الاثنين - 19 ذو القعدة 1445 هـ - 27 مايو 2024 م

حديث: «إن آخرَ وَطْأة وَطِئها الله بـوَجٍّ» (درجته، وتحرير معناه، ودفع شُبَهة)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

قد يعرِض للمؤمن ما يُشكل عليه فهمُه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد أرشدنا الله تعالى إلى الطريق الأمثل لحلّ تلك المشكلات؛ فقال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ومع ذلك فقد يخفى على بعض المؤمنين الحِكَم التي أودعها الله عز وجل في ذلك، ومنها امتحان ما في الصدور من الإيمان، وفتح أبواب من الجهاد للعلماء يرفعهم الله تعالى بها درجات؛ وبقدر ما يُؤتاه المؤمن من العلم والإيمان يُفتح له من أبواب الهداية والتوفيق للفهم الصحيح؛ قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].

وفي هذه الورقة العلمية مدارسة لحديث مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قد أشكل على بعض الناس معناه والتبس عليهم فهمه، وحاول مخالفو أهل السنة والجماعة التشغيبَ به على منهج السلف ومسلكهم في باب صفات الباري سبحانه([1]). وإعمالًا للطريق السويِّ لا بد ابتداء من إيراد نصّ الحديث، ثم بيان كلام أهل العلم حول قبول الحديث أو ردّه، يُتبع ذلك بإيضاح أهمّ ما يستفاد منه ودفع الشبهات.

نص الحديث:

جاء هذا الحديث من طرق متعدِّدة، في بعضها مختصرًا، وفي بعضها مطولًا، وفيها موضع الشاهد، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «آخر وطأة وطئها الله بوَجٍّ»، وأشهرها طريقان:

الطريق الأولى: عن ابن أبي سويد، عن عمر بن عبد العزيز قال: زعَمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم -امرأة عثمان بن مظعون- رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو محتضن أحدَ بني ابنتِه، وهو يقول: «والله، إنكم لَتُجَهِّلُونَ وَتُجَبِّنُونَ وَتُبَخِّلُونَ، وإنكم لمن رَيحَان الله، وإن آخر وَطْأة وَطِئها ربُّ العالمين بوَجٍّ»([2]).

الطريق الثانية: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى العامري أنه جاء حسن وحسين يستبقان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضمَّهما إليه، وقال: «إنَّ الولد مَبخَلة مَجْبَنة، وإن آخر وَطأة وطِئها الرحمن بوَجٍّ»([3]).

درجة الحديث:

قد ضعَّف هذا الحديث جمعٌ من أهل العلم؛ منهم: الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي([4])، وابن جماعة الكناني الشافعي([5]).

وتحرير ذلك أن يقال:

إن الطريق الأولى إسنادها ضعيف، وقد ضعّفها كذلك بعض المتأخرين([6])؛ إذ فيها علتان:

العلة الأولى: الانقطاع بين عمر بن عبد العزيز وخولة بنت حكيم رضي الله عنها؛ يقول الإمام الترمذي: “ولا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعًا من خولة”([7])، وقال الحافظ العلائي: “ووجدت بخط الحافظ الضياء: لا يعرف له سماع من خولة بنت حكيم”([8]).

العلة الثانية: جهالة محمد بن أبي سويد الراوي عن عمر بن عبد العزيز؛ فقد قال عنه الحافظ الذهبي: “لا يُعرف؛ تفرد عنه إبراهيم بن ميسرة المكي”([9])، ولهذا قال عنه الحافظ ابن حجر: “مجهول”([10]).

وأما الطريق الثانية فقد صحَّح إسنادها بعضُ أهل العلم، منهم: الحافظ الذهبي([11])، والهيثمي([12])، والبوصيري([13])، وضعَّفه بعض المتأخرين([14]).

شرح الحديث:

بناء على القول بصحّة بعض طرق الحديث؛ فإنّ المعنى الإجمالي للحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا وهو محتضن للحَسَنَين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «إن الولد مَبخَلة مَجْبَنة»، وفي الرواية الثانية: «والله، إنكم لَتُجَهِّلُونَ وَتُجَبِّنُونَ وَتُبَخِّلُونَ»، وهذا الخطاب موجَّه إلى الأولاد عمومًا؛ يقال في اللغة: “بخَّلتُه وجهَّلته وجبَّنته” إذا أردت أنك رميته بذلك، ومثله شجَّعته، وكذلك تقول إذا أردت أنك أدخلته في شيء من هذه، وهذا هو معنى الحديث بالتشديد، والمعنى: أن الولد ينسب أباه إلى الجهل والجبن والبخل؛ لأنه سبب لنسب الناس إياه إلى ذلك، أو أنه يُدخله في هذه الخلال. والمعنى على هذا: إن الأولاد يحملون أباهم على البخل والجبن والجهل؛ فإن الأب يبخل بإنفاق ماله ليُخلِّفَه لهم، ويَجبُن عن القتال ليعيش لهم فيربّيهم، ويجهل لأجلهم فيلاعبهم([15]).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنكما لمن رَيحَان الله» أي: من رزقه وعطائه([16]).

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «وإن آخر وَطْأة وَطِئها الرحمن بوَجٍّ»، والوَطءُ في الأصل: الدَّوس بالقدم([17])، والمراد بوَجٍّ: واد بالطائف، أو هي الطائف نفسُها([18])، قال البيهقي: “الوَجُّ واد بالطائف -كما قال ابن مهدي- وهو من حصنها قريب، وكانت مدينة الطائف أيضًا تسمى وَجًّا كما قال الدارمي”([19]).

وقد تنوَّعت أنظار علماء أهل السنة والجماعة في تفسير هذه الجملة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه لا تعلُّق لهذه الجملة بصفات الله تعالى:

يرى أصحاب هذا القول أن تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن آخر وَطْأة وَطِئها الرحمن بوَجٍّ» هو: إن آخر ما أوقع الله عز وجل بالمشركين بالطائف، وكانت آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن ذهب إلى هذا القول:

الإمام سفيان بن عيينة: فقد أسند الفاكهي عن سفيان بن عيينة -راوي الحديث- أنه قال: “تفسيره: آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ الطائف؛ لقتاله أهل الطائف وحصاره ثقيفًا، قال سفيان: وقال الشاعر: لأطَأنَّكم وَطْأَةَ الْمُتَثاقِل”([20]).

ووافقه الإمامان علي بن المديني وعثمان الدارمي: فقد أسند الإمام البيهقي عن الإمام عثمان بن سعيد الدارمي يقول: سمعت علي بن المديني يقول في حديث خولة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن آخر وطئة بوَج»: قال: سفيان -يعني: ابن عيينة- فسره فقال: “إنما هو آخر خيل الله بوج”([21]).

الإمام علي ابن مهدي: قال أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي: “معناه عند أهل النظر: أن آخر ما أوقع الله سبحانه وتعالى بالمشركين بالطائف، وكان آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل فيها العدو، ووج واد بالطائف”([22]).

الإمام ابن قتيبة الدينوري: فقد ذهب إلى ترجيح هذا القول صريحًا في كتابه “غريب الحديث”، فقال: “فإني أراه -والله أعلم- أن آخر ما أوقع الله بالمشركين بالطائف”([23]).

أما في كتابه “تأويل مختلف الحديث” فقد حسَّن هذا القول بقوله: “إن لهذا الحديث مخرجًا حسنًا قد ذهب إليه بعض أهل النظر، وبعض أهل الحديث”([24])، ثم قال: “وهذا المذهب بعيد من الاستكراه، قريب من القلوب، غير أني لا أقضي به على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم”([25]). ففهم القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي من قوله: “غير أني لا أقضي به على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم” أنه يرجِّح القول الثاني وأنه صفة لله تعالى([26])، وسيأتي تفصيل ذلك.

الإمام أبو محمد البغوي الشافعي: يقول في تفسيرها: “قيل: هي عبارة عن نزول بأسه به”([27])، ثم أيّده بقول الإمام علي ابن مهدي السابق.

دفع شبهة التأويل عمَّن قال بهذا القول من أهل السنة:

من ألطف النظر في هذا القول الذي قال به جماعة من علماء أهل السنة والجماعة علم أنهم لا يذهبون إلى مخالفة ظاهر الحديث وتأويله -كما يفعل الأشعرية والماتريدية وغيرهما- وإنما قالوا بهذا القول لأنه ظاهر الحديث على ما فهموه بناء على الأدلة من الكتاب والسنة والاستعمال اللغوي، ودونك بعض أدلتهم على ذلك.

أدلة هذا القول:

يُستدل لهذا القول بجملة من الأدلة من الكتاب والسنة، إضافة إلى دلالة السياق والاستعمال اللغوي:

أولا: الأدلة من الكتاب:

الآية الأولى: قوله تعالى: {لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ} [الفتح: 25]، قال البغوي: “أي: تنالوهم بمكروه”([28])، وأوضح من ذلك ما قاله البقاعي: “قوله: {أَنْ تَطَئُوهُمْ} أي: تؤذوهم بالقتل، أو ما يقاربه من الجِراح والضَّرب والنَّهب ونحوه، من الوطء الذي هو الإيقاع بالحرب، منه قوله صلى الله عليه وسلم: «آخر وطأة وطئها الله بوج»، يكون ذلك الأذى منكم لهم على ظن أنهم مشركون أذى الدائس لمدوس”([29]).

الآية الثانية: قوله سبحانه: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا} [المزمل: 6]؛ قال الطبري: “اختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء مكة والمدينة والكوفة: {أَشَدُّ وَطْئًا} بفتح الواو وسكون الطاء… والمعنى: ناشئة الليل أشد ثباتًا من النهار، وأثبت في القلب”([30])، وقال البغوي: “أي: أغلظ على الإنسان من القيام بالنهار؛ لأن الليل جعل ساكنًا”([31]).

ثانيًا: الأدلة من السنة:

الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ثم يقول وهو قائم: «اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وَطْأَتَك على مُضر، واجعلها عليهم كسني يوسف…»([32]). وممن استدل بهذا الحديث على المعنى السابق: أبو الحسن علي ابن مهدي، وابن قتيبة([33]).

وجه الدلالة:

قوله صلى الله عليه وسلم: «اشدد وَطْأَتَك»، فالوطأة: البأس في العقوبة، أي: خذهم أخذًا شديدًا، يقال: وطِئنا العدو وطأة شديدة([34]).

الحديث الثاني: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل: «سبحان الذي في السماء عرشه، سبحان الذي في الأرض موطِئه»([35])؛ قال البيهقي: “وإنما أراد آثار قدرته”([36]).

ثالثًا: دلالة السياق والاستعمال اللغوي:

قد دل على هذا القول سياق الحديث؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في الحديث بأن آخر أخذة ووقعة أوقعها الله بالكفار كانت بوَجّ، وكانت غزوة الطائف آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يغز بعدها إلا غزوة تبوك، ولم يكن فيها قتال، ووجه تعلق هذا القول بما قبله من ذكر الأولاد هو التأسّف على مفارقة أولاده؛ لقرب وفاته صلى الله عليه وسلم؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته صلى الله عليه وسلم كانت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: «وإنكم لمن ريحان الله» أي: من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانَعَ عن قوله: وأنا مفارقكم عن قريب بقوله: «إن آخر وطأة وطئها الله بوجّ»، وكان ذلك تعريضًا بما أراده وقصده من قرب وفاته صلى الله عليه وسلم([37]).

كما دل عليه أيضًا الاستعمال؛ فإن العرب قد استعملوا كلمة “وطء” بهذا المعنى وقريب منه؛ فإنهم يقولون: اشتدت وطأة السلطان على رعيته، وقد وطئهم وطءًا ثقيلًا، ووطء المقيد، ومنه قول الشاعر:

وَوَطِئْتَنَا وَطْءًا عَلَى حَنَقٍ                وَطْءَ الْمُقَيَّدِ ثَابِتَ الْهَرْمِ([38])

و”المُقيَّد” أثقل شيء وَطءًا؛ لأنه يرسُف في قيده، فيضع رجليه معًا، و”الهَرْم” نبت ضعيف، فإذا وطِئه كسَرَه وفتَّه([39]).

القول الثاني: أنه صفة لله تعالى على ما يليق به:

ذهب القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي إلى أنه غير ممتنع على أصولنا حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن ذلك معنى يتعلق بالذات دون الفعل، وعلل لذلك بقوله: “لأنَّا حملنا الخبر على ظاهره في قوله: «ينزل الله إلى سماء الدنيا»، وقوله: «يضع قدمه في النار»، وقوله: «يتجلى لهم في رمال الكافور»، وقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]، وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]، كذلك ها هنا”([40]).

دفع شبهة التشبيه على من قال بهذا القول:

فهم القاضي أبو يعلى الحديث في إطار تنزيه الله تعالى عن مشابه خلقه؛ والرجوع إلى قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فقال: “إذ لسنا نحمل الوطأة على مماسته جارحة لبعض الأجسام، بل نطلق هذه الصفة كما أطلقنا استواءه على العرش، لا على وجه المماسة والانتقال من حال إلى حال، وكما أطلقنا قوله تعالى: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] لا على وجه المماسة، كذلك ها هنا”([41]).

وأصل تلك الشبهة المتكررة من مخالفي أهل السنة والجماعة هو قياس الأمر في صفات الله تعالى بما يشاهده العبد من صفات المخلوقين؛ وقد أنكر الإمام أبو سليمان الخطابي الشافعي على من يفعل ذلك في الأحاديث التي تذكر فيها صفات الباري من النزول ونحوه، فقال: “وإنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو نزلة من أعلى إلى أسفل، وانتقال من فوق إلى تحت، وهذا صفة الأجسام والأشباح، فأما نزول من لا يستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه”([42])، والقاضي أبو يعلى يقرر هذا المعنى كما تقدم.

مناقشة أبي يعلى للقول الأول:

قام القاضي أبو يعلى بتغليط القول الأول؛ مستندًا إلى أمرين: مخالفة الواقع، والسياق.

مخالفة القول الأول للواقع:

أنكر القاضي أبو يعلى القول الأول بناء على دعواه مخالفته للواقع؛ فقال: “هذا غلط؛ لأنه لم يكن ذلك آخر ما أوقع الله بالمشركين؛ لأن الفتوح حصلت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والنكاية في المشركين ظاهر على يدي خليفة بعد خليفة، ثم النكاية في الفرس والروم، وغير ذلك من أهل الكفر”([43]).

وما ذكره أصحاب القول الأول من مناسبة قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن آخر وَطأة وطِئها الرحمن بوَجٍّ» لما قبله وهو التأسّف على مفارقة أولاده لقرب وفاته صلى الله عليه وسلم يردّ بقوة على ما قاله أبو يعلى.

مخالفة القول الأول للسياق:

ادّعى القاضي أبو يعلى أن القول الأول مخالف للسياق؛ فقال: “وجواب آخر: وهو أن في الخبر ما يسقط هذا، وهو قوله: «آخر وطأة»، وذلك لا يستعمل في الشدة، وإنما يستعمل في الشدة ما كان بالهمزة والألف، نحو قوله: «اشدد وطأتك على مضر»؛ فإن هناك قرينة دلت على أن المراد به العذاب، وهو أنه دعا على الكفار؛ ولأنه ذكر الوطأة هناك بالهمزة والألف”([44]).

ولا يسلم للقاضي هذا الاعتراض؛ فإن أدلة القول الأول تدفعه.

ثم أورد القاضي أبو يعلى ما قاله ابن قتيبة في “تأويل مختلف الحديث” من الاستدلال بما قرأه في الإنجيل الصحيح([45])، وما جاء عن كعب الأحبار من قوله: “إن وجًّا مقدس، منه عرج الرب إلى السماء يوم قضاء خلق الأرض”([46])، ثم أعقبه القاضي أبو يعلى بقوله: “وهذا الكلام من ابن قتيبة إقرار منه بفساد هذا التأويل، وحمل الخبر على ظاهره كما ذهبنا إليه”([47]).

القول الثالث: عدم القطع بأحد المعنيين السابقين:

ذهب بعض أهل العلم إلى عدم القطع بأحد المعنيين السابقين في الحديث، ومنهم أبو موسى المديني؛ حيث قال بعد ذكره لتفسير ابن عيينة والأثر المروي عن كعب الأحبار: “والحديث يحتمل المعنيين”([48]).

وهذا القول هو مقتضى ما قاله ابن قتيبة في “تأويل مختلف الحديث” فإنه قال: “وهذا المذهب بعيدٌ من الاستكراه، قريبٌ من القلوب، غير أني لا أقضي به على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم”([49]). ولعل مراده بقوله: “لا أقضي به” أي: لا أقول به جازمًا، خلافًا لما فهمه منه القاضي أبو يعلى الفراء.

وقد يُفهم هذا القول أيضًا من كلام ابن القيم؛ فإنه قال بعد ذكر هذا الحديث مع طائفة من الأحاديث الواردة في النزول والمجيء وغيرهما: “فهذه عشرة أنواع من النزول والمجيء والإتيان ونظائرها، تضمنها كلام أعلم الخلق بالله، وأقدرهم على اللفظ المطابق لما قصده من وصف الرب تعالى، وأنصحهم للأمة، والمجاز وإن أمكن في فرد من أفراد هذه الأنواع أو أكثر، فإنه من المحال عادة أن يطرد في جميعها اطرادًا واحدًا، بحيث يكون الجميع من أوله إلى آخره مجازًا”([50]).

هذه هي الأقوال الثلاثة في معنى هذا الحديث، ولا حرج على من يذهب إلى واحد منها بشروطه، وإن كان الأول هو أقربها إلى الصواب؛ لقوة أدلته وبعدها عن التكلف.

وختامًا، ما أجمل أن يطمئن المؤمن ويعلم يقينًا أن شرع الله تعالى مضبوط الأصول، محروس القواعد، لا خلل فيه ولا دَخَل([51])؛ إنما الآفة تدخل من المبتدعين في الدين أو الجهال([52]والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص: 309)، والموضوعات لابن الجوزي (1/ 114)، وتحقيق السقاف على كتاب دفع شبه التشبيه لابن الجوزي (ص: 16).

([2]) أخرجه أحمد (45/ 293)، والحميدي (336)، وابن راهويه في مسنده (2150)، وعبد الله في السنة (2/ 499)، والفاكهي في أخبار مكة (3/ 192-193)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 54): “رجالها ثقات، إلا أن عمر بن عبد العزيز لا أعلم له سماعًا من خولة”.

([3]) أخرجه أحمد (29/ 104)، والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (ص: 70)، والطبراني في الكبير (22/ 275)، والقضاعي في مسند الشهاب (1/ 50)، والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 389)، والمزي تهذيب الكمال (10/ 427).

([4]) العواصم من القواصم (ص: 222).

([5]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص: 222).

([6]) منهم: الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند (45/ 293)، والشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (7/ 195).

([7]) سنن الترمذي (4/ 317).

([8]) جامع التحصيل (ص: 242).

([9]) ميزان الاعتدال (3/ 576).

([10]) تقريب التهذيب (ص: 482).

([11]) قال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير (8/ 4210) عن رواية الحاكم (3/ 179) وليس فيها محلّ الشاهد: “إِسناده قوي”.

([12]) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 54): “رواه أحمد والطبراني… ورجالهما ثقات”.

([13]) قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (4/ 99) عن رواية ابن ماجه (3666) وليس فيها محل الشاهد: “هذا إسناد صحيح”. وصححه أيضًا الألباني في تحقيق المشكاة (4691-4692 / التحقيق الثاني).

([14]) منهم: الشيخ شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند (29/ 104).

([15]) ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 408-409)، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (5/ 200).

([16]) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 200).

([17]) لسان العرب لابن منظور (1/ 197).

([18]) ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 409)، ومختار الصحاح للرازي (ص: 333).

([19]) الأسماء والصفات (2/ 390). ويعني بالدارمي: الإمام عثمان بن سعيد الدارمي.

([20]) أخبار مكة (3/ 193).

([21]) الأسماء والصفات (2/ 390).

([22]) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 389)، وشرح السنة للبغوي (3/ 119).

([23]) غريب الحديث (1/ 409).

([24]) تأويل مختلف الحديث (ص: 309).

([25]) المرجع السابق (ص: 310).

([26]) إبطال التأويلات (ص: 381).

([27]) شرح السنة (3/ 119).

([28]) المرجع السابق (3/ 120).

([29]) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (18/ 327).

([30]) تفسير الطبري (23/ 684).

([31]) شرح السنة (3/ 120).

([32]) أخرجه البخاري (804)، ومسلم (675).

([33]) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 389)، وغريب الحديث لابن قتيبة (1/ 409).

([34]) شرح السنة للبغوي (3/ 119).

([35]) أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 103)، وأبو يعلى (5385)، والطبراني في الدعاء (876)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (3/ 252): “فيه عزرة بن قيس ضعفه ابن معين”، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (3/ 209): “رواه أبو يعلى والطبراني في كتاب الدعاء بسند ضعيف؛ لضعف عزرة بن قيس”.

([36]) الأسماء والصفات (2/ 390).

([37]) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (5/ 200)، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لضياء الدين بن الأثير (2/ 201).

([38]) البيت من الكامل وهو للحارث بن وعلة، في أمالي القالي (1/ 263)، والهمع (1/ 188)، والدرر (1/ 161)، واللسان «هرم»، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص 206)، أفاده محقق “تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد” لناظر الجيش (4/ 1833).

([39]) ينظر: تأويل مختلف الحديث (ص: 310).

([40]) إبطال التأويلات (ص: 379-380).

([41]) المرجع السابق (ص: 380).

([42]) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (2/ 378).

([43]) إبطال التأويلات (ص: 381).

([44]) المرجع السابق.

([45]) هذا مما لا يصلح دليلًا؛ إذ لا وثوق بما طالته يد التحريف والتبديل.

([46]) تأويل مختلف الحديث (ص: 310-311).

([47]) إبطال التأويلات (ص: 381).

([48]) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (3/ 387).

([49]) تأويل مختلف الحديث (ص: 310).

([50]) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن الموصلي البعلي (ص: 467).

([51]) الدَّخَل: ما داخل الإنسان من فساد في عقل أو جسم. ينظر: المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (5/ 140).

([52]) صيد الخاطر لابن الجوزي (ص: 129).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

كيف أحبَّ المغاربةُ السلفيةَ؟ وشيء من أثرها في استقلال المغرب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدّمة المعلِّق في كتابِ (الحركات الاستقلاليَّة في المغرب) الذي ألَّفه الشيخ علَّال الفاسي رحمه الله كان هذا المقال الذي يُطلِعنا فيه علَّالٌ على شيءٍ من الصراع الذي جرى في العمل على استقلال بلاد المغرب عنِ الاسِتعمارَين الفرنسيِّ والإسبانيِّ، ولا شكَّ أن القصةَ في هذا المقال غيرُ كاملة، ولكنها […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017