الأحد - 23 ربيع الآخر 1443 هـ - 28 نوفمبر 2021 م

موقف المدرسة السلفية من إقامة المولد..(وهل كفرت الدعوة النجدية من أقام المولد أو حضره؟)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تمهيد:

من أعظم نعم الله على الأمَّة الإسلامية أن جعلها آخر الأمم وخير الأمم، فأكمل الله بها الرسالات، وأنزل لها آخر الكتب، وأرسل إليها خير الرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت الشريعة بأصول عظيمة فيها خيرَا الدنيا والآخرة، ومن أهمها: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، والإيمان بكل ما جاء به، وتقديمه على كلّ أحد، وعلى هوى النفس وميولها؛ ليكون الإنسان كما قال الله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 9]، فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]، وكما ورد الحث على حبه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث، ومنها حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين»([1])، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يحبّه أكثرَ من كل شيء إلا نفسه، فبيّن له عليه الصلاة والسلام أنه ينبغي حبّه فوق حب النفس، فقال له: «لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر»([2]). والإنسان لا يذوق حلاوة الإيمان حتى يحبَّ الله ورسوله فوق كلّ حب، يقول عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»([3]).

ومن المعلوم أنَّ الإنسان يُحَبّ لجماله، أو خلقِه، أو لنفعه للناس، وغير ذلك من المعاني، وكل ذلك قد اجتمع في النبي صلى الله عليه وسلم، يقول النووي رحمه الله: “وبالجملة: أصل المحبَّة: الميل إلى ما يوافق المحِبّ، ثم الميل قد يكون لما يستلذّه الإنسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذّه بعقله للمعاني الباطنة كمحبّة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضارّ والمكاره عنه، وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم والإبعاد من الجحيم”([4]).

ومن أكبر مظاهر حبّ النبي صلى الله عليه وسلم: اتّباعه، بل ربط الله سبحانه وتعالى اتباعَ النبي صلى الله عليه وسلم بحبّ الله، فجعل آية حبّ الله اتباعه عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، والاتباع الحقيقي للنبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا باطِّراح الهوى، واتباع ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وتربية النفس على لزوم ما أمر به.

والنصوص في لزوم اتباعه عليه الصلاة والسلام ووجوب محبته كثيرة مستفيضة، ليس المراد ذكرها هنا وبسط الكلام فيها، فهي مسلَّمة من المسلَّمات القطعيَّة عند المسلمين، وإنَّما مرادنا في هذه الورقة: الحديث عن مسألة كثر الكلام فيها قديمًا وحديثًا، ألا وهي: مسألة الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي كل عام تبدأ مظاهر هذا الاحتفال في كثير من بلدان المسلمين، ويصاحب إقامتها الكثير من المنكرات كما سيأتي بيانه، وليس الكلام عن مجرد التذكير بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنما عن الاحتفال بالمولد بالصورة التي نشاهدها ويعرفها كل أحد، والتي وجدت من القرن الرابع إلى يومنا هذا، ففي هذه الورقة بيان لموقف المدرسة السلفية من إقامة المولد، وبيان أصولهم التي استدلوا بها على موقفهم هذا، كما نعرج على الدعوة النجدية بالخصوص ودعوى تكفير المحتفلين بالمولد، فنبين موقف أئمة الدعوة وهل كفروا الناس من أجل الاحتفال بالمولد أو لا.

وقد بدأت الورقة ببيان وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أعظم تهمة تُوجّه إلى من لا يحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم هي عدم محبته صلى الله عليه وسلم، وهو صرف للمسألة عن بيان حكمها إلى بيان أمور أخرى متعلقة بها مما لا خلاف فيها، فلا خلاف بين المسلمين في أنه يجب حب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هل يشرع الاحتفال بمولده أو لا يشرع؟ هذا ما نروم بيانه في هذه الورقة.

ظهور المولد:

قبل الشروع في بيان حكم الاحتفال بالمولد نعرّج على قضية مهمّة وهي: متى بدأ الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟

أجمع المسلمون بـأن إقامة المولد النبوي لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا في عهد الصحابة الكرام، ولا التابعين، ولا أتباع التابعين، فلم يحدث المولد إلا بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، وهذا ممَّا لا يمكن لأحد أن يخالف فيه، فلم يحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام الذين بذلوا من أجله الأنفُس، ولا من جاء بعدهم من الأئمة كالأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ولا الأئمة المحدثون كالبخاري ومسلم وغيرهما، فمهما اختلف الناس في من بدأ الاحتفال بالمولد وأحدثه إلا أنه لا يخالف أحدٌ في كونه لم يكن في هذه القرون المفضلة.

وأول من أحدثه: العبيديون الذين يتسمّون زورًا بالفاطميّين في القرن الرابع الهجري، وقد ابتدعوا حفلات عديدة ذكرها المقريزي في خططه فقال: “وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي: موسم رأس السنة، وموسم أوّل العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم…” إلخ([5])، وقد ذكر قرابة ثمانيةٍ وعشرين احتفالًا كان العبيديون يقيمونها طوال العام، وقد كانوا يُلزمون الناس إلزامًا، وهذا معهود في سائر احتفالاتهم، أمَّا بخصوص المولد فقد قال المقريزي: “وفي ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل بالليل في سائر الشوارع والأزقة بمصر”([6]).

فهو احتفالٌ للعبيدين من دعاة الباطنية من أتباع عبيد الله بن ميمون القدّاح الذي هو من بيت مجوسي، وقد ردَّ العلماء عليهم وبينوا مثالبهم ولم يرتضوا حكمهم، فجاء الرد على الباطنية عمومًا وعلى العبيديين وحكمهم بالخصوص، يقول ابن تيمية رحمه الله: “فكيف تكون العصمة في ذرية عبد الله بن ميمون القداح مع شهرة النفاق والكذب والضلال؟! وهب أن الأمر ليس كذلك؛ فلا ريب أن سيرتهم من سيرة الملوك وأكثرها ظلمًا وانتهاكًا للمحرمات، وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات، وأعظم إظهارًا للبدع المخالفة للكتاب والسنة، وإعانة لأهل النفاق والبدعة… وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر… وكذلك النسب؛ قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم، وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم”([7])، إلى آخر ما ذكره عنهم، ويقول أبو شامة المقدسي عن بني عبيد: “أظهروا للناس أنهم شرفاء فاطميون، فملكوا البلاد وقهروا العباد، وقد ذكر جماعة من أكابر العلماء أنهم لم يكونوا لذلك أهلًا، ولا نسبهم صحيحًا، بل المعروف أنهم بنو عبيد، وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي”([8]).

وقد أفاض العلماء في مثل هذا ولا حاجة لإطالة الورقة بنقله، لكن الشَّاهد مما ذكرت: أنَّ الاحتفال لم يظهر في القرون المفضلة على يد خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين وهم الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان، بل لم يظهر إلا مع الباطنية، ومع ذلك لم ينتشر في سائر العالم الإسلامي حتى القرن السابع، ومما يدل على ذلك أن بدء الاحتفال بالمولد قد نسب إلى ملك إربل المتوفى سنة 630هـ، فبعض العلماء ذكروا أنه أول من أحدث المولد، وهو ما يدل على أنه لم يكن شائعًا ذائعًا بين الناس إلا في الدولة العبيدية، وقد ذكر ابن كثير رحمه الله عنه أنه كان يقيم المولد فقال: “وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احتفالا هائلا”([9]). ومما يدل على أنه لم يكن منتشرًا: أن الاحتفال به كان يختفي أحيانًا حتى في الدولة العبيدية نفسها، يقول المقريزي: “وكان الأفضل بن أمير الجيوش قد أبطل أمر الوالد الأربعة: النبويّ، والعلويّ، والفاطميّ، والإمام الحاضر، وما يهتمّ به، وقدم العهد به حتى نسي ذكرها، فأخذ الأستاذون يجدّدون ذكرها للخليفة الآمر بأحكام الله، ويردِّدون الحديث معه فيها، ويحسنون له معارضة الوزير بسببها، وإعادتها، وإقامة الجواري والرسوم فيها، فأجاب إلى ذلك، وعمل ما ذكر”([10]).

وعلى كل حال؛ سواء كان أول من أحدثه هم العبيديون ثم أظهره ملك إربل، أو أحدثه العبيديون ثم انتشر من حينه، أو لم يحدثه إلا ملك إربل، فإنَّ هذه الأمور كلها إنما تؤكّد شيئًا واحدًا وهو: أن الاحتفال بالمولد لم يظهر إلا بعد انقضاء القرون المفضلة، فلم يعمله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة الكرام، ولا التابعون لهم بإحسان، فهو باتفاقٍ عملٌ محدثٌ في الدين.

حكم المولد:

أمَّا إقامة المولد فإنَّ السلفية ترى أنَّ تخصيصَ هذا اليوم باعتقادِ فضيلة فيه أو تخصيصه بأعمال تقربًا إلى الله بدعة، فلم يرد هذا الأمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام ولا التابعين لهم بإحسان، بل هو أمرٌ مستحدَث، فهو بدعة في الدين.

وقد بيّن الفاكهاني أنَّ المولد إذا أجرينا عليه الأحكام الخمسة فإنَّنا نجد أنه لا يمكن أن يكون واجبًا ولا مستحبًّا ولا حتى مباحًا، يقول رحمه الله: “لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة، المتمسكين بآثار المتقدمين؛ بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون، بدليل أنَّا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إمَّا أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا.

وهو ليس بواجب إجماعًا، ولا مندوبًا؛ لأنَّ حقيقة المندوب: ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة ولا التابعون، ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت.

ولا جائز أن يكون مباحًا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين”([11]).

ويقول ابن الحاج الفاسي -بالرغم من غلوه في بعض المواطن خاصة فيما يتعلق بزيارة النبي صلى الله عليه وسلم-: “ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أنَّ ذلك من أكبر العبادات وإظهار الشعائر: ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من مولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات جملة”([12]).

أما ابن تيمية رحمه الله فإنك تجد هذا في كثير من كلامه، يقول: “وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال: عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها”([13]).

فتخصيص هذا اليوم بالقربات بدعة، وإن كان فيه ما هو محرم فهو أشدّ إثمًا من جهة وقوع المحرمات فيه، ومن جهة كونه في نفسه بدعة، أما من لا يفعل فيه محرمًا فإنَّ تخصيصه واعتقاد فضله وعمل قربة إلى الله فيه يعدُّ بدعة، يقول الفاكهاني: “والتفرقة بين حالين:

أحدهما: أن يعمله رجلٌ من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام؛ فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة؛ إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سرج الأزمنة وزين الأمكنة.

والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية… لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الغانيات… وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان”([14])، وهكذا يرى ابن الحاج رحمه الله في مدخله([15]).

وكلام العلماء في هذا كثير، ليس غرض الورقة التبحر جمعه واستقصاؤه، وإنما أشرنا إلى أن الاحتفال بدعة لم يكن في عهد النبي صل الله عليه وسلم ولا القرون المفضلة، وللمدرسة السلفية عدة أصول يتمسّكون بها في حكمهم على إقامة المولد بالبدعة، ويمكن إجمالها في الآتي:

أولًا: الأصل في العبادات أنَّها توقيفيَّة:

وهذه قاعدة معلومة معروفة، وتعني: أنَّ أي عمل لا يمكن أن يكون عبادة شرعيّة إلا إذا جاء الشرع بتقريره، فلا نعبد الله سبحانه وتعالى إلا بما شرع، ولا يجوز لنا أن نجعل أي فعل عبادة متجاوزين في ذلك الشرع، سواء في أصله كأن نجعل أمرًا اعتياديًّا عبادة من العبادات، أو في وصفه كأن نزيد في الركعات مثلا ولو كان جنس الصلاة مأمورًا به، فالعبادة في ذاتها أو في صفتها يجب علينا أن نتقيد فيها بما ورد في الشرع، يقول ابن تيمية رحمه الله: “فباستقراء أصول الشريعة نعلم أنَّ العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم ممَّا يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها، فما لم يثبت أنَّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة؟! وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور؟! ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إنَّ الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]”([16]).

ويدل على هذا كل الآيات التي أمرت باتباع القرآن والسنة، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]، وبالخصوص الآيات التي أمر الله سبحانه وتعالى فيها باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59]؛ ذلك لأن المبلّغ عن الله هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المفسر لكتاب الله، والمبيّن لمجمله، فما أمر الله به في القرآن وبين الرسول صلى الله عليه وسلم صفته فإنه لا يجوز تجاوزه، وما لم يشرعه الله في كتابه، ولا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، فإنه لا يجوز لنا أن نجعله عبادة من العبادات الذاتية نتقرب بها إلى الله.

ومن الأمور التوقيفية: تخصيص الزمان أو المكان بعبادة، ومن ذلك تخصيص أوقات الصلوات، والصيام في رمضان، والحج في شهر ذي الحجة، فلا يجوز لأحد أن يطبق نفس العبادات في أيام أخرى، فتحديد الزمن نفسه وجعله فاضلًا أو مختصًّا بأمر ما هو من خصائص الشارع لا غيره.

ونحن حين نبحث عن آية واحدة أو جزء من آية في كتاب الله عن وجوب إقامة المولد أو استحبابه فإننا لا نجد ذلك، كما لا نجد ذلك في سنته صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، فلم يحثَّ النَّاس على إقامة المولد في الثلاث والعشرين سنة التي عاشها نبيا رسولا، ولم يفعل ذلك بنفسه، ولم يقر أحدًا رآه يفعل ذلك، فكيف نجعل أمرًا عبادة من العبادات ولم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولا حتى تقريرًا من النبي صلى الله عليه وسلم على فعله؟!

وعلى هذا فمن زعم أن إقامة المولد من الدين فقد قال على الله ورسوله بغير علم، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168، 169]، ويقول: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، ويقول: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]، فيكفي في عدم شرعية إقامة المولد أننا لا نجد ذلك في أي دليلٍ شرعي من الكتاب أو من السنة.

ثانيًا: جاء النَّهي عن مثله:

لم يقتصر الأمر على أنَّه لم يرد في الشرع ما يدل على إقامة المولد فحسب، بل جاء في الشرع ما ينهى عن مثله، فقد بينت الشريعة وجوب التمسك بالكتاب والسنة، والنهي عن الخروج عنهما والإتيان بأفعال ليست منهما لتنسب إلى الشريعة، فكل فعل لم يرد في الشرع على أنه عبادة فهو محدث، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بوضوح، فأمر بالتمسك بالسنة وعدم الخروج عنها، وبين أن الخروج عنها بجعل أعمال وأقوال عبادات من الإحداث في الدين، يقول عليه الصلاة والسلام: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»([17])، فهنا يحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من المحدثات في الدين، ويبين بلفظ عام بأنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، فإقامة المولد بدعة كما بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم بأن كلّ محدثة بدعة، وهي ضلالة أيضًا بنصّ قول النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النصّ عامّ غير مخصَّص، فلم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من البدع حتى لا تكون ضلالة، بل بيّن أنها كلها ضلالة، يقول ابن تيمية رحمه الله: “ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية -وهي قوله: «كل بدعة ضلالة»– بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل”([18]).

والأحاديث في ذم البدع والمحدثات كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد»([19])، وفي لفظ عند مسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»([20])، فهذه النصوص تبين أن المحدثات في الدين من البدع، وأنها كلها ضلالة، وأنها مردودة على أصحابها غير مقبولة، وأي محدثة أوضح من المولد؟! وهو فعل لم يرد فيه دليل من الكتاب والسنة، ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته، ولا التابعون حتى انتهاء القرون المفضلة، فلا شكّ أنه من المحدثات في الدين، وهو مما تتناوله هذه النصوص بالذم والنهي عنه.ببب

ثالثًا: القول بشرعيَّة إقامة المولد ينافي إكمال الله للدين:

ممَّا ينبني على النقطتين السابقتين أن القول بمشروعية المولد ينافي كمال الدين، والذي قال الله في بيانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ} [المائدة: 3]، فالله سبحانه أكمل الدين ببيان الأوامر والنواهي، والواجبات والمستحبات والمكروهات والمحرمات، يقول الطبري رحمه الله: “فقال بعضهم: يعني -جل ثناؤه- بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}: اليوم أكملت لكم -أيها المؤمنون- فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بينتُ لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممتُ لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم”([21]).

فلا زيادة إذن في دين الله بعد أن أكمَله الله، فإن قلنا: إن إقامة المولد سنّة، فقد أضفنا إلى دين الله سبحانه وتعالى عبادةً لم يُنزل بها كتابًا، ولم تأتِ بها سنةٌ، ولم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها أحد من صحابته بوجوده عليه الصلاة والسلام أو بعده، ولا فعلها التابعون وأتباعهم، فهذا بلا شكّ زيادة على دين الله، واعتراض على إكمال الدين حتى يكمل بشيء لم تعرفه القرون المفضلة.

رابعًا: أن في القول باستحباب المولد تنقّصًا من النبي صلى الله عليه وسلم:

فممَّا لا شك فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل، وأعلاهم منزلة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم»([22])، وقد بلَّغ النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، فأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، وأرشدها إلى كلّ خير، ومع ذلك لم يذكر نصًّا واحدًا عن إقامة المولد، ولا دعا إليه، ولا حثّ عليه، ولا أمر به، ففي القول بشرعيته ازدراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنَّ إقامة المولد إن كان سنة وقربة إلى الله فإنه لا يخلو الحال من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علمه أو جهله، فإن كان علمه عليه الصلاة والسلام فلا يخلو الحال من أن يكون قد بلَّغه أو كتمه، فإن قالوا: قد بلغه فهذا كذبٌ عليه، وإن قالوا: قد كتمه فهذا اتهامٌ عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه بل قد جهله، وعَلم هؤلاء في القرن الرابع ما لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم وجهل أنه قربة إلى الله، فأيّ ازدراء للنبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا؟!

فالقول بشرعية إقامة المولد يلزم منه اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بعدم البلاغ، أو بالجهل بالعبادة، وكل أمرٍ منهما أشنع من الآخر.

خامسًا: أن فيه تنقصًا من خير القرون:

وقد مرَّ أنَّ إقامة المولد لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة الكرام، ولا من تبعهم بإحسان، وهذا الأمر قد ذكره حتى من يرى شرعية إقامة المولد إذا خلا من المنكرات كالرقص والغناء وغير ذلك، فحتى من ذهب إلى أن إقامة المولد بدعة حسنة فإنهم لا يستطيعون إنكار أن إقامة المولد لم تكن زمن القرون المفضلة، يقول ظهير الدين جعفر التزمنتيّ -وهو ممن يرى أنها بدعة حسنة-: “هذا الفعل لم يقع في الصّدر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم وحبّهم له إعظامًا ومحبةً لا يبلغ جمعنا الواحد منهم ولا ذرّة منه”([23]).

وقد أشار الشيخ رحمه الله إلى أننا لسنا أكثر حبًّا للنبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة الكرام، ولا ممن تبعهم بإحسان، فتشريع إقامة المولد فيه ازدراء بالقرون المفضلة، ويقول جمال الدين يوسف بن محمد العُقيلي الحنبلي: “وفي هذا الخلاف ما يدل على أنَّ السلف لم يكونوا يجعلون ذلك موسمًا للاجتماع والولائم والاحتفال في صُنع الأطعمة والأشربة والسماعات، إذ السلف كانوا أعظمَ الناس توقيرًا ومحبَّة وتعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأحرص الخلق على نشر محاسنه، فلو كان يوم مولده عندَهم موسمًا لتوفّرت هِمَمُهم على حفظه، ولم يكن عندهم ولا عند غيرهم فيه خلافٌ، ولاتَّفقوا عليه كما اتَّفقوا على يومي العيدين وأيام التشريق ويوم عرفة ويوم عاشوراء وليلة النصف من شعبان ونحو ذلك، فإن هذه أيام مواسم الأعمال الصالحات مشروعة منقولة محفوظة، فلو كان المولد مثلها لحفِظ كما حفِظت”([24]).

فهؤلاء الصحابة الذين لازموه وجالسوه، وهاجروا معه تاركين أوطانهم وأموالهم، وجاهدوا معه باذلين أموالهم وأنفسهم لله، هل هم أحبوا النبي صلى الله عليه وسلم مع كل هذا الذي قدموه أم لم يحبوه؟ فإن كانوا قد أحبوا النبي صلى الله عليه وسلم فلا شك أنَّ الداعي قائمٌ لإقامة المولد ومع ذلك لم يفعلوه، فقولنا بأن المولد سنة وقربة ازدراء لهم واتهام لهم بعدم حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ينكره حالهم وواقعهم، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله: “وكذلك ما يحدثه بعض الناس؛ إمَّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا… فإنَّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه لو كان خيرًا، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحقَّ به منّا، فإنَّهم كانوا أشدَّ محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منَّا، وهم على الخير أحرص”([25])، وهذا المعنى أشار إليه أيضا ابن الحاج في مدخله([26])، فما لم يفعله السلف الصالح -مع كمال معرفتهم بالأعمال الصالحة ومبادرتهم إليها- لا يمكن أن يكون خيرًا إذ لو كان كذلك لوجب أن يعلموه ويعملوا به.

سادسًا: منعُ إقامة المولد سدًّا للذريعة:

حتى وإن قلنا: إنَّ إقامة المولد لم يرد فيها أي نهي، ولا تُعارض النصوصَ الشرعية التي جاءت في ذم الإحداث في الدين، فإن ما يحصل في الموالد كافٍ في منع إقامتها، وقد كانت هذه المنكرات تصاحب الموالد منذ بداية إقامتها إلى يومنا هذا، مع ازدياد شرها وتنوع المنكرات فيها، ومع ذك فمن قرأ بعض الكتب التي رصدت المنكرات في الموالد في قرونها الأولى يجزم بأن إقامة الموالد مع تلك المنكرات منكرٌ عظيم في نفسه، فكيف بمن يرى الموالد اليوم؟! وهذه المنكرات لا يلزم أن تكون كلها موجودة في كل التجمعات، وإنما كثير منها موجود في كثير من الموالد، وبعضها يكاد يكون في كل حفلات المولد، فمن تلك المنكرات:

1- ما يتعلّق بالشرك بالله سبحانه وتعالى، من الاستغاثة بغير الله، وصرف بعض خصائص الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.

2- ما يتعلق بالمنكرات الأخلاقية، كالرقص والغناء والاختلاط، وما يصاحب ذلك.

3- ما يتعلّق بالاعتقادات الباطلة، كاعتقاد حضور النبي صلى الله عليه وسلم.

4- اتخاذه عيدًا، فإن هذا اليوم قد أعلن أنه يوم عيد في كثير من بلدان المسلمين، وصنع ذلك عددٌ من الملوك([27])، بل كره البعض صيامه لأنه يوم عيد يشبه عيد الفطر والأضحى!([28]).

ويظهر من هذا أنَّ إقامة المولد لا يؤيّده نصٌّ شرعيّ، ولا عمل نبويّ، ولا فعلٌ للصحابة الكرام، فهو أمر مُحدثٌ في الدين، وليت أنه قد سلِم من منكرات أخرى غير أنه في نفسه بدعة، بل يصاحب إقامة الموالد منكرات كثيرة تؤكّد على المنع من إقامتها وعدم شرعيتها، وقد ذكرنا في هذه الورقة جملة من الأصول التي يعتمد عليها السلفية في تحريمهم إقامة المولد النبوي وإنكارهم على من يفعله، وقد بينا أنه لا يوجد دليل واحد صريح في إقامة المولد، ولكن يتمسّك المجوّزون بعمومات بعض النصوص الشرعية، كما أن لهم اعتراضات عدة في وصف الفعل بالبدعة، ومنافاة إقامة المولد للشريعة، وليس غرض الورقة جمعها ومناقشتها([29])، وإنما بيان موقف المدرسة السلفية والأصول التي اعتمدوا عليها في تحريمهم إقامة المولد.

موقف الدعوة النجدية من المولد، وهل كفروا من أقامها أو حضرها؟

بقي لنا أن نعرّج على قضيَّة أخرى مهمة، وهي: موقف الدعوة النجدية من إقامة المولد، وهل كفروا من أقامها أو حضرها؟

وسبب التعريج على هذه القضية هو: أن عددًا ممن شنّعوا على دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب يشنّعون عليها بتحريمهم المولد، وأن هذا منافٍ لفعل السابقين، فهي بدعة وهابية على حدّ زعمهم، بل تحريم البدعة في الوقت الحاضر لا يرتبط إلا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتنفير الناس عنها ومحاولة إظهارها مخالفةً لعموم المسلمين، فهل خالفت دعوة الشيخ ما قررته المدرسة السلفية عمومًا؟ وهل كفّرت من أقام المولد أو حضره؟

أمَّا القضية الأولى وهي: هل خالفت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المدرسة السلفية في موقفها من إقامة المولد النبوي؟

فالجواب: أنها كانت على منهج المدرسة السلفية ولم تخالفها، فقد بيّنوا بدعية إقامة المولد، ومنعها في الشرع لعدم الدليل، فموقفهم متطابقٌ مع موقف المدرسة السلفية، وقد بين الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب فقال: “وأنكر ما كان عليه الناس في تلك البلاد وغيرها من تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية التي لم ينزل في تعظيمها سلطان، ولم يرد به حجة شرعية ولا برهان؛ لأن ذلك فيه من مشابهة النصارى الضالين في أعيادهم الزمانيَّة والمكانيَّة ما هو باطل مردود في شرع سيد المرسلين”([30]).

وهكذا أتباعه من بعده، كلهم يقرون بدعيَّة إقامة المولد لعدم ورود دليل على إقامته، وقد سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن عما يخص به يوم المولد من النحر، وما يفعل في السابع والعشرين من رجب من تخصيصه بالصوم والنحر، وما يفعل في ليلة النصف من شعبان من النحر وصيام اليوم، وما يخص به يوم عاشوراء من النحر؟

فأجاب: هذه الأمور المذكورة من البدع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([31])، وقوله في الحديث: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»([32])، والعبادات مبناها على الأمر والنَّهي والاتباع، وهذه الأمور لم يأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلها الخلفاء الراشدون، ولا الصحابة والتابعون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»([33])؛ وهذه الأمور ليس عليها أمره صلى الله عليه وسلم، فتكون به مردودة يجب إنكارها لدخولها فيما أنكر الله ورسوله، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]؛ وهذه الأمور مما أحدثها الجهال بغير هدى من الله”([34]).

فعلماء الدعوة أنكروا إقامة المولد، وبينوا أنها بدعة، وهم في ذلك موافقون لعموم ما عليه المدرسة السلفية من هذه القضية.

أما القضية الثانية وهي: هل كفَّر أئمة الدعوة من أقام المولد أو حضرها؟

والجواب: أنَّ هذا لم يقع، ولكن نُسب إلى أئمة الدعوة أنهم يكفّرون بحضور المولد، هذا الخطأ إنَّما وقع لأمرين:

أولًا: لظنِّهم أنَّ أئمة الدعوة يرون إقامة المولد كفرًا؛ لأنهم وجدوا لأئمة الدعوة نصوصًا في تكفير ما يقع في المولد، فظنوا أن تكفير ما يقع فيه هو تكفير للمولد ولإقامته.

وأئمة الدعوة لهم نصوص عديدة في بيان ما يحدث في المولد، وبيان كفر بعض ما يقع فيها، من استغاثة بغير الله ودعاء غيره وغير ذلك، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في رسالته لابن سحيم: “إنك تقول: إني أعرف التوحيد، وتقرّ أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر، والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرؤه لهم وتحضرهم، وهم ينخون ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المعدّ لذلك؛ فإذا كنت تقر أنَّ هذا كفر، فكيف تروح لهم، وتعاونهم عليه، وتحضر كفرهم؟!”([35]).

وبغض النظر عن تكفير الإمام لابن سحيم من عدم تكفيره فإن هذه مسألة أخرى، وتكفير المعين بعد قيام الحجة حق، ومع ذلك فإن الإمام يبين في هذا النص أن المولد تقع فيه أشياء هي كفر، وقد ذكرها الإمام بقوله: “وهم ينخون ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد”. فهم يطلبون من الأموات ما لا يقدر عليه إلا الله، ويستغيثون بهم وهو شرك عند أهل السنة والجماعة، لكن مثل هذا النص لا يُفهم منه أن الإمام ابن عبد الوهاب يرى أن إقامة المولد كفر في ذاتها، ويدل عليه ما مرَّ بنا من نصوص في تبديع إقامة المولد.

ثانيًا: يظن البعض أن بيان كفر ما يقع في المولد هو تكفيرٌ لمن يقيم المولد، فيشنعون على أئمة الدعوة بأنهم يكفرون المسلمين ممن يقيمون المولد، وهذا أيضًا غير صحيح.

فأئمة الدعوة على منهج أهل السنة والجماعة في التفريق بين الفعل والفاعل، فالفعل أو القول يوصف بالكفر، لكن الفاعل لا يكفر إلا بوجدود الشروط من قيام الحجة وغيره وانتفاء الموانع من جهلٍ أو غيره، فالحكم على المعين بابٌ غير تكفير الفعل أو القول، ومما يدل على أن أئمة الدعوة لا يكفرون من يحضر المولد لمجرد حضورهم المولد أو إقامتهم للمولد: أنهم لم يكفروا البوصيري صاحب البردة، فبيان كفر ما يقع في المولد كثيرٌ منه مبني على تخطئة بعض أبيات البردة وبيان ما فيها من كفر، فإذا لم يكفّروا البوصيري نفسه فغيره ممن يردّد أبياته من باب أولى.

يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب وهو يبين ما في البردة من أمور مخالفة للشرع، بل من أمور توصف بالشرك: “وأعجب من ذلك ما رأيت وسمعت ممَّن يدّعي أنَّه أعلم الناس، ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات، ثم يشرح البردة ويستحسنها، ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك”([36])، ويقول رحمه الله: “فأين هذا المعنى والإيمان به والإيمان بما صرح به القرآن من قول صاحب البردة:

ولن يضيق رسولَ الله جاهُك بــــــــي *** إذا الكريم تجلى باسم منتقم

فــــــــإن لي ذمــــــــة منــــــــه بتسميتــــــــي *** محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم

إن لم تكن في معادي آخذا بيدي *** فضلًا وإلا فقل: يا زلة القدم

فليتأمل من نصح نفسَه هذه الأبياتَ ومعناها ومن فتن بها من العباد، وممن يدّعي أنه من العلماء، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن، هل يجتمع في قلب عبد التصديق بهذه الأبيات والتصديق بقوله: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ} [الانفطار: 19]، وقوله: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا»([37])؟ لا والله! لا والله! لا والله! إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق وأن فرعون صادق، وأن محمدًا صادق على الحق وأنَّ أبا جهل صادق على الحق.

فلا والله ما استويا ولن يتلاقيا *** حتى تشيب مفارق الغربان

فمن عرف هذه المسألة وعرف البردة ومن فتن بها عرف غربة الإسلام”([38]).

فهذا بيان لما في البردة من أمور مخالفة للشرع، ومن عرف الحق بأدلة الكتاب والسنة لم يكن له أن يشنّع على أئمة الدعوة، فالاستغاثة بغير الله شركٌ، وكذا ادّعاء علم الغيب لأحد ما لم يرد دليل خاصّ بخصوصه،؛ لأن ادعاء الغيب لأحد فيه تكذيب للقرآن الكريم الذي ينصّ على أنه لا أحد يعلم الغيب.

ومع ورود التشنيع على أبيات من البردة وأقوال فيها لم يلزم منه تكفيرُ البوصيري نفسه، ويتّضح من هذا المنهج السليم الذي يتّبعه أئمة الدعوة من التفريق بين الفعل والفاعل، فقد ورد النصّ عن الإمام محمد بن عبد الوهاب صريحًا في عدم تكفير البوصيري، مع بيان وجود الشرك في أقواله، يقول رحمه الله: “إن صاحب البردة وغيره ممَّن يوجد الشرك في كلامه والغلو في الدين وماتوا لا يحكَم بكفرهم، وإنما الواجب إنكار هذا الكلام، وبيان أنَّ من اعتقد هذا على الظاهر فهو مشرك كافر، وأما القائل فيرد أمره إلى الله سبحانه، ولا ينبغي التعرض للأموات لأنَّه لا يعلم هل تابوا أم لا”([39]). كما نفى عن نفسه تكفير البوصيري مرة أخرى فقال مجيبًا عن اتهامه بذلك: “سبحانك هذا بهتان عظيم”([40]).

فانتفى الإشكال، وتبين أنهم يسيرون وفق منهج واضح في وصف الأفعال التي وصفتها الشريعة بأنها شرك بالشرك، ولا يلزم من ذلك عندهم بالضرورة وصف الفاعل بالشرك، فتلك مسألة أخرى لها شروطها وضوابطها.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه البخاري (15).

([2]) أخرجه البخاري (6632).

([3]) أخرجه مسلم (43).

([4]) شرح صحيح مسلم (2/ 14).

([5]) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (2/ 436).

([6]) اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء (2/ 48).

([7]) الفتاوى الكبرى (3/ 491-493).

([8]) الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية (2/ 214).

([9]) البداية والنهاية (17/ 205).

([10]) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (2/ 332-333).

([11]) المورد في عمل المولد (ص: 8-10).

([12]) المدخل لابن الحاج (2/ 2)، وينظر: فتاوى الشاطبي (ص: 203).

([13]) الفتاوى الكبرى (4/ 414).

([14]) المورد في عمل المولد (ص: 10-12).

([15]) ينظر: المدخل (2/ 10).

([16]) مجموع الفتاوى (29/ 16-17).

([17]) أخرجه أبو داود (46074)، وابن ماجه (46)، والإمام أحمد (17145)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2735).

([18]) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (2/ 93).

([19]) أخرجه البخاري (2697).

([20]) أخرجه مسلم (1718).

([21]) تفسير الطبري (9/ 517-518).

([22]) أخرجه مسلم (1844).

([23]) ينظر: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، لمحمد بن يوسف الشامي (1/ 364).

([24]) المولد الكبير للبشير النذير صلى الله عليه وسلم، بواسطة: منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة (ص: 72)، لخالد بن منصور المطلق.

([25]) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (2/ 123).

([26]) ينظر: المدخل لابن الحاج (4/ 264).

([27]) ينظر: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (3/ 90)، والمدخل لابن الحاج (2/ 45).

([28]) ينظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/ 406).

([29]) ينظر: مقال في مركز سلف بعنوان: حكم الاحتفال بالمولد النبوي. وفيه تعرض لبعض الاعتراضات والأدلة ومناقشتها، وهو على الرابط التالي: https://salafcenter.org/5379/

([30]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 460).

([31]) سبق تخريجه.

([32]) سبق تخريجه

([33]) سبق تخريجه.

([34]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (5/ 360-361).

([35]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 32).

([36]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (2/ 66).

([37]) أخرجه البخاري (2753)، ومسلم (205).

([38]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (4/293-294).

([39]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 147-148).

([40]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 34).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مظاهر التصوُّف في المدينة المنورة من خلال رحلة الحبشي:(الشاهد المقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: مظاهرُ التصوُّف في الحجاز كانت باديةً قبل قرون كثيرة، بيدَ أنها زادَت في القرون المتأخِّرة، وصار التصوُّف مرتعًا خصبًا في الحرمين الشَّريفين قبل دخولهما تحت حكم الدولة السعودية. وفي هذهِ الورقة وصفٌ للحالة العقديَّة في المدينة المنوَّرة عام 1328هـ، بحكاية مقتطفات من تاريخها من كتاب: “الشاهد المقبول بالرحلة […]

عرض وتعريف بكتاب الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية. اسم المؤلف: محمد بن بير علي البركوي (البركلي). اسم المحقق: محمد رحمة الله حافظ محمد ناظم الندوي. دار الطباعة: دار القلم بدمشق. رقم الطبعة: الطَّبعةُ الأُولَى عام 1432هـ-2011م. حجم الكتاب: مجلد في (648 ص). التعريف العام بالكتاب: كتاب “الطريقة […]

موقف الشافعية المتأخرين من بدع القبور ومن الاستغاثة..وتحرير موقف الشيخين السبكي والهيتمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: إن تمييز المسائل والأقوال المنسوبة إلى الآراء الفكرية والمذاهب العقدية، وتحرير أصولها وتصويرها تصويرًا دقيقًا لهو من أهمّ تحديات الجدل العقديّ المعاصر، لا سيما وقد دخلت على طوائف من الناس صنوف من البدع والشركيات، ويتأكد الأمر في الواقع المعاصر حيث انحسار العلم وفشوّ القلم؛ فلا يصلح -والحال كذلك- […]

أفيون الشعوب.. ليس هو الإسلام

“الدِّين أفيون الشعوب” كلمة أطلقها كارل ماركس قبل قرنين من الزمان لأسباب وظروف تاريخية معيَّنة، إلا أنَّ ناقدي الأديان وأعدائها قد تلقَّفوا الكلمةَ وأذاعوها في كلّ مكان، وجعلوها رأس الحربة أمام الدِّين، واستغلها الملاحدةُ كأحد أوجه نقد التَّديّن بشكل عامّ، وإن كانت العبارة تطلق بشكلٍ خاصّ ضدَّ الإسلام، وذلك من قِبَل الملاحدة الجُدُد الذين عداؤهم […]

ترجمة الشيخ المحدث حسين سليم أسد الداراني رحمه الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ المحدث، صاحب التحقيقات النافعة المفيدة: حسين سليم أسد الداراني، نسبة إلى داريّا في الغوطة الغربية قرب دمشق. مولده ونشأته: ولد -رحمه الله- في عام1351هـ الموافق لسنة 1932م، في بلدة داريا، وهي أكبر حواضر الغوطة الغربية القريبة من العاصمة دمشق. وكان والده -رحمه الله- يعمل في […]

درء التعارض..بين آيات العلو لله عز وجل

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  علو الله تعالى على خلقه من أعظم صفات الباري وأجلها، وكثر رودها وتقريرها في كتاب الله، وهي من الصِّفات الظاهرة الواضحة البيّنة التي لا إشكال فيها، وقد تواترت على إثباتها الأدلة نقلًا وعقلًا وفطرةً. ومع ذلك نجد من يلبِّس على الناس بأن في إثباتها تناقضًا! من جهة أن هناك […]

قاعدة التسوية بين المتماثلات وعدم التفريق بينها..وبعض توظيفاتها العقدية عند تقي الدين ابن تيمية (728هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: من أدقّ المسائل العلمية التي تناولها علماء الإسلام البحث في الأشباه والنظائر وضمّ النظير إلى نظيره ليحكم له بحكمه، والبحث في الفروق بين المسائل المتشابهة بحيث يختلف حكمها بسبب ذلك الفرق الدقيق، وهذا من أجلّ العلوم وأدقّها كما يقول السيوطي: “وكان من أجلّ أنواعه: معرفة نظائر الفروع وأشباهها، […]

دعوى جناية أهل السُّنَّة على المتكلمين..(هل اعتنى المتكلمون بتوحيد الألوهية؟)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: توحيد الله سبحانه وتعالى هو ما أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب، ولا تخفى مركزيَّة التَّوحيد في دعوات الرُّسل، وأنَّ التشريعات كلها راجعة إليه ومبنية عليه، وبقدر اهتمام الكتاب والسنة بالتوحيد كان اهتمام علماء أهل السنة والجماعة به تقريرًا وتأصيلًا وبيانًا ودفعًا لما يثار حوله من شبهات. […]

حديث: «إن آخرَ وَطْأة وَطِئها الله بـوَجٍّ» (درجته، وتحرير معناه، ودفع شُبَهة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قد يعرِض للمؤمن ما يُشكل عليه فهمُه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد أرشدنا الله تعالى إلى الطريق الأمثل لحلّ تلك المشكلات؛ فقال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ومع ذلك فقد يخفى على بعض المؤمنين الحِكَم التي أودعها الله عز وجل […]

الاستدلال بالمجرَّبات بين أهل السنة والصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  من المعلوم أنَّ البحثَ في مصادر الاستدلال لدى الفرق المخالفة لأهل السنة هو من أهمّ ما يوقف المرءَ على أسباب الانحراف المنتشِر عندهم سواء في الاعتقاد أو العمل؛ ولذا اعتنى علماء أهل السنة بضبط مصادر الاستدلال ومناهجه التي تميزهم عن غيرهم من الفرق المنحرفة. ومما يتعلّق بهذا الاستدلالُ بـ […]

تَعرِيف بكِتَاب:(شرح وتعليق على شرح شيخ الإسلام ابن تيمية على العقيدة الأصبهانية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: شرح وتعليق على شرح شيخ الإسلام ابن تيمية على العقيدة الأصبهانية. اسم المؤلف: د. أحمد بن عبد اللطيف بن عبد الله آل عبد اللطيف. اعتنى بإخراجه: د. مازن بن محمد بن عيسى. دار الطباعة: مكتبة الشنقيطي للنشر والتوزيع، بجدة. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، […]

هل كلُّ مجتهد مصيب؟ومداخل القراءة التأويلية للنص

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مِن نِعَم الله على الأمَّة أن جعلَ في فهومها الحقَّ ووفَّقها لإصابته ويسَّر عليها أمر دينها، فشرع الاجتهادَ لأهل العلم واستنباطَ الأحكام وتنزيلها، وأوكل إليهم تنفيذَ الشرائع، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ […]

كيف ظهرَ الشِّرْكُ في النصارى؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لا يختلِفُ العقلاءُ في قبحِ الشرك وفداحَتِه؛ فإنَّ البشرية مفطورةٌ على النُّفرة من الشرك بالله وإعطاءِ شيء مِن خصائصه تعالى لغَيره، تمامًا كبديهيَّة إقرار البشرية بوجودِه وخالِقِيَّته أولًا، فهذه قضايا فطريةٌ ضروريةٌ لا تحتاج إلى نظرٍ واستِدلال([1])، وقد يُعمل الإنسان فيها عقلَه ونظرَه مسانَدةً منه لهذه الفطرة؛ […]

التعرِيف بكِتَاب: (التفسير المادي للتاريخ في أحداث القرن الأول الهجري -دراسة نقدية-)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: التفسير المادي للتاريخ في أحداث القرن الأول الهجري.. دراسة نقدية. اسم المؤلف: د. خالد بن محمد الغيث، أستاذ التاريخ بكلية الشريعة بجامعة أم القرى. دار الطباعة: مركز طروس للنشر والتوزيع، الكويت. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في غلاف وسط، […]

الحَجر على ذوي الحِجر..العلاقة بين الوحي ومصادر المعرفة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: يختصُّ الدين الإسلامي بجملة من المعارف اليقينية التي لا توجد في غيره من الأديان الباطلة والمنسوخة والفلسفات والعلوم والحقول المعرفية جمعاء؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى ميَّزه بالوحي المبين مصدرًا من مصادر المعرفة إضافة ما تملكه البشرية من مصادر معرفية أخرى، فالعلاقة بين الوحي وغيره من المصادر المعرفية […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017