الأربعاء - 30 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 م

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته:

إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب.

فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يستغفر في ذلك الوقت الذي هو آخر أمره إلا لمن هو مؤمن: {رَّبِّ ٱغفِر لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيتِيَ مُؤمِنًا ‌وَلِلمُؤمِنِينَ وَٱلمُؤمِنَٰتِ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 28]، وذلك موافق لما صدر منه لقومه قبل ذلك بالسنين المتطاولة، إذ قال لهم: {يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 32]، فرتب المغفرة على تقوى الله وعبادته، وذلك هو معنى الإيمان.

وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27]، ولا معنى للإيمان بيوم الحساب إلا أنه يوم جزاء على الكفر بالنار وعلى الإيمان بالجنة.

وقد ذكر الله تعالى عن الذي آمن من قوم موسى هذا المعنى جليًّا فقال: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 38] إلى آخر الآيات، وفيها أن من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، وأنه شرط في دخول الجنة العمل الصالح ممن هو مؤمن، ثم قال: {ويَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} [غافر: 41]، ثم بين كيف دعوه إلى النار بقوله: {تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْس لِي بِهِ عِلْمٌ} [غافر: 42] إلى آخر ما حكاه الله عنه، فأخبر أن الشرك والكفر بالله مؤدٍّ إلى النار.

وكذلك قالت سحرة فرعون: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا} [طه: 73]، فرتبوا المغفرة على الإيمان. وهذا كله يدل على أن موسى عليه السلام كان يصرح بذلك عندهم، فتلقاه عنه من آمن به؛ ولذلك قالت امرأة فرعون: {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: 11]، علما منها بأن من آمن كانت الجنة ثوابه، ثم قالت: {وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 11]؛ براءةً من الكفر وهربًا من لواحقه.

وقال الله تعالى إخبارًا عن قول المسيح عليه السلام: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72]. وإذا حرم الله على المشرك الجنة وأدخله النار فهو غير مغفور له، وذلك قول عام على لسان عيسى عليه السلام.

وقد أدرك هذا المعنى المؤمنون من الجن، قال الله تعالى حكاية عنهم: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ ‌يَغفِر ‌لَكُم ‌مِّن ‌ذُنُوبِكُم وَيُجِركُم مِّن عَذَابٍ أَلِيم * وَمَن لَّا يُجِب دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيسَ بِمُعجِزٍ فِي ٱلأَرضِ وَلَيسَ لَهُ مِن دُونِهِۦٓ أَولِيَاءُ أُوْلَٰئِكَ فِي ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ} [الأحقاف: 31، 32].

والنص عندنا في كتاب الله تعالى صريح جازم في أن الله تعالى لا يغفر الإشراك به؛ إذ قال الله تعالى في موضعين من كتابه العزيز: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48]، وذلك منه سبحانه قضية عامة أخبر بها عن نفسه أنه يفعل كذلك بكل مشرك يوم القيامة، الذي هو محل الفصل بين الأنبياء -صلوات الله عليهم- وبين الأمم الذين بعثوا إليهم([1]).

وجميع ما قدمناه لا ينبغي أن يخالف فيه أحد من المسلمين.

غير أن البعضَ أشاع القول بمشروعية الترحم والاستغفار للمشرك الذي مات على شركه، ولما خوطب بأن المسألة انعقد فيها الإجماع ادَّعى أمورًا هي على التحقيق لا تقدح في ذلك الإجماع، والمقصود في هذه المقالة بيان شذوذ قوله بجواز الدعاء لمن مات على كفره بالرحمة أو المغفرة، بدفع الاعتراضات الواردة على الإجماع المنعقد فيها.

الإجماع على تحريم الصلاة على الميت الكافر والاستغفار له:

يقول عقيل بن عطية القضاعي في بيان تحريم الدعاء للكافر بالرحمة والمغفرة إذا مات على كفره: “وأما إذا مات الكافر على كفره فلا يجوز الاستغفار له، فإنه لا يُغفَر له أصلًا، لأنه قد سدَّ على نفسه بالكفر باب الرحمة الموجبة للمغفرة، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [محمد: 34]. فأخبر أن المغفرة لا تكون للكفار الذين ماتوا على كفرهم. وقال تعالى في من يُسِرُّ الكفر: {سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6]، وقال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، فعَلَّقَ المغفرة للكفَّار بالانتهاء عن الكفر، ولا يكون الانتهاءُ عن الكفر إلا بالإيمان ولا بدّ، فرجعت المغفرة إلى أصلها الذي قررناه في أهل الإيمان”([2]).

وقال النووي: “يحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ‌ونحوها ‌لمن ‌مات ‌كافرًا، قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113] وقد جاء الحديث بمعناه، والمسلمون مجمعون عليه([3]).

وقال أيضًا: “وأما الصلاة على الكافر ‌والدعاء ‌له ‌بالمغفرة فحرامٌ بنصِّ القرآن والإجماع([4]).

وقال ابن تيمية: “وأما الشفاعة والدعاء فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاها، فلا شفيع أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له كما قال تعالى عنه: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابِ} [إبراهيم: 41].

وقد كان صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداء بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه، فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبيِّ وَالَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصْحَابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113]، ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 114، 115].

وثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟! فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب، أنت وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟! فيقول الله عز وجل: إني حرَّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: انظر ما تحت رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار»([5]).

فهذا لما مات مشركا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عظم جاهه وقدره، وقد قال الله تعالى للمؤمنين: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الممتحنة: 4، 5]. فقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتأسّوا بإبراهيم ومنِ اتبعه إلا في قول إبراهيم لأبيه: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}؛ فإن الله لا يغفر أن يشرك به.

وكذلك سيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي»([6])([7]).

وقال: “فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع”([8]).

وقد بين هذه المسألة جمعٌ من شراح «الرسالة» لابن أبي زيد القيرواني عند قوله: “وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين”([9]). فقوله: “المؤمنين” احتراز من الكافرين، فلا يستغفر لهما بعد الموت([10]).

قال في تحقيق المباني: “ولا يستغفر لهما بعد الموت إجماعًا، قال التتائي: وفي استغفاره لهما حال الحياة قولان”([11]).

وقال الشيخ زروق: “وأشار بالاستغفار لأبويه المؤمنين إلى أن الكافرين لا يُستَغْفَرُ لهما لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى} الآية [التوبة: 113]”([12]).

وقال النفراوي: “ولا يستغفر لهما إذا كانا كافرين بعد الموت ‌إجماعًا، وفي استغفاره لهما في حال الحياة قولان”([13]).

بطلان دعاوى القدح في الإجماع على منع الاستغفار لمن مات على الكفر:

ثمة مسائل اختلف فيها أهل العلم اختلافًا سائغًا، ولا أثر للاختلاف فيها على الإجماع على عدم جواز الترحم على من مات على كفره، وقد تمسك بها المجوزون للترحم في معارضة الإجماع المنعقد في المسألة، فيجدر بنا عرضها والتنبيه إلى فساد اعتمادهم عليها.

وكذلك ننبه إلى أقوال لبعض أهل العلم، احتجّ بها من ادَّعى بطلان الإجماع على منع الترحُّم، وكلها مما لا يقدح في ذلك الإجماع.

أولًا: اختلف العلماء في الكفار إذا كان لهم حسنات في الدنيا من العدل والإحسان إلى الخلق، هل يُخفِّفُ الله عنهم بذلك من العذاب في النار؟

قال ابن رجب: “هذا فيه قولان للسلف وغيرهم: أحدهما: أنه يخفف عنهم بذلك، وروى ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير معنى هذا القول، واختاره ابن جرير الطبري وغيره”([14]).

وقَيَّدَ السفاريني هذا القول بتخفيف غير عذاب الكفر، قال: “أما عذاب الكفر فإن الله لا يخفف منه شيئًا، وأما عذاب فروع الدين فيجوز أن يخفف منه على من يشاء من عباده وإن كفارًا، فإن المعتمد أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام”([15]).

أما الأدلة الواردة في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر فقد أجاب عنها البيهقي بقوله: “وقد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان([16]) وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات”([17]).

فالحاصل أن هذه المسألة أدلتها محتملة، واختلاف السلف فيها محفوظ؛ لذا كان الخلاف فيها سائغًا، وليس الخلاف فيها مؤثرًا في انعقاد الإجماع على منع الترحم على الكافر.

وقد وهم البعض فظنَّ أنَّ ثُبُوت الخلاف فيها ينقضُ الإجماع الذي حكاه الإمام النووي على تحريم الترحم على الكافر، وليس الأمر كذلك؛ فإن القول بتخفيف العذاب عمن له حسنات في الدنيا من الكفار لا يلزم منه جواز أن يَسألَ اللهَ الرحمةَ لهم، والقائل بذلك يكون قد استنبط من القول بالتخفيف عن أهل النار حُكمًا مخالفًا للنصّ والإجماع، وعزاه لمن لا يقول به، بل قد يكون نصُّه على خلافه.

‏فلا يجوز لنا أن نعزُوَ لأحد ممن قال بتخفيف العذاب -كالطبري والبيهقي وهو مروي عن سعيد بن جبير كما تقدّم- أنه يجوّز الترحم على من مات على كفره ولو مُقَيّدًا؛ لأن الإجماع مُنعَقِدٌ على منع الترحم، فنبقى على الأصل، ولا ننتقل عنه إلا بتصريح مجتهد بجواز الترحم، ولم ينقل ذلك عن أحد من أهل العلم في حق الكافر الذي مات على كفره.

ثانيًا: اختلف أهل العلم في مشروعية التعزية بالكافر، فللعلماء قولان في جواز تعزية المسلم بالكافر، حيث ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة في معتمد مذهبهم إلى الجواز([18])، وللمالكية في المسألة قولان([19]).

وللعلماء أقوال أيضًا في جواز تعزية الكافر بالكافر، حيث ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى الجواز([20])، وذهب الحنابلة إلى التحريم معللين ذلك بأن فيه تعظيمًا للكافر، كبُداءته بالسلام، وعند الحنابلة رواية بالكراهة، ورواية بالجواز كالجمهور([21]).

والخلاف في المسألتين سائغ.

ومن أجاز التعزية لم ينقُضِ الإجماعَ المنعقد على منع الترحُّم والاستغفار للمشركين، ولا خالف النصّ الوارد في ذلك.

قال أبو الوليد ابن رشد المالكي: “فليس تحظيرُ الدعاء للميت الكافر والتَّرَحُّم عليه والاستغفار له -لقوله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} الآية [التوبة: 113]- بالذي يمنع من تعزية ابنه المسلم بمصابه به، إذ لا مصيبة على الرجل أعظم من أن يموت أبوه الذي كان يحن عليه وينفعه في دنياه كافرًا، فلا يجتمع به في أخراه، فيهوّن عليه مصيبته، ويسلّيه منها، ويعزيه فيها بمن مات للأنبياء الأبرار عليهم السلام من القرابة والآباء الكفار، ويحضه على الرضا بقدر الله، ويدعو له بجزيل الثواب إلى الله؛ إذ لا يمنع أن يؤجر المسلم بموت أبيه الكافر إذا شكر الله وسلم لأمره ورضي بقضائه وقدره، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المسلم يصاب في أهله وولده وحامَّته([22]) حتى يلقى الله وليست له خطيئة»([23])، ولم يفرق بين مسلم وكافر، وهل يشك أحد في أن النبي صلى الله عليه وسلم أجر بموت عمه أبي طالب لما وجد عليه من الحزن والإشفاق؟!”([24]).

ومن أجاز من العلماء التعزية اختار لذلك ألفاظًا لا تتضمّن ترحمًا على الميت أو استغفارًا له، حتى لا يخالف النص والإجماع في المسألة.

قال الحسن: “إذا عزَّيتَ الذمي فقل: لا يصيبك إلا خيرٌ”([25]).

وعن إبراهيم النخعي قال: “إذا أردتَ أن تُعزِّي رجلًا من أهل الكتاب فقل: أكثر الله مالَك وولدَك وأطال حياتك أو عمرك”([26]).

وعزَّى الأجلح -من أتباع التابعين- نصرانيًّا، فقال: “عليك بتقوى الله والصبر”([27]).

وقال حربٌ: قلت لإسحاق: كيف يعزى المشرك؟ قال: “يقول: أكثر الله مالك وولدك”([28]).

وسُئِلَ مالكٌ عن تعزية الكافر يكُون جارًا للمسلم يموتُ أبوه وله منه ذِمَام الجوار، فقال: “لا أرى بأسًا عليك في تعزيته إذا مَرَّ بك ولا أرى أن تمرَّ أنت إليه؛ لأن ذلك من تعظيم شركه، وكأنك أعنته على ذلك من كفره، ولكني أرى أن ترقبه فإذا مر بك دعوته إلى نفسك وقلت له: أي فلان، بلغني مصابُك بأبيك، ألحَقَهُ الله بأشراف أهل دينه، وخِيَارِ ذوِي مِلَّتِه”. قال مالك: “وتدري ما ذلك؟ ذلك -والله- نزوله الحطمة”([29]).

وقال ابن قدامة: “فعلى هذا نعزيهم فنقول في تعزيتهم بمسلم: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك. وعن كافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك. ويقصد زيادة عددهم لتكثر جزيتهم. وقال أبو عبد الله ابن بطة: يقول: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدًا من أهل دينك”([30]).

وقال النووي: “وأما لفظ التعزية فلا حجرَ فيه، فبأيّ لفظ عزَّاه حصلت. واستحبَّ أصحابُنا أن يقول في تعزية المسلم بالمسلم: أعْظَمَ اللَّهُ أجْرَكَ، وأحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لمَيِّتِكَ. وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرَك، وأحسن عزاءَك. وفي الكافر بالمسلم: أَحسن الله عزاءك، وغفر لميّتك. وفي الكافر بالكافر: أخلف الله عليك»([31]).

وقال المرداوي: “فيدعو لأهل الذمة بما يرجع إلى طول العمر وكثرة المال والولد، ولا يدعو لكافر حي بالأجر، ولا لكافر ميت بالمغفرة»([32]).

وفي «الإقناع» للحجاوي ممزوجًا بشرحه «كشاف القناع» للشيخ منصور البهوتي: “(ويختلف) ما يقوله المعزي (باختلاف المعزين، فإن شاء) المعزِّي (قال في تعزية المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك) أي: رزقك الصبر الحسن (وغفر لميتك، وفي تعزيته) أي: المسلم (بكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك)، ويمسك عن الدعاء للميت؛ لأن الدعاء والاستغفار له منهيٌّ عنه([33]).

فجميع ما تقدم يدل على أن أهل العلم المجيزين لتعزية الكافر نصُّوا على اجتناب ما فيه الدعاء للميت بالرحمة والمغفرة، وذكروا صيغًا للتعزية لا تشتمل على شيء من ذلك.

ثالثًا: اختلف العلماء في مشروعية الاستغفار للمشرك في حياته، فلهم في المسألة قولان.

وقد جاء القول بمشروعية الاستغفار للمشرك في حياته عن ابن عباس رضي الله عنهما، فعن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} الآية [التوبة: 113]: “فكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت أمسكوا عن ‌الاستغفار ‌لأمواتهم، ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا. ثم أنزل الله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} الآية [التوبة: 114]”([34]).

وقال أبو محمد ابن عطية: “والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ ‌يرجى ‌إسلامه”([35]).

 وقال عقيل بن عطية القضاعي: “فإن الدعاء للكافر وهو في قيد الحياة بالتوفيق والخير والمغفرة جائز؛ لأن الله تعالى إذا قبل ذلك الدعاء فيه هداه إلى الإيمان، فقد قال الطفيل بن عمرو للنبي صلى الله عليه وسلم: إن دوسًا استعصت عليّ فادع الله عليهم، وكان قد أسلم على يديه بعضهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهد دوسا وائت بهم»([36])، فدخلوا حينئذ في الإسلام بجملتهم.

وهكذا دعا صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام لعمر أو أبي جهل بن هشام: «اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو عمر بن الخطاب»([37])، فأجاب الله دعاءه في أحبهما إليه، حتى قال ابن مـسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر([38]).

وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نبيا من الأنبياء أدمى قومه وجهه وهو يمسح الدم عنه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»([39])([40]).

قال ابن الملقن في شرح هذا الحديث: “استغفاره لقومه مشروط بتوبتهم من الشرك، كأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة، وقد جاء في رواية: اللهمَّ اهدِ قومي”([41]).

وقال ابن علان في قوله تعالى: {مَا كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم أصْحابُ الجَحِيمِ} [التوبة: 113]: “فيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم؛ فإنه طلب توفيقهم إلى الإيمان، وبه دُفِعَ النقضُ بإبراهيم”([42]). أي: نقض تحريم الاستغفار للمشركين.

فجميع ما تقدّم يدلّ على أن المعنى الذي من أجله أجاز من أجاز الدعاء للكافر في حياته بالمغفرة هو احتمال إسلامه، وهذا المعنى يزول بموته، فلا حُجَّةَ في هذا الخلاف على جواز الدعاء للكافر بالرحمة أو المغفرة بعد وفاته.

قال العدوي بعد أن ذكر القولين في حكم الاستغفار للمشرك في حياته: “أما القول بعدم الاستغفار فوجهه ظاهر، وأما القول بالاستغفار فيُعلَّلُ باحتمال الإسلام”([43]).

أما استدعاء بحث الشيخ القليوبي (ت: 1069هـ)([44]) -الذي تابعه عليه جمع من أصحاب الحواشي من الشافعية كالشبراملسي (ت: 1087هـ) والبرماوي (ت: 1106هـ) والبجيرمي (ت: 1221هـ)([45])– في التفريق بين الدعاء للكافر بعد موته بمغفرة الشرك والدعاء له بمغفرة الذنوب ما عدا الشرك، فيجوز الثاني دون الأول، فهذا البحث أجنبي عن الواقع؛ لأن هذا التفريق لم يخطر ببال أحد من المترحمين على الكفار، فما وجدنا أحدًا منهم يقول: إنه يقصد بالدعاء بالترحم مغفرةَ ما دون الشرك من الذنوب، بل كثير منهم يصرح بسؤال الله الجنة لبعض من مات على كفره! وإنما هو شيء وجدوه وظنوا أنه يُسعِفُهم في إيجاد مخرج من التراث لما ذهبوا إليه، والواقع أنه لم يُعرَفْ قائلٌ بهذا التفريق من الشافعيَّةِ قبل القليوبي.

رابعًا: قول الغزالي بشمول الرحمة لأكثر نصارى الروم والترك في زمانه مبناه على كونهم لم تبلغهم الدعوة، وهذا نصه: “بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملُهم الرحمة -إن شاء الله تعال-ى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلًا، فهم معذورون.

الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار المُخلَّدُون.

وصِنْفٌ ثالث بين الدرجتين: بلغهم اسم مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ولم يبلُغهُم مبعثُه، ولا صفته، بل سَمِعوا منذ الصبا أن كذابًا ملبِّسًا اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذابًا يقال له: المقنع تحدى بالنبوة كاذبًا؛ فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول([46])، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا صفته سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر والطلب»([47]).

قال ابن حجر الهيتمي: “فانظر كلامَهُ تجده إنما عَذَرَهم لعدم بلوغ دعوته صلى الله عليه وسلم لهم”([48]).

وقد نص الغزالي في «الاقتصاد» في (الباب الرابع: في بيان من يجب تكفيره من الفرق) على تكفير اليهود والنصارى وأنهم مخلَّدون في النار، قال: “والأصل المقطوع به أن كل من كذب محمدًا صلى الله عليه وسلم فهو كافر، أي: مُخلَّدٌ في النار بعد الموت، ومستباحُ الدم والمال في الحياة، إلى جملة الأحكام، إلا أن التكذيب على مراتب: الرتبة الأولى: تكذيب اليهود والنصارى وأهل الملل كلهم من المجوس وعبدة الأوثان وغيرهم، فتكفيرهم منصوص عليه في الكتاب ومجمع عليه بين الأمة، وهو الأصل وما عداه كالملحق به”([49]).

فقوله: “إلى جملة الأحكام” يبين أنهم مشمولون بالأحكام التي يأخذها الكفار، ومن ذلك: عدم جواز الترحم عليهم بعد موتهم، وهذا ما نصّ عليه في كتبه الفقهية، حيث قال: “ويعزَّى المُسلِم بقريبه الكَافِر وَيكون الدُّعَاء للحي، فَيَقُول: جبر الله مصيبتك وألهمك الصَّبْر”([50]) فأجاز الدعاء للقريب الحي، دون الدعاء للميت الكافر بالرحمة أو المغفرة، وهذا نصّ في محل النزاع، فلا يجوز أن يُنسَب للغزالي أنه يجيز الترحم على أحد من الكفار.

ولو فُرِضت مخالفة الغزالي في هذه المسألة، فإن الغزالي وشيخَه إمامَ الحرمين اختلف الشافعية في عدِّهم من أصحاب الوجوه في المذهب الذين يجوز تقليدهم والإفتاء بقولهم، لا سيما في مثل هذه المسألة المهمة([51])، فكيف وادعاء مخالفة الغزالي للإجماع محض وَهْمٍ مخالف لنصّه؟!

خامسًا: استدل البعض بكلام الشيخ الألباني في من بلغته الدعوة مشوِّهة على جواز الترحم على الكفار، وكلام الشيخ في ذلك كثير ومعروف عنه، ذكره في مواطن كثيرة.

والجواب عن ذلك: أنَّ رأيَ الشيخ في مسألة الترحم يؤخذ من موضعه، ولا يستنبط استنباطًا ويخرَّج تخريجًا من مسألة أخرى ما دام نصُّه في المسألة موجودًا، وقد نص الشيخ في كتابه الشهير في أحكام الجنائز على منع الترحم على كفار اليوم، حيث يقول بعد أن نقل إجماع النووي في المسألة: “ومن ذلك تعلم خطأ بعض المسلمين اليوم من ‌الترحم والترضي على بعض الكفار، ويكثر ذلك من بعض أصحاب الجرائد والمجلات، ولقد سمعت أحد رؤساء العرب المعروفين بالتديّن يترحم على (ستالين) الشيوعي الذي هو ومذهبه من أشد وألدِّ الأعداء على الدين! وذك في كلمة ألقاها الرئيس المشار إليه بمناسبة وفاة المذكور، أذيعت بالراديو. ولا عجب من هذا، فقد يخفى على مثل هذا الحكمُ، ولكن العجب من بعض الدعاة الإسلاميين أن يقع في مثل ذلك حيث قال في رسالة له: (رحم الله برناردشو…). وأخبرني بعض الثقات عن أحد المشايخ أنه كان يصلي على من مات من الإسماعيلية مع اعتقاده أنهم غير مسلمين لأنهم لا يرون الصلاة ولا الحج ويعبدون البشر! ومع ذلك يصلي عليهم نفاقا ومداهنة لهم. فإلى الله المشتكى وهو المستعان”([52]).

والمهم هنا أن ننبه إلى أن قضية عذر بعض الكفار كمن لم تبلغه الدعوة وأطفال الكفار ومجانينهم مسألة منفكَّة عن مسألة تكفيرهم وإعطائهم أحكام الكفار في الدنيا، وفي ذلك يقول الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله: “وأما القول بعذر بعضهم فهو في الجملة حقّ، والعذر لا يستلزم عدم الكفر، كما أن الكفر لا يستلزم عدم العذر، ألا ترانا نقول بعذر صبيان الكفار ومجانينهم مع قولنا بكفرهم، وحَكمنا عليهم حُكمَ الكفار في المناكحة والتوريث والدية والكفارة وما يصنع بالميت([53]) وغير ذلك؟!»([54]).

فليس في كلام الألباني رحمه الله ما يعارض الإجماع، ولو خالف الإجماع لرُدَّ قولُه بذلك، ولم تَجُز متابعته.

سادسًا: ونحو ما فعلوه مع كلام الألباني إذ تركوا صريحَ كلامِهِ في تحريم الترحم، وخَرَّجُوا له قولًا على مسألة أخرى لينقضوا الإجماع؛ فعلوه مع الشيخ محمد رشيد رضا، حيث زعموا أن كلامه في أول «مجلة المنار» في عدم جواز وصف الذمي بالكافر لئلا يتأذى بذلك ولو في غيبته يدل على أسبقيته في تجويز الترحم، وتركوا نصه الصريح في «تفسير المنار» في منع الترحم.

قال الشيخ في تفسير آية سورة التوبة بعد بحثٍ في المسألة: “والآية نص في تحريم الدعاء لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، وكذا وصفه بذلك كقولهم: المغفور له، المرحوم فلان، كما يفعله بعض المسلمين الجغرافيين الآن؛ لعدم تَحَقُّقِهم بمقتضى الإيمان، وتقيدهم بأحكام الإسلام، ومنهم بعض المعممين والحاملين لدرجة العالمية من الأزهر”([55]).

فهو نص في محل النزاع، يبطل ما راموه من نقض الإجماع، ولو فرضت مخالفة الشيخ رشيد رضا، فالإجماع منعقد قبله، ولا ينقض بمخالفته.

وقد كان يكفي من ادعى نقض الإجماع أن يأتينا بقول مجتهد واحدٍ يقول بجواز الترحم، بنقل صحيح عنه، فيقول: قال ابن عباس، أو ابن عمر، أو سعيد بن المسيب، أو الزهري، أو ابن أبي ذئب، أو مالك، أو عطاء، أو ابن عيينة، أو الحسن، أو قتادة، أو النخعي، أو الثوري، أو أبو حنيفة، أو الشافعي، أو أحمد، أو إسحاق، إلى من بعدهم من العلماء عبر القرون، لكنهم لما عجزوا عن الإتيان بنص صريح يعارض الإجماع صاروا يخلطون مسألة بمسألة، أو يُخرِّجُون على مسائل أخرى ويتركون نص العالم في المسألة نفسها، كما مرّ بك، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) من كلام أبي طالب عقيل بن عطية القضاعي في «تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل» (2/ 560-562) بتصرُّف.

([2]) «تحرير المقال في موازنة الأعمال» (2/ 554).

([3]) «الأذكار» (ص: 586).

([4]) «المجموع شرح المهذب» (5/ 144).

([5]) «صحيح البخاري» (3350).

([6]) «صحيح مسلم» (976).

([7]) «مجموع الفتاوى» (1/ 145-147).

([8]) «مجموع الفتاوى» (12/ 489).

([9]) «مجموع الفتاوى» (12/ 489).

([10]) «حاشية الحطاب على الرسالة» (ص: 242).

([11]) ينظر: «عمدة البيان» (ص: 262).

([12]) «شرح زروق على الرسالة» (2/ 1023).

([13]) «كفاية الطالب الرباني» (2/ 425). وحكاية الإجماع في المسألة الأولى في «الثمر الداني» لصالح الأزهري (ص: 671).

([14]) «البعث والنشور» (ص: 62).

([15]) «البحور الزاخرة في علوم الآخرة» (3/ 1424).

([16]) وهو ما روته عَائِشَة قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ «لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي ‌خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» أخرجه مسلم (241).

([17]) «البعث والنشور» (ص: 62)، ونقله النووي في «شرح صحيح مسلم» (3/ 87).

([18]) انظر: «حاشية ابن عابدين» (2/ 242)، «تحفة المحتاج» (3/ 178) «كشاف القناع» (4/ 284).

([19]) «مواهب الجليل» (2/ 232).

([20]) انظر: «حاشية ابن عابدين» (6/ 388)، «مواهب الجليل» (2/ 232)، «تحفة المحتاج» (3/ 178)، وسيأتي كلامهم أيضًا.

([21]) انظر: «الإنصاف» (2/ 566)، «كشاف القناع» (4/ 284).

([22]) حامَّتُه: ابنُ عمِّه، وصاحبُه من جُلَسائِه. وقيل: قرابتُه ومَن يُحزِنُه موتُه وذَهابُه. ينظر: «التمهيد» (16/ 76-77).

([23]) رواه مالك بلاغًا (40)، ووصله أبو نعيم في «الحلية» (3/ 265)، وابن عبد البر في «التمهيد» (16/ 76)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (9836)، وله شواهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([24]) «البيان والتحصيل» (2/ 211-212).

([25]) ينظر: «أهل الملل والردة والزنادقة من كتاب الجامع» لأبي بكر الخلال (1/ 304-305).

([26]) ينظر: «أهل الملل والردة والزنادقة من كتاب الجامع» لأبي بكر الخلال (1/ 305).

([27]) ينظر: «أهل الملل والردة والزنادقة من كتاب الجامع» لأبي بكر الخلال (1/ 304).

([28]) ينظر: «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (1/ 292).

([29]) «اختصار المدونة» (ص: 198-199)، وقال أبو المصعب: “سألت مالك بن أنس عن هذه المسألة فقال فيها هكذا، وكتبها الناس عنه”. وقال ابن عرفة في «مختصره الفقهي» (1/ 467): “فيه إيهام كون ‌أهل ‌ملته بعد هذه الملة في سعادة، وإلا كان دعاء عليه”، وكونه دعاء عليه قد يدل عليه قول مالك: “ذلك -والله- نزوله الحطمة”.

([30]) «المغني» (3/ 486-487).

([31]) «الأذكار» (ص: 260).

([32]) «الإنصاف» (6/ 275).

([33]) «كشاف القناع» (4/ 284).

([34]) أخرجه الطبري (11/ 42) برقم (17332)، وزاد السيوطي عزوه في «الدر» (3/ 283) لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

([35]) «المحرر الوجيز» (3/ 90)، ونقله الحَطَّاب في شرحه على «الرسالة» (ص: 242).

([36]) أخرجه البخاري (2937)، ومسلم (2524).

([37]) أخرجه أحمد (5686)، والترمذي (3681)، وصححه ابن حبان (6881).

([38]) أخرجه البخاري (3481، 3650).

([39]) أخرجه البخاري (3290، 6530)، ومسلم (1792).

([40]) «تحرير المقال في موازنة الأعمال» (2/ 553).

([41]) «التوضيح للجامع الصحيح» (10/ 114).

([42]) «الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية» (7/ 102).

([43]) «حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني» (2/ 425).

([44]) «حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح المحلى على المنهاج» (1/ 7).

([45]) «حاشية الشبراملسي نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج» (2/ 493)، «حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب» (1/ 440).

([46]) هذا المبحث هو مبحث صفة بلوغ الدعوة، وليس هذا مقام التفصيل فيه، غير أننا نشير إلى أن بعض العلماء ردّ قول الغزالي في هذا، مثل الشيخ صالح المقبلي في «العلم الشامخ» (ص: 405-406) مستدلا بحديث: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلا كان من أصحاب النار» أخرجه مسلم (153). وانظر في الجواب عن الاستدلال بهذا الحديث «سلسلة الأحاديث الصحيحة» للألباني (9/ 21).

([47]) «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» (ص: 103).

([48]) «الإعلام بقواطع الإسلام» (ص: 243). ونقله الخفاجي في «نسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض» (4/ 494-495).

([49]) «الاقتصاد في الاعتقاد» (ص: 303-304).

([50]) «الوسيط في المذهب» (2/ 392).

([51]) انظر: «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي (10/ 109). وتحدث ابن تيمية عن عدم عد الجويني من أصحاب الوجوه في مذهب الشافعي في «التسعينية» (1/ 198): “وأبو المعالي ليس له وجه في المذهب، ولا يجوز تقليده في شيء من فروع الدين عند أصحاب الشافعي”. وانظر «الاستغاثة في الرد على البكري» (ص: 373).

([52]) «أحكام الجنائز» (ص: 124).

([53]) في «فتح المعين» للميليباري (ص: 225) -وأصله في «التحفة» (3/ 159) لابن حجر-: “وتحرم صلاة على كافر لحرمة الدعاء له بالمغفرة، قال تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84]، ومنهم أطفال الكفار، سواء ‌أنطقوا بالشهادتين أم لا، فتحرم الصلاة عليهم”. وقال ابن حجر الهيتمي في «التحفة» (3/ 159): “ويظهر حل الدعاء لهم (يعني أطفال المشركين) بالمغفرة لأنه من أحكام الآخرة بخلاف صورة ‌الصلاة”. وقد وهم من ظن أن كلام الهيتمي هنا في غير الأطفال، وترك صريح كلامه تحريم الدعاء بالمغفرة للكفار الذي علل به عدم جواز الصلاة عليهم.

([54]) «رفع الاشتباه» ضمن «آثار المعلمي» (2/ 172-173).

([55]) «تفسير المنار» (11/ 46-47).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017