الخميس - 06 ربيع الآخر 1440 هـ - 13 ديسمبر 2018 م

العالمانية طاعون العصر | كشف المصطلح وفضح الدلالة (3)

A A

عنوان الكتاب: العالمانية طاعون العصر – كشف المصطلح وفضح الدلالة.

المؤلف: د. سامي عامري.

النشر: مركز تكوين للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى 1438ه/2017م.

حجم الكتاب: (336ص × غلاف).

أول الأسئلة التي تكتنف خلجات المثقف حين يلوح له عنوان هذا الكتاب، لم اختار لفظة العالمانية على عكس الشائع؟

لم يكن ذاك سهوا أو سقطا، ولكن المؤلف أبدع في بحثه وغوصه في غور هذا المصطلح وإبراز أصله الاشتقاقي، وأظهر الانفصال الحاصل بين هذا الفكر وبين العلم التجريبي، وكشف التلبيس الواقع بنسبة هذا الفكر إلى العلم.

ولأن أخوف صور الإلحاد المتفشية في زمننا هي العالمانية!

ضمَّن المؤلف هذا الكتاب في سلسلة الإلحاد في الميزان؛ ذلك أن النتيجة الحتمية للعالمانية التي تلغي أهم ركائز الإله (العبودية) هي ذات النتيجة التي يسعى إلى تحقيقها الفكر الإلحادي (لا إله والحياة مادة).

ففي نهاية الأمر يلتقي الفريقان في غاية واحدة وإن اختلفت الطرق، وتلك الغاية هي إلغاء دور الإله في الحياة الواقعية، وذلك ما لا يُخرج الإنسان من الليس إلى الأيس كما عبر المؤلف؛ لأن القضية الكبرى التي من أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب هو توحيد الله بالعبادة لا مجرد الإقرار بربوبيته، والعالمانية تلغي هذه العبودية اكتفاء بالإقرار بالربوبية.

وإذا تأملت تطاير شرر هذا الفكر، وانتشاره انتشار النار في الهشيم كما تُبيِّن الإحصاءات، وتلوُّن خطابِه وانخداع كثيرٍ بزُخرفه بعد أن كان ظاهر البطلان، وفرضِه على الأمم دون معارضة أو تنقيب، بل دون خيار آخر؛ أيقنت أنه هو الصراع الحقيقي الذي يواجه الإسلام في عصرنا هذا، والأمة أحوج ما تكون إلى من يبين لها حقيقة هذا الفكر وبهرجه وخطورته.

هذا ما حدا بالمؤلف إلى إشهار سيفه لمحاربة هذا الفكر الفتاك، وإبلاج فجر هذا الكتاب الفذّ.

فغاية الكتاب إقامة تصور صحيح عن العالمانية تاريخا ولغة وواقعا، وكشف ما زُوِّقت به زورا وبهتانًا؛ كدعوى أن (العِلْمانية) مشتقة من العلم، أي: التفكير العلمي مقابل التفكير الأسطوري، ودعوى أنها ولدت من رحم صراعات العلم التجريبي مع الكنيسة، ودعوى أنها مجرد فصل الدين عن الدولة، ودعوى أنها لا تعادي الدين وإنما تقرر أن الدين مسألة شخصية، إلى غيرها من المغالطات العالقة في أذهان كثيرين.

ومنهج الكتاب للوصول إلى هذه الغاية: الدراسة التحليلية النقدية لمقولات العالمانية، ووصفها في الواقع الغربي والإسلامي ودراسة تحولاتها تاريخيا مختصرًا، مع تحرير الموقف الشرعي منها.

وقد ذكر المؤلف أهم الدراسات السابقة المتميزة؛ كدراسات المسيري وعمارة وصلاح الصاوي، وجوانب تميزها.

وقد تحلَّى الكتاب بسلاسة الأسلوب مع رونق في العبارة وغزارة في المفردات ورقي في المعاني والتراكيب كما تميز أيضا بالانسجام المنطقي في فصوله ومباحثه.

حيث استعرض في الفصل الأول: الحقيقة النظرية للعالمانيّة.

مفتحا الفصل بأهمية تصحيح المفاهيم وخديعة المصطلحات الدَّخيلة وإشكالياتها.

ولما كان من الصعوبة بمكان أن تظهر حقيقة مصطلح كمصطلح العالمانية الديني الغربي النصراني نشأة؛ وذلك بسبب تلوُّن دلالاته وتشكُّلها حسب تقلبات المجتمعات، وتعدد الأزمنة والأمكنة، واختلاف زوايا النظر عند من عرَّفه، وانحراف معاييرهم بين غلو وجفاء؛ غاص المؤلف في أغواره وقطع مفاوز اللغات المختلفة التي ترعرع فيها بدءا بالإنجليزية ومرورا بالفرنسية وانتهاء بالعربية؛ لكي يتلألأ الحق الغائب وينكشف البهرج الزائف وتكتمل صورة هذا المصطلح.

فدَرَس مصطلح العالمانية وأصل اشتقاقه، هل هو من عَلم أم عالم؟ وبيَّن تاريخ تحريفه المصطلحي؛ انطلاقا من أصله الغربي إلى ميلاده العربي، ثم مناقشة المغالطات الناشئة عن تلك التحريفات؛ كدعوى نشأتها عن الصراع مع العلم التجريبي، مذيلا بتحرير صلتها بالعلم.

وبعد أن انتهى من دراسة المصطلح، ابتدأ بالبحث في دلالتها، وناقش تعريفاته الاصطلاحيّة المعجمية وما فيها من اضطراب، كما بحث تقلب دلالات المصطلح وتغيرها حسب كل مرحلة من مراحله.

ثم رَسَم أشكال العالمانية تاريخيَّا، وقسمها إلى أقسام باعتبارات مختلفة فتارة بالنظر إلى موقفها السلبي من الدين، وتارة بالنظر إلى علاقة الكنيسة بالدولة، وأخرى بالنظر إلى مساحة سلطانها.

واختتم الفصل بدراسة إشكالات أهم التعريفات الرائجة عنها في اللغة العربية، وعقبه بالبحث عن النواة الصلبة للعالمانية مذيلا بالتعريف المختار للعالمانية، وعلاقتها باللائيكية.

ثم ثنَّى البحث بالفصل الثاني: الحقيقة الواقعيّة للعالمانيّة.

واستهله المؤلف بالحديث عن أطلال وبقايا الدمار العالماني في العالم الغربي؛ كقتل الإنسانية وتحويلها إلى أداة استهلاكية مدجَّنة، حيث أصبح العالم بلا معنى ولا قيمة، وأضحت القدسية للمادة والمنفعة فحسب، واستعرَّت (الذئبية الداروينية) في المجتمع البشري، وأُدخل الإنسان في نفق الأنانية الأخلاقية، وذُبحت الأنوثة لتتحول المرأة إلى رجل، ونُعيت الحقيقة المطلقة.

ثم عقبه بتسليط الضوء على آثار العالمانية في العالم العربي من حين وُلوجه مع نابليون، وذكرِ من تدنَّس به من العرب، فلطَّخوا تاريخ الاسلام برَوثها وأبْوالها، وكانوا أول من جهر بالعالمانية، وناهض الإسلام جهارًا، وعَدُّوه تخلُّفا، وازدرى علماءه وأنصاره.

ثم استعرض المؤلف أهم أدوات العلمنة في العالم العربي؛ كالابتعاث، والأنظمة العربية العالمانية، ودعوى القومية العربية.

ولم يُغفل الحديث عن موقف العالمانية من التدين، وذكر بعض آثارها على الدول الحديثة (تونس أنموذجا).

وزاد الكتاب بهاءً أن مؤلفه لم يكتف بالغوص في أغوار مصطلح العالمانية في عصر (العالمانية) فحسب، بل تجاوز ذلك وأماط اللثام عن ماهيته في زمن (ما بعد العالمانية)، حيث دُفن فيها أملُ العالمانية التي كانت تحلم في نهايات القرن العشرين بإعدام الدين؛ ولكن سَرعان ما تراجعت وأيقنت أن التدين ركيزة أساسية في الحقيقة الإنسانية، وركن ركين في بنية المجتمع البشري حين رأوا صعود نجم (الدين) بعد أفوله في عصر العالمانية، كما حرره كثير من فلاسفة الغرب اليوم مثل: (بيتر برجر) و(يورجن هبرماس) و(كزنوفا).

ثم ابتدأ الفصل الثالث: الحقيقة الشرعيّة للعالمانيّة.

وحرر فيه موقف العالمانية من الإسلام ومن أهم ركائزه (التوحيد)، وموقف الإسلام من العالمانية، وينجلي للقارئ وهو يجول في فصول هذا البحث صرامة العالمانية وحدِّيتها مع الإسلام؛ إذ هي في طياتها وحقيقة أمرها دين مناهض لدين الإسلام، ولن تتواءم مع الإسلام حتى يلج الجمل في سم الخياط.

وكان الفصل الرابع عن: الصُّورة الدّعائيّة للعالمانيّة.

باشر فيه المؤلف كشف الزخارف وإزالة الأغشية المطلية على العالمانية؛ كالجدال في أصله الاشتقاقي، أو محاولة فصله عن أصوله الفلسفية، أو تعمية حقيقته بتعريفه ببعض آثاره البَهرجية المنتقاة، أو دعوى تقاطعه مع الدين.

وخصص المبحث الأخير من كتابه لكشف أباطيل المدلسين الملفقين بين الإسلام والعالمانيّة؛ كمن يزعم أن الإسلام عالمانيٌّ في جوهره، أو أنه مجرد رسالة روحية محضة، أو أن دولة الإسلام دولة مدنيّة، أو دعوى ظلم الدين بإقحامه في السياسة، وغيرها.

وختم البحث بذكر خلاصة تحقيقاته وأهم نتائجه، وجعل له ملحقين أولهما في الأخطاء الشائعة في العالمانية مختصرًا، وثانيهما في بيان وسائل مواجهة المشروع العالماني.

أخيرًا، إن استوعبت هذا الكتاب يا طالب الحق زال عن فؤادك الريْن المغشي على (لا إله إلا الله) في هذا العصر، وبان لك زخرف الباطل وبهرج العالمانية، وانكشفت لك الأخطاء الرائجة على عقول كثيرين، فمعرفة ذلك غدت من المهمات في هذا الزمان؛ فحقيق لمبتغي الحق أن يمعن النظر فيه.

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

الحداثة… جمود وتخلّف ورجعية

نشب خلافٌ بين الملك والبابا في بعض المسائل الإصلاحية، فضاق الملك ذرعًا بتدخّل البابا في بعض تعييناته، واتَّسعت هوة الخلاف بينهما حتى وجَّه البابا رسالة شديدةَ اللهجة إلى الملك في أواخر عام 1075م، هدَّده فيها بالحرمان وخلعِه من منصب الإمبراطورية إذا لم يقم بالتوبة والخضوع، فردَّ الملكُ من جانبه بعقد مجمع لأساقفة إيطاليِّين معارضين للبابا […]

تناقضات خصوم السلفيّة والهروب من الواقع

 لا يوجد حِراك علميٌّ في عصرنا الحديث عانى من الظلم والجور والتمييز مثل ما عانت السلفيَّة من خصومها، حتى إنَّ العقلاء من خصومِها وأربابَ العدل إذا تعلَّق الأمر بالسلفية استعاروا عقولَ غيرهم، وفكَّروا برؤوسٍ مشوهة كأنما لم يخلقها الله على أجسادِهم، وما ذاك إلا تماديًا في الظلم والتنازل عن ميثاق شرف الخصومة الثقافيَّة الذي يمنع […]

حديث: “سجود الشمس تحت العرش” وردّ شُبَه العقلانيين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله القائل في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5]، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد الذي جعل الله تعالى “أمره ظاهرًا فيما جاء به من الحق، […]

الحدود الشرعية.. جريمة اجتماعية أم رحمة إلهية؟

ظلَّ ملفُّ تطبيق الشريعة مغلَّقًا ردحًا من الزمن، فلم تكن الشبهاتُ تورَد عليه بمجملِه إلا ما كان على بعض الحدود دونَ بعض، وما إن أعلن أتاتورك جمهورية تركيا العلمانية الحديثة حتى فُتح هذا الملف الذي كان مخبوءًا في سراديب الذاكرة العلمانية، فطُرح بقوة، ونوقش من كافَّة الطوائف الدينية، ولا زال الجدال فيه قائمًا بين الاتجاهات […]

ترجمة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الشيخ الطَّيِّب العُقبيّ([1]) اسمه ونسبه ونسبته: هو: الطيِّب بن محمَّد بن إبراهيم بن الحاج صالح العُقْبيُّ. وإلى جدِّه صالح ينسب كلُّ فردٍ من أسرته، فيقال: “ابن الحاج صالح”. والعقبيُّ: نسبة إلى بلدة “سيدي عُقبة” التي تقع بولاية بسكرة، والتي قدِم إليها أحدُ أجداده واستقرَّ بها. ويعود نسبه في الأصل […]

حديث الإسراء والمعراج والرد على المتهوكين فيه

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فمن الحق الواجب اعتقاده أنه قد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة من مكة إلى بيت المقدس في فلسطين، ثم عرج بشخصه صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم حيث شاء الله تعالى من العلا، وهما -أي: رحلتا […]

ما هكذا يُدرَّس علم التَّفسير!

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا قال الشَّيخ العلامةمحمد البشير الإبراهيمي في حفل ختم رفيق دربه الإمام عبد الحميد ابن باديس -رحمهما اللَّه- تفسيره لكتاب اللَّه سنة (١٩٣٨م): “هذا هو اليوم الذي يختم فيه إمام سلفي تفسير كتاب اللَّه تفسيرًا سلفيًا ليرجع المسلمون إلى فهمه فهمًا سلفيًا، في وقتٍ طغتْ فيه المادة على الروح ولعب فيه […]

بين الأسماء الإلهية والأركونية للقرآن الكريم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة “فوالله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن. والله، ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا. ووالله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وإنه ليُحطم ما تحته”([1]). هذا كان […]

مسجد الخيف ومحاولات التشغيب لدى القبوريّين

جاءت أحاديث كثيرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم تنهى عن الصلاة إلى جهة القبر، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تصلُّوا إلى القبور»([1])، بل شدّد صلى الله عليه وسلم في ذلك تشديدًا عظيمًا؛ حتى وصف من يفعل ذلك بأنهم شرار الخلق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله […]

أشنع الجرائم تستدعي أكبر العقوبات مناقشة لشبهة كيف يعذب الكافر أبدا وجرمه محدود؟!

الخيانة العظمى جريمة كبيرة فُرضت عليها أشدّ العقوبات وأقسى أنواع الجزاءات، فإنهاء حياة الإنسان هو الجزاء الذي يلقاه كل من يخون دولته خيانةً عظمى. ولستُ هنا أتكلم عن الدول الإسلامية، بل هذا هو القانون حتى عند كثير من الأمم غير المسلمة، بل حتى عند الأمم التي تتفاخر بأنها الأكثر ديمقراطية والأكثر محافظة على حقوق الإنسان […]

الوهابية أو عقيدة السلف

 للتحميل كملف pdf  اضغط هنا   تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذه مسودة رسالة بخط مؤرخ العراق عباس العزاوي ت 1391 رحمه الله تعالى، تكلم فيها عن تاريخ العقيدة السلفية، والتي نُبزت في وقت متأخر بالوهابية تنفيرا للناس منها وتشويها لها… بدأ بانتشار العقيدة السلفية زمانا ومكانا […]

وظيفةُ الإنسانِ في الكونِ بين الوحي والرؤية الحداثية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة لا يخفى على قارئٍ لأي موضوع من الموضوعات -دينيًّا كان أو غير دينيٍّ- محورية الإنسان ومركزيته بوصفه المنتج للفكرة إن كانت بشرية أو المؤمن بها إن كانت دينية إلهية، ومن هنا كان تحديد الموقف من الإنسان وعلاقته بالكون والحياة يعدُّ السؤال الأكثر إقلاقًا لجميع الأطروحات الفكرية والدينية، وكان من […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017