الأحد - 23 ربيع الآخر 1443 هـ - 28 نوفمبر 2021 م

درء التعارض..بين آيات العلو لله عز وجل

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 علو الله تعالى على خلقه من أعظم صفات الباري وأجلها، وكثر رودها وتقريرها في كتاب الله، وهي من الصِّفات الظاهرة الواضحة البيّنة التي لا إشكال فيها، وقد تواترت على إثباتها الأدلة نقلًا وعقلًا وفطرةً. ومع ذلك نجد من يلبِّس على الناس بأن في إثباتها تناقضًا! من جهة أن هناك آيات ظاهرها إثبات العلو، وهناك آيات أخرى ظاهرها أنه في كل مكان!

وفي هذه الورقة نستعرض آيات العلو المحكَمة ونرى كيف فسّرها السلف، وكيف تعاملوا مع تلك الآيات التي زعم المخالفون معارضتها لآيات العلو.

تمهيد:

عني أئمة السنة بهذه الصفة خاصة؛ لأنها من أهم الصفات التي كثرت حولها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وآثار السلف رضوان الله عليهم؛ ولأنها من أوائل الصفات التي أثير حولها الشَّغَب من المبتدعة في التاريخ الإسلامي؛ وقد ألّف الأئمة في ذلك المؤلفات ما بين كتب مفردة مطوّلة ككتاب (رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد) لمؤلفه عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيّويه الجويني (438هـ) رحمه الله، وكتاب (إثبات صفة العلو) لابن قدامة المقدسي (620هـ) رحمه الله، و(العلو للعلي الغفار) للإمام الذهبي (748هـ) رحمه الله، وخصَّص ابنُ القيم (751هـ) رحمه الله كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية في الرد على الجهمية والمعطلة) للرد على من نفى العلو، وجعله آخرون جزءًا من أجزاء كتبهم تأكيدًا على هذه الصفة الجليلة لله سبحانه وتعالى، كما فعل الإمام البخاري (256هـ) رحمه الله حيث بوب أكثر من باب دالّ على هذه الصفة الجليلة، منها: “باب {وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]، {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]”، ثم قال: “قال أبو العالية: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29]: ارتفع، {فَسَوَّاهُنَّ}: خلقهن. وقال مجاهد: {اسْتَوَى} [البقرة: 29]: علا”([1])، و”باب قول الله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، وقوله جل ذكره: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]”، ثم قال: “وقال أبو جمرة، عن ابن عباس: بلغ أبا ذر مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل، الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء. وقال مجاهد: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. يقال: {ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج: 3]: الملائكة تعرج إلى الله”([2]).

وما الإمام البخاري إلا مثال واحد من عدد كثير من الأمثلة؛ فإن الأئمة قبله وبعده تواردوا على عقد أبواب خاصة بصفة العلو لله تعالى، كأبي سعيد الدارمي (280هـ) رحمه الله في رده على الجهمية ونقضه للمريسي، والآجري (360هـ) في الشريعة، واللالكائي (418هـ) رحمه الله في أصول اعتقاد أهل السنة، وابن تيمية (728هـ) رحمه الله جعل المجلد السادس من كتابه الدرء في المنافحة عن هذه الصفة.

وبعد هذا السرد المجتزأ للمؤلفات التي ألّفت دفاعًا عن إثبات هذه الصفة يلاحظ القارئ في هذه المؤلفات ما ذكرناه من كثرة النصوص حول هذه الصفة، إن في القرآن أو في السنة أو أقوال الصحابة والتابعين، ونذكر هنا أهمّ الأدلة الدالة على إثبات صفة العلو، ونبين توافقها وتضافرها وعدم تضادّها ولا تناقضها كما يزعم المنكرون لها.

أهم الأدلة الدالة على إثبات صفة العلو:

تنوعت الأدلة الدالة على صفة العلو إلى أنواع كثيرة، ونذكر هنا نماذج مما ذكره أهل العلم من تلك الأنواع:

  • التصريح بالعلو المطلق، مثل:

– قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، يقول ابن خزيمة (311هـ) رحمه الله: “فالأعلى: مفهوم في اللغة: أنه أعلى شيء، وفوق كل شيء، والله قد وصف نفسه في غير موضع من تنزيله ووحيه، أعلمنا أنه العلي العظيم، أفليس العلي -يا ذوي الحجا- ما يكون عليا، لا كما تزعم المعطلة الجهمية أنه أعلى وأسفل ووسط، ومع كل شيء، وفي كل موضع من أرض وسماء، وفي أجواف جميع الحيوان. ولو تدبروا آية من كتاب الله ووفقهم الله لفهمها لعقلوا أنهم جهال، لا يفهمون ما يقولون، وبان لهم جهل أنفسهم وخطأ مقالتهم”([3])، وقال ابن القيم رحمه الله: “وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن. وزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى: علو الغلبة، لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله عز وجل علو الغلبة والعلو من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح، فنثبت أن لله تعالى علوَّ الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة”([4]).

– وقوله تعالى: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، قال الإمام أحمد (241هـ) رحمه الله: “فهذا خبر الله، أخبرنا أنه في السماء، ووجدنا كل شيء أسفل منه مذموما بقول الله جل ثناؤه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]”([5]).

– وقال تعالى: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]، قال الإمام الطبري (310هـ) رحمه الله مثبتًا صفة العلو: “ذو علو على كل شيء وارتفاع عليه واقتدار”([6]).

  • التصريح بالفوقية، مثل:

– قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، قال ابن بطة (387) رحمه الله: “فأخبر أنه فوق الملائكة”([7])، وقال ابن حيويه الجويني: “وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]… {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]؛ لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له، فهو العلي بالذات، والعلو صفته اللائقة به، كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه، والعلو والسفول حد بين الخالق والمخلوق، يتميز به عنه، هو سبحانه علي بالذات، وهو كما كان قبل خلق الأكوان، وما سواه [مستفل] عنه بالذات”([8]).

– قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، قال الإمام الدارمي رحمه الله معلقًا على هذه الآية وغيرها: “فهذه الآي كلها تنبئك عن الله أنه في موضع دون موضع، وأنه على السماء دون الأرض، وأنه على العرش دون ما سواه من المواضع، قد عرف ذلك من قرأ القرآن وآمن به، وصدق الله بما فيه. فلم تحكم على الله تعالى -أيها العبد الضعيف- بما هو مكذّبك في كتابه، ويكذبك الرسول صلى الله عليه وسلم؟!”([9]).

  • التصريح بعروج الملائكة إليه، مثل:

قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، قال ابن خزيمة رحمه الله: “مفهوم عندهم: أن المعارج: المصاعد… وإنما يعرج الشيء من أسفل إلى أعلى وفوق، لا من أعلى إلى دون وأسفل، فتفهموا لغة العرب لا تغالطوا”([10])، وقال الأشعري: “فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والاتحاد”([11]).

  • التصريح بصعود الكلم الطيب والعمل الصالح إليه:

قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، قال ابن بطة رحمه الله: “فهل يكون الصعود إلا إلى ما علا؟!”([12])، قال الإمام اللالكائي رحمه الله: “فدلت هذه الآيات أنه تعالى في السماء وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه. وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأم سلمة، ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل”([13]).

  • التصريح برفع المسيح عليه السلام إليه:

قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، قال الحسن: “رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء”([14])، وقال ابن القيم رحمه الله في معرض الرد على من أنكر العلو بدعوى لزوم الجسمية: “وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من وإلى، فقد نزل جبريل من عنده، وعرج برسوله إليه، وإليه يصعد الكلم الطيب، وعبده المسيح رفع إليه”([15]).

  • التصريح باستوائه على العرش سبحانه وتعالى:

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، قال ابن بطة رحمه الله رادًّا على من أنكر علو الله: “قد أكذبهم القرآن والسنة وأقاويل الصحابة والتابعين من علماء المسلمين، فقيل للحلولية: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى على العرش وقال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه5]، وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59]؟! فهذا خبر الله أخبر به عن نفسه وأنه على العرش”([16]).

  • التصريح بنزول أمره من السماء إلى الأرض:

قال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5]، قال ابن خزيمة رحمه الله: “أليس معلوما في اللغة السائرة بين العرب التي خوطبنا بها وبلسانهم نزل الكتاب أن تدبير الأمر من السماء إلى الأرض إنما يدبره المدبر وهو في السماء لا في الأرض؟!”([17]).

  • التصريح بنزول القرآن:

قال تعال: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الزمر: 1]، وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1]، قال الإمام الدارمي رحمه الله: “ويلكم! إجماع من الصحابة والتابعين وجميع الأمة من تفسير القرآن والفرائض والحدود والأحكام، نزلت آية كذا في كذا، ونزلت آية كذا في كذا، ونزلت سورة كذا في مكان كذا، لا نسمع أحدا يقول: طلعت من تحت الأرض، ولا جاءت من أمام ولا من خلف، ولكن كله نزلت من فوق. وما يصنع بالتنزيل من هو بنفسه في كل مكان، إنما يكون شبه مناولة لا تنزيلا من فوق السماء مع جبريل، إذ يقول سبحانه وتعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102]، والرب بزعمكم الكاذب في البيت معه، وجبريل يأتيه من خارج، هذا واضح ولكنكم تغالطون”([18])، وقال ابن بطة رحمه الله: “هذا كتاب الله عز وجل، سماه الله في كتابه قرآنا وفرقانا ونورا وهدى ووحيا وتبيانا وذكرا وكتابا وكلاما وأمرا وتنزيلا، وفي كل ذلك يعلمنا أنه كلامه منه ومتصل به، قال الله تعالى: {حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 1، 2]، وقال: {حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجاثية: 1، 2] فلك في أسمائه التي سماه الله بها كفاية، فقد جهلت وغلوت في دين الله غير الحق”([19]).

  • التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده:

قال تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، قال الإمام الدارمي رحمه الله: “ففي هذه الآية بيان لتحقيق ما ادعينا للحد؛ فإنه فوق العرش بائن من خلقه، ولإبطال دعوى الذين ادعوا أن الله في كل مكان، لأنه لو كان في كل مكان ما كان لخصوص الملائكة أنهم عند ربك لا يستكبرون عن عبادته معنى، بل كانت الملائكة والجن والإنس وسائر الخلق كلهم عند ربك في دعواهم بمنزلة واحدة، إذ لو كان في كل مكان إذا لذهب معنى قوله: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}؛ لأن أكثر أهل الأرض من الجن والإنس من يستكبر عن عبادته ولا يسجد له، ولكن خص الله بهذه الصفة الملائكة الذين هم عنده في السماوات”.

  • إخباره تعالى عن فرعون بأنه تحدى موسى، وأراد أن يصعد إلى الله في السماء:

قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا} [غافر: 36، 37]، قال ابن حيويه الجويني: “هَذَا يدل على أَن مُوسَى أخبرهُ بِأَن ربه تَعَالَى فَوق السَّمَاء؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا}”([20]).

هذا والأدلة من الوحي الدالة على علو الله سبحانه وتعالى كثيرة متضافرة متواترة، ومن الأدلة القوية الجازمة في ذلك أيضًا أن النفس البشرية مفطورة على طلب العلو عند الانكسار والالتجاء والدعاء، “فإجماع من الأولين والآخرين العالمين منهم والجاهلين أن كل واحد ممن مضى وممن غبر إذا استغاث بالله تعالى أو دعاه أو سأله يمد يديه وبصره إلى السماء، يدعوه منها، ولم يكونوا يدعوه من أسفل منهم من تحت الأرض، ولا من أمامهم ولا من خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، إلا من فوق السماء؛ لمعرفتهم بالله أنه فوقهم، حتى اجتمعت الكلمة من المصلين في سجودهم: سبحان ربي الأعلى، لا ترى أحدا يقول: ربي الأسفل!”([21])، وقال ابن خزيمة: “باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه عليه السلام، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم، ذكرانهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله، إلى أعلاه لا إلى أسفل”([22]).

الآيات التي ظاهرها التعارض مع آيات العلو:

لم يُعرضِ الأئمةُ ولم يَغفُلوا عن جملةٍ من الآيات تشبَّث بها منكرو العلوّ لله سبحانه وتعالى في القديم وبها تمسَّك من تبعهم في الحديث، وزعموا أن من الآيات القرآنية ما يؤيد نفي العلو، وأنه يجب على من يثبت العلو أن يتمسك بتلك الآيات وظواهرها الدالة على أن الله في كل مكان كما زعموا، وألا يكتفوا بالتمسك بظواهر نصوص العلو، وأنه لا بد لهم من الجمع بين الآيات كلها، بدلًا من تأويل ما يتعارض مع القول بالعلو.

والجواب عن هذا: أن العلو ثابت لله سبحانه وتعالى، قد أثبته لنفسه في آيات كثيرة وقد مر شيء منها، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم ذلك الصحابة والأئمة وأكّدوا عليه، وأما من ينفي العلو فهو إنما يعتمد على دلائل وعقليات شبَّه بها عليهم من شبَّه، وقد تولى كبر ذلك في القرون الأولى الجهمية، ومن عجبٍ أن تكون الآيات التي يردّدونها استدلالًا على نفي العلو عن الله تعالى هي ذات الآيات التي استدل بها الجهمية ورد عليهم أئمة الإسلام وعلماؤهم، وبينوا فساد استدلالهم وفساد فهمهم، ومن أهم تلك الآيات التي أشكلت عليهم:

  • قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7].

هذه الآية من أبرز الآيات التي يتشبّث بها من يريد إنكار علو الله سبحانه وتعالى، ويدّعون أن ظاهرها يدل على أن الله في السماوات وفي الأرض وفي كل مكان بذاته، وقد استدل بهذا المبتدعة في القرون الفاضلة، ونصّ الأئمة على معنى هذه الآية وأن ظاهرها هو ما يؤكّد عليه سباق الآية ولحاقها، فالسياق يدلّ على أن الكلام عن علم الله سبحانه وتعالى، وقد بين ذلك الأئمة وردوا افتراءات هؤلاء المفترين على القرآن الكريم.

  • فقد كان سفيان الثوري يروي مبينًا المقصود بمثل هذه الآيات عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود قال: “الله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم”([23]).
  • وكان الإمام مالك بن أنس (179هـ) رحمه الله يردّد ردًّا على هؤلاء: “الله عز وجل في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء”، وتلا هذه الآية {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7]، وعظُم عليه الكلام في هذا واستشنعه”([24]).
  • واستشكل أحدهم عند الإمام ابن راهويه (238هـ) رحمه الله قوله الله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية [المجادلة: 7] كيف تقول فيه؟ فقال: وحيث ما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه، قال حرب: قلت لإسحاق بن راهويه: العرش بحد؟ قال: نعم، وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد([25]).
  • وسئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن قوله: {وَهُو مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] قال: “علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض بعلمه”([26]).
  • وقال الإمام الدارمي رحمه الله في رده على الجهمية في تشبثهم بهذه الآية وإنكارهم علو الله سبحانه وتعالى: “أرأيتم إذ قلتم: هو في كل مكان، وفي كل خلق، أكان الله إلها واحدا قبل أن يخلق الخلق والأمكنة؟ قالوا: نعم، قلنا: فحين خلق الخلق والأمكنة، أقدر أن يبقى كما كان في أزليته في غير مكان؛ فلا يصير في شيء من الخلق والأمكنة التي خلقها بزعمكم؟ أو لم يجد بدا من أن يصير فيها، أو لم يستغن عن ذلك؟ قالوا: بلى. قلنا: فما الذي دعا الملك القدوس إذ هو على عرشه في عزه وبهائه بائن من خلقه أن يصير في الأمكنة القذرة وأجواف الناس والطير والبهائم، ويصير بزعمكم في كل زاوية وحجرة ومكان منه شيء؟!… فاحتج بعضهم فيه بكلمة زندقة أستوحش من ذكرها، وتستر آخر من زندقة صاحبه فقال: قال الله تعالى {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]. قلنا: هذه الآية لنا عليكم لا لكم؛ إنما يعني أنه حاضر كل نجوى ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه؛ لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، لا يحجبه شيء عن علمه وبصره، ولا يتوارون منه بشيء، وهو بكماله فوق العرش بائن من خلقه يعلم السر وأخفى، أقرب إلى أحدهم من فوق العرش من حبل الوريد، قادر على أن يكون له ذلك؛ لأنه لا يبعد عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض، فهو كذلك رابعهم وخامسهم وسادسهم، لا أنه معهم بنفسه في الأرض كما ادعيتم، وكذلك فسرته العلماء.

فقال بعضهم: دعونا من تفسير العلماء، إنما احتججنا بكتاب الله؛ فأتوا بكتاب الله.

قلنا: نعم، هذا الذي احتججتم به هو حق كما قال الله عز وجل، وبها نقول على المعنى الذي ذكرنا، غير أنكم جهلتم معناها؛ فضللتم عن سواء السبيل، وتعلقتم بوسط الآية، وأغفلتم فاتحتها وخاتمتها؛ لأن الله عز وجل افتتح الآية بالعلم بهم، وختمها به فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]. ففي هذا دليل على أنه أراد العلم بهم وبأعمالهم، لا بأنه نفسه في كل مكان معهم كما زعمتم، فهذه حجة بالغة لو عقلتم”([27]).

وأورد ابن بطة العكبري رحمه الله ما أجاب به الإمام أحمد حيث سأله رجل فقال: أقول كما قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7]، أقول: هكذا ولا أجاوزه إلى غيره، فقال أبو عبد الله: هذا كلام الجهمية، قالوا: كيف نقول؟ قال: علمه معهم، وأول الآية يدل على أنه علمه، ثم قرأ: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ} [المجادلة: 6] الآية([28]).

وأورد أيضا أن رجلًا سأله: إن الله معنا، وتلا هذه الآية: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، قال أبو عبد الله: قد تجهم هذا، يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]: العلم معهم، وقال في ق: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، فعلمه معهم([29]).

  • وهذا ما صرح به أئمة التفسير، فقد ورد عن مقاتل أنه قال في تفسيرها: “هو على العرش، ولن يخلو شيء من علمه”([30])، وقال الضحاك فيما رواه عنه الإمام أحمد: “هو على العرش وعلمه معهم”، قال الإمام أحمد معلقًا ومؤكدًا: “هذه السنة”([31]).
  • وقد كشف الإمام الآجري رحمه الله عمن اشتبهت عليه هذه الشبهة بقوله: “فإن قال قائل: فإيش معنى قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] الآية التي بها يحتجون؟

قيل له: علمه عز وجل، والله على عرشه، وعلمه محيط بهم، وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم، والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم. فإن قال قائل: كيف؟ قيل: قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلى آخر الآية: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]. وابتدأ الله عز وجل الآية بالعلم، وختمها بالعلم، فعلمه عز وجل محيط بجميع خلقه، وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين”([32]).

  • وقد فصَل وفصَّل في هذه الآية التي اشتبهت على هؤلاء الناس أبو عمر ابن عبد البر (463هـ) رحمه الله فقال: وأما احتجاجهم بقوله عز وجل: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} الآية [المجادلة: 7] فلا حجَّة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله”([33])، ثم استشهد بتفاسير السلف كابن مسعود والضحاك ومجاهد ورواها بسنده.

هذا ما فهمه أئمة السلف رضوان الله عليهم، وما جزاء من أعرض عن فهمهم إلا الضلال والزيغ عن الهدى والحق.

  • قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4].

تشبثت المبتدعة أيضا بهذه الآية معْرِضة عن الآيات والدلائل الكثيرة التي دلَّت على علو الله سبحانه وتعالى، وعارضتها بمثل هذه الآية تاركةً مَّا فهمه السلف منها أيضًا، وزعمت أنها دالة على أن ظاهرها أن الله بذاته معنا في كل مكان، وقد ردَّ هذا الفهم جملة من السلف كما سبق أن تبين لنا شيء منه، ومن ذلك:

  • ما فسره به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال في تفسيرها: “عالم بكم أينما كنتم”([34])، وورد مثله أيضا عن الضحاك.
  • ولما كانت هذه الآية محل استشكال سأل الإمام ابن المبارك (181هـ) رحمه الله عن معناها الإمام سفيان الثوري (161هـ) رحمه الله فقال: “علمه”([35]).
  • وقد سئل العالم الجليل نعيم بن حماد (228هـ) رحمه الله عنها فقال: “معناها: أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى أنه قال في كتابه: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7]؟! أراد أنه تعالى لا يخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، ولا في شيء من خلقه، ولو كان الله شاهدا يحضر منهم ما عملوا لم يكن في علمه فضل على غيره من الخلائق؛ لأنه ليس أحد من الخلق يحضر أمرا ويشهده إلا عَلِمه، فلو كان الله حاضرا كحضور الخلق من الخلق في أفعالهم لم يكن له في علمه فضل على خلقه، ولكنه تعالى على عرشه كما وصف نفسه لا يخفى عليه خافية خلقه، وإنك لتجد في الصغير من خلق الله أنه ليرى الشيء وليس هو فيه، وبينه وبينه حائل، فالله تعالى بعظمته وقدرته على خلقه أعظم ألا ترى أنه يأخذ الرجل القدح بيده وفيه الشراب أو الطعام، فينظر إليه الناظر، فيعلم ما في القدح، والله على عرشه، وهو محيط بخلقه بعلمه فيهم، ورؤيته إياهم، وقدرته عليهم، وإنما دل ربنا تعالى على فضل عظمته وقدرته أنه في أعلى عليين، وهو يعلم الصغير التافه الحقير الذي هو في أسفل السافلين، أي: فليس علمه كعلمهم؛ لأن الخلق لا يعلمون إلا ما يشاهدون، والله عز وجل يتعالى عن ذلك، وقد بين ذلك في كتابه فقال: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]”([36]).
  • وكذلك سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] فقال: “علمه: عالم بالغيب والشهادة، علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض بعلمه”([37]).
  • وقال الإمام الآجري رحمه الله مبينًا حال هؤلاء الملبسين الذين يلبسون بالمتشابه من الآيات: “قالوا: لنا حجة من كتاب الله عز وجل، فإذا قيل لهم: ما الحجة؟ قالوا: قال الله عز وجل: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7] وبقوله عز وجل: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3] إلى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، فلبسوا على السامع منهم بما تأولوا، وفسروا القرآن على ما تهوى نفوسهم، فضلوا وأضلوا، فمن سمعهم ممن جهل العلم ظن أن القول كما قالوه، وليس هو كما تأولوه عند أهل العلم، والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله عز وجل سبحانه على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السماوات العلا، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثرى، يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم الخطرة والهمة، ويعلم ما توسوس به النفوس، يسمع ويرى، ولا يعزب عن الله عز وجل مثقال ذرة في السماوات والأرضين وما بينهن، إلا وقد أحاط علمه به، فهو على عرشه سبحانه العلي الأعلى، ترفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار”([38]).
  • وقال أبو عمر الطلمنكي (429هـ) رحمه الله وهو أحد أئمة وقته بالأندلس: “وأجمع المسلمون من أهل السنة على معنى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء”([39]).
  • قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3].

هذه الآية كذلك احتج بها المبتدعة في القديم والحديث ممن ينكر علو الله سبحانه وتعالى، ويزعمون أن ظاهرها أنه موجود بذاته في السماوات وفي الأرض! ولما كانت محل هذا التشكيك من المبتدعة قديمًا حرر فيها القول الأئمة رضوان الله عليهم، ومن ذلك:

  • ما قاله الإمام أحمد رحمه الله في بيانها في سياق الرد على الجهمية حيث قال: “باب ما أنكرت الجهمية الضلال أن يكون الله على العرش، قلنا: لم أنكرتم أن الله على العرش وقد قال جل ثناؤه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]… وقد أخبر الله أنه في السماء ووجدنا كل شيء أسفل مذموما، يقول جل ثناؤه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]… -إلى أن قال:- ومعنى قول الله عز وجل: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الله على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، لا يخلو من علم الله مكان. ونصوص أحمد في ذلك كثيرة جدا، مذكورة في غير هذا الموضع”([40]).
  • قال الإمام الآجري رحمه الله: “ومما يلبسون به على من لا علم معه احتجوا بقوله عز وجل: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] وبقوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]، وهذا كله إنما يطلبون به الفتنة كما قال الله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7]، وعند أهل العلم من أهل الحق {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] فهو كما قال أهل العلم: مما جاءت به السنن: إن الله عز وجل على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77]، {يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء: 110]”([41]).
  • وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في كشف هذه الشبهة وبيان معنى الآية: “فإن احتجوا بقول الله عز وجل: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام3]… وزعموا أن الله تبارك وتعالى في كل مكان بنفسه وذاته تبارك وتعالى، قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه؛ وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير؛ فظاهر التنزيل يشهد أنه على العرش، والاختلاف في ذلك بيننا فقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر”([42]).
  • قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84].

وهذه الآية كذلك من الآيات التي زعموا أنها دالة على أنه بذاته في الأرض كما أنه في السماء، وأنها معارضة للقول بإثبات العلو، وقد رد على ذلك الأئمة رضوان الله عليهم، ومن ذلك:

  • ما احتج به الإمام الآجري رحمه الله مما ورد في تفسيرها عن قتادة حيث قال: “هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض”([43]).
  • وقال ابن بطة رحمه الله مبينا تلبيسات المبتدعة بهذه الآيات الآنفة الذكر: “فأما قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} فهو كما قال العلماء: علمه، وأما قوله: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3]، كما قال: {وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ} [الأنعام: 3]، ومعناه أيضا: أنه هو الله في السماوات، وهو الله في الأرض، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]، وقد قرأها بعضهم: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله)، واحتج الجهمي بقول الله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، فقالوا: إن الله معنا وفينا، واحتجوا بقوله: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54]، وقد فسر العلماء هذه الآية: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة: 7] إلى قوله: و{هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، إنما عنى بذلك علمه، ألا ترى أنه قال في أول الآية: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، فرجعت الهاء والواو من {هُوَ} على علمه لا على ذاته. ثم قال في آخر الآية: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]، فعاد الوصف على العلم، وبين أنه إنما أراد بذلك العلم، وأنه عليم بأمورهم كلها، ولو كان معنى قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] أنه إنما علم ذلك بالمشاهدة لم يكن له فضل على علم الخلائق، وبطل فضل علمه بعلم الغيب؛ لأن كل من شاهد شيئا وعاينه وحله بذاته فقد علمه، فلا يقال لمن علم ما شاهده وأحصى ما عاينه: إنه يعلم الغيب؛ لأن من شأن المخلوق أن لا يعلم الشيء حتى يراه بعينه، ويسمعه بأذنه، فإن غاب عنه جهِلَه، إلا أن يُعلِمه غيرُه فيكون معلما لا عالما، والله تعالى يعلم ما في السماوات، وما في الأرض، وما بين ذلك، وهو بكل شيء محيط بعلمه، {أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28]، و {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، وأما قوله: {بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} [فصلت: 54] فقد فسر ذلك في كتابه فقال: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، فبين تلك الإحاطة: إنما هي بالعلم لا بالمشاهدة بذاته، فبين تعالى أنه ليس كعلمه علم؛ لأنه لا يعلم الغيب غيره”([44]).
  • قال الإمام الآجري: “وقوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] فمعناه: أنه جل ذكره إله من في السماوات، وإله من في الأرض، إله يعبد في السماوات، وإله يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء”([45]).
  • وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله مبينًا معنى هذه الآية: “لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه… وأما قوله في الآية الأخرى: {وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} فالإجماع والاتفاق قد بين المراد بأنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا فإنه قاطع إن شاء الله”([46]).

الخاتمة:

إن الله سبحانه وتعالى هو العليّ الأعلى، القاهر فوق عباده، رفيع الدرجات، مستو على عرشه، كما أخبرنا في كثير من آيات كتابه، وكما بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث، وفهم ذلك الصحابة والتابعون من بعدهم على وجهه الصحيح، وليس في كتاب الله تعالى آية تنافي هذا، ومن فهم التناقض بين الآيات القرآنية فقد أوتي من فهمه السقيم الذي فرضه على الآيات، وحاول أن يفهم من الآيات ما يهواه، لا أن يتبع دلالة الآيات في نفسها، فقد تلاها النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة، وتلوها هم على من بعدهم، ولم يفهموا ما فهمه من يستشكل هذه النصوص ويدّعي دلالتها على نفي العلو، فعلينا بفهم السلف، فقد عاصروا التنزيل، وواكبوا الأحداث، وشاهدوا الأحوال، وشهد الله لهم بحسن العلم والعمل.

وصلَّى الله وسلم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) صحيح البخاري (9/ 124).

([2]) صحيح البخاري (9/ 126).

([3]) التوحيد (1/ 257).

([4]) اجتماع الجيوش الإسلامية (1/ 271).

([5]) الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 147).

([6]) جامع البيان (21/ 559).

([7]) الإبانة الكبرى (7/ 137).

([8]) رسالة في إثبات الاستواء والفوقية (ص: 83).

([9]) النقض على المريسي (1/ 445).

([10]) التوحيد (1/ 257).

([11]) الإبانة عن أصول الديانة (ص: 113).

([12]) الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 137).

([13]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 430).

([14]) جامع البيان (6/ 457).

([15]) مختصر الصواعق المرسلة (ص: 140).

([16]) الإبانة الكبرى (7/ 136).

([17]) التوحيد (1/ 256).

([18]) الرد على الجهمية (ص: 69).

([19]) الإبانة الكبرى (6/ 150).

([20]) رسالة في إثبات الاستواء والفوقية (ص: 33).

([21]) الرد على الجهمية (ص: 50).

([22]) التوحيد (1/ 254).

([23]) التمهيد (7/ 139).

([24]) السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 107).

([25]) الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 159).

([26]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 446).

([27]) الرد على الجهمية (ص: 47).

([28]) الإبانة الكبرى (7/ 159).

([29]) الإبانة الكبرى (7/ 159).

([30]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 444).

([31]) الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 152).

([32]) الشريعة (3/ 1078 وما بعدها).

([33]) التمهيد (7/ 138 وما بعدها).

([34]) السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 306).

([35]) السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 307)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 445).

([36]) الإبانة الكبرى لابن بطة (7/ 146).

([37]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 446).

([38]) الشريعة (3/ 1076).

([39]) الصواعق المرسلة (4/ 1284).

([40]) الصواعق المرسلة (4/ 1298 وما بعدها).

([41]) الشريعة (3/ 1103).

([42]) التمهيد (7/ 133 وما بعدها).

([43]) الشريعة (3/ 1105).

([44]) الإبانة الكبرى (7/ 143).

([45]) الشريعة (3/ 1104).

([46]) التمهيد (7/ 133 وما بعدها).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جديد سلف

مظاهر التصوُّف في المدينة المنورة من خلال رحلة الحبشي:(الشاهد المقبول بالرحلة إلى مصر والشام وإسطنبول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: مظاهرُ التصوُّف في الحجاز كانت باديةً قبل قرون كثيرة، بيدَ أنها زادَت في القرون المتأخِّرة، وصار التصوُّف مرتعًا خصبًا في الحرمين الشَّريفين قبل دخولهما تحت حكم الدولة السعودية. وفي هذهِ الورقة وصفٌ للحالة العقديَّة في المدينة المنوَّرة عام 1328هـ، بحكاية مقتطفات من تاريخها من كتاب: “الشاهد المقبول بالرحلة […]

عرض وتعريف بكتاب الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية. اسم المؤلف: محمد بن بير علي البركوي (البركلي). اسم المحقق: محمد رحمة الله حافظ محمد ناظم الندوي. دار الطباعة: دار القلم بدمشق. رقم الطبعة: الطَّبعةُ الأُولَى عام 1432هـ-2011م. حجم الكتاب: مجلد في (648 ص). التعريف العام بالكتاب: كتاب “الطريقة […]

موقف الشافعية المتأخرين من بدع القبور ومن الاستغاثة..وتحرير موقف الشيخين السبكي والهيتمي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: إن تمييز المسائل والأقوال المنسوبة إلى الآراء الفكرية والمذاهب العقدية، وتحرير أصولها وتصويرها تصويرًا دقيقًا لهو من أهمّ تحديات الجدل العقديّ المعاصر، لا سيما وقد دخلت على طوائف من الناس صنوف من البدع والشركيات، ويتأكد الأمر في الواقع المعاصر حيث انحسار العلم وفشوّ القلم؛ فلا يصلح -والحال كذلك- […]

أفيون الشعوب.. ليس هو الإسلام

“الدِّين أفيون الشعوب” كلمة أطلقها كارل ماركس قبل قرنين من الزمان لأسباب وظروف تاريخية معيَّنة، إلا أنَّ ناقدي الأديان وأعدائها قد تلقَّفوا الكلمةَ وأذاعوها في كلّ مكان، وجعلوها رأس الحربة أمام الدِّين، واستغلها الملاحدةُ كأحد أوجه نقد التَّديّن بشكل عامّ، وإن كانت العبارة تطلق بشكلٍ خاصّ ضدَّ الإسلام، وذلك من قِبَل الملاحدة الجُدُد الذين عداؤهم […]

ترجمة الشيخ المحدث حسين سليم أسد الداراني رحمه الله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ المحدث، صاحب التحقيقات النافعة المفيدة: حسين سليم أسد الداراني، نسبة إلى داريّا في الغوطة الغربية قرب دمشق. مولده ونشأته: ولد -رحمه الله- في عام1351هـ الموافق لسنة 1932م، في بلدة داريا، وهي أكبر حواضر الغوطة الغربية القريبة من العاصمة دمشق. وكان والده -رحمه الله- يعمل في […]

درء التعارض..بين آيات العلو لله عز وجل

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  علو الله تعالى على خلقه من أعظم صفات الباري وأجلها، وكثر رودها وتقريرها في كتاب الله، وهي من الصِّفات الظاهرة الواضحة البيّنة التي لا إشكال فيها، وقد تواترت على إثباتها الأدلة نقلًا وعقلًا وفطرةً. ومع ذلك نجد من يلبِّس على الناس بأن في إثباتها تناقضًا! من جهة أن هناك […]

قاعدة التسوية بين المتماثلات وعدم التفريق بينها..وبعض توظيفاتها العقدية عند تقي الدين ابن تيمية (728هـ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: من أدقّ المسائل العلمية التي تناولها علماء الإسلام البحث في الأشباه والنظائر وضمّ النظير إلى نظيره ليحكم له بحكمه، والبحث في الفروق بين المسائل المتشابهة بحيث يختلف حكمها بسبب ذلك الفرق الدقيق، وهذا من أجلّ العلوم وأدقّها كما يقول السيوطي: “وكان من أجلّ أنواعه: معرفة نظائر الفروع وأشباهها، […]

دعوى جناية أهل السُّنَّة على المتكلمين..(هل اعتنى المتكلمون بتوحيد الألوهية؟)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: توحيد الله سبحانه وتعالى هو ما أرسل الله به الرسل وأنزل به الكتب، ولا تخفى مركزيَّة التَّوحيد في دعوات الرُّسل، وأنَّ التشريعات كلها راجعة إليه ومبنية عليه، وبقدر اهتمام الكتاب والسنة بالتوحيد كان اهتمام علماء أهل السنة والجماعة به تقريرًا وتأصيلًا وبيانًا ودفعًا لما يثار حوله من شبهات. […]

حديث: «إن آخرَ وَطْأة وَطِئها الله بـوَجٍّ» (درجته، وتحرير معناه، ودفع شُبَهة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة قد يعرِض للمؤمن ما يُشكل عليه فهمُه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد أرشدنا الله تعالى إلى الطريق الأمثل لحلّ تلك المشكلات؛ فقال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، ومع ذلك فقد يخفى على بعض المؤمنين الحِكَم التي أودعها الله عز وجل […]

الاستدلال بالمجرَّبات بين أهل السنة والصوفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  من المعلوم أنَّ البحثَ في مصادر الاستدلال لدى الفرق المخالفة لأهل السنة هو من أهمّ ما يوقف المرءَ على أسباب الانحراف المنتشِر عندهم سواء في الاعتقاد أو العمل؛ ولذا اعتنى علماء أهل السنة بضبط مصادر الاستدلال ومناهجه التي تميزهم عن غيرهم من الفرق المنحرفة. ومما يتعلّق بهذا الاستدلالُ بـ […]

تَعرِيف بكِتَاب:(شرح وتعليق على شرح شيخ الإسلام ابن تيمية على العقيدة الأصبهانية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: شرح وتعليق على شرح شيخ الإسلام ابن تيمية على العقيدة الأصبهانية. اسم المؤلف: د. أحمد بن عبد اللطيف بن عبد الله آل عبد اللطيف. اعتنى بإخراجه: د. مازن بن محمد بن عيسى. دار الطباعة: مكتبة الشنقيطي للنشر والتوزيع، بجدة. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، […]

هل كلُّ مجتهد مصيب؟ومداخل القراءة التأويلية للنص

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مِن نِعَم الله على الأمَّة أن جعلَ في فهومها الحقَّ ووفَّقها لإصابته ويسَّر عليها أمر دينها، فشرع الاجتهادَ لأهل العلم واستنباطَ الأحكام وتنزيلها، وأوكل إليهم تنفيذَ الشرائع، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ […]

كيف ظهرَ الشِّرْكُ في النصارى؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لا يختلِفُ العقلاءُ في قبحِ الشرك وفداحَتِه؛ فإنَّ البشرية مفطورةٌ على النُّفرة من الشرك بالله وإعطاءِ شيء مِن خصائصه تعالى لغَيره، تمامًا كبديهيَّة إقرار البشرية بوجودِه وخالِقِيَّته أولًا، فهذه قضايا فطريةٌ ضروريةٌ لا تحتاج إلى نظرٍ واستِدلال([1])، وقد يُعمل الإنسان فيها عقلَه ونظرَه مسانَدةً منه لهذه الفطرة؛ […]

التعرِيف بكِتَاب: (التفسير المادي للتاريخ في أحداث القرن الأول الهجري -دراسة نقدية-)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: التفسير المادي للتاريخ في أحداث القرن الأول الهجري.. دراسة نقدية. اسم المؤلف: د. خالد بن محمد الغيث، أستاذ التاريخ بكلية الشريعة بجامعة أم القرى. دار الطباعة: مركز طروس للنشر والتوزيع، الكويت. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في غلاف وسط، […]

الحَجر على ذوي الحِجر..العلاقة بين الوحي ومصادر المعرفة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: يختصُّ الدين الإسلامي بجملة من المعارف اليقينية التي لا توجد في غيره من الأديان الباطلة والمنسوخة والفلسفات والعلوم والحقول المعرفية جمعاء؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى ميَّزه بالوحي المبين مصدرًا من مصادر المعرفة إضافة ما تملكه البشرية من مصادر معرفية أخرى، فالعلاقة بين الوحي وغيره من المصادر المعرفية […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017