الأربعاء - 30 ذو القعدة 1443 هـ - 29 يونيو 2022 م

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال.

أمَّا مذهب أهل السنَّة والجماعة فهو: القول بأنَّ معرفة الله ضروريَّة، مفطورٌ عليها الإنسان، وقد توارد على تقرير ذلك علماء أهل السنَّة والجماعة، وبناءً عليه فلا مسوِّغ للقول بوجوب النَّظر كما يقول به معظمُ المتكلمين، فالأمور المفطورة يستوي في العلم بها العالمُ والجاهل، والصَّغير والكبير، إذ لا يتعلَّق بأمرٍ خارجيٍّ يحصِّله البعض دون الآخر، ولا يحتاج الإنسان في إدراكها إلى مراتب معرفيَّة عالية، بل ولا متدنِّية، كما أنَّها لا تخامرها العادات والمذاهب والأفكار البشريَّة الطَّارئة، لذا نجد أنَّها موجودة في كلِّ البلدان والبيئات وعند كل الناس، كما أنَّها لا تتأثَّر باختلاف أفهام الناس وتفاوت إدراكاتهم، ولذا حين يتحدَّث الله عن الفطرة لا يخصّها بالمسلمين أو بفئة معينة، وإنما قال: {فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30].

وهذه الخصائص تجعل الفطرة هي الحجَّة الأشمل والأقرب إلى أيِّ مخلوق؛ لقربها، وشمولها، ويسرها، وضرورتها في النُّفوس، وهذه تعطيها الصَّدارة على جميع الطُّرق المعرفية الأخرى، ومعنى ذلك في قضية معرفة الله: أنَّ الإنسان لو خُلِّي بعيدًا عن أيِّ معطى معرفي، فإنَّ فطرته تقتضي حصوله على المعارف الإلهيَّة الرئيسية كوجود الله وكماله، فالهداية التي جبل عليها الإنسان كفيلة بتحريك الإنسان نحو الله سبحانه وتعالى.

وبناءً على فطريَّة المعرفة عند أهل السنة والجماعة فإنَّهم يقولون: كلُّ النَّاس لديهم اعترافٌ بوجود الله، وملازمة التَّدين لتاريخ البشريَّة أكبر دليلٍ على فطريَّة معرفة الله سبحانه وتعالى، ومن لاحظ وتتبَّع الأمم والشُّعوب والحضارات وجد أنَّها لا تخلو من الاعتراف بمعبود، يقول جستون باريت: “إنَّ الأغلبيَّة السَّاحقة من الثقافات وكذلك الأغلبية الساحقة من الشعوب تؤمن بنوعٍ من الإله أو الآلهة… الإيمان بالآلهة قد حدث في كل عصر وفي كل حضارة”([1])، ويقول ابن تيمية رحمه الله: “أصل المعرفة والإقرار بالصَّانع لا يقف على النَّظر والاستدلال؛ بل يحصل بديهةً وضرورةً ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم وكفرهم”([2]).

أمَّا معظم المتكلمين فقد قالوا: إنَّ معرفة الله نظريَّة، وبناءً عليه أوجبوا النَّظر أو الشَّك أو القصد إلى النَّظر إلى غير ذلك من الأقوال، واعترضوا على تقرير أهل السنة والجماعة للفطرة بجملةٍ من الاعتراضات، وأخذ بعضها الملاحدةُ الذين ينكرون فطرية معرفة الله سبحانه وتعالى، أو ينكرون فطرية المبادئ الضرورية، وليس غرضنا من هذه الورقة هو التَّأصيل للفطرة([3])، وإنما بيان اعتراضات المتكلمين على تقرير أهل السنة والجماعة للفطرة، ومناقشتها مناقشة علمية، وهي على النحو الآتي:

الاعتراض الأول: إذا كانت معرفة الله فطرية فلِمَ يختلف فيها الناس؟

فالفطرة واحدة عند الجميع، وبناء عليه كان من المفترض أن لا يقع خلافٌ أصلا في فطرية المعرفة.

يقول القاضي عبد الجبار: “وقد استدل على أنَّه تعالى لا يُعرف ضرورة بوجوه منها: أنه تعالى لو كان العلم به ضروريًّا لوجب أن لا يختلف العقلاء فيه كما في سائر الضروريات من سواد الليل وبياض النهار، ومعلوم أنهم مختلفون فيه، فمنهم من أثبته ومنهم من نفاه”([4]).

وهذه الحجة مبنية إذن على مقدمتين، وهما أن كل مفطور لا يختلف فيه الناس، ومعرفة الله مختلف فيها، فهي إذن ليست فطرية، وهذا غير صحيح، ويمكن بيان ذلك بالأوجه الآتية:

الوجه الأول: بطلان المقدمة الأولى، وهي أن كل ما كان من الفطرة أو ضروريًّا وبدهيًّا فلا يختلف فيه، ذلك أن هذا الوصف يرجع إلى ذات الشيء، لكن قد تكون هناك مؤثرات خارجية تؤثر في وضوحه لكل الناس، فإذا ما بين له وذُكِّر تذكر، وفي بيان هذا يقول ابن تيمية: “البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به، والمتصوران قد يكونان خفيين، فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت الأذهان، وذلك لا يقدح في كونها ضرورية”([5]).

وقد اعترف بعضهم بذلك وإن كان في غير قضية معرفة الله، يقول إبراهيم اللقاني: “ولا نسلّم امتناع الاختلاف والتفاوت في الضروريات مطلقًا، بل ذاك في الضروريات التي لا سبب لها، ككون الكلّ أعظم من الجزء، أمَّا ما لها سبب كهذا فقد يختلف فيها جمع من العقلاء؛ لخفاء في تصوّرات الأطراف، وعسر في تجريدها عن اللواحق المانعة عن ظهور الحكم، وقد يقع فيها التفاوت لتفاوتها في ذلك، وفي كثرة التفاتِ النّفس إليها”([6]).

فخفاء الشيء على بعض الناس لبعض المؤثرات لا يعني أن الشيء في نفسه ليس ضروريا وبدهيا، وبناء عليه فإن قضية معرفة الله نقول: إنها مفطور عليها الإنسان، إلا أن هناك من تفسد فطرته لأي سبب من الأسباب، فتخفى القضية عنده، فيحتاج إلى نظر واستدلال.

الوجه الثاني: أننا إذا جعلنا المعيار الوحيد لكون الشيء ضروريا بدهيًّا هو أن لا يختلف فيه لم تسلم لنا قضية واحدة، فهناك من المسفسطين ممن أنكر المحسوسات، وهناك من أنكر المبادئ الأولية العقلية، بل هناك من ينكر مبدأ التناقض، وغير ذلك، فمجرد وجود خلاف في هذه الأمور لا يعني أنها في نفسها ليس ضرورية، وفي هذا يقول ابن تيمية: “ثم تلك العلوم الضرورية قد يعرض فيها شبهات ووساوس كالشبهات السوفسطائية، مثل الشبهات التي يوردونها على العلوم الحسية والبديهية كالشبهات التي أوردها الرازي في أول محصلة، وقد تكلمنا في غير هذا الموضع. والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان؛ لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها، فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث”([7]).

الوجه الثالث: أنَّ المنكرين لا زالوا بحاجة إلى الإجابة عن الفطرة الموجودة عند معظم الناس، وبحاجة إلى الإجابة عن الاتجاه الطبيعي للشعوب نحو التدين، فوجود خلل ما في قضية معينة لا يعني إبطال القضية من أساسها، وذلك مثل من يعترض على دليل الإتقان على وجود الله بحجة وجود زلازل وبراكين وأعاصير تدمر الكون والإنسان -على القول بأنها من مظاهر الفوضى والعبثية-، فيقال له: وجود هذه المظاهر لا يكفي في نفي وجود الله؛ لأنك لا زلت بحاجة إلى الإجابة عن النصف الآخر الثابت على إتقانه، وهكذا الحال في الفطرة.

الوجه الرابع: أنَّ معرفة الله قد تكون حاصلة بالفعل عند الإنسان، لكن لا يحسن التعبير عنها، أو لا يعرف ماهيتها بالضبط، أو يشك في وجودها، لذا فإنه يرجع إلى فطرته عند أدنى تذكر، ويظهر ذلك جليًّا عند وقوع الشدائد إذ إنها تذكره بفطرته، وفي هذا يقول ابن تيمية: “حصول العلم في النفس قد يحصل لكثير من الناس حصولًا ضروريًّا، مع توهمه أنه لم يحصل له”([8])، ثم يقول بعد ذلك: “فكما أن الإرادة تكون موجودة في نفس الإنسان، وقد يشك في وجودها، أو لا يحسن أن يعبر عن وجودها، أو يطلب وجودها، فهكذا العلم الضروري وغيره، قد يكون حاصلًا في نفس الإنسان، وهو يشك في وجوده، أو يطلب وجوده، أو لا يحسن أن يعبر عنه؛ لأن وجود الشيء في النفس شيء، والعلم بوجوده في النفس شيء آخر، فالتمييز بينه وبين غيره والتعبير عن ذلك شيء آخر”([9]).

فالمتكلمون حين بنوا وجوب النظر على أن معرفة الله ليست فطرية كان ذلك خطأ في تصور المعرفة وكيفية حصولها ووجودها، فإنهم قد يتوهمون عدم وجودها وهي موجودة، يقول ابن تيمية: “ومن عرف حقيقة الأمر تبين له أن النفوس فيها إرادات فطرية وعلوم فطرية، وأن كثيرًا من أهل الكلام في العلم قد يظنون عدم حصولها فيسعون في حصولها، وتحصيل الحاصل ممتنع، فيحتاجون أن يقدِّروا عدم الموجود، ثم يسعون في وجوده، ومن هنا يغلط كثير من الخائضين في الكلام والفقه. وقد يكون العلم والإرادة حاصلين بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل مع نوع من الذهول والغفلة، فإذا حصل أدنى تذكّر رجعت النفس إلى ما فيها من العلم والإرادة، أو توجهت نحو المطلوب، فيحصل لها معرفته ومحبته”([10]).

وينبني على هذا اعتراض آخر، وهو:

الاعتراض الثاني: إذا كانت معرفة الله فطرية فلِمَ نرى من ينكر وجود الله؟

وفي هذا يقول القاضي عبد الجبار: “لو كان كذلك [يعني لو كانت المعرفة فطرية] لوجب أن لا يمكن نفيه عن النفس بشك أو شبهة، والمعلوم خلافه، ولهذا تجد كثيرًا ممن برز في الإسلام واشتهر به قد ارتد وكفر ونفى عن نفسه العلم بالله كابن الراوندي وأبي عيسى الوراق”([11])، ويقول: “لو كان العلم بالله تعالى ضروريا لوجب أن يشترك العقلاء فيه، ومعلوم خلافه”([12]).

لكن الاعتماد على هذا لإنكار فطرية معرفة الله غير صحيح، وذلك للأوجه الآتية:

الوجه الأول: أنَّ الاعتراض قائم على أن الضروريات لا يمكن جحدها وإنكارها وإخفاؤها، وقد سبق الحديث عن خطأ هذا التصور، وأن الضروريات قد تخفى وتغيب عن بعض الناس للمؤثرات الخارجية، فقبول بعض الناس للإلحاد بعد الاعتراف بوجود الله لا يعني إنكار فطرية المعرفة، وإنما يعني أن هناك مؤثرات أخرى طغت على فطرته، فقبل نتيجة مغايرة لفطرته التي كان يقول بها من قبل، وفي هذا يقول ابن تيمية: “وهكذا المعرفة موجودة في قلوب هؤلاء؛ فإن هؤلاء الذين أنكروا محبته هم الذين قالوا: معرفته لا تحصل إلا بالنظر، فأنكروا ما في فطرهم وقلوبهم من معرفته ومحبته. ثم قد يكون ذلك الإنكار سببًا إلى امتناع معرفة ذلك في نفوسهم، وقد يزول عن قلب أحدهم ما كان فيه من المعرفة والمحبة، فإن الفطرة قد تفسد، فقد تزول، وقد تكون موجودة ولا ترى”([13]).

الوجه الثاني: أنَّ الإلحاد لا زال يمثّل قلة أمام الاعتراف بوجود إله، نعم؛ الملاحدة كثيرون لكن ليسوا بأكثرية، ولم يثبت أن هناك شعوبًا ظلت على فطرتها دون مؤثرات خارجية، ثم بحثنا عن عقيدتها فوجدناها التنكر للإله، وإنما الثابت أن معظم الشعوب تعترف بوجود إله، أيا كان هذا الإله، وقد سبق تقرير ذلك، وهو أمر يتّفق عليه المتكلمون، يقول الرازي بعد أن عدد الناس وصنّفهم حسب أدلتهم على معرفة الله وجعلهم سبعة أصناف: “فهذا هو ضبط أصناف أهل الدنيا، وكلهم مطبقون على وجود الإله. وإذا ثبت هذا فنقول: إن من المعلوم بالضرورة أن عقل جميع أهل المشرق والمغرب في مدة سبعة آلاف سنة أو أقل أو أكثر أزيد من عقل واحد مغمور بين الخلق. فعلى هذا لو اتفق لإنسان واحد شبهة أو شك في وجود الإله تعالى فيجب أن يقطع بأن ذلك الشك أو الشبهة لقصور عقله وقلة فهمه، لا لعدم المطلوب، فإن صريح العقل شاهد بأن عقول جملة الخلق في هذه الدهور المتطاولة كانت أكمل من عقل هذا الواحد. فهذا طريق قوي جلي في إثبات العلم بوجود الإله الحكيم؛ بشرط أن يعترف الإنسان بأن عقله أقل من عقل الكل، ونسأل الله الرحمة”([14]).

فإن قيل: نعم هناك شعوب كثيرة اعترفت بوجود إله، والتجأت إليه؛ لكن في نفس الأمر لم يكن توجهها إلى الإله الصحيح، بل كانت آلهة باطلة.

يقال: هذا الاعتراض لا يبطل دليل الفطرة، فكما أن الفطرة نفسها قد تتعرض لإخفاء بفعل المؤثرات الخارجية، فكذلك توجيه تلك الفطرة تتغير وتتبدل بمؤثرات خارجية، فتبقى الفطرة من جهة حاجتهم إلى التدين، وشعورهم بضرورة التوجه إلى إله، لكن تفسد الفطرة من جهة توجههم إلى إله باطل غير صحيح.

الوجه الثالث: أنَّ القرآن قد دل على أن إنكار وجود الله إنما هو إنكار ظاهر، مع الاعتراف بالباطن على وجود الله، وفي ذلك يقول الله: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14]، وقال الله على لسان موسى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102]، وهذا شاهد على أن كثيرا ممن يتزعّم الإلحاد أو يزعمه أن إنكاره ظاهري مع علمه في قرارة نفسه ببطلانه، وإنما اختاروا الإلحاد ظاهرا لرئاسة أو شهوة نفسية كالشهرة أو الجاه أو نحو ذلك، وقد يكون الإنكار حقيقيّا ظاهرًا وباطنا، ويكون وهمًا من أوهام النفس غطّى على أصل فطرته، فاختار الإنكار، وليس هو الأصل، وإنكار أعيان لقضية بدهية لا يعني بطلانها في نفسها.

الوجه الرابع: ما بينته سابقًا من أن وجود الاختلاف في أي قضية لا يعني إنكارها، وقد تنبه لهذا القاضي عبد الجبار، فإنَّه بعد أن أورد هذا الاعتراض قال: “إلا أن لقائل أن يقول: لا تجب هذه القضية في سائر الضروريات، وإنما تجب في بدائه العقول، ولهذا فإن العلم بالصنائع والحرف ضروري ثم لم يشترك العقلاء فيه”([15]).

فمجرد وجود من ينكر وجود الله لا يحوّل المسألة من كونها ضرورية فطرية إلى نظرية، وقد فصّل في هذا ابن تيمية فقال: “فإن قيل: إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتًا في كل فطرة فكيف ينكر ذلك كثير من النظار نظار المسلمين وغيرهم وهم يدّعون أنهم الذين يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الإلهية؟

فيقال أولًا: أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلام الذي اتفق السلف على ذمه من الجهمية والقدرية، وهم عند سلف الأمة من أضلّ الطوائف وأجهلهم. ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية، فصار بعض الناس يظن أن هذا قولٌ صدر في الأصل عن علماء المسلمين، وليس كذلك، إنما صدر أولا عمن ذمه أئمة الدين وعلماء المسلمين.

الثاني: أنَّ الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه، فإن قيام الصفة بالنفس غير شعور صاحبها بأنها قامت به، فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير علم الإنسان به، وهذا كصفات بدنه، فإن منها ما لا يراه كوجهه وقفاه، ومنها ما يراه إذا تعمّد النظر إليه كبطنه وفخذه وعضديه، وقد يكون بهما آثار من خيلان وغير خيلان وغير ذلك من الأحوال وهو لم يره ولم يعرفه لكن لو تعمد رؤيته لرآه، ومن الناس من لا يستطيع رؤية ذلك لعارض عرض لبصره من العشى أو العمى أو غير ذلك، كذلك صفات نفسه قد يعرف بعضها وبعضها لا يعرفه، لكن لو تعمد تأمُّل حال نفسه لعرفه، ومنها ما لا يعرفه ولو تأمل لفساد بصيرته وما عرض لها… فالإنسان إذا قام إلى صلاة يعلم أنها الظهر، فمن الممتنع أن يصلي الظهر وهو يعلم هذا لم ينسه ولا يريد صلاة الظهر. وكذلك الصيام إذا تصوّر أن غدا من رمضان وهو مريد لصوم رمضان امتنع أن لا ينوي صومه… وكذلك حبّ الله ورسوله موجود في قلب كل مؤمن لا يمكنه دفع ذلك من قلبه إذا كان مؤمنًا، وتظهر علامات حبه لله ولرسوله إذا أخذ أحد يسبّ الرسول ويطعن عليه أو يسبّ الله ويذكره بما لا يليق به، فالمؤمن يغضب لذلك أعظم مما يغضب لو سُبَّ أبوه وأمه، ومع هذا فكثير من أهل الكلام والرأي أنكروا محبة الله وقالوا: يمتنع أن يكون محبًّا أو محبوبًا، وجعلوا هذا من أصول الدين، وقالوا: خلافًا للحلولية؛ كأنه لم يقل بأن الله يحبّ إلا الحلولية! ومعلوم أن هذا دين الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وأهل الإيمان أجمعين، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة كما قد بسطناه في مواضع. فهذه المحبة لله ورسوله موجودة في قلوب أكثر المنكرين لها، بل في قلب كل مؤمن وإن أنكرها لشبهة عرضت له.

وهكذا المعرفة موجودة في قلوب هؤلاء، فإن هؤلاء الذين أنكروا محبته هم الذين قالوا: معرفته لا تحصل إلا بالنظر، فأنكروا ما في فطرهم وقلوبهم من معرفته ومحبته، ثم قد يكون ذلك الإنكار سببًا إلى امتناع معرفة ذلك في نفوسهم، وقد يزول عن قلب أحدهم ما كان فيه من المعرفة والمحبة؛ فإن الفطرة قد تفسد، فقد تزول وقد تكون موجودة ولا ترى”([16]).

الوجه الخامس: وهو مما يدل على أن معرفة الله مغروسة في قلب الإنسان وإن حجبته عنها البيئة المحيطة والأثر المجتمعي وحب الشهرة أو الجاه والمال، وهو: رجوع الإنسان إلى فطرته عند تعرّضه للشدائد، فليس أدل على عمق المكنون الفطري من شعور الإنسان بقوة ما يلتجئ إليه عندما تنقطع أمامه السبل الدنيوية، وقد أكد القرآن على هذا فقال: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67]، وقال: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يونس: 12]، وقال: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22]، وقال: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، وقال: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: 32]، فمن أوضح الأدلة إذًا على فطرية معرفة الله هذه الحالة التي يعيشها الإنسان عند المصائب والمخاطر، فيوجه وجهه نحو الإله.

الاعتراض الثالث: كيف تكون معرفة الله فطرية وقد قال الله: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]؟

والاستدلال بهذه الآية على إبطال فطرية المعرفة لا يصح؛ لأن هذا الاعتراض مبنيّ على فهم خاطئ لمذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم لم يقولوا بأن الطفل يولد بهذا الدين كله، فيعرف تفاصيل الشرائع، ولكن يقولون: إنه يولد بصورة تقتضي معرفة الله وتوحيده والإقرار به ومعرفة كماله، وهذا يظهر شيئًا فشيئًا، لكنه مغروس في نفسه، ولا يلزم من كون الشيء مغروسًا في النفس أن يكون باديًا من أول لحظة، وفي هذا يقول ابن تيمية: “وإذا قيل: إنه ولد على فطرة الإسلام أو خلق حنيفًا ونحو ذلك، فليس المراد به أنه حين خرج من بطن أمه يعلم هذا الدين ويريده، فإن الله تعالى يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] ولكن فطرته مقتضية موجبة لدين الإسلام، لمعرفته ومحبته. فنفس الفطرة تستلزم الإقرار بخالقه ومحبته وإخلاص الدين له، وموجبات الفطرة ومقتضاها تحصل شيئًا بعد شيء بحسب كمال الفطرة إذا سلمت عن المعارض”([17]).

فلا يلزم إذن أن يكون مقتضى الفطرة متحقّشقًا عند الإنسان منذ ولادته؛ لأنه يتعارض مع واقع النفس البشرية، كما يتعارض مع أصل التكليف، وإنما يولد الإنسان على خِلقة وجِبِلّة تقتضي معرفة الله شيئا فشيئًا ما لم يعرض للفطرة ما يصرفها عن أصلهاـ

ولذلك لم يكتف الله سبحانه وتعالى بالفطرة وحدها، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب، وكلها مؤيدة لتلك الفطرة، مزيلة للحجب عنها، يقول ابن تيمية: “إذا ثبت أن نفس الفطرة مقتضية لمعرفته ومحبته حصل المقصود بذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم في حصول ذلك إلى سبب معين للفطرة كالتعليم والتخصيص، فإن الله قد بعث الرسل، وأنزل الكتب، ودعوا الناس إلى موجب الفطرة من معرفة الله وتوحيده، فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة، وإلا استجابت لله ورسله، لما فيها من المقتضى لذلك.

ومعلوم أن قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفًا بالله موحدًا له بحيث يعقل ذلك، فإن الله يقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] ونحن نعلم بالاضطرار أنَّ الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك، وتستوجبه بحسبها. فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة حصل من معرفتها بربها ومحبتها له ما يناسب ذلك، كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، وحينئذ فحصول موجب الفطرة، سواء توقف على سبب وذلك السبب موجود من خارج، أو لم يتوقف، على التقديرين يحصل المقصود، ولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع، فلا يحصل مقصود الفطرة.

ومن المعلوم أنه إذا كان المقتضى لذلك قائمًا في النفس وقدّر عدم المعارض، فالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم يجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يصل لها من يفسدها كانت مقرةً بالصانع عابدةً له… المقصود أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح؛ لأن المقتضي فيه للعلم والإرادة النافعة قائم، والمانع زائل، إذ يجب وجود مقتضاه.

والأول استدلال بوقوع الإقرار بدون سبب من فصل على وجود المقتضي التام في الفطرة، وهذا استدلال بوجود المقتضي التام على حصول مقتضاه، وليس المقصود هنا أن المقتضى التام يجب وجوده لكل أحد، فإن هذا ممتنع، بل إن الفطرة تقتضي وجوده كما تقتضي فطرة الصبي شرب لبن أمه، فلو لم يعرض له المانع للزم وجود الشرب، لكن قد يعرض له مرض فيه أو في أمه أو غير ذلك يوجب نفوره عن شرب لبنها، وحب العبد لربه هو مفطور فيه، أعظم مما فطر فيها حبه للبن أمه”([18]).

الاعتراض الرابع: إذا كانت معرفة الله فطرية فلم تستدلُّون عليها؟

والمعنى أن الضروريات والبدهيات يستدلّ بها لا عليها، وما دام أننا نستدل على وجود الله، وقد جاء الاستدلال عليه في القرآن الكريم، فإنَّ معرفة وجوده نظرية لا فطرية بدهية، يقول القاضي عبد الجبار: “والذي يدل على أن العلم بالله تعالى ليس بضروري وإنما هو اكتسابي ما قد ثبت أنه يقع بحسب نظرنا على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة، فيجب أن يكون متولّدًا عن نظرنا، وإذا كان كذلك فالنظر من فعلنا، فيجب أن تكون المعرفة أيضا من فعلنا؛ لأن فاعل السبب ينبغي أن يكون فاعل المسبب، فإذا كان من فعلنا لم يجز أن يكون ضروريًّا؛ لأن الضروري هو ما يحصل فينا لا من قبلنا”([19]).

وبيان غلطه من أوجه:

الوجه الأول: أن هذا مصادرة على المطلوب، إذ إن القاضي عبد الجبار يستدل على نظرية المعرفة بأنها تقع فقط من خلال النظر الذي هو فعلنا واستدلالنا، وهي نقطة مختلف فيها بيننا وبينهم، فكيف تكون مقدمة للدلالة على أن معرفة الله ليست فطرية؟!

الوجه الثاني: سبق تقرير أن الأمور البدهية قد تخفى على بعض الناس، فيحتاج إلى نظر واستدلال، وبناء عليه فإن قضية فطرية معرفة الله يستدل عليها لمن فسدت فطرته، وبقدر فساد الفطرة تكون حاجتنا إلى الاستدلال على وجود الله.

الوجه الثالث: لا منافاة بين كون الشيء بدهيًّا وبين وجود أدلة عليه من باب كثرة الأدلة وتواردها، وإقامة الحجة على من فسدت فطرته، ذلك أننا لم نقصر أدلة وجود الله على الفطرة فحسب، وإنما قلنا بكل دليل صحيح، وفي هذا يقول ابن تيمية: “ولا منافاة بين كون الشيء يعلم بالبديهة والضرورة ويكون عليه أدلة”([20]).

الاعتراض الخامس: لو كانت الفطرة ضرورية لوجب على العادم لها أن يكون معذورًا لأن الله لم يعطه تلك المعرفة.

وفي هذا يقول القاضي عبد الجبار: “ومما يدل على أن العلم بالله تعالى لا يجوز أن يكون ضروريا هو أنَّه لو كان ضروريا لوجب في العادم له أن يكون معذورًا؛ لأن ذلك عند الخصم موقوف على الله تعالى حتى إذا اختار الله تعالى كان وإلا فلا، وهذا يوجب في كلهم أن يكونوا معذورين في تركهم معرفة الله وغير ذلك من المعارف، وهذا الوجه معتمد عليه”([21]).

وهذا غير صحيح لأوجه:

الوجه الأول: أنَّ قوله: “لو كان ضروريا لوجب في العادم له أن يكون معذورا” قول متناقض، فإن كونه ضروريا يعني بالضرورة أن لا يعدمه أحد، وإنما تفسد تلك الفطرة مع بقاء أصلها، وقوله: إن معرفة الله موقوفة على اختيار الله، فمنع ذلك من بعض الناس يقتضي إعذارهم، فتلك مسألة أخرى لا تتعلق بأصل مسألتنا، وإنما تتعلق بمسألة خلق أفعال العباد والعدل الإلهي، ولا يقتصر ذلك على الفطرة، وإنما يمكنهم قول ذلك في كل معصية أو كفر أكبر بناء على مذهب أهل السنة والجماعة، وليس هنا معرض الرد على هذه المسألة، لكن يقال باختصار: إن أي فعل يتعلق بمشيئة الله، ويتعلق أيضًا باختيار العبد وإرادته، ومعاقبته بناء على فعله الذي فعله باختياره وإرادته، ولذلك فساد الفطرة مرتبط بمؤثرات خارجية مكتسبة، كالبيئة المحيطة والتأثير المجتمعي وغير ذلك.

الوجه الثاني: أنه حين يلزمنا بمذهبنا فإنه يجب أن يلزمنا به في المسألة من كل أوجهها، فإنه حين يوجب الإعذار لأن المعرفة حاصلة باختيار الله والله لم يعطها لأناس، فنقول: وكذلك النظر حاصل باختيار الله وقد حرم منه أناس فلا يهتدون إليه، ولا يعرفون ترتيب مقدماته، ومع ذلك لا نقول: إنهم معذورون أو غير معذورين، ذلك أن قضية الإعذار تتعلق بأمور أخرى غير اختيار الله ومشيئته.

وأخيرا:

الشريعة جاءت بفطرية معرفة الله وأكدت عليه، ومن العجيب أن المتكلمين يرفضون فطرية معرفة الله ثم يستندون إلى أمور فطرية في النظر الذي يوجبونه، إذ إن النظر الواجب لا يمكن أن يستند إلى أمور نظرية؛ لأن ذلك يؤدي إلى التسلسل، فيتوقف الأمر إلى الاستدلال بالبدهيات والضروريات، وهي في حقيقتها متوقفة على الاعتراف بالله سبحانه وتعالى لأنه هو مودعها، وفي هذا يقول ابن تيمية: “البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية، فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبت بمقدمات نظرية دائمًا لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء، وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء من وجوه، فإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر؛ إذ لو كانت تلك المقدمات أيضًا نظرية لتوقف على غيرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء، فلا بد من علوم بديهية أوليّة يبتدئها الله في قلبه، وغاية البرهان أن ينتهي إليها”([22]).

ثم إن فطرية معرفة الله لما كان لها حضور بارز في النفس لم يستطع بعض المتكلمين صرف النظر عنها، بل أقر بها، وأثبت حجيتها بما يخالف موقفهم العام من المسألة، يقول الشهرستاني: “وقد سلك المتكلمون طريقين في إثبات الصانع تعالى، وهو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع، وسلك الأوائل طريقًا آخر وهو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان، ويدعي كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة وبديهة.

وأنا أقول: ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج في ذاته إلى مدبر هو منتهى الحاجات، فيرغب إليه ولا يرغب عنه، ويستغنى به ولا يستغنى عنه، ويتوجه إليه ولا يعرض عنه، ويفزع إليه في الشدائد والمهمات، فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب والحادث إلى المحدث، وعن هذا كانت تعريفاته الخلق سبحانه في هذا التنزيل على هذا المنهاج: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62]، {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63]، {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 64]، وعن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خلق اللّه تعالى الخلق على معرفته، فاجتالهم الشيطان عنها»، فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج، وذلك الاحتيال من الشياطين هو تسويله الاستغناء ونفي الاحتياج”([23]).

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) فطرية الإيمان (ص: 27).

([2]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (4/ 571).

([3]) في مركز سلف ورقة علمية بعنوان: هذه فطرتنا التي فطرنا عليها، وهي على الرابط التالي:

هذه فطرتنا التي فُطِرنا عليها

([4]) شرح الأصول الخمسة (ص: 54).

([5]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 31).

([6]) عمدة المريد شرح جوهرة التوحيد (1/214).

([7]) درء تعارض العقل والنقل (3/ 310).

([8]) المرجع السابق (7/ 422).

([9]) المرجع السابق (7/ 424).

([10]) المرجع السابق (7/ 425).

([11]) شرح الأصول الخمسة (ص: 54).

([12]) المرجع السابق (ص: 55).

([13]) مجموع الفتاوى (16/ 344).

([14]) المطالب العالية من العلم الإلهي (1/ 252-253).

([15]) شرح الأصول الخمسة (ص: 55).

([16]) مجموع الفتاوى (16/ 340-344) باختصار.

([17]) درء تعارض العقل والنقل (8/ 383). وينظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم (ص: 288-289).

([18]) درء تعارض العقل والنقل (8/ 460-464).

([19]) شرح الأصول الخمسة (ص: 52-53).

([20]) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (4/ 572).

([21]) شرح الأصول الخمسة، للقاضي عبد الجبار (ص: 54).

([22]) درء تعارض العقل والنقل (3/ 309).

([23]) نهاية الإقدام في علم الكلام (ص: 75).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

هل يتحمَّل ابن تيمية وِزرَ الطائفية؟

مصلح الطائفةِ: معلومٌ أنَّ مصطلَحَ الطائفةِ منَ المصطلحات البريئة التي لا تحمِل شُحنةً سلبيَّة في ذاتها، بل هي تعبيرٌ عن انقسامٍ اجتماعيٍّ قد يكون أحدُ طرفيه محمودًا والآخر مذمومًا، وقد يكون كلا طرفَيه محمودًا، ومن أمثلة الأوَّل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ […]

البُهرة .. شذوذ في العقائد، وشذوذ في المواقف

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: لقد كانت الباطِنيَّةُ -وما زالت- مصدرَ خطَرٍ على الإسلامِ والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقَن أعداءُ الإسلامِ أنَّ حَسْمَ المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِيَ شيئًا في تحقيق أهدافِهم والوصولِ لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركاتُ الباطِنيَّةُ بعقائِدِها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاهٍ جديدٍ للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّرِ باسمِه والتستُّرِ […]

إيجاب النَّظر عند المتكلمين من خلال الآيات القرآنيَّة (مناقشةٌ وبيان)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المقدمة: كلّ مسألة تتعلّق بالله سبحانه وتعالى في وجوده أو وحدانيته أو مجمل صفاته لا شكَّ أنها مسألة عظيمةُ القدر، وأنها من ثوابتِ الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء ببيانها أتمَّ بيان، ومن هنا كان النزاع بين أهل السُّنة والجماعة وبين المتكلمين في قضيَّة وجود الله […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفارِق لهم.. قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المبحث الثاني: ضابط ما تحصل به المفارقة: يُعنى هذا المبحث بتحرير ضابط ما تصير به الفرقة أو الشخص مفارقًا للفرقة الناجية، فإن البعض قد ضيَّق مفهوم مفارقة أهل السنة والجماعة جدًّا حتى ضمَّ كثيرًا ممن خالفهم وناوأهم في الأصول، والبعض وسَّعه جدًّا، حتى اعتبر بعضَ من يتحرّى اتباعهم في […]

وقفاتٌ شرعيّة حول التعدُّديّة العقائديّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: الفكر الغربيّ في ظلّ الأحداث والصراعات المحتدمة التي مرت به تَغيَّرت نظرتُه في القيم والمبادئ التي كانت تقوم عليها شؤون الحياة وكيفيّة إدارتها، فظهرت قيم ومبادئُ ومفاهيم جديدة، ومنها فكرة “التَّعدُّديَّة العقائديّة”، وكان أول نشأتها من عندهم، ولما أصبحت الحضارة الغربية هي الغالبة والمتفوّقة على القوى العالمية فرضت […]

لماذا لا نقبل كرامات الصوفية؟ خروج يد النبي صلى الله عليه سلم للرفاعي أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: إذا كان أهل السنة يثبتون كرامات الأولياء ولا ينفونها -خلافا للمعتزلة وأفراخهم من العقلانيين المعاصرين- فإن الصوفية في المقابل ينطلقون من هذا لتمرير كل ما يروونه من حكايات منكرة عن شيوخهم؛ بحجة أنها من الكرامات الواجب تصديقها، بل ويتَّهمون منكري هذه الحكايات بالبدعة والاعتزال ومعاداة الأولياء والصالحين، أو […]

اعتراضات المتكلِّمين على فطريَّة معرفةِ الله (عرضٌ ونقد)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة معرفةُ الله سبحانه وتعالى من أهمِّ القضايَا التي شغلت الفكر الإسلامي، وأعني مسألة: هل معرفة الله نظريَّة أم ضروريَّة؟ وقد خاض المتكلِّمون وأهل السنَّة في المسألة، وهي مسألة مهمَّة لها آثارها، وانبنت عليها مسألة أوَّل واجبٍ على المكلَّف، واختُلف فيها إلى أكثر من سبعة أقوال. أمَّا مذهب أهل السنَّة […]

عرض وتَعرِيف بكِتَاب: الجماعة الأحمدية -القاديانية- في البلاد العربية “عرضا ودراسة”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: الجماعة الأحمدية (القاديانية) في البلاد العربية.. عرضا ودراسة. اسم المؤلف: مشعل بن سليمان البجيدي. دار الطباعة: دار العقيدة للنشر والتوزيع، الرياض. رقم الطبعة وتاريخها: الطَّبعة الأولَى، عام 1442هـ-2021م. حجم الكتاب: يقع في مجلد، وعدد صفحاته (375) صفحة. أصل الكتاب: هو في أصله بحث […]

الإجماع على منع الترحُّم على مَن مات على كُفره.. ومناقشة معارضاته

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد في تحذير الأنبياء من الشرك وبيانهم لعاقبته: إن الله تعالى لم يبعث الأنبياء -صلوات الله عليهم- إلا لدعاء الخلق إلى الله وتعريفهم به وتوحيده، فمن لَبَّى دَعوتَهم تناولته المغفرة فحصل له الثواب، ومن لم يستجب لهم لم تتناوله فلزمه العقاب. فنوحٌ عليه السلام -وهو أول الرسل- استغفر للمؤمنين […]

مقولة: (التخَـلُّق بأخلاق الله تعالى) أصلُها، وحكم إطلاقها

يرد كثيرًا في كلام المتصوفة الحثُّ على التخلق بأخلاق الله تعالى، فهل يصحّ إطلاق هذه العبارة؟ وهل تحتمل معنى باطلا، أم أنها لا تدلّ إلا على معنى صحيح؟ هذا ما نجيب عنه في هذه المقالة بعون الله تعالى. أولا: أصل العبارة واستعمالها تمتلئ كتب التصوف بهذه العبارة، حتى إن بعضهم عرّف التصوف بذلك، كما وردت […]

أهل السنة والجماعة وضابط الـمُفَارِق لهم قراءة في فقه الخلاف العقدي (الجزء الأول)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   المقدمة ما زالت محاولات إيجاد ضابط للفرق بين أهل السنة والجماعة وغيرهم محلَّ تجاذب ونظر، وذلك منذ وقع الافتراق في أمة الإسلام إلى عصرنا هذا. وهذا يحتاج إلى تحرير المراد بالفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، ثم تحديد معيار لضابط المخالَفة التي يكون صاحبُها مفارِقًا لأهل السنة والجماعة. ولا […]

بشرية النبي والمسيح بين الإنجيل والقرآن

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم رسلًا، وجعل هؤلاء الرسل من جنسهم ليأنسوا إليهم، ويعرفوا طبائعهم وأحوالهم، ويصبروا على عنادهم، وهذه نعمة امتن الله بها على عباده فقال: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017