الخميس - 19 ذو الحجة 1442 هـ - 29 يوليو 2021 م

رمضان …موسمٌ للتزوُّد بالقوَّة والنشاط

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

المقدمة:

نبراسُ المسلم في حياته الدنيا قولُه تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]، فهو يخطو الخطوةَ التي أمره الله ورسولُه صلى الله عليه وسلم بها، ويتوقَّف عن أيِّ خطوة نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها، هذا هو دَيدَن المسلم ومنهاجُه، ولا يكاد يُتصوَّر مسلم آمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبرسوله صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، ثم هو لا ينقاد لأمر ربِّه ولا يطيعه ولا يخضع لتشريعاته.

بل المسلم حالُه ما وصفَه الله بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2-4]، وقوله تعالى: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج: 34، 35]، بل أخبر المولى سبحانه وتعالى أنه لا بدَّ للمؤمن من تمام الانقياد والتسليم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وأما السيرُ وراء القيل والقال والاعتراضُ على أمر الله ورسوله بالسؤال عن حِكمةِ ما أمر وجدوى ما نهى فليس مما يُعقَل أن يصدر من مؤمنٍ يسلِّم لله ورسوله محياه ومماته، ورغم ذلك فإنَّ لله في كلِّ أمر حكمةً، وفي كلّ فعل حكمة وغاية، وتدبير الله سبحانه وتعالى أصلحُ للعبد من تدبيره لنفسه، والدِّين قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، ومن ذلك الصيامُ فهو مشتملٌ على مصالح كثيرةٍ جدًّا، وفي هذه الورقة نبيِّن شيئًا منها.

تمهيد:

لقد صرَّح المولى سبحانه وتعالى بفرض الصيام علينا -معاشر المؤمنين- بنصٍّ صريح وأمرٍ ظاهر، فقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، ومع فرضِه الصيامَ وأمرِه بذلك ووجوبِ انقيادنا له دون بحثٍ عن حِكَمٍ ومصالحَ إلا أنه سبحانه وتعالى أخبرنا أنه فرض علينا الفرائض لغاياتٍ عظيمة ومقاصدَ ساميةٍ تصبُّ في ضروريات الإنسان وحاجياته وكمالياته، وبيَّن لنا أن أمره وتدبيره لنا خيرٌ من تدبيرنا لأمورنا بعقولنا القاصرة، وهاك جملةً من تلك الحكم:

1- فمن أجلِّ الحِكَم وأصرحها التي عقَّب الله بها أمرَه بالصيام: تقوى الله سبحانه وتعالى، “فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} بيان لحكمة الصيام وما لأجلِه شُرِع”([1])، فهذه هي غاية الصيام الأولى، ولا يخفى أيضا أنها هي غاية كثيرٍ من العبادات والأعمال العظيمة، فالصوم وخَلوة الإنسان وانصرافه عن الشواغل والصوارف من أهمِّ ما يعين الإنسان على تحقيقِ هذه العبادة الجليلة([2]).

فإنَّ التقوى أساسُ الدين وعمودُه، ولا حياة للإنسان المسلم إلا بها، بل إنَّ الحياة بغيرها لا تُطاق، وهي أدنى من حياة البهائم، فلا صلاح للإنسان إلا بالتقوى، والمتأمِّل في القرآن يجد أن كثيرًا من الخير عُلِّق بها، ومجموعةً كبيرة من الثواب الجزيل منوطٌ بها، وكمًّا كبير من السعادة مضاف إليها، قال القرطبي عن التقوى في قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131]: “الأمر بالتقوى كان عامًّا لجميع الأمم”([3])، وقال بعض أهل العلم: “هذه الآية هي رحى آي القرآن كلِّه، لأن جميعَه يدور عليها، فما من خير عاجل ولا آجل ظاهر ولا باطن إلا وتقوى الله سبيلٌ موصل إليه ووسيلة مبلّغة له، وما من شرّ عاجل ولا ظاهر ولا آجل ولا باطن إلا وتقوى الله عز وجل حرز متين وحصن حصين للسلامة منه والنجاة من ضرره”([4]).

وإن سألت عن حقيقة التقوى أجابك الإمام ابن رجب رحمه الله بقوله: “أصل التقوى أن يجعل العبدُ بينه وبين ما يخافه ويحذَره وقايةً تقِيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه”([5]).

وإن كان مؤدَّى الصوم تقوى الله سبحانه وتعالى ومخافته في السرّ والعلن، فهو من أهم المعينات على الوساوس والخطرات التي ترِد على الإنسان في الخلوات ومكوثِ الإنسان في البيت وخلوته أحيانًا لفترات طويلة، فالله سبحانه “جعل الصيامَ وسيلة لاتِّقائها؛ لأنه يعدِّل القوى الطبيعية التي هي داعيةُ تلك المعاصي، ليرتقيَ المسلم به عن حضيض الانغماس في المادَّة إلى أوج العالم الروحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملَكِيّة والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية، وفي الحديث الصحيح: «الصوم جنة»([6])([7])؛ ولذا نجدها وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه وهو من أعلم علماء الصحابة حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالقِ الناس بخلُق حسن»([8])، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بها خيرةَ أصحابه يدلّ على أنها وصيةٌ يحتاجها كلُّ أحد، فالمرء محتاج للتقوى ولو كان أعلمَ العلماء وأتقى الأتقياء، كيف لا وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم التي قال عنها أهل العلم: “ما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها”([9])؟!

2- التربية على الصبر وتحمل المشاق، وهي الأخلاق الإسلامية النبيلة التي حثَّ عليها المولى سبحانه وتعالى؛ ولذا نجد ربنا ومولانا الكريم ذكر الصبر قريبًا من تسعين مرة في القرآن، ورتب عليها ألوان الفضائل وأجزل الثواب وأحسنه، فوصف الصابرين بأوصاف وخصّهم بخصائص لم تكن لغيرهم، فأخبر أنه معهم، فقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، وجعل الإمامة في الدين منوطةً بالصبر واليقين، فقال: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة: 24]، وجعل أجرهم بغير حساب، فقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

والصيام مدرسةٌ كبيرة بالنسبة للمسلم، فهو صبر على أنواع الملذات والرغبات والمتع التي أباح الله له التمتعَ بها في غير شهر الصيام؛ فيتربى بذلك على الصبر، وهو أيضا صبر على طاعة الله سبحانه وتعالى لما في رمضان من الطاعات الكثيرة من القيام والصدقات والعمرة والدعاء وغيرها من أنواع القربات، وهو أيضا صبر عن أنواع المعاصي والمحرمات التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها، فإن كان على المسلم الصبر عنها في غير وقت الصيام، فهو في وقت الصيام آكد، وغيرها من أنواع الصبر.

3- الإحساس للفقراء والمساكين والمحتاجين، فمن طبيعة الإنسان أن لا يشعر بقيمة النعمة إلا إذا فقدها، فلا يعرف قيمة ما فيه من صحَّة وعافية إلا إذا مرض وعاش معاناة المرض، ولا يشعر بقيمة الغنى والكفاف إلا إذا افتقر وفقَد ما كان يملكه من النعم والخيرات، وفي فريضة الصيام يحِسّ المسلم الغنيّ المتعافي ما يعيشه غيره من المسلمين الفقراء والمرضى من ألم الجوع والمرض والفاقة، فمن إخوته المسلمين من لا يجد ما يسدُّ به جوعتَه طول عامِه، ومنهم من لا يستطيع التلذّذ بالطيبات وأنواع الأطعمة طوال عامِه لما به من مرض وبأس، فإذا صام الغنيّ المتعافي أحسّ وشعر بمعاناة إخوانه المسلمين، ولان قلبه وأشفق على حالهم، وجاد عليهم بما جاد الله به عليه.

4- الشكر، وهو ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيمانًا، وفي لسانه حمدًا وثناءً، وفي جوارحه عبادة وطاعة، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]. والشكر في الصيام أثر ظاهر؛ لأن العبد حين يعرف ما أنعم الله به عليه طيلة العام من المتع والشهوات التي أمر في رمضان بالصبر عنها أدرك نعمةَ الله عليه، فشكره وحمد الله سبحانه وتعالى عليه، ثم من بلَّغه الشهر يحمد الله سبحانه وتعالى أنه بلَّغه الشهر في صحّة وعافية، يستطيع أن يؤدِّي فيها عبادته وطاعته، ويبلغ الدرجات والمنازل الرفيعة التي خصَّ الله بها شهر رمضان المبارك.

5- التربية على الأمانة والمراقبة الذاتية لله سبحانه وتعالى والخوف منه، فإن الصيام عبادة خاصة بين المرء وربه، ولا يتعلَّق أمره وحاله بأحد من الناس، بل هو أمر بين الإنسان وربِّه، فرغم أن الإنسان بيده أن يختلي ويأكل ويشربَ ما لذَّ وطاب يترك ذلك كلَّه من أجل الله سبحانه وتعالى، ويراقب ربه في كل أحواله سرًّا وعلانيةً، وهذا يورث فيه مراقبة الله سبحانه والأمانة في كل عمل يعمله سواء علم به الناس أم لا، وحريٌّ بالمؤمن بالله سبحانه وتعالى أن يحيِيَ عبادة الخوف من الله تعالى في نفسه، وهي من أجل العبادات القلبية، فيخضع لربه، ويخاف من عذابه وبطشه إن هو عصاه ولم يتبع أمره، ويتوب إليه، ويلجأ إليه بالاستغفار والذكر والطاعة، قال ابن قدامة: “اعلم: أن الخوف سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى. والخوف له إفراط، وله اعتدال، وله قصور. والمحمود من ذلك الاعتدال، وهو بمنزلة السوط للبهيمة، فإن الأصلح للبهيمة أن لا تخلوَ عن سوط، وليس المبالغة في الضرب محمودةً، ولا التقاصر عن الخوف أيضًا محمود، وهو كالذي يخطر بالبال عند سماع آية، أو سبب هائل، فيورث البكاء”([10]).

6- التربية على تمام الانقياد لله سبحانه وتعالى، فالمسلم في غالب عامِه يتمتع بأنواع المتع والمأكولات والمشروبات والمناكح وغيرها من المتع الكثيرة، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أحلّ له ذلك؛ فمحياه ومماته وحركاته وسكناته تبع لأمر الله سبحانه وتعالى، وحين ينهاه المولى سبحانه وتعالى عن تلك المتع والشهوات التي كان يتمتَّع بها ينتهي بمجرد أمره دون أن يتساءل ويبحث: كيف؟ ولم؟ وإنما هو التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى وشرعه، ولا غرابةَ أن يتساءل من لم يفهم هذه الشعيرةَ العظيمة ممن لم يمنَّ الله عليه بالهداية عن سبب الامتناع عن متعٍ كانت من قبل حلالا زلالا يتمتَّع بها المسلم، ولكنه التسليم المطلق لأمر الله سبحانه وتعالى وخالقه ورازقه الذي أنعم عليه بنعمة وجودِه ونعمة تربيته ونعمة تيسير الأكل والشرب والمتع له، فيا له من ربٍّ عظيم كريم!

7- تخصيص أوقاتٍ ومواسمَ تفتح فيها أبواب الرحمات؛ فقد خصص الله سبحانه وتعالى للصيام شهر رمضان، ثم جعل هذا الشهر شهرَ الرحمات والعفو والمغفرة من الذنوب، ففيه تُفتَح أبوابُ الجنان، وفيه تُغلَق أبواب النيران، وتُسلسَل فيه الشياطين، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتِّحت أبواب الجنة، وغلِّقت أبواب النار، وصفِّدت الشياطين»([11])، بل حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم المسلم على اغتنام هذا الموسم العظيم بالصيام والقيام لنيل مغفرة الذنوب والسيئات، وتحسَّر وتأسَّف كلَّ الأسف على ذلك الذي بلغَ رمضانَ ثم لم ينَل رضوانَ الله ومغفرته، قال عليه الصلاة والسلام: «رغم أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخَل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة»([12]).

8- الصيام فيه وقاية للمرء من الشيطان وشركه، فإن الإغراق في الماديات والشهوات والملذّات والمتع من أكبر سبل الشيطان لإغواء بني آدم، وفي الصيام إضعافٌ للشهوات وتضييق لسُبلها، فبالصيام تسكن شهوته، وتتحرك في قلبه مشاعر التعظيم والإجلال لله سبحانه وتعالى، قال ابن تيمية رحمه الله: “ثبت بالنص والإجماع منعُ الصائم من الأكل والشرب والجماع، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم»([13])، ولا ريب أن الدم يتولَّد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشياطين… ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتِّحت أبواب الجنة، وغلِّقت أبواب النار، وصفِّدت الشياطين»([14])، فإن مجاري الشياطين الذي هو الدم ضاقَت، وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي بها تفتح أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات التي بها تفتح أبواب النار، وصفدت الشياطين فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم، فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره، ولم يقل: إنهم قتلوا ولا ماتوا، بل قال: «صفِّدت»، والمصفد من الشياطين قد يؤذِي، لكن هذا أقلّ وأضعف مما يكون في غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصِه، فمن كان صومه كاملا دفع الشيطان دفعًا لا يدفعه دفع الصوم الناقص، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل”([15]).

وقال ابن رجب: “الصيام يضيِّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان”([16]).

ولما في الصيام من كبح لجماح الشهوة البشرية أمر النبي صلى الله عليه وسلم العاجز عن النكاح أن يستعينَ به على نفسه وشهوته.

9- التربية على رقة القلب وكثرةِ اللجَأ إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن الإنسان كلما ابتعد عن شهوات الدنيا وملذّاتها خشع قلبه لله سبحانه وتعالى، وهو ما يستنبطه المتأمّل في تعقيب الله عز وجل لفريضة الصيام بكثرة اللجأ إلى الله سبحانه والخضوع له، فبعد أن ذكر فرض الصيام في سورة البقرة أرشد المسلمين إلى الدعاء والالتجاء إليه سبحانه وتعالى بألطف ما يكون من الحثّ، فقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَني فَإِني قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، وبمثل هذا المعنى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى أنه «يستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردّهما خائبتين»([17]).

10- التفرغ لأنواع معيّنة من الفضائل كقراءة القرآن والصدقة؛ فإن الإنسان إذا ترك ما يشغل وقتَه طوال العام من المآكل والمشارب وما يلزم عنه تفرَّغ لأعمال الخير والبرِّ، وهو ما نجِد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدلُّنا عليه، فبمجرَّد أن ذكر المولى سبحانه وتعالى شهر الصيام في كتابه الكريم أخبر أنه شهر القرآن الذي فيه الهداية والبينات، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، فأخبر أنه شهر القرآن الكريم؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدارس القرآن مع جبريل في كل ليلة من ليالي رمضان([18]). وكذلك كان دأب السلف وأئمة الإسلام، فقد كان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: (إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام)، وكان مالك والثوري رحمهما الله إذا دخل رمضان تركا جميع العبادة وأقبلا على قراءة القرآن([19]). وكان منهم من يختم في كل يوم كعثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وسعيد بن جبير والإمام الشافعي رحمهما الله وغيرهما، ناهيك عمَّن كان يختم في كل يومين أو ثلاث أو كل أسبوع([20]).

وإذا استغنى المرء عن جزء مما كان يستهلكه استطاع أن يخصِّص شيئًا من ماله للصدقة ويجود به على الفقراء والمساكين، كان النبي صلى الله عليه وسلم أجوَد ما يكون في رمضان([21])، وقد كان السلف يحرصون على هذه العبادة الجليلة في رمضان، وكان كثير منهم لا يُفطر إلا مع اليتامى والمحتاجين([22])، ومنهم من عُرف عنه أنه لا يفطر على طعام قطّ وحده، إن وجَد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس وأكل الناس معه([23]). وكان في ذوي السعة والخير منهم من يطعم ويجود على الناس في رمضان خاصّة، فيفطِّر المئات والألوف من الناس؛ كحماد بن أبي سليمان الذي ورد أنه كان يفطِّر في شهر رمضان خمسمائة إنسان([24])، ومن أقوالهم المعروفة: “إذا دخل رمضان إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام”([25]).

وتلك عشرة كاملة من حكم الصيام، وليس القصد حصرها، ولكن الأخذ بطرف منها، فبعض الربيع ببعض العِطر يُختصر، وقد سبق ابن القيم رحمه الله بالكلام على كثير من هذه المقاصد فقال: “لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكِّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرّها في معاشها ومعادها، ويسكن كلّ عضو منها وكلّ قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لربّ العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذّذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربّه، لا يطَّلع عليه سواه، والعباد قد يطَّلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترَك طعامَه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم”([26]).

إلجام مدَّعي مفاسد الصيام:

ومن تأمل في تلك الحكم وغيرها عرف أن الصيامَ فريضة عظيمة من فرائض الله سبحانه وتعالى، وأما من يعارض هذه الفريضة العظيمة ويدَّعي أنها لا فائدةَ منها سوى الكسل والخمول والضعف وقلَّة الإنتاجية؛ فغالب من يتفوَّه بهذا لا يعرف مقصدًا من الحياة إلا الحياة الدنيا ومتَعها ولذاتها، ويغيب عنه أن للمسلم غايةً نبيلة من حياته شرَّفه الله بها وميزه عن غيره، فغاية حياته هو عبادة الله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فهي غاية الغايات، فهو يصوم ويقوم ويتعبَّد الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله خلقه لذلك، وليس نظرًا إلى مصلحة دنيويَّة قاصرة هنا أو هناك؛ والله سبحانه وتعالى أمره بأن يؤثر الباقية على الفانية، وهو عين العقل، فيجعل الدنيا طريقًا للدرجات العلى في الآخرة، وأما أن ينشغل بالدنيا عن الآخرة ويؤثر ملذاتها فليس من شأن المسلم، فالخيرية كل الخيرية في جعل الفانية طريقا للباقية؛ قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 131، 132]، وقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [القصص: 60]، وقال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16، 17].

هذا إذا تسامينا عن نظر هذا الشخص الدنيويّ، وأما إن تنزلنا في القول؛ فإن للصيام فوائدَ عظيمة حتى على المستوى الدنيويّ، سواء في الجوانب الصحية أو غيرها من الجوانب، والدين الإسلامي راعَى من يتضرَّر من الصيام لمرض أو سفر ونحوه وعذَره ورخَّص له في الفطر، فليس من المعقول بعد ذلك أن يدَّعي مدَّع أن الصيامَ يضرّ ولا ينفع، وأن الصيام لا طائل تحته سوى التّعب والكدّ والكسل والخمول.

نعم، لا شكَّ أنَّ من لم يتبع النهج الصحيح والهدي النبويَّ الذي أرشدنا إليه ديننا الحنيف يحصل له التعب والإعياء الخارج عن المألوف، وهو ما سنتكلَّم عنه، وأما الصيام في حدِّ ذاته فعلى العكس من ذلك، فقد اتخذه جملةٌ من الأطباء العلاجَ الأمثل لكثير من الأمراض التي تحتاج إلى الحمية، وفتحت لذلك العيادات المتخصِّصة، ووضعت لها البرامج المناسبة، وأصبح من المعتاد أن يسمع المرء عند اللادينيّين الصيامَ المتقطع أو الصيام بغرض الحمية؛ فأصبحوا يصومون للغرض الدنيوي وحَسب دون أدنى نظر إلى التعبّد وإلى طاعة الله سبحانه وتعالى.

وإذا نظرنا إلى التاريخ الإسلامي وجدنا رمضانَ شهرًا حافلًا بالإنجازات والأعمال العظيمة، وما قصَّة معركة بدر التي حصلت في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة عنا ببعيد، وكان المسلمون يومئذٍ أقلَّ ما يكونون والمشركون أضعافهم، ولكنهم صابروا وخاضوا المعركة وانتصروا بنصر الله لهم على المشركين، فالصوم ورمضان شهر القوة والعمل، لا فريضة الضعف والخور.

وكذلك فتح مكة ومعركة عين جالوت وغيرها من الأحداث الجسيمة التي لها الأثر البالغ في التاريخ الإسلامي، كلها كانت في رمضان.

وإذا نظرنا إلى الصوم وتاريخه مع الأديان وجدنا كل الشرائع تدعو إلى الصيام، ففي سفر الخروج: “وكان -أي: موسى عليه السلام- هناك عند الرّبّ أربعين نهارًا وأربعين ليلة، لم يأكل خبزًا، ولم يشرب ماءً”([27]).

وفي الملوك الأول: “شقَّ ثيابه وجعل مسحًا على جسده، وصام واضطجع بالمسح ومشى بسكوت”([28]).

فهل يعقل أن تكون فريضة تعطِّل البشريةَ عن الإنتاج والعمل ثم يفرضها الله سبحانه وتعالى على أهل كلّ ملة ومع كل رسول؟! بل إننا نجد لها حضورًا بارزًا في كثير من الأديان الوضعية أيضًا([29])!

وأما علماؤنا المسلمون فلم يكن شهر رمضان عندهم شهرًا للفتور والدَّعة، لا في العبادة ولا في العلم والتعليم، بل على العكس من ذلك، ويكفيك من الشواهد شاهد واحد، وهو أن كثيرًا من العلماء انتهوا من تدوين كتبهم في هذا الشهر الفضيل كابن الجوزي أنهى كتابه (غريب الحديث) في رمضان، والرازي أنهى كتابه (مختار الصحاح) في رمضان، والنووي أنهى كتابه (رياض الصالحين) في رمضان، والذهبي أنهى كتابه (الكاشف) في رمضان، والتبريزي أنهى كتابه (مشكاة المصابيح) في رمضان، والعراقي أنهى ألفيته في الحديث في رمضان، وعشرات العلماء غيرهم رحمهم الله، فهل كان شهر رمضان بالنسبة لهم شهر كسل وفتور وقلة إنتاجية؟!([30]).

ومن عجَب أن يناديَ المتخصّصون في الطب من غير المسلمين بالصيام منطلقين من تخصصاتهم الصحية لا من منطلقات دينية، فيتحدَّث عالم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز من المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة البروفيسور (مارك ماتسون) عن الخرف الكهلي وازدياد نسبة المرضى به، وينصحهم بالصيام للتخلّص من ذلك ويقول: “يمكنك ببساطة أن تفعل ما نسميه بالصيام المتقطع… الصيام مفيد جدًّا للدماغ… وإذا أردت تاريخ الشفاء بالصيام فقد كتب قبل أكثر من مائة سنة (أبتون سينكلير) كتابه (الشفاء الصيامي)، وفي العامين الماضيين ألف العديد من الكتب عن الصيام المتقطع، وهناك ما يدلنا بوضوح على أن الصيام مفيد للجسد كله لا الدماغ فحسب؛ لأنه يقلل الالتهاب، ويقلل الإجهاد التأكسدي في أنظمة الأعضاء، ويساعد على استجلاب الطاقة من داخل الكبد… وبمجرد أن تستنفد مخازن الجيلايكوجين في الكبد ستبدأ في حرق الدهون، وتنتج ما نسميه الأجسام الكيتونية، ولها فوائد كبيرة للجسم”، ثم يقول: “لماذا يعتبر الصيام مفيدًا للدماغ؟”، ثم يجيب: “لأن الصيام عبارة عن تحدّ للدماغ، ويستجيب دماغك لهذا التحدي لعدم حصوله على الطعام؛ حيث ينشِّط مسارات أخرى للعمل استجابة وتكيفًا مع التحدي الجديد، فيتعامل مع الإجهاد بذكاء ومقاومة الأمراض”([31]).

بل العجب كل العجب أن تجب أطباء وعيادات ومراكز صحية قائمة على الصيام، يقول جيسون فونغ -وهو طبيب أمراض الكلى الكندي وخبير علاج الأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الثاني- مرشدًا لاستخدام الحمية والصيام: “أليس الصيام مجرد جوع؟! أسمع هذا السؤال طوال الوقت، وفي الواقع هو ليس كذلك… الفائدة المعروفة من الصيام هو إنقاص الوزن والتخفيف من الوزن الزائد، ولكن هناك الكثير من الفوائد الصحية الأخرى؛ كالوقاية من مرض السكري، فهي طريقة لإنقاص مستوى السكر في الدم، ويكون بإمكانك التحكّم بالسكر بدون أدوية، كما أنه يقلِّل من احتمالية إصابتك بجملة من الأمراض الكبيرة المنتشرة في زماننا كأمراض القلب والسكتة الدماغية والسرطان، وهي تعتبر فترة التطهير وإزالة السموم من الجسم، ويشعرون أن لديهم مزيدًا من الطاقة عندما يصومون، ويشعرون أنه أقدر على التفكير بشكل أكثر فاعلية وأكثر وضوحًا، وهناك أمور أخرى كتوفير الوقت والمال، فهي وسيلة لتبسيط حياتك، هذا عدا الأمور الروحانية والأسباب الدينية للصيام!”([32]).

ولا شكَّ أن من العادات السلبية التي اعتادها بعضُ المسلمين ولها دورها في انتشار مثل هذه الدعوى الإسراف عند الإفطار، فهدي النبي صلى الله عليه وسلم هو الإفطار على تمرات، فإن لم يجد حسا حسوات من ماء([33])، وأما إتخام البطن مباشرةً بالمأكولات في أول الإفطار فهو مخالف لما في الحديث من أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر على تمرات ولم يكن يقبل على الأكل إقبالًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يوصي بعدَم الإفراط في الأكل في عامَّة الوقت، قال صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطن، حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس»([34])، وكذلك كان من هديه صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر حيث قال: «إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم»([35])، وشهد بالخيرية لمن عجَّل بالفطر فقال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»([36])، وكان من هديه الحرص على أَكلة السحور، حيث قال: «تسحَّروا؛ فإن في السحور بركةً»([37])، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر السحور إلى قبيل الفجر كما ورد ذلك عن أنس بن مالك أن زيد بن ثابتٍ حدَّثه: أنهم تسحَّروا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قاموا إلى الصلاة، قال: قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين، يعني آية([38]). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو أصحابه إليه ويقول لهم: «هلمُّوا إلى الغداء المبارك»([39])، وفي يوم من الأيام دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحَّر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إنها بركةٌ أعطاكم الله إياها، فلا تدَعوه»([40])، فقمِنٌ بالمسلمين أن يقتفوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

وخير السحور التمر كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم سحور المؤمن التمر»([41])، وإن كان التسحُّر بالتمر من السنة المطهَّرة إلا أنَّ السحور مشروع بأيّ طعام مطلقًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «السّحور أكلة بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائِكته يصلّون على المتسحِّرِين»([42]).

فالاعتدال في الأكل وأخذ قسطٍ كافٍ من النوم في الليل قمن بأن يجعل المسلم أنشَط مما كان في حال فطره لا مثله في الحقيقة، وأكثر فراغًا ووقتًا للعمل والإنتاج لا العكس.

والله تعالى أعلم، وصلَّى الله وسلم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) التحرير والتنوير (2/ 158).

([2]) ينظر: تفسير ابن كثير (1/ 497).

([3]) تفسير القرطبي (5/ 408).

([4]) ينظر: تفسير القرطبي (5/ 408).

([5]) جامع العلوم والحكم (1/ 398).

([6]) أخرجه البخاري (7492).

([7]) التحرير والتنوير (2/ 158).

([8]) أخرجه الترمذي (1987)، وأحمد (21354)، وحسنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/ 196).

([9]) ينظر: الزهد والورع والعبادة لابن تيمية (ص: 85).

([10]) مختصر منهاج القاصدين (ص: 303).

([11]) أخرجه البخاري (1898) ومسلم (1079).

([12]) أخرجه والترمذي (3545) من حديث أبي هريرة وقال: “هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه”، وأخرجه مسلم (2551) مقتصرا على ذكر من أدرك والديه عند الكبر.

([13]) أخرجه البخاري (2038)، ومسلم (2174).

([14]) أخرجه البخاري (1898) ومسلم (1079).

([15]) مجموع الفتاوى (25/ 246).

([16]) لطائف المعارف (ص: 155).

([17]) أخرجه أبو داود (1488)، والترمذي (3556)، وابن ماجه (3865)، وقال الترمذي: “هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه”، وصححه ابن حبان (880)، والحاكم (1830)، ووافقه الذهبي.

([18]) أخرجه البخاري (6).

([19]) ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (6/ 111)، لطائف المعارف (ص: 171).

([20]) ينظر: التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 61).

([21]) أخرجه البخاري (6).

([22]) ينظر: لطائف المعارف (ص 178).

([23]) ينظر: الكرم والجود للبرجلاني (ص: 53).

([24]) ينظر: سير أعلام النبلاء (5/ 530).

([25]) ينظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (6/ 111)، لطائف المعارف (ص: 171).

([26]) زاد المعاد (2/ 27).

([27]) الخروج (34: 28).

([28]) الملوك الأول (21: 27).

([29]) ينظر: مقارنة الأديان، أحمد شلبي (3/144)، الفكر الديني الإسرائيلي أطواره ومذاهبه، حسن ظاظا (ص: 68)، الصوم في القديم والحديث، ناصر الدين الكاملي (ص: 21)، العبادات في الأديان السماويّة، عبد الرزاق رحيم صلال (ص: 102).

([30]) ينظر: منجزات علمية في رمضان، د. عبد الحكيم الأنيس، مقال على موقع الألوكة.

([31]) ينظر: https://youtu.be/4UkZAwKoCP8.

([32]) ينظر: https://www.youtube.com/watch?v=jqZsS03dlPk.

([33]) أخرجه أبو داود (2356)، والترمذي (703)، وحسنه الألباني في الإرواء (922).

([34]) أخرجه الترمذي (2537)، وابن ماجه (3349)، والنسائي في الكبرى (6738، (6739)، وقال الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح”.

([35]) أخرجه البخاري (1954)، ومسلم (1100).

([36]) أخرجه البخاري (1957)، ومسلم (1098).

([37]) أخرجه البخاري (1923).

([38]) أخرجه البخاري (575).

([39]) أخرجه أبو داود (2344) والنسائي (2163) وصححه الألباني.

([40]) أخرجه النسائي (2162) وصححه الألباني.

([41]) أخرجه أبو داود (2345) وصححه الألباني.

([42]) أخرجه أحمد (11003)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3683).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

الكشف والإلهام بين أهل السنة والصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدّمة: يصرِّح كثيرٌ من أئمَّة التصوُّف -خاصّة القُدامى- بضرورة التقيد بالكتاب والسنة، ووزن طريقتهم بميزان الوحيين، فما وافقهما قُبِل، وما خالفهما يُردّ، قال الجنيد (ت: 297هـ): “الطرق كلُّها مسدودةٌ عَلَى الخلق إلا عَلَى من اقتفى أثر الرسول عَلَيْهِ الصلاة والسلام… ومذهبنا هَذَا مقيَّد بأصول الكتاب والسنة”([1])، وقال أبو الحسَن […]

حوار علمي حول فتوى دار الإفتاء المصرية عن حكم التمسح بالأضرحة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: فقد نشرت جريدة أخبار اليوم المصرية في عددها الصادر في 4/ 7/ 2021م فتوى لدار الإفتاء المصرية تناولت حكم التمسح بالأضرحة وقضايا أخرى، وهو إعادة نشر لفتوى نشرت قبل ذلك لدار الإفتاء في 17/ 12/ 2006م، وهي قضية هامة […]

صفحاتٌ مضيئةٌ من سيرة القاضي العلامة محمد بن إسماعيل العَمراني (1340-1442هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة:             الحمد للَّه الذي جعلَ العلماء ورثة الأنبياء، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد سيد الأصفياء، وعلى آله وصحبه السادة الأتقياء، صلاةً وسلامًا دائمين يستوجبان رتبة الأولياء([1]).             وبعد، فهذه ترجمةٌ موجزةٌ لشيخنا العلامة القاضي: محمد بن إسماعيل العمراني رحمه الله، والمتوفى في سحَر ليلة الاثنين الثاني من شهر […]

مناقشة دعوى (أن داعِش والجماعات التكفيرية هي التي تمثّل فكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب)؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بدايةً لتناول أيّ قضية فكرية ينبغي تجنيب أيّ دوافع أيدلوجية، بل ينبغي أن يكون الدافع هو الوصول إلى الحقيقة والبحث والتمحيص وتحرِّي الدقة في الجزيئات والكليات، وتجنُّب الحكم المجمل المبني على الانطباع المُسبق، أو التخمين والظنّ من غير دراسة. واعلم أن الربطَ بين الفكر الداعشي وفكر الشيخ محمد بن […]

هل هي حرب على السُّنَن ؟

جعل الله تعالى الأحكام التكليفية المتعلقة بالعباد خمسة ، طرفاها الواجب والمحرم ، فالواجب يستحق الثواب فاعله ويستحق العقاب تاركه ، والمُحرم مقابل له وعلى نقيضه فيما يترتب عليه ، إذ يستحق العقاب فاعله ويستحق الثواب تاركه . ويشترك هذان الحُكمان في أن الإثم والعقاب الإلهي يترتب عليهما وذلك بترك الواجب وفعل المحرم ، فكان […]

الأشاعرة بين التنصُّل من الاعتزال والتأثُّر به (مسألة أول واجب أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: العلاقة بين الأشاعرة والمعتزلة علاقةٌ قديمةٌ بدءًا من أبي الحسن الأشعري رحمه الله، فقد كان على الاعتزال قرابةَ أربعين سنةً حتى تراجع عنه إلى اتِّباع ابن كلاب، وهذا التَّحوّل ذكره عددٌ من المؤرخين منهم ابن عساكر، فقد قال ناقلًا عن ابن عزرة القيرواني: “الأشعري شيخُنا وإمامنا ومن عليه […]

نصوصُ نصرة المظلوم في ضوء القدرة والاستطاعة

نصرةُ المظلوم مما اتَّفقت العقولُ على حُسنه والشرائعُ على وجوبه والحكماء على تقريره، فلا تستقيمُ دنيا بني آدم إلا بالعَدل، ولا تستقرّ حياتهم إلا بالأمن، ومتى ما خاف الضعيف فإن الظلمَ قد عمَّ والبلاءَ قد طمَّ، والناس صاروا في أمر مريجٍ؛ ولهذا لم يأل بنو آدم جهدًا في محاولة إيجاد قواعد في الحياة تضمَن العدل […]

حديثُ “طوافِ النبيّ ﷺ على نسائه بغُسْلٍ واحد”..ورد المطاعن المعاصرة عليه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة يزعُم كثيرٌ من خصوم السنّةِ أنّ بعض الأحاديث قد صوّرت النبي صلى الله عليه وسلم بصورة لا تليق بمقام النبوة؛ ولذا فالواجب في زعمهم هو ردّ هذه الأحاديث؛ صيانة لمقام النبوة مما يدنِّسها ويسيء إليها، خاصة أن هذه الأحاديث بزعمهم تعارض العقل أو القرآن أو الأحاديث الأخرى. والمتأمل لعامة […]

(ما عليه العمل) بين المتقدمين والمتأخرين

يكثر في استعمالات الأئمة المتقدمين عبارة: (وعليه العمل)، خاصَّة عند الإمام مالك في موطئه والإمام الترمذيّ في جامعه، فهل الأحاديث النبوية لا يُعتدُّ بها إلا بجريان العمل بها؟ أشار القاضي عياض (ت: 544هـ) عند ترجمته للإمام مالك إلى نصوص تدلّ على أهمية اعتبار العمل في تقرير السنن، فقال: (رويَ أن عمر بن الخطاب رضي الله […]

التَّشكيكُ سُنّةٌ باطنية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لا داعِي للفزع والخوف المفرط من موجة التشكيك في أصول الإسلام وثوابته ومسلَّماته التي نمرّ بها في هذا العصر – كما يزعمه من بعض المسلمين وأعدائه – وكأنّ أمر الإسلام – في زعمهم – أصبح مسألة وقت، وهو إلى زوال واضمحلال! فقد ظهر بين المسلمين من يشكِّكهم […]

هل أحدث الصحابة أفعالًا من أمور الدين زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهم عليها؟

سبقَ للمركز أن تناوَل في مقالٍ مستقلٍّ مسألةَ تعريف البدعةِ، وأنَّ حقيقتَها قصدُ التقرب المحض بما لم يُشرَع([1])، وبين أن القاعدة العظيمة التي ينبني عليها هذا البابُ هي أن الأصل في العبادات المنع حتى يرِد الدليل بمشروعيةِ ذلك في ورقة علمية مستقلة أيضًا([2]). ومِن أعظم الشبهاتِ التي يَستدلُّ بها من يسوِّغ للبدع لينقُض هذا الأصلَ […]

السلف والشبهات..بحث في آليات التعامل مع الشبهات والرد عليها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة: تمر الأمة الإسلامية اليوم بعاصفة جارفة وطوفان هائل من الشبهات والتشكيكات حول الدين الإسلامي، فلقد تداعت عليها الأمم -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- من كل جانب من أديان باطلة ومذاهب منحرفة وفرق مبتدِعة، كلها تصوّب السهام نحو الدين الإسلامي، ولا يكاد يسلَم من هذا الطوفان أصل […]

حديثُ: «استفت نفسك وإن أفتاك الناس» هل يؤصِّل لاتِّباع الهوى؟

لا يشكُّ مسلمٌ أنَّ الخير محصورٌ في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وأن ما صدر عنه لا يمكِن أن يحيل إلى معنى لا يكونُ موافقًا لما جاء به، وإن فُهِم منه ذلك فإنما الخطأ في فهم السامع لا في دلالة لفظِ الشارع. وقد ظنَّ بعضُ عوامّ الناس وصغار المتفقِّهة أنَّ للذَّوق مدخلًا في […]

تعارُض أحاديث الدجال..رؤية موضوعية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: المسلم يسلِّم بصدق الوحي في الأخبار وعدله في الأحكام، وهذه إحدى المحكمات الشرعية التي يُتمسَّك بها عند الاشتباه، ومن الوارد شرعًا والجائز عقلًا أن تتعارض بعض الأدلة تعارضًا ظاهريًّا قد يُربِك غيرَ الراسخ في العلم ويجعله أحيانًا في حيرة؛ لكن ميزة الشريعة أنَّ الحيرة التي تَقع في […]

الأقوال الفقهية الشاذة وموقف السلف منها

لم يرِد في كتاب الله لفظُ الشاذّ بأي من اشتقاقاته، ولكنه ورد في السنة كما يأتي بمعنى الانفراد؛ كالانفراد عن جماعة المسلمين، واستعمَل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لفظ الشاذّ واشتقاقاته بمعنى مطابقٍ من استعماله في السنة النبوية، إلا أنه كان بداية لنشأة المصطلح في بعض العلوم الشرعية. قال نافع (ت: 169هـ): (أدركت عدة من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017