الجمعة - 02 ذو الحجة 1443 هـ - 01 يوليو 2022 م

اتباع المتشابه وترك المُـحْكَم..في ضوء تحريرات شيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

المقدمة:

يركِّز كثير من علماء الإسلام على النظر والمناقشة للقضايا الرئيسية الأصلية بدلًا مما انبنى عليها من الفروع، ويركّزون عدسات بحثهم على أصل الخلاف ومنشئه بدلًا من التطويل في مسائله وتفريعاته؛ إذ إن نقض الأصل نقضٌ للفرع، وبيان بطلان المنشأ يبطِل كلَّ ما انبنى عليه من المسائل.

والعنايةُ بالجوانب الرئيسيّة المركزيّة يعدّ أصلًا من الأصول المنهجية الفكرية التي يمتاز بها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو ما يجلّي لنا نصاعة منهجيّته العلمية في التقعيد والتأصيل والنقد والتمحيص، فكثيرًا ما يعنى بتمحيص القول في الأفكار الرئيسية للمسألة محلّ النقاش، وكثيرًا ما يبين أن أصل القول بهذا كذا، وأن أصل الضلال في هذه المسألة كذا.

ومما لا شكّ فيه أن معرفة أصل الخلاف من الصعوبة بمكان؛ إذ يتطلب من الباحث سعةَ اطلاع على الآراء والأقوال في الملل والنحل، وحذقًا للمناهج البحثية من توصيف ومقارنة وتحليل وغيرها في آن واحد، وإدراكًا لمواطن الاشتراك والاختلاف بين القول والآخر، ومعرفة بقضايا الأثر والتأثير والتلازم والانفصال، وهي من أصعب المناهج البحثية حتى يوم الناس هذا([1]).

فتتجلّى “أهمية ما يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من منشأ للبدع والخلاف في مسائل العقيدة؛ نظرًا لإمامته وكثرة ردوده على أهل البدع وسعة اطلاعه على مقالات المخالفين، ولاهتمامه -رحمه الله- بتبيين منشأ الضلال والبدع؛ وهو أمر ظاهر متميّز عند شيخ الإسلام من بين علماء أهل السنة والجماعة”([2]).

ومن أهم الأصول التي عني بها شيخ الإسلام في بيان ضلال من ضلّ من أهل الملل والنحل والأهواء اتباع المتشابه من النصوص والإعراض عن المحكم، وهو أصل ذكره القرآن الكريم، وسنتناوله في هذه الورقة العلمية بإذن الله تعالى في ضوء ما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

 

تمهيد:

عُنيَ ابن تيمية رحمه الله بأصول الضلال ومنشأ الخلاف فضلا عن اعتنائه بالمسائل الفرعية التي حصل فيها الخلاف وتفصيلها، فنجده في نقاشه مع المخالفين من الطوائف والملل والأديان يحلّل تلك القضايا ليصل من خلالها إلى السبب الذي أوصلهم إلى ذلك الرأي الضالّ، فهو يبحث عن سبب ظهور الرأي والمذهب والقول الباطل، كما يهتمّ بالرد على القول الباطل.

وقد صرح بمنهجه هذا في مواضع مختلفة؛ كقوله وهو يناقش مسألة الاستغاثة: “وما زلت أتعجَّب من هذا القول، وكيف يقوله عاقل، والفرق واضح بين السؤال بالشّخص والاستغاثة به. وأريد أن أعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال؛ فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات وإن كانت باطلة لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم([3]).

كما بيَّن رحمه الله أهمية معرفة أصل الخلاف ومنشئه؛ إذ إن الجهل بذلك يوقع المرء في تناقض عجيب، بحيث يقبل القول في موضع ويعظّمه، بينما يردّه وينقضه في مواضع أخرى؛ جهلًا منه بأصل الخلاف وسبب الضلال؛ فاستنباط الغايات التي تؤول إليها المقالات والأصول التي منها انبثقت الآراء والمذاهب من الضرورة بمكان، يقول ابن تيمية رحمه الله: “ومن كان متوسّطا في الكلام لم يصل إلى الغايات التي منها تفرقوا واختلفوا؛ تجده يذم القول وقائله بعبارة ويقبله بعبارة! ويقرأ كتب التفسير والفقه وشروح الحديث وفيها تلك المقالات التي كان يذمّها، فيقبلها من أشخاص أخر يحسن الظنّ بهم! وقد ذكروها بعبارة أخرى، أو في ضمن تفسير آية أو حديث أو غير ذلك”([4]).

ومن المشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحثُه في أصل الضلال ومنشئه في مسألة تعطيل الصفات، حيث قال رحمه الله وهو يرد على من ينفي الصفات: “ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضُلال الصابئين، فإن أول من حُفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها، فنُسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم [اليهودي] الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم. وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حرَّان، وكان فيهم خَلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم… ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما، وهم الذين بعث إبراهيم الخليل إليهم، فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة، وأخذها الجهم أيضًا -فيما ذكره الإمام أحمد وغيره- لما ناظر السُّمنية بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات. فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين؛ إما من الصابئين وإما من المشركين… ولما كان في حدود المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمّونها: مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته”([5]).

ومن أهم أصول الضلال المركزية التي ضل بها كثير من أهل الأهواء والملل والأديان اتباعهم للمتشابه من النصوص وإعراضهم عن المحكم، وهذه سمة سائدة على كثير من أهل الضلال، بل على عامة أهل البدع كما يقول الإمام أحمد (241هـ) رحمه الله في مقدمته الشهيرة: “عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم”([6])، وتلك سيما أهل البدع كما يقول ابن تيمية رحمه الله: “والبدع التي يعارض بها الكتاب والسنة التي يسميها أهلها: كلاميات وعقليات وفلسفيات، أو ذوقيات ووجديات وحقائق وغير ذلك، لا بد أن تشمل على لبس حق بباطل وكتمان حق، وهذا أمر موجود يعرفه من تأمله، فلا تجد قط مبتدعًا إلا وهو يحبّ كتمان النصوص التي تخالفه، ويبغضها، ويبغض إظهارها وروايتها والتحدث بها، ويبغض من يفعل ذلك، كما قال بعض السلف: ما ابتدع أحد بدعة إلا نزعت حلاوة الحديث من قلبه. ثم إن قوله الذي يعارض به النصوص لا بد له أن يلبس فيه حقًّا بباطل، بسبب ما يقوله من الألفاظ المجملة المتشابهة… والمقصود هنا قوله: (يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم)، وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال”([7]).

وكثيرًا ما يستخدم شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه النقدي للمخالفين للحق هذا الأصل، فيبين أن الأصول المحكمة قد ناقضوها، وأنهم اتكؤوا على المتشابهات في سبيل ترويج باطلهم، وعن علاج هذا الأصل الباطل يقول ابن تيمية رحمه الله: “إذا فصِّل مقصود القائل، وبين بالعبارة التي لا يشبه الحق فيها بالباطل ما هو الحق، وميز بين الحق والباطل؛ كان هذا من الفرقان، وخرج المبين حينئذ مما ذم به أمثال هؤلاء الذين وصفهم الأئمة بأنهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون علي ترك الكتاب، وأنهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام”([8]).

الإحكام والتشابه في القرآن الكريم:

هذا الأصل أصل قرآني عظيم معروف، بيَّن الله فيه أن الهدى في اتباع المحكم وترك المتشابه من النصوص، حيث قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7].

فالراسخون في العلم يتّبعون المحكم، ويردّون إليه المتشابه، وأما الزائغون الضالون فهم يتبعون المتشابه من النصوص ويتركون المحكم، والمقصود “بالمحكمات: اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جُعلن أدلة عليه من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعِبر، وما أشبه ذلك… وهن أصل الكتاب الذي عليه عمادُك وعماد أمتك في الدّين، ففيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلّفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم، وإليه مفزعُك ومفزعهم”([9]).

وهذا معنى “الإحكام الخاص، وهو ضد التشابه الخاص.

فالتشابه الخاص هو: مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله وليس كذلك، والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر. وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما.

ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النِّسبيّة الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبها له من بعض الوجوه.

ومن هذا الباب الشُّبه التي يضلّ بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل”([10]).

وأما الإحكام العام الذي هو الإتقان، “فالقرآن كله محكم بهذا المعنى”([11])، وأما التشابه العام الذي هو تماثل الكلام وتناسبه وتصديق بعضه بعضًا فالقرآن كله متشابه بهذا المعنى.

وإنما المقصود في هذا البحث الإحكام الخاصّ والتشابه الخاصّ؛ ولذلك قدمنا الحديث عنه.

توظيف السلف لهذا الأصل في كشف زيف المخالفين:

جلَّى لنا الإمام ابن تيمية رحمه الله أن هذا الأصل الذي نهجه هو فيه متَّبع للسلف لا مبتدع، ومقتد بهم لا مخترع، وأن هذا الأصل قد سار عليه السلف -رضوان الله عليهم- وكثيرا ما يستشهد بكلام الإمام أحمد رحمه الله الآنف الذكر عن أهل البدع بأنهم: “يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم”([12])، وبيَّن ابن تيمية رحمه الله أن الإمام أحمد رحمه الله “رد على الجهمية والزنادقة فيما طعنوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، فرد على من حمله على غير ما أريد به، وفسّر هو جميع الآيات المتشابهة، وبين المراد بها”([13]).

وكذلك الحال مع الإمامين الزبيدي والأوزاعي -رحمهما الله- حين سُئلَا عن الجبر، فصرَّحا بأنه لفظ مشتبه لا يعوَّل عليه، وإنما المعول على المحكم المبيَّن في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الخلق والجبل والقضاء والقدر، يقول ابن تيمية رحمه الله: “ولهذا ترجم الإمام أبو بكر الخلال في كتاب السنة فقال: الرد على القدرية، وقولهم: إن الله أجبر العباد علي المعاصي. ثم روى عن عمر بن عثمان عن بقية بن الوليد قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، ولكن يقضي ويقدّر، ويخلق ويجبل عبده على ما أحب. وقال الأوزاعي: ما أعرف للجبر أصلًا في القرآن ولا السنة، فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل، فهذا يعرف في القرآن والحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما وضعت هذا مخالفة أن يرتاب رجل تابعي من أهل الجماعة والتصديق.

فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابعي التابعين من أحسن الأجوبة.

أما الزبيدي -محمد بن الوليد صاحب الزهري- فإنه قال: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل، فنفي الجبر؛ وذلك لأن الجبر المعروف في اللغة: هو إلزام الإنسان بخلاف رضاه، كما يقول الفقهاء في باب النكاح: هل تجبر المرأة على النكاح أو لا تجبر؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فيعنون بجبرها إنكاحها بدون رضاها واختيارها، ويعنون بعضلها منعها مما ترضاه وتختاره، فقال: الله أعظم من أن يجبر أو يعضل؛ لأن الله سبحانه قادر على أن يجعل العبد مختارًا راضيًا لما يفعله، ومبغضًا وكارهًا لما يتركه، كما هو الواقع، فلا يكون العبد مجبورًا على ما يحبه ويرضاه ويريده، وهي أفعاله الاختيارية، ولا يكون معضولًا عما يتركه، فيبغضه ويكرهه، أو لا يريده، وهي تروكه الاختيارية.

وأما الأوزاعي فإنه منع من إطلاق هذا اللفظ، وإن عني به هذا المعنى؛ حيث لم يكن له أصل في الكتاب والسنة، فيفضي إلى إطلاق لفظ مبتدع ظاهر في إرادة الباطل، وذلك لا يسوغ، وإن قيل: إنه يراد به معنى صحيح”([14]).

بيان ابن تيمية لأصل ضلال الضالين باتباع المتشابه وترك المحكم:

  • من أهم القضايا التي بيَّن فيها هذا الأصل ظنُّ من ظنَّ أن الكتاب والسنة ليس فيهما الهدى المبين وبرد اليقين ليبحث عنهما في غيرهما، وأن الأدلة بشتى أنواعها غير كافية لإحقاق الحق وإبطال الباطل؛ فبيَّن ابن تيمية رحمه الله أن هذا الضلال الذي وقع فيه ناشئ عن أصل عنده، وهو أن الهدى ليس في الكتاب والسنة لما في نصوصه من التشابه بحسب زعمه، فيجعل من المتشابهات أصلًا ومنطلقًا لنظره في النصوص، ويجعل ما يعتقده هو المحكم الذي يجب أن تردّ إليه نصوص الكتاب والسنة، فيؤول به الحال إلى أن يجعل نصوص الوحي المحكمة متشابهة محتاجة إلى محكم يؤكّدها، ويجعل غيره من النصوص محكمًا إليه يحاكم كلام الله ورسوله، ومَن أضلُّ من أولئك سبيلا؟! يقول ابن تيمية رحمه الله: “ومن صار من أهل الكلام إلى القول بتكافؤ الأدلة والحيرة فإنما ذلك لفساد استدلاله؛ إما لتقصيره، وإما لفساد دليله، ومن أعظم أسباب ذلك الألفاظ المجملة التي تشتبه معانيها. وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد، وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول دينهم، وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى، فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم، والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه، كما يجعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا به صفات الله، ونفوا بها رؤيته في الآخرة وعلوه على خلقه، وكون القرآن كلامه ونحو ذلك، جعلوا تلك الأقوال محكمة، وجعلوا قول الله ورسوله مؤولًا عليها، أو مردودًا، أو غير ملتفت إليه ولا متلقى للهدى منه”([15]).
  • ومن القضايا المشابهة للقضية السابقة التي وظف فيها هذه القاعدة ردّه على سؤال من سأل عن عدم وجود نصّ للشارع يعصم من الزيغ ويبلغ الناس الهدى، فقد سئل شيخ الإسلام: ما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك وقد كان حريصًا على هدي أمته؟!

فتعجب من هذا السؤال، وبين أنه سؤال مغلوط، أصل الضلال فيه هو اتباعهم للمتشابه من النصوص وتركهم للمحكم، وجعلُ المتشابه محكمًا والمحكم متشابهًا، حيث قال: “وقد تقدم التنبيه على منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله، وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات، سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته، أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى… وأنه إذا منع إطلاق هذه المجملات المحدثات في النفي والإثبات ووقع الاستفسار والتفصيل تبين سواء السبيل.

وبذلك يتبين أن الشارع عليه الصلاة والسلام نص على كل ما يعصم من المهالك نصًّا قاطعًا للعذر، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]… وهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء، والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدى والبيان والشفاء. وذلك يكون بشيئين:

أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة.

والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون، حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين، فحينئذ يتبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه”([16]).

ثم بين رحمه الله أن السلف كانوا ينهون عن الألفاظ المجملة لما فيها من التشابه المضل للناس، ويوصون بالتزام ألفاظ الكتاب والسنة لما فيهما من التفصيل والبيان والإيضاح والفرقان، قال رحمه الله: “ولهذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور أو تقصير في بيان الحق؛ ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلاف النصوص الإلهية؛ فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل؛ ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه… ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتشابهة ممنوعًا من إطلاقها نفيًا إثباتًا، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا تبين المعنى أثبت حقه ونفي باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه.

وأما المختلفون في الكتاب المخالفون له المتفقون على مفارقته فتجعل كل طائفة ما أصّلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه، وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات التي لا يجوز اتباعها، بل يتعين حملها على ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه، أو الإعراض عنها وترك التدبر لها”([17]).

  • وظف رحمه الله هذه القاعدة في تعامله ورده على النصارى، فمن أهم الأصول التي اعتمد عليها في نقده للنصارى بيان أنهم كثيرًا ما يتّكئون على المتشابه من النصوص، ويتعامَون أو يتركون المحكم منها ولا يلتفتون إليه؛ والحق أن يكون الأصل والمنطلق من المحكم من النصوص، ثم بعد ذلك ينظر إلى المتشابه والمقصود به وتفسيره ويفهم في ضوء المحكم، وأما من يتنكب هذا الطريق فذاك سبيل الزائغين الضالين، وفي مفتتح “الجواب الصحيح” الذي أجاب فيه عن رسالة بولس الأنطاكي بيَّن هذا الأصل حيث قال: “فنحن نبدأ بالجواب عن هذا، ونبين أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه مرسل إليهم، وإلى جميع الإنس والجن، وأنه لم يقل قط: إنه لم يرسل إليهم، ولا في كتابه ما يدل على ذلك. وأن ما احتجوا به من الآيات التي غلطوا في معرفة معناها، فتركوا النصوص الكثيرة الصريحة في كتابه التي تبين أنه مرسل إليهم، من جنس ما فعلوه في التوراة والإنجيل والزبور وكلام الأنبياء، حيث تركوا النصوص الكثيرة الصريحة، وتمسكوا بقليل من المتشابه الذي لم يفهموا معناه”([18]).

وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا ليس أمرًا عارضًا في هذه المسألة، بل صرَّح أنه أصل عظيم من أصول ضلالهم في دينهم، وهناك من شاركهم من أهل الإسلام في هذا الأصل المضل، يقول ابن تيمية رحمه الله: “ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى وأمثالهم من الغالية كغالية العباد والشيعة وغيرهم ثلاثة أشياء:

أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة وتمسكوا بها، وهم كلما سمعوا لفظا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم وإن لم يكن دليلا على ذلك، والألفاظ الصريحة المخالفة لذلك إما أن يفوّضوها، وإما أن يتأولوها كما يصنع أهل الضلال، يتبعون المتشابه من الأدلة العقلية والسمعية، ويعدلون عن المحكم الصريح من القسمين.

والثاني: خوارق ظنوها آيات وهي من أحوال الشياطين…

والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقا وهي كذب…”([19]).

  • ومن المسائل التي ناقش فيه النصارى ووظف فيها هذه القاعدة نقده نسبة النصارى الولادة إلى الله سبحانه وتعالى، سواء سموها عقلية أو روحانية، فبيَّن أن ذلك باطل جملة وتفصيلا، وأن سبب ضلالهم وقولهم بهذا القول هو الأصل الذي نتكلم عليه وهو اتباع المتشابه وترك المحكم من النصوص، يقول ابن تيمية رحمه الله: “فليس في كلام الأنبياء أن الله ولا شيئا من صفاته مولود الولادة التي يسمونها ولادة عقلية وروحانية، ولا في كتبهم أن شيئا من صفات الله تسمى ابنا لله، ولا أن اللاهوت ابن الله، فضلا عن أن ينطقوا بأن الله مولود من امرأة ولادة، وخرج من فرجها، فيكون مولودا ولادة جسمانية.

ولهذا لما تنازعت النصارى في ذلك، لم يكن لمن ادعاه على من نفاه حجة من نصوص الأنبياء، غاية ما عندهم التمسك بألفاظ متشابهة وتغيير ألفاظ صريحة محكمة، تبين أن المولود إنما هو بشر…

وإن قالوا: إن كلام الأنبياء دل على ذلك، كان غاية ما عندهم التمسك بالمتشابه، وحينئذ فيطالبون بتفسير المتشابه، والجمع بينه وبين المحكم على وجه صحيح معلوم، وإلا فإذا قالوا: هذا فوق العقل لا نفهمه، قيل لهم: فدعوا المتشابه لا تحتجوا به، ولا تذكروا له معنى تزعمون أنكم لا تعقلونه”([20]).

  • ردد ابن تيمية في أكثر من موضع في “الجواب الصحيح” أن من أصول ضلال النصارى وبدعهم وكفرهم أنهم يتبعون المتشابه ويتركون المحكم، يحرفون الكتاب ويظهرون أنه تأويل وتفسير لكتابهم المقدس، وهذا الأمر تعدوا فيه إلى القرآن الكريم أيضا ففسروه على أهوائهم، ومن ذلك تفسيرهم القرآن -كقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46]- بأن الذين ظلموا هم اليهود، وهو ما نقدهم فيه ابن تيمية وبيّن أنه من اتباعهم المتشابه وتركهم المحكم حيث يقول: “ومن أعجب الأشياء قولهم: (وأما الذين ظلموا فلا يشك أحد أنهم اليهود)، فإن هذا من جنس قولهم: ثم وجدنا في الكتاب ما هو أعظم من هذا برهانا وهو قوله في سورة الشورى: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } [الشورى: 15]…

وهي من جنس قولهم في قوله: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 1-3] أنه عنى بالكتاب الإنجيل، والذين يؤمنون بالغيب: النصارى، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المسلمون، وزعمهم أن قولهم هذا بين ظاهر.

وتفاسير النصارى للكتب الإلهية فيها من التحريف لكلمات الله والإلحاد في أسماء الله وآياته ما يطول وصفه، ولا ينقضي التعجب منه، لكن إقدامهم على تفسير القرآن بالإلحاد والتحريف أعجب وأعجب، كقولهم: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ذكر أنه لم يرسل إليهم، وأنه أثنى على الدين الذي هم عليه بعد النسخ والتبديل بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم، وأن قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] أراد به النصارى… فإن في هذا من الكذب الظاهر والافتراء على محمد بأنه أراد هذه الأمور ما هو من جنس افترائهم على الأنبياء، فإنهم أخبروا أن المسيح هو خالق السماوات والأرض، وأن التوراة والزبور وغيرهما من الكتب أخبرت بذلك، ثم يأتون إلى ما يعلم كل عاقل أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يرده، فيقولون: إنه لا يشك فيه أحد، وإنه قول ظاهر بين، وكل من عرف حال محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن والدين يعلم علما يقينيا ضروريا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يجعل النصارى مؤمنين دون اليهود، بل كان يكفر الطائفتين، ويأمر بجهادهم، ويكفّر من لم ير جهادهم واجبًا عليه.

وهذا مما اتفق عليه المسلمون، وهو منقول عندهم عن نبيّهم نقلا متواترا، بل هذا يعلمه من حاله الموافق والمخالف، إلا من هو مفرِط في الجهل بحاله، أو من هو معاند عنادا ظاهرا”([21]).

  • ومن القضايا التي وظف فيها هذا الأصل بيان ضلال من ضلّ في العبادة والزهد والمحبة لله سبحانه وتعالى، حيث إنه كان من باب اتباعهم للمتشابه وتركهم المحكم من الدين وعملهم بأقوال المعظَّمين عندهم، تماما كما فعل النصارى من اتباعهم للمتشابه من كلام القساوسة والمعظّمين عندهم، وكلّ يغلو فيمن يعظّمه ويقدِّمه على كلام الله ورسله -عليهم الصلاة والسلام-، يقول ابن تيمية رحمه الله: “وكثير من المخطئين الذين ابتدعوا أشياء في الزهد والعبادة وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصوما، فيجعلون متبوعيهم شارعين لهم دينا كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينا، ثم إنهم ينتقصون العبودية ويدعون أن الخاصة يتعدونها كما يدّعي النصارى في المسيح والقساوسة، ويثبتون لخاصتهم من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه والقسيسين والرهبان إلى أنواع أخر يطول شرحها في هذا الموضع.

وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا”([22]).

  • وقد بيَّن أيضا أن اتباع المتشابه وترك المحكم من أصول الضلال ومما ضلّ به المتكلمون وأضلوا؛ فإن السلف لم يذمّوا الكلام لما فيه من المصطلحات الجديدة أو العبارات الدخيلة، وإنما لما فيه من التلبيس والتشابه بين الحق والباطل؛ فاستعملوا نصوصًا متشابهة وتركوا الحقّ الواضح في الكتاب والسنة، يقول ابن تيمية رحمه الله: “فالسلف والأئمة لم يذمّوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ الجوهر والعرض والجسم وغير ذلك، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه، لاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات، كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع…

فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة -بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفَى الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة- كان ذلك هو الحق، بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من المتكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا في الوسائل والمسائل، من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو من الصراط المستقيم، وهذا من مثارات الشبه”([23]).

  • ومن ذلك بيانه أن حجج نفاة الصفات من أوهى الحجج، واستدلالهم إنما هو بالمتشابه لا المحكم؛ كتفسيرهم الأفول بالحركة في قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام، مع أنه لا يعرف لا في اللغة ولا في التفسير ولا في الشرع ولا سياق الآية، وإنما معناها التغيّب والاحتجاب، يقول ابن تيمية رحمه الله: “حجج النفاة مبناها على ألفاظ مجملة موهمة كما قال الإمام أحمد…

ومن أعجب الأشياء احتجاجهم بقصة إبراهيم الخليل، وهم مع افترائهم فيها على التفسير واللغة إنما هي حجة عليهم لا لهم، كما قال بعضهم في قوله: {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام: 76] أي: المتغيرين، وربما قال غيره: المتحركين أو المنتقلين، وقال بعض المتفلسفة: المتأخرين الممكنين، وأراد بالممكن ما يتناول القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه. وزعم بعضهم كالرازي في تفسيره أن هذا قول المحققين، وهؤلاء من أعظم الناس تحريفًا للفظ الأفول ولفظ الإمكان…

فعلم بذلك أن ما ذكر من التغير والحركة والانتقال لم يناف مقصود إبراهيم عليه السلام، وإنما نافاه التغيب والاحتجاب”([24]).

الخاتمة:

تجلى في نهاية المطاف هذا الأصل العظيم الذي ذكره الله تعالى في قوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، وكيف أن ابن تيمية رحمه الله أعمله في مناقشته الآراء والنحل والمذاهب المختلفة، وتبين لنا نصاعته وصرامته في كشف كثير من الباطل.

وصلَّى الله وسلم على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: أبجديات البحث في العلوم الشرعية، فريد الأنصاري (ص: 114).

([2]) تحرير منشأ الخلاف في مسائل العقيدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية، عبد اللطيف القريقري (ص: 5).

([3]) الرد على البكري (1/ 182).

([4]) منهاج السنة النبوية (5/ 280).

([5]) الفتوى الحموية الكبرى (ص: 232).

([6]) الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 55).

([7]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 221).

([8]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 65).

([9]) جامع البيان (6/ 170).

([10]) التدمرية (ص: 105).

([11]) التدمرية (ص: 102).

([12]) الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 55).

([13]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 207).

([14]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 66).

([15]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 275) من طبعة دار الكتب العلمية، وفي طبعة محمد رشاد سالم جاء النص: “فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه”.

([16]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 73).

([17]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 73).

([18]) الجواب الصحيح (1/ 123).

([19]) الجواب الصحيح (2/ 315).

([20]) الجواب الصحيح (4/ 266).

([21]) الجواب الصحيح (3/ 92).

([22]) العبودية (ص: 119).

([23]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 44).

([24]) درء تعارض العقل والنقل (4/ 75).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

السلف وعشر ذي الحجة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: من أجلّ نعم الله تعالى على المسلم.. أن شرع له دينًا متنوع العبادات؛ فهو يتنقل بين العبادات البدنية كالصلاة، والعبادات المالية كالصدقة والزكاة، والعبادات الروحية كالخشوع والتوكل والخشية والإنابة، ثم شرع له مواسم للطاعات، وخصص له أوقاتًا للقربات، يزداد فيها المؤمن إيمانًا، ويتزود فيها من العبادات، ويجتنب فيها […]

هل الحج موروث وثنيّ؟!

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: لقد زجَّ تجزِيءُ القضايا بعضَ الناس إلى دعاوى عريضة وشبهات باطلة؛ تأباها عقول الصغار قبل الكبار، فثمة من ينظر إلى شعائر جزئية من فريضة الحج العظيمة فيحكم عليها بأنها فريضة وثنية. وعلى الرغم من أن تلك الشعائر لا تمتّ للوثنية بصلة بل هي على النقيض من ذلك […]

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017