الخميس - 18 شوّال 1443 هـ - 19 مايو 2022 م

توضيح بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالكلاب

A A

المفهومُ مِن لغة الشرع وأحكامِه تعظيمُ الأرواح واعتبارُ كلِّ أمة منها مخلوقة لله عز وجل ولحكمةٍ ما خُلِقت، علِمها الإنسان أو جهِلَها، ومن ثَمَّ فإن الشرع الحكيم ينفِي مطلقًا أن يُخلَق مخلوقٌ لشرٍّ محضٍ لا خيرَ فيه، أو أن يكون وجودُه مطلقًا شرًّا لا خير فيه، فذلك يتنافى مع حكمةِ الباري سبحانه وتعالى، وهو ما نَفَته الشريعة ونزَّهت عنه الخالق سبحانه.

والكِلاب أمَّةٌ من الأمم التي تعيش مع البشريَّة في هذه الأرض، ولها ارتباط بها من جهة كونها أليفةً، ومن جهة ما تحتاجُه البشرية فيها من صيد وحراسة وغير ذلك من المنافع، وقد أَشكَل على بعض النَّاسِ أمرُ الشارع الحكيم بقتلها أو قتل بعضِها وتحريم بَيعِها، واتَّخذ بعضُ المفتونين هذه الأحكام وسيلة للطعن في الشريعة وتكذيب النبوة، ونحن في هذا المقال بعون الله تعالى نبيِّن حقيقةَ هذه الأحكام في الشريعة؛ لنزيل ونرد المتشابه إلى المحكم. وقبل الخوض في هذا نبين بعض القواعد الحاكمة للبحث الشرعي في مثل هذه المسألة:

قواعد حاكمة للبحث الشرعي:

أولا: جميع الأحكام الشرعية منسجِمة مع القوانين الكونية الحاكمة لسير الكون وتدبيره من الله، فما خُلِق فهو لحكمة، لَن يُؤمر بإفنائه إلا لحِكمةٍ أُخرى، أو لأن الغاية من وجوده قد انتهت، سواء في ذلك البشر والحيوان والنباتات.

ثانيا: أمر الشريعة بالقتل لأي مخلوق إنسانا كان أو حيوانا هو لضرره ومفسدته، ولا يلزم من هذا أنه لا منفعة فيه مطلقا؛ لكن هذا الأمر لم يتَّجه إلى تلك الجهة بل اتجه إلى الغالب في هذا المخلوق وهو الضرر؛ ولذا أتت أوامر الشريعة آمرة بقتل الإنسان قصاصا أو حدًّا، وبقتل الحيوان المفترس ثعبانا أو أسدا أو ذئبا لهذا المعنى، أما إذا خلا منه بأن لم يكن مفترسًا أو أَلِف البشر ولم يضرَّهم فإن الشريعة لا تأمر بقتله.

ثالثا: لا بد من التفريق بين الأحكام الآنيَّة أو المخصوصة بزمان أو مكان وبين الأحكام الراتِبَة العامة، فقَد تأمُر الشريعة بأمرٍ لمصلحةٍ في وقت معيَّن ثم تنسخُه، فالعبرة بالخطاب اللاحق وليس بالسّابق، وبالحكم الراتب المحكم وليس بالحكم الآنيِّ المنسوخ.

إذا تبين هذا بقي أن نعرف حقيقةَ النهي عن بيع الكلاب وعن اقتنائها، وحقيقة الأمر بقتلهم:

حكم اقتناء الكلاب والتفصيل فيه:

لقد نهت الشريعة عن اقتناء الكلاب لعلَّة هي أذيَّتُهم للناس بإخافتهم وكثرة النّباح المزعج، فقد روى حماد بن زيد عن واصل مولى أبى عيينة قال: سأل سائلٌ الحسنَ فقال: يا أبا سعيد، أرأيتَ ما ذكر في الكلب أنه ينقُص من أجر أهلِه كلَّ يوم قيراط، بم ذلك؟ قال: لترويعِهِ المسلم([1]).

ثم أذِنت فيما فيه منفعةٌ وأخرجته من النهيِ، قال عليه الصلاة والسلام: «‌مَنِ ‌اقْتَنَى ‌كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ كُلَّ يَوْمٍ»([2]). وقد بيَّنت الشريعة حكمَ هذا الاقتناء ومقصدَه، وهو المنفعة، فقد ورد في الموطأ: «مَنِ ‌اقْتَنَى ‌كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ»([3]). ويدخل في معنى الزرعِ الضرعُ ومنافعُ البادية كلّها. وقد سئل هشام بن عروة عن اتخاذ الكلب للدار، فقال: لا بأس به إذا كانت الدار مخوفة([4]). فيتبين بهذا أن النهي عن الاقتناء مشروط بعدم المنفعة المرجوة، فإذا وُجدت فلا نهي وهذا محل اتفاق.

حكم بيع الكلاب:

اختلف الناس في بيع الكلاب لذات العلة وهي النهي عن اقتنائها وتنصيص السنة على حرمة ثمنها، فعن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ البغي، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ([5]).

فاختلف الفقهاء في حكم بيع الكلب بناء على هذا الحديث، فكرهه مالك مطلقا([6])، قال ابن عبد البر: “وَأَمَّا ‌ثَمَنُ ‌الْكَلْبِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَنْ نَهَى عَنْهُ وَحَرَّمَهُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مالك في موطئه: أَكْرَهُ ‌ثَمَنَ ‌الْكَلْبِ الضَّارِي وَغَيْرِ الضَّارِي؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ‌ثَمَنِ ‌الْكَلْبِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ‌ثَمَنِ ‌الْكَلْبِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَامِرٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْكِلَابِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقْتَنَى كَلْبُ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِجَازَةُ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ، فَوَجْهُ إِجَازَةِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ وَمَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ مِنَ الْكِلَابِ أَنَّهُ لَمَّا قُرِنَ ثَمَنُهَا فِي الْحَدِيثِ مَعَ مَهْرِ الْبَغِيِّ وحُلوانِ الكاهِنِ، وهَذا لا إبِاحةَ فِي شَيءٍ منه، فدَلَّ عَلى أنَّ الكَلبَ الَّذي نَهَى عن ثمنه ما لم يُبَح اتِّخاذُه، ولم يدخُلْ في ذَلِك ما أُبيحَ اتِّخاذُه، والله أعلم”([7]).

وقد لخَّص ابن عبد البر حُكمَ بَيعِه فقال: “صَحِيحٌ وَظَاهِرُ الحديث عندي أَنَّ نَهْيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ أُجْرَةِ الْحَجَّامِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كَنَهْيِهِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَثَمَنِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ نَهْيُهُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ تَحْرِيمًا لِصَيْدِهِ كَذَلِكَ لَيْسَ تَحْرِيمُ ثَمَنِ الدَّمِ تَحْرِيمًا لِأُجْرَةِ الْحَجَّامِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ أُجْرَةَ تَعَبِهِ وَعَمَلِهِ، وَكُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَجَائِرٌ بَيْعُهُ وَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ”([8]).

قال أبو بكر ابن العربي:” ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ثمن الكلب، واختلفت الرواية عن مالك وعلمائنا بعدَه على قولين، وذلك في كلبٍ يجوز الانتفاع به، فأمَّا كلبٌ لا يُنتَفَع به فلا خلافَ أنه لا يجوز بيعُه ولا تلزَمُ قيمته لمتلِفِه. وقال الشافعي: ثمنُه حرام. وقال أبو حنيفة: ثمنه جائز. ولم يزل مالكٌ عُمرَه كلَّه يقول: أكرهه، وحمل بعض أصحابنا لفظَه على التحريم، وحمله آخرون على أن تركَه خير من أَخذِه على أصل المكروه. والصحيح عندي: جواز بيعِه وحِلِّ ثمنِه؛ لأنها عينٌ يجوز اتِّخاذها والانتفاع بها، ويصحّ تملُّكها بدليل وجوب القيمة على متلِفِها، فجاز بيعُها؛ لأن هذه الأوصاف هي أركانُ صحة البيع، ولولا جوازُ بيعه مِن أينَ كان يوصَل إليه؟! كما لا يوصل إلى سائر الأموال إلّا بالبيع والهبة”([9]).

وإخراج المأذون فيه من دائرة محرم البيع مُصرَّف في كلام المحدثين والفقهاء، ولو استقرأنا كلامَهم وتتبعناه لطال بنا المقام، وحاصل ما عندهم في الباب أنَّ ما جاز اقتناؤُه والانتفاع به جاز بيعه.

قتل الكلاب:

قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمرُ بقتل الكلاب في بداية الإسلام، وذلك لكثرةِ ضرِرِهم على الناس، ثم نُسِخ ذلك الحكم مطلَقا على التحقيق من كلام العلماء، وعلَّة ذلك أنهم مثلَ البشر، خُلِقوا لغايةٍ وعلَّة، فلا يجوز إفناؤهم، قال عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنَّ الكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا ‌كُلَّ ‌أَسْوَدَ ‌بَهِيمٍ»([10])، وقد سمى الله الحيوانات أمما فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} يُرِيد: أَنَّهَا مِثْلُنَا فِي طَلَبِ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، وَابْتِغَاءِ الرِّزْقِ، وَتَوَقِّي الْمَهَالِكِ([11]).

ومع أن الحديث بيَّن العلة في ذلك، فقد نصَّ العلماء على هذا المعنى في بقاء الأممِ، قال ابنُ الجوزي: “أمّا أمره بقتل الكِلاب فقد بَقِي هَذَا مُدَّة ثمَّ نهى عَن ذَلِك بقوله: «مَا بالهم وبال الكلاب؟!». وَسَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر قَالَ: أمرنَا رَسُول الله بقتل الْكلاب ثمَّ نهى عَن قَتلهَا، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: «اقْتُلُوا مِنْهَا كل أسود بهيم». وَيَجِيء فِي حَدِيث: «لَوْلَا أَن الْكلاب أمَّةٌ لأمرتُ بقتلها» أَي: لاستَدَمتُ الْأَمر بذلك. وَلَو أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ إبْطَال أمَّة لما أَمر نوحًا أَن يحمِل مَعَه فِي سفينَتِه مِن كلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، فَلَمَّا حفظ الحمائر للتناسل علم أَنه أَرَادَ حفظ كل الْأُمَم. وَيحْتَمل قَوْله: «لَوْلَا أَن الْكلاب أمَّةٌ» أَي: خلق كثير يشق استيعابها فِي كلّ الْأَمَاكِن، فَلَا يحصل استئصالها، وَإِنَّمَا أَمَر بقتلها لِأَن الْقَوْم ألِفَوها، وَكَانَت تخالطهم فِي أوانيهم، فَأَرَادَ فطامهم عَن ذَلِك، فَأمر بِالْقَتْلِ، فَلَمَّا اسْتَقر فِي نُفُوسهم تنجيسها وإبعادها نهى عَن ذَلِك، فَصَارَ النَّهْي نَاسِخا لذَلِك الْأَمر”([12]).

وقد تكلَّم العلماء في علة التنصيص على الأسود، ومعنى كونه شيطانًا، قال الخطابي: “مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ إِفْنَاءَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَإِعْدَامَ جِيلٍ مِنَ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَلْقٍ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَّا وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ: يَقُولُ: إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى قَتْلِهِنَّ فَاقْتُلُوا شِرَارَهُنَّ، وَهِيَ السُّودُ الْبُهْمُ، وَأَبْقُوا مَا سِوَاهَا لِتَنْتَفِعُوا بِهِنَّ فِي الْحِرَاسَةِ”([13]).

وقال أبو العباس القرطبي: “«الكلب الأسود شيطان» حمله بعض العلماء على ظاهره، وقال: إن الشيطان يتصور بصورة الكلاب السود، ولأجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام: «اقتلوا منها ‌كل ‌أسود ‌بهيم». وقيل: لما كان الكلب الأسود أشدَّ ضررًا من غيره وأشدّ ترويعًا كان المُصَلِّي إذا رآه اشتغل عن صلاته؛ فانقطعت عليه لذلك، وكذا تأوَّل الجمهور قوله: «يقطع الصلاةَ المرأةُ والحمار»؛ فإن ذلك مبالغة في الخوف على قطعها وإفسادها بالشغل بهذه المذكورات؛ وذلك أن المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب يروِّع، فيتشوَّش المُتفَكّر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد، فلما كانت هذه الأمور تفيد آيلةً إلى القطع جعلها قاطعة؛ كما قال للمادح: «قَطعتَ عُنق أخيك» أي: فعلت به فعلا يُخاف هلاكه فيه كمن قطع عنقه”([14]).

والشريعةُ نصَّت على الأجر في الكلاب وفي غيرها، ولم تخصَّ أسودَ من غيره، قال ابن عبد البر: “وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ شَيْءٍ مِنِ الْكِلَابِ إِلَّا الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَقَالُوا: أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مَنْسُوخٌ بِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَّخَذَ شَيْءٌ فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» فَذَكَرَ مِنْهُنَّ «الْكَلْب الْعَقُور»، فَخَصَّ الْعَقُورَ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَعْقِرُ الْمُؤْمِنَ وَيُؤْذِيهِ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ فَوَاجِبٌ قَتْلُهُ، وَقَدْ قِيلَ: الْعَقُورُ ههنا الأسد وما أشبه، مِنْ: عَقَّارَة سِبَاعِ الْوَحْشِ، قَالُوا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِرَجُلٍ وَجَدَ كَلْبًا يَلْهَثُ عَطَشًا عَلَى شَفِيرِ بِئْرٍ، فَاسْتَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ فَغَفَرَ لَهُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَفِي مِثْلِ هَذَا أَجْرٌ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ دَلِيلٌ» عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَّا مَا أَضَرَّ بِالْمُسْلِمِ فِي مَالٍ أَوْ نَفْسٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَدُوِّ الْمُبَاحِ قَتْلُهُ، وَأَمَّا مَا انتفع به المسلم من كل ذي كَبِدٍ رَطْبَةٍ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُؤْجَرُ الْمَرْءُ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ كَذَلِكَ يُؤْزَرُ فِي الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا… عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدِ ادَّلَعَ لِسَانُهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمَوْقِهَا فَغُفِرَ لَهَا». قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْكَلْبِ، فَأَيْنَ قَتْلُهُ مِنْ هَذَا؟! وَمِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ؛ رَبَطَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا»، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا”([15]).

وحاصل ما للعلماء في المسألة مما دلّ عليه الدليل الشرعي هو حرمةُ قتل الكلاب وحرمة اقتنائها وبيعها إلا فيما يباح استعمالها له ككلاب الصيد للصيد وكلاب الحراسة للحراسة ، أما كلاب القنية في البيوت والزينة والاصطحاب فعلى الأصل من عدم الجواز، أما الإحسان إليها وإطعامها وإسقائها فلا بأس به وقد وردت السنة برحمتها ، إلا ما كان عقورًا يضرّ بالناس، فإنه يُقتل أو يُنفى أو يُعلَّم. والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) ينظر: شرح البخاري لابن بطال (5/ 390).

([2]) أخرجه مسلم (10/ 240).

([3]) الموطأ (2/ 929).

([4]) ينظر: شرح البخاري لابن بطال (5/ 390).

([5]) لأخرجه البخاري (154).

([6]) ينظر: (4/ 150).

([7]) التمهيد (8/ 399).

([8]) التمهيد (2/ 225). بتصرف في أول الكلام بما لا يخل بالمعنى.

([9]) القبس (ص: 842).

([10]) أخرجه أبو داود (2845)، والترمذي (1479)، والنسائي (4280)، وابن ماجه (3205)، وصححه البغوي في شرح السنة: (6/ 17)

([11]) ينظر: مختلف الحديث (ص: 207).

([12]) كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 493).

([13]) تحفة الأحوذي (5/ 56).

([14]) المفهم (2/ 109).

([15]) التمهيد (114/ 223).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

الوهابيون سُنِّيُّون حنابلة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن الإسلام دين محفوظ من لدن رب العالمين، ومن مظاهر حفظه أن الأمة حين تبتعد عنه يهيِّئ الله تعالى منَ الأسباب ما يُجلِّيه ويظهره ويقرّب الأمَّة منه، والناس في الاستجابة […]

العقلُ أصلٌ والشرعُ تَبَعٌ ..قانونٌ كُليٌّ أو مُغالَطة؟ (قراءة في أدبيات السّجال العقدي)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لا تخطئُ عينُ المطالع للسجال العقدي وكتُب التراث الكلامي عمومًا رؤيةَ جدلٍ كبير حول العلاقة بين العقل والنقل، وهي قضية قد بُحثت كثيرًا، وللعلماء تحريرات حولها. والذي أودُّ إبرازه هنا مناقشة قضية أصالة العقل وتبعية الشرع، وبها يظهر أنها ليست مُسلَّمَة أو قانونًا يُرجع ويُحتكم إليه عند التعارض، […]

الشطح الصوفي .. عرض ونقد (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تحدثنا في الجزء الأول عن تعريف الشطح عند الصوفية، وكيف يتصوّره الصوفية، وكيف يتعاملون معه، وفي هذا الجزء نحاول نقد هذه الظاهرة المعقدة والمشتبكة وتفكيكها، وذكر مواقف أهل العلم منها. أولا: نقد تصوير الصوفية للشطح: تصوير الصوفية للشطح بأنه عبارة عن حالة إيمانية عرفانية وجدانية شديدة، بحيث لا يمكن […]

الشطح الصوفي .. عرض ونقد (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: كثيرًا ما تُروى أقوال وأفعال مستقبحة مخالفة للشريعة منسوبةً إلى مشايخ التصوف ورموزه في القديم والحديث، وكُتُبُ الصوفيةِ أنفسهم مملوءةٌ بذكر هذه الأقوال والحكايات، كما في كتاب (الطبقات) للشعراني وغيره من مدونات الصوفية، وقد اصطلح الصوفية على تسمية هذه الأمور الصادرة عن مشايخ التصوف بـ (الشطحات)، وهو الاصطلاح […]

مغالطات حول مقام إبراهيم عليه السلام

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أولًا: تمهيد: بين الحين والآخر يثار جدل في حقيقة مقام إبراهيم عليه السلام، وضرورة نقله من مكانه، وأنه غير مراد في قول الله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، ويتناول الحديث فيه أطراف مختلفة، فمنها صحف ومجلات وقنوات إعلامية، وأخرى هندسيَّة معمارية […]

الأعياد بين السلف والخلف

إنَّ الأعيادَ في مفهومِ الشرع هي شعاراتٌ لأهل الملل، فكل يوم فيه جمع ويعود ويتكرر الاجتماع والفرح فيه فهو عيد؛ “فالعيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد بعود السنة، أو بعود الشهر، أو الأسبوع، ونحوه”([1])، وهي ترمز لانتصاراتهم وخصوصيّاتهم الدينية، ويعبّرون فيها عن فرحِهم باعتقادِهم، وهي نعمةٌ من الله على أهل […]

نماذج من إعمال الإمام أحمد للحِجاجِ العقليّ في ردوده على المبتدعة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: بين الفينة والأخرى تعلو أصوات من ينعق بأهمية العقل وضرورة إعماله، ولكن أُودع في العقل اللاواعي لكثير من الناس أن أهل العقل هم الفلاسفة اليونانيون في الزمن الغابر والمخترعون التجريبيون في الوقت الحاضر وحسب، غافلين أو متغافلين عن إعمال أرباب الإسلام وعلماء السلف للعقل، سواء في بنائهم […]

الأصول العقليَّة على حجيَّة فهم الصَّحابة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمَة: أرسل الله رسوله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم بخاتِمة الرسالات، وأعظم الكُتب على الإطلاق؛ ليكون نبراسًا للبشرية إلى قيام السَّاعة، فبلَّغ النَّبي صلى الله عليه وسلم الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح أمَّته، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلَّا هالك، وقد تلقَّى هذا الدين عن رسول الله […]

وقفاتٌ مع تجهُّم الأشاعرة.. ودعوى تكفيرهم لذلك

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: مسألة التَّكفير واحدةٌ من المسائل الكبرى التي اعتنى بها علماء الإسلام قديمًا وحديثًا، ولا شكَّ أنَّ لها مآلات كبيرة وخطيرة، سواء كانت عمليَّة أو علميَّة، وممن نبه على خطورة المسألة وعظّمها ابن أبي العز إذ قال: “واعلم -رحمك الله وإيانا- أنَّ باب التَّكفير وعدم التكفير بابٌ عظمت الفتنة […]

شبهةٌ وجوابها “في مسألة حقّ المطلَّقة في حضانة الأولاد في الشريعة الإسلامية”

مقدمة: تُثَار اليوم شبهات عديدةٌ حول المرجعية الشرعية للمجتمعات الإسلامية، وهذه الشبهات كثيرةٌ كثرَةَ سبل الخطأ، ومتشعبة تشعُّبَ أودية الانحراف، وهي تتوزع على أبواب الشريعة كلها من عقائد وعبادات وأخلاق وجنايات ومعاملات. ومن بين تلك الشبهات: شبهات تثار حول أحكام الأحوال الشخصية، مما يتطلب من أهل العلم السعي في رد تلك الشبهات ودحضها، وبيان الحق […]

 “وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ”..إثبات الكرسي والرد على من نفاه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة       المقَـدّمَـــة: بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبلَّغ ما أُنزل إليه من ربِّه، فقابله الصحابة رضوان الله عليهم بالانقياد والتسليم بكل ما أُنزل إليهم من ربِّهم، ولم يكن تسليمهم لشرع ربِّهم اتباعًا مجردًا دون فهم واستيعاب لما ينزل عليهم؛ بل كانوا يسألون النبي صلى الله عليه […]

الوعيُ السِّياسي لدى الصَّحابة .. (اجتماع سقيفة بني ساعدة أنموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من البدهيات التاريخيَّة القول بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنشأ دولة إسلامية عريقة لا زالت تقف شامخةً بحضارتها في هذه الأرض، وليس الأمر قاصرًا على أنَّه فقط أنشأ دولة ذات سيادة مستقلة، بل كان هو عليه الصلاة والسلام رئيسًا وحاكمًا عليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم بجانب سلطته […]

وقفات مع هدم القباب في البقيع والأضرحة من كتاب: (لمحات من الحياة العلمية في المدينة المنورة من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة    أولًا: بيانات الكتاب: يعدُّ هذا الكتابُ من المراجع المهمَّة في الحياة العلمية في المدينة المنورة، ففيه رصد تاريخيٌّ استقرائيٌّ لبعض الأحداث المهمة في المدينة المنورة، كما أنَّ فيه تحليلًا ونقدًا لها. ولعل من أهم النتائج التي توصل لها الباحث أن الظن بأن هذه القرون الأخيرة ليست إلا فترة […]

عدد ركعات صلاة التراويح (وهل صلاة التراويح إحدى عشرة ركعة بدعة وهابية؟)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مع كون الخلاف في عدَدِ ركعات صلاة التراويح قديماً لكن وقع الغلوّ في هذه المسألة من  بعض الناس بين إفراط وتفريط، والمسلم يحرص في قيام رمضان أن يقومه إيمانًا واحتسابًا، فلا ينهج في ذلك سوى المنهج اللاحب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. فـ”لا ينبغي لنا أنْ نغلوَ أو نُفَرِّطَ، […]

«حيَّرني الهمَذَاني» وفطرية الاستدلال على علوّ الله تعالى – قراءة تاريخية تحليلية للقصة والسِّجال السَّلفي الأشعري حولها-

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة: إن الفطرة المستقيمة إذا لامست شغافَ القلب الحي طاشت معها موازين الجدل والتقليد والمعارضات العقلانية؛ فإن نور الفطرة يدعم أنوار الوحي، ويمهد لقبوله في قلوب العباد على جناح التسليم والاستسلام، {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017