاحيته لكل الأوقات، وهذه الدعوى أيضا لا يمكن قبولها في رفض النسخ؛ لأننا لا نسلم أن النسخ له حكمة واحدة، بل له حكم متعددة، ومنها امتحان إيمان الناس وقدرتهم على التصديق، قال سبحانه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [النحل: 101].

ثانيا: تأول الآيات الدالة على النسخ:

ومن أعجبه تعلُّق أحدِهم بمعنى الآية في اللغة، وأنَّ الآية بمعنى الجزء من السورة لم تكن معروفة عند العرب، ومن ثم حمل الآية على المعجزة؛ لأن هذا هو معناها في اللغة، واستدل بقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]، وأنها قد تأتي بمعنى الأمر العجيب، قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِين} [المؤمنون: 50]، فأول الآية بالمعجزة، وجعل معجزة النبي صلى الله عليه وسلم ناسخة للمعجزات قبلها([19]).

وبعضهم حمل الآية على الكتاب، فجعل القرآن ناسخًا للشرع قبله، ورفض أن يقع نسخ بمعنى أن تنسخ آية آيةً أخرى([20]).

وهذا التمسك بالمدلول اللغوي للكلمة في غاية الغرابة؛ وكأن صاحبه لا يفرق بين أبجديات أصول الفقه التي تفرق بين الوضع والاستعمال والحمل، فالآية بمعناها الشرعي هو استعمال وليس وضعًا ومنصوصًا عليه في القرآن وفي السنة، قال سبحانه: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب} [آل عمران: 7]. فقد بين تقسيم القرآن إلى آيات محكمات، وإلى أخر متشابهات، والآية هنا بمعناها الشرعي المتعارف عليه، وقال سبحانه: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُون} [العنكبوت: 49]. وما ذهبوا إليه من التأويل لا يسلم لهم إلا بشروط التأويل المعروفة وهي الإتيان بالدليل الصارف عن الظاهر، وهو إما قرينة، والقرينة إما أن تكون لفظية، أو معنوية، أو عقلية، والعقلية يلزم أن تكون بدهية قريبة ومعلومة للمخاطب الأول بالوحي، والظاهر من الآية في الاستخدام الشرعيِّ هو أن تحمل على معناها الشرعي، لا على المعنى اللغوي، فاللغوي يحدده السياق، وإذا جئنا إلى قوله سبحانه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة: 106] فإن حملها على المعجزة بعيد؛ لأنه لا وجه له؛ لأن المعجزة لا تنسخ المعجزة، وحملها على الكتب السماوية الأخرى كذلك هو حصر لها في أحد معانيها وتحكُّم في عمومها، فما وجه إطلاق الآية على الكتاب من غير دليل؟! وما الفرق بين أن ينسخ كتاب كتابًا وبين أن تنسخ آيةٌ آيةً؟!

ثم إن قوله سبحانه: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} دليل على أن الكلام ليس عن القرآن في مقابل غيره، فمن المعلوم أن القرآن ليس مثل التوراة، وهو خير منها بالاتفاق.

وإذا ابتعدنا عن الآيات الدالة على النسخ، فما نحن فاعلون مع الآيات المنسوخة؟! كنسخ عدة المتوفى عنها زوجها من سنة إلى أربعة أشهر، وقوله سبحانه: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين} [الأنفال: 66].

فهذه الآيات المتدافعة لا وجه لها إلا النسخ، والاعتراض أيضا يجاب عليه بأنه مدفوع بظاهر النص، ومدفوع بالوقوع في الشرع والجواز العقلي، وبدل التمسك بالتأويل البعيد المسبوق بالإجماع قبله كان الأولى أن يتمسك بالمحكم من الشرع، وإذا كان من شهدوا النص أقروا بوقوع النسخ فيه وهم أهل اللسان العربي الذي لا مرية فيه، فما وجه أن يعترض عليهم إلا بالإتيان بما ينقض قولهم من القرآن أو من صحيح السنة، وذلك ما لا سبيل إليه، قالت عائشة رضي الله عنها: “كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن”([21])، فرد ظاهر القرآن ومخالفة الإجماع كلها علامات على بطلان القول وبُعدِه.

ثالثا: دعوى التناقض في القرآن بسبب النسخ:

قبل الجواب على هذه الشبهة لا بد من التنبيه على أن الافتتان بسبب النسخ ووقوعه قد وقع وقت النسخ، وعلق عليه القرآن، وعلى من يتعلق به ليثبت شبهته، فقال سبحانه: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [البقرة: 142].

ومن ناحية أخرى فإنه يصح التمسك بالطعن في القرآن بالنسخ حين يكون النسخ متاحا في كل وقت، ودعواه مقبولة من كل أحد، والأمر ليس كذلك، فالنسخ مخصوص بالوحي، والوحي لا ينسخ إلا بمثله، فلا ينسخه العقل، بل لا ينسخه ما هو دونه من الأدلة كالقياس، ومن ثم لم يكن من سبيل للتمسك بتحريف الوحي عن طريق النسخ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لقال من شاء بما شاء من النسخ في القرآن، ولوقع في جميع أبواب الدين ولم ينضبط بالأحكام دون الأخبار؛ لأن التحريف والتبديل لا حد لهما، ولسجلت حوادث من النسخ حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك ما لم يقع. أما دعوى التناقض في القرآن فهي دعوى لا تنهض؛ فإن التناقض لا تقبل دعواه إلا إذا اتحدت علة التشريع في الحكمين، وهذا ما لم يقع.

وإثبات النسخ من عدمه فرع عن الإيمان بالقرآن، وهذا أمر مهم مَن لم ينتبه له اختلطت عليه الأمور واشتبهت؛ لأن الذين لا يؤمنون بآيات الله يلحدون فيها، وبعض إلحادهم هو فرع عن عدم إيمانهم بالقرآن؛ ولذلك بين القرآن أن من أسباب طعنهم في القرآن ودعواهم تحريفه وجود النسخ فيه: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [النحل: 101].

وأيضا لا بد من إثبات تناقض في القرآن لا وجه للجواب عنه حتى يكون النسخ دليلا على التناقض، مثلا أن يثبتوا أن النسخ وقع في الأخبار، فيكون لا وجه له إلا كذب أحد الخبرين، أو في الوعد والوعيد.

وأما بالنسبة لغير المسلمين فلأنه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بالأدلة القاطعة، وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من الله تعالى، فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله، فكان صادقًا في ذلك، وكانت الآية حجة على جواز النسخ، فالنسخ فرع عن النبوة التي ينكرها هؤلاء.

وحاصل الأمر أن كتاب الله محكم مفصّل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد كتب الله عز وجل على نفسه الرحمة، ومن رحمته بعباده أن يشرع لهم ما يرفع به العنت عنهم، وتظهر به حكمته، وقد تنبه الإمام الشاطبي لهذا المعنى، وبين أن النسخ لا يقع في كليات الدين ولا أصوله، ولا في مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وإنما يقع في أمور أخرى اقتضت حكمة الله تشريع الحكم الأنسب فيها للعباد، وتقتضيه المصلحة، قال الشاطبي رحمه الله: “فالنسخ إنما وقع معظمه بالمدينة؛ لما اقتضته الحكمة الإلهية في تمهيد الأحكام، وتأمل كيف تجد معظم النسخ إنما هو لما كان فيه تأنيس أولا للقريب العهد بالإسلام واستئلاف لهم، مثل كون الصلاة كانت صلاتين ثم صارت خمسا، وكون إنفاق المال مطلقا بحسب الخيرة في الجملة ثم صار محدودا مقدَّرا، وأن القبلة كانت بالمدينة ببيت المقدس ثم صارت الكعبة، وكحلّ نكاح المتعة ثم تحريمه، وأن الطلاق كان إلى غير نهاية على قول طائفة ثم صار ثلاثا، والظهار كان طلاقا ثم صار غير طلاق، إلى غير ذلك مما كان أصل الحكم فيه باقيا على حاله قبل الإسلام ثم أزيل، أو كان أصل مشروعيته قريبا خفيفًا ثم أُحكم”([22]).

فإحكام الشرع هو باستقراره، ونسخ ما يقبل النسخ، وإثبات ما هو صالح لكل زمان ومكان، وشرع الله لا يتبع أهواء البشر، ووجه ذلك أن الأحكام إذا ثبتت على المكلف فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق؛ لأن ثبوتها على المكلف أولا محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق، ومن ثم اشترط العلماء للنسخ شروطا تخرج كثيرا مما يدَّعى أنه نسخ وليس نسخًا؛ خشية التحلل من الأحكام الشرعية وإبطالها بهذه الدعوى، وأفردوا الفنَّ بالتأليف فيه وتبيين أنواعه؛ لأن المنسوخ لا حظ له في العمل بخلاف الناسخ، وألزموا المجتهد معرفة هذه الأبواب، والتخلصُ منها وإلغاؤها بالكلية وإنكارها يوقِع في نفس النتيجة التي يوقع فيها الجهل بها، وهي أن المنكر للنسخ قد يعمل بالحكم الذي لم يعد العمل عليه جاريا، فيخالف الإجماع بحجة إنكار النسخ، ويحرم الحلال، ويحل الحرام، وكل هذا مما نهى الله عنه.

وإذا تبين لم يبق لمنكري النسخ متمسَّك، فهم في دعواهم إنكارَ النسخ بالشرع إما أن يؤمنوا به أو يكفروا، فإن آمنوا فإن الإيمان به مستلزم لكل ما يقرره ومنه إيجاب الحكم ورفعه، وليس ذلك على الله بعزيز ولا هو عليه ببعيد، وإن كفروا به فإن النقاش معهم في كلياته وأصوله وليس في جزئياته وفروعه، وبهذا يتبين لك -أيها المبارك- إحكام العلوم الشرعية وتخادمها، فلا ينخرم لها أصل ولا تخرق لها قاعدة إلا وانجر خرقها على باقي أصول الدين، وأصاب الإنسان من الارتباك والتناقض بقدر ما ترك من الأصول، والله الموفق.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: النسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين (ص: 45)، ونظرات في القرآن (ص: 240).

([2]) مقاييس اللغة (5/ 425).

([3]) ينظر: لسان العرب (3/ 61).

([4]) المرجع السابق (3/ 61).

([5]) ينظر: الفصول في الأصول للجصاص (2/ 198).

([6]) التلخيص في أصول الفقه (2/ 452)، والمستصفى للغزالي (ص: 86).

([7]) الموافقات (3/ 344).

([8]) ينظر: البرهان للجويني (2/ 257).

([9]) المستصفى للغزالي (ص: 89).

([10]) ينظر: قواطع الأدلة للسمعاني (2/ 61)، والمستصفى للغزالي (ص: 98).

([11]) الرسالة (1/ 106).

([12]) التبصرة في أصول الفقه (ص: 252).

([13]) ينظر: شرح مختصر الروضة (2/ 266).

([14]) ينظر: البحر المحيط (5/ 208).

([15]) ينظر: المنخول (ص: 358).

([16]) ينظر: المحصول للرازي (3/ 295).

([17]) المرجع السابق (3/ 302).

([18]) التبيان لرفع غموض النسخ في القرآن (ص: 10).

([19]) ينظر: النسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين (ص: 46)، نهج البلاغة لمحمد عبده (ص: 25)، تفسير القرآن لرشيد رضا (2/ 410).

([20]) النسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين (ص: 45).

([21]) أخرجه مسلم (1452).

([22]) الموافقات (3/ 338).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (2)

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    7- طريقة في الاستسقاء: ذكر المؤلف في حوادث سنة 1291هـ: وفي يوم السادس والعشرين من شهر ذي القعدة أمر الباشا بالقراءة على سبعين ألف حجر آية: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ} الآية، وكل مائة مرة يقرأ هذا الدعاء: (اللهم لا تهلك عبادك بذنوب عبادك، ولكن برحمتك الشاملة اسقنا ماء […]

المخالفات العقدِيَّة من خلال كتاب (الحوادث المكّيّة) لأحمد بن أمين بيت المال (ت 1323هـ) (1)

   للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدمة: يُعدُّ كتاب (الحوادث المكية) للمؤرخ المكي أحمد بن أمين بيت المال (1255-1323هـ) المسمّى بـ: (النّخبة السّنيَّة في الحوادث المكية) أو (التحفة السنية في الحوادث المكية)([1]) مِن أهمِّ الكتب في تاريخ مكة المكرمة في الحقبة ما بين (1279هـ) و(1322هـ)؛ لما يتميَّز به من تدوين الحوادث الحوليَّة والانفراد بذكر […]

سنُّ أمّ المؤمنين عائشةَ عندَ زواج النبيِّ ﷺ بها تحقيقٌ ودَفعُ شبهة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  مقدّمة: يتفنَّن المخالِفون في تَزيين ادِّعاءاتهم الباطلةِ بزخرُفِ مُوافقة العَقل والمبالغةِ في الحسابات الموهومة؛ فتراهم يحاولون إضفاءَ الصّبغة الأكاديميّة والموضوعيَّة العلميَّة عليها، والواقعُ يكذِّب دعواهم، والمنهَج العلميُّ يثبت خلافَ مزاعمهم، وبالمثال يتَّضح المقال. مِن ذلك ما ادَّعاه بعضُ الكُتّاب من عدَم دقَّة كثير من الأحاديث والروايات المتعلِّقةِ بالإسلام والتي […]

علاقةُ الجن بالبشر في حدود النصوص الشرعية

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدَّمة: عالم الغيب عالم محجوبٌ عن الإنسان، لا يطَّلع عليه إلا بقدرِ ما تسمح به السنَن الكونيَّة، وما يقدِّمه الوحيُ مِن معلومات يقينيَّة عنه، ومع ندرةِ المعلومات عن العوالم الغيبية وقلة الوسائل لمعرفتها فإنَّ الإنسان يأبى إلا أن يحاول الاطِّلاع عليها، ويظلُّ طلبُ الحقيقة عنها سؤالًا يشغل بالَ […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب:الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الأثر الاستِشراقيّ في موقف التَّغرِيبيِّينَ من السنة النبوية وعلومها عرضًا ونقدًا. اسم المؤلف: د. فضة بنت سالم العنزي، أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية. دار الطباعة: مركز دلائل، الرياض، المملكة العربية السعودية. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1440هـ-2019م. حجم الكتاب: […]

شبهاتٌ وردودٌ حول حديثِ نَفس الرحمن

معلومٌ أنَّ عقيدةَ أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته هي الإيمان بما أخبر الله تعالى به في كتابه وما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تأويل، ولا تعطيل ولا تشبيه، هذا هو مذهب السلف وإجماعهم([1])، خلافًا لمن جاء بعدهم من الأشاعرة وغيرهم ممن يوجبون تأويلَ صفات الله -بعضِها أو […]

تلخيص كتاب جلاء الحداثة

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» بيان ورد التباس

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ شهرةَ المبطِل في باطله لا تنفُخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه؛ فما يقوم به أصحاب الأهواء من اتخاذهم بعض الأحاديث الصحيحة متكَأً لهم؛ فيحمِلُونها على غير محاملها، ويُحمِّلُونها ما لا تحتمله من التحريفات والتأويلات الفاسدة؛ تمهيدًا لاستخدامها بالباطل لتكون برهانًا ودليلًا على نشر شبهاتهم […]

عرض وتعريف بكتاب: صيانة الجناب النبوي الشريف

بيانات الكتاب: عنوان الكتاب: صيانَة الجَناب النَّبوي الشَّريف (ردُّ الإشكالات الواردة على سبعة أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم). المؤلف: د. أسامة محمد زهير الشنطي (الباحث في مركز البحوث والدراسات بالمبرة). الناشر: مبرة الآل والأصحاب. تاريخ الطبعة: الطبعة الأولى، سنة 1441هـ. حجم الكتب: 535 صفحة. التعريف العام بموضوع الكتاب: يهدف هذا الكتاب إلى تحليل ومناقشة سبعة […]

جواب شبهةٍ حول حديث: «من تصَبَّح بسبعِ تَمرات»

من المسلَّم به أنَّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم محمولٌ على التشريع والإخبار، ويستحيل في حقِّه الكلام بالظنِّ والتخمين، وإن جُوِّز من باب الاجتهاد فيمتنع إقرارُه من القرآن، ولذلك أمثلةٌ كثيرة في القرآنِ، منها قضيَّة أسرى بدرٍ، فقد أنزل الله فيهم قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ […]

خلاصة كتاب معالم المتشرعين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

  المفاضلة بين الأنبياء – تحرير مفهوم ودفع إيهام –

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الله سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فقد خلق الكون كله، واختار من ذلك ما شاء من الأمكنة والأزمنة ففضل بعضها على بعض. والمفاضلة مفاعلة من الفضل، وهي المقارنة بين شيئين أو جهتين وتغليب أحدهما على الآخر في الفضل، إذا فالمفاضلة إثبات الفضل لشيءٍ على آخر، وتقديمه بذلك عليه، ولذا […]

إنكار الإمام محمد بن عبد الوهاب للشفاعة – بين الدعوى والحقيقة-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يقول شارل سان برو عن حالة نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: “كان المجتمع الإسلامي يعاني من الخرافات والأوهام، ومن الشعائر الوثنيَّة، والبدع ومخاطر الردة، كان مفهوم التوحيد متداخلًا مع الأفكار المشركة، وكانت المنطقة برمتها فريسة الخرافات والطُّقوس الجاهلية العائدة إلى ظلمات العصر الجاهلي، حيث كان الناس […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017