الثلاثاء - 05 جمادى الأول 1444 هـ - 29 نوفمبر 2022 م

هل القول بتحريمِ البناءِ على القُبور بدعة وهابيَّة؟

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

  • تمهيد:

“من الأمورِ المشهورة عن احتلالِ فرنسا للقيروان في تونس أنَّ رجلًا فرنسيًّا دخلَ في الإسلام وسمَّى نفسه: سيِّد أحمد الهادي، واجتهدَ في تحصيل الشَّريعة حتى وصَلَ إلى درجةٍ عالية، وعُيِّنَ إمامًا لمسجدٍ كبير في القيروان، فلمَّا اقتربَ الجُنودُ الفرنساويون من المدينة لغزوها واحتلالها، استعدَّ أهلُها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونَهُ أن يستشيرَ لهُم ضريحَ شيخٍ في المسجد يعتقدونَ فيه، فدخلَ سيِّد أحمد الضَّريحَ ثم خَرَجَ مُهوّلًا ما سينالُهم من المصَائب، وقالَ لهُم: إنَّ الشيخ ينصَحُكم بالتَّسليم؛ لأنَّ وقوع البلاد صار محتَّمًا، فاتبَعَ القوم البُسطاء قولَه ولم يدافعوا عن مدينة القيروان أقلَّ دفاع، بل دخلَهَا الفرنساويّون آمنين!”([1]).

لا عجبَ من أن تسقُطَ المدنُ من أجلِ الأضرحة، فقد سقطت العقولُ قبل المدن بعدَ أن غُلِّفت وأُودعت في سراديبِ الغفلة؛ لتحلَّ محلَّها: الخُرافة القبورية!

فمنذُ أن ظهَرَ هذا البلاء في الأمَّة الإسلامية، انصرَفَ كثيرٌ منَ النَّاس عن عبادة الربِّ الواحدِ القادِرِ على كلِّ شيء، والمدبِّر لكلِّ شيء، إلى التَّعلُّق برفاتٍ وعظام، وخلعوا على المقبورين من أوصافِ الجَلالِ والكَمالِ ما لم يصفوا الله به، فلا ترى عندَ هذه الأضرحة إلا رجلا باكيًا عندَ عتباتِها، أو معفِّرًا وجههُ بترابِها، أو مُتعلِّقًا بأذيال أستارها، ويُظهرون من الخوفِ والخشوع والاستكانة والخضوع ما لا يظهرونه أمام الحيِّ القيُّوم!

فحينَ يقولُ الله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] يقولون: إنهم الأولياء والمقبورون! وحين يقول الله: {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] يصيحون بأنهم أصحاب الأضرحة.

   وحين يقول الله حاكيًا عن إبراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] يقولون هم: بل الشَّافي والمداوي هو الوليُّ الفلاني!

وإن شئتَ مرِّر بصرَك على التَّاريخِ القُبوريِّ المظلم في الإسلام؛ لتجد أن التقرب إلى الأَضرحة بليَّةٌ عظمى ابتُليَت بها الأمة، يقول علي باشا وهو يحكي ما يوجد في القاهرَةِ وحدَهَا في زمنِه: “والموجود الآن بالقاهرة من الأضرحة؛ مائتانِ وأربعةٌ وتسعون ضريحًا”([2])، أمَّا في مصر كلها، فإنَّ المشهور منها تزيدُ على الألفِ ضريح([3]). وأمَّا في الشَّام، فقد ذكر عبد الرحمن بك سامي أنَّ في دمشق وحدها، قرابة مائةٍ وأربعة وتسعين مزارًا([4]). وكان في الأستانة -عاصمة السلطنة العثمانية- أربعمائة وواحد وثمانون جامعًا، لا يكادُ يخلو جامعٌ من ضريح. وقُل مثل ذلك في الهِند. وفي بغداد كانَ يوجد أكثر من مائةٍ وخمسين جامعًا قلَّ أن يخلو واحدٌ منها من ضريح([5]). وقِسْ على ذلك البُلدانَ الإسلامية التي أظلم فكرُها بهذه الخُرافات، وصارَ ما يُفعل عند القبور والأضرحة من الخشوع والبكاءِ وأنواع القربات لا يُفعل في المساجد، وقَد وَصَلَ الحالُ إلى أن يأتيَ المريضُ إلى القبر ليأكُل من ترابه طلبًا للشِّفاء([6])، وكانت المرأة إذا تعسَّرَ مخاضُها يُحضرون لها حربةً مركوزةً عند أضرحة بعض الصَّالحين، فتتوكأ عليها تبركًا وهي على الكرسي إلى أن تضع([7])، بل إذا أتى أحدُهم وحلفَ بالله تعالى لم يُصدِّقوه ولم يقبلوا منه؛ لكن بمجردِ أن يحلف بالولي يقبلُون ويصدِّقون([8])، فأيُّ تعظيمٍ أبْقَوهُ لله بعد هذا؟!

ومن يطالعُ حال النَّاس مع أضرحة المقبورين والأولياء؛ يدرك مقدار ما يقع فيها من الشِّرك بالله، من صرفِ عباداتٍ لهم، ودعائِهم من دون الله، وهذا ما حدث على مرِّ التاريخ، بل يصلُ الأمر إلى أن تكون هذه المشاهد مضاهيةً للمشاعرِ المقدَّسة ومناسكِ الحجِّ الأكبر؛ ولذلك صنَّف كثيرٌ منهم كتبًا في آداب زيارة هذهِ المشاهد([9])، ووصلَ الأمر بالمسلمين إلى حالةٍ يؤثرون فيها زيارة المشاهد والأضرحةِ على زيارَةِ بيوتِ الله، حتَّى أنَّهُ أحيانًا يكون زُوَّار قبرٍ واحد أكثر من حُجَّاجِ الحَرمين!([10]).

وهذا العرضُ السَّريع، لَعُشر معشار ما بليت به الأمَّة من هذه الأضرحة والقبور، وما بليت به عقولُ المسلمين وقلوبُهُم من حشوِها بهذه الخرافات، ينبئك بقدر عِظَمِ المشكلة وخطرِها، ولا يخفى على أحدٍ أنَّ الإسلام جاءَ لتحريرِ العقل من أغلالِ الوثنية والجاهلية والخرافة، وسَمَا به إلى أن استطاع العقل الإسلامي أن يُنتِج أفضل المعارِف وأرقى الحضارات، والخُرافة لا يمكن أن تجتمع مع العقل الإسلامي الحقيقي، بل لا توجد كلمتان متضادتان مثل العقل والخرافة.

ولذلك ما نشأت خرافةُ التَّعلُّق بالقبور وتوغلت في عقول الأمة، إلَّا بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصَّحابة والتابعين، ويُؤرِّخ لذلك ابن تيمية -رحمه الله- فيقول: “ولم يكُن على عهدِ الصَّحابة والتَّابعين وتابعيهم من ذلك شيءٌ في بلاد الإسلام … ولم يكن قد أُحدث مشهد، لا على قبر نبيٍّ ولا صاحبٍ ولا أحدٍ من أهل البيت ولا صالحٍ أصلا؛ بل عامَّة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك، وكانَ ظهورُها وانتشارُها حين ضعفت خلافة بني العباس وتفرَّقت الأمة، وكثر فيهم الزنادقة الملَبِّسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة”([11]). وتؤكِّدُ عالمةُ الآثار الدكتورة سعاد ماهر فهمي على أنَّ أول قبة وضعت على ضريح في الإسلام، كان في القرنِ الثالث الهجري([12]).

ومن أعجبِ العجب: أن تهتَمَّ الشريعة بعقلِ الإنسان ووعيه، وتخليصِهِ من أوحالِ الخرافات والأوهام، ورفعهِ إلى درجةٍ عالية من اليقين والمعرفة، ثم يأتي من يُحاول أن يُجذِّر هذه الخرافة ويؤصِّل لها ويحتج لشرعيَّتها؛ بل ويرى أن تحريم البناء على القبور وتحريم الاستغاثة بأهلها، بدعة تيمية ثم وهابية، فهم وحدهم من حرموا البناء على القبور مخالفين جماعة المسلمين؛ ولذلك سأتناوَلُ في هذه الورقة بإذن الله: مخالفة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لعلماءِ الأمَّة في القولِ بتحريم البناء على القبور، فهل كان فعلا مخالفًا لعامة علماء الإسلام، أم أنَّ المخالف يدَّعي ويحاول ليَّ أعناقِ النُّصوص لتصير إلى ما يقول به، ويُنقِّي من التراث الإسلامي ما يتماشى مع مراده وعقله وفكره؟

تحريم البناء على القبور:

جاءَ الإسلامُ لتخليصِ الإنسان من عبادةِ العباد إلى عبادة ربِّ العباد؛ ولذلك كان لبُّ دعوة الأنبياء هو الدعوةُ إلى عبادة الله وحدهُ دونَ سوَاه، وقد فَهِمَ المشركون أنَّ مراد النبي صلى الله عليه وسلم من قول: “لا إله إلا الله” هو عدم صرف أي شيءٍ من العبادة لغير الله؛ لذلك قالوا ما حكى الله عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، وكانَ هذا السُّمُوّ الذي أتت به الشريعة الإسلامية، هو المتماشي مع العقلِ الصحيح والفطرة السليمة، فلا يُمكن لعقلٍ سويٍّ أن يقبلَ اللّجوء إلى مخلوقٍ مثله ليعبده أو يطلب منه، فضلًا عن أن يكونَ هذا التوجُّه إلى رميم من عظام لا يملكُ من أمره شيئًا.

وقد ركَّز القرآن الكريم على هذه القضية وذكرها في مواضع كثيرة بصورٍ مختلفة، وأقام عليها أدلَّةً متنوعة، فمرة يدعو إلى عبادةِ اللهِ وحده، كقوله: {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 61]، ومرة ينهى عن عبادة غيره، كقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وثالثة: يبين أنَّ غير الله لا يضرُّ ولا ينفع، فهوَ وحده القادرُ على كشف الكُربات وتحقيق الرغبات، ثمَّ يأتي من يأتي بعد هذا كلِّه ويتعلَّق برفاتٍ وقبور، وينسى أنَّ هذا كان إنسانًا مثله لم يرتفع يومًا عن مقام الإنسانية، ولم يخرج يومًا عن السنن الكونية التي تجري على كلِّ الناس، وهذا المخلوقُ الضَّعيف الضَّئيل الذي خُلقَ من ماءٍ مهين، أينَ هوَ من الله العظيم الرحيم الذي بيدهِ خزائن السموات والأرض؟! ولذلك صرَّح الله بهذه القضية فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194]، ولن يستجيبوا لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرًّا، فضلا عن أن يملكوا لغيرهم؛ ولذلك قال الله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106]، فكل ما سوى الله إلى اضمِحلال، وكلُّ ما سوى الله إلى فناءٍ وزوال.

ولأنَّ التَّعلق بالصالحين والأنبياء، كان مبعث أول شركٍ وقع في البشرية؛ جاءتِ الشَّريعة واضحة صريحة في أنَّ هؤلاء لا ينفعون ولا يضرون، ولا يستجيبون لمن يدعوهم، كما قال الله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف: 5]، بل إن هؤلاء الذين يتمسَّحُ بهم القبوريّون ويطوفون حولَهُم ويخضبون ترابهم بدموعِهِم ودمائِهِم، لا يسمعون لهم كما قالَ الله: {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14].

فإن قالوا: نحن لا نعبدهم، وإنما نبني على قبورهم لنزورهم ونتبرك بهم.

يقال: إن كانَ من الناس من لا يعبدهُم فمنهم من يعبدُهم، ومنهم من يتعلق قلبه بهذه القبورِ أكثر من تعلقه بالله، ومنهُم من يكونُ رجاؤُهُ بهؤلاءِ أكبر من رجائه بالله، ولا يُنكر هذا إلا مكابر.

ولما كانت عبادة اللهِ وحده وقطع التعلُّق بكلِّ شيءٍ دون الله قضيةً جوهريَّة في الإسلام؛ جاءت هذهِ الآياتُ الكثيرةُ في النَّهي عن التعلق بالأموات وعبادتهم.

ومن أجل تحقيقِ هذا المقصد الشرعي العظيم وصيانتهِ؛ جاءتِ السُّنة النبوية فقطعت الوسائل المفضية إلى هذا الشِّرك، ومن ذلك: بناءُ المشاهد والقباب والمساجد على القبور، ولا ينكرُ أحدٌ أن كثيرًا من الناس قد صرفوا أنواعًا من العبادات لغير الله عندَ هذه المشاهد، فكان تحريمُ البناء بناءً على هذا التَّأصيل في القرآن من تحريم عبادةِ غير الله، وتحريم التعلُّق بالأموات ودعائهم.

وقد ورَدَ في هذا البابِ نصوصٌ نبويَّةٌ كثيرةٌ، يمكن إجمالُها في الآتي:

أولًا: النَّهيُ عن البناءِ على القبر، وقد ورَدَ في ذلك عدَّةُ أحاديث، منها:

1- عن جابر رضي الله عنهُما قال: “نهى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أن يُجصَّصَ القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه”([13]).

2- حديثُ أبي سعيد رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ([14]).

3- عن ناعم مولى أمِّ سلمة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها قالت: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أن يُبنى على القبر، أو يُجصَّص”([15]).

فهذه الأحاديثُ صريحةٌ في النهي عن البِنَاء على القبور عمومًا، والأصلُ في النَّهي التحريم، ولا صارفَ عن التَّحريم لهذه الأحاديث، ويؤكِّدُ على ذلك ما سوفَ يأتي من أدلة تعضد هذا النَّهي العام، ومن وقف على هذا النَّهي من النبي صلى الله عليه وسلم يجبُ أن ينتهيَ إليه، فإننا مأمورون بالسَّمع والطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: الأمر بتسوية القبور المشرفة، وفي ذلك ما ورد:

1- عن أبي الهيَّاج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ “أن لا تدَعَ تمثالًا إلا طَمستَه، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّيته”([16]).

2- وعن ثمامة بن شفي قال: كنَّا مع فضالة بن عبيد بأرضِ الرُّوم بِرُودس، فتوفي صاحبٌ لنا، فأمَرَ فضالة بن عبيد بقبرِهِ فسُوِّي، ثم قالَ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمر بتسويتها([17]). ورواه أحمد بلفظ: “سوُّوا قبوركم بالأرض”([18]).

وفي الحديثين: أمرٌ صريحٌ بتسوية القبور، والأمر بتسوية القبور المشرفة يقتضي تحريمَ البِناء؛ لأنَّه بذلك يكون مشرفًا، يقولُ الشَّوكاني: “فيه أن السنة: أن القبر لا يرفع رفعًا كثيرًا من غير فرقٍ بين من كان فاضلًا ومن كان غير فاضل، والظَّاهر: أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه مُحرَّم”([19]).

ثالثًا: النَّهي عن اتِّخاذ القُبور مساجِد، وفي ذلك: حديث جندب رضيَ الله عنهُ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يموتَ بخمسٍ، وهو يقول: “إنّي أبرأ إلَى الله أن يكونَ لي منكُم خَليل، فإنَّ الله تعالى قد اتَّخذَني خليلًا، كما اتَّخذ إبراهيم خليلًا، ولو كُنت متَّخذًا من أمَّتي خليلًا لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فَلا تتَّخذُوا القبور مساجدَ، إنِّي أنهاكُم عن ذلك”([20]).

رابعًا: لَعن مَن اتَّخذ القبر مسجدًا، وفيه:

1- عن عائشة رضي الله عنها، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنه قالَ في مرضه الذي ماتَ فيه: “لعنَ اللهُ اليهود والنَّصارى؛ اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مسجدًا”، قالت: ولولا ذلك لأبرزُوا قبرَهُ، غيرَ أني أخشى أن يُتخذ مسجدًا([21]).

2- وعن عائشة وعبد الله بن عباس رضي اللهُ عنهم قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلَّم، طفقَ يطرحُ خميصةً لهُ على وجهِهِ، فإذا اغتمَّ بها كشَفَها عن وجهه، فقالَ وهو كذلك: “لعنَةُ الله على اليهودِ والنَّصارى؛ اتَّخذُوا قبورَ أنبيائهم مساجد”؛ يحذِّر ما صنعُوا([22]).

3- وعن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “لعنَ الله اليَهودَ والنَّصارى؛ اتَّخذُوا قُبورَ أنبيائِهِم مساجِد”([23]).

4- وعن أسامة بن زيد رضيَ اللهُ عنهُ قال: قالَ لي رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أدخِل عليَّ أصحَابي»، فدخلُوا عليه فَكَشَفَ القِناع، ثمَّ قال: “لعنَ الله اليهودَ والنَّصارى؛ اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد”([24]).

5- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عنِ النبي صلَّى الله عليه وسلم، أنه قال: “اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعنَ الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”([25]).

6- وعن عائشة رضيَ اللهُ عنها، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: “لعن الله قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائِهم مساجِد”([26]).

ولعنُ اليهودِ والنَّصارى في هذهِ الأحاديث، مرتبطٌ بفِعلهم هذا، ألَا وهو اتِّخاذُ القبورِ مساجد، ولعنُ النَّبي صلى الله عليه وسلم لهُم دليلٌ على النَّهي عن ذلك الفعل، وأنَّه محرَّمٌ حرمةً شديدَة، وهذا الذي فهِمَهُ الصحابة الكرام من هذه النصوص؛ ولذلكَ تقول عائشة رضي الله عنها: “ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أني أخشى أن يُتخذ مسجدا”. فهذا فهمُ الصحابة كلِّهم لهذه الأحاديث، وأنَّها جاءت للنَّهي عن إبراز القبر؛ سواء برفعٍ غير مشروع، أو ببناء عليه، أو بوضعِ قبّة، أو ببناءِ مسجد.

خامسًا: التَّحذيرُ منِ اتِّخاذ القُبور مساجد، ومن ذلك ما ورد:

1- عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “قاتل الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”([27]).

2- وعن عائشة أم المؤمنين، أنَّ أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرَتَا كنيسةً رأينَهَا بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتَا للنَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “إنَّ أولئك إذا كانَ فيهم الرجل الصَّالح فمات بنوا على قبرِهِ مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، فأولئك شرارُ الخلق عندَ الله يومَ القيامة”([28]).

3- وعن أبي عبيدة رضيَ اللهُ عنهُ قال: آخر ما تكلَّم به النبي صلى الله عليه وسلم: “أخرجُوا يهودَ أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرةِ العرب، واعلموا أنَّ شرارَ النَّاس الذين اتَّخذُوا قبورَ أنبيائهم مساجِد”([29]).

4- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ مِن شرارِ النَّاس مَن تدركُه السَّاعة وهم أحياء، ومن يتَّخِذ القبور مساجدَ”([30]).

ولم نورِد إلا الأحاديثَ الثابتة من أصحِّ كتابين بعد القرآن وهما صحيحا البخاري ومسلم، ومن كُتب السنة المعتمدة، وأعرضنا عنِ الأحاديث التي فيها مقالٌ يسير مع أنَّها تُعضد بغيرها، ولها متابعات وشواهد؛ إلا أنَّ في هذه الأحاديث الصحيحة، كفاية لمن يريدُ الحق، وتأمَّل كيفَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، مرَّةً ينهى عن البناءِ على القبر نهيًا عامًّا جازمًا، ومرةً يأمر بتسويةِ القبر، وأخرى يلعنُ اليهود والنَّصارى لاتخاذهم القبور مساجد، ويحذِّرُ من فعلهم وصنيعهِم، ويُصرِّحُ بالنَّهي عن اتخاذ القبر مسجدًا، وتارةً يُعمِّم اللعن على كلّ من اتخذ القبر مسجدًا حتى من غيرِ اليهودِ والنَّصارى، ويُبيِّنُ أنهم شرارُ الخلق، فكلُّ هذه الأحاديث ذات الألفاظ والوقائع والصيغ المختلفة.. تؤكِّد على شيءٍ واحد، وهو حُرمة البناءِ على القبر، وفي هذا كفاية لمن ألقى السَّمع وهو شهيد، وكفاية لمن يهمُّه اتباعُ الحق بالأدلَّة الصحيحة من الكتابِ والسُنَّة.

  • أقوالُ العلماء:

بعدَ أن أوردْت عددًا كبيرًا من الأحاديث الدالة على تحريم البناء على القبور، نرى كيف كان الصحابة والأئمة من بعدِهم يتعاملُون مع هذه النُّصوص، هل مثل ما يرى أصحاب الأضرحة أنَّهم في مجملهم يُجوِّزُون البناءَ على القبور، أم أنَّهم على ما قرَّره ابن تيمية والشَّيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله- من أنَّهم كانوا يرَونَ تحريمَ البناءِ على القبر؟

للإجابة عن هذا السؤال دونك جملةً ممَّا ورد عن الصَّحابة في ذلك:

1- عن ثمامة بن شفي قال: كنَّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم بِرودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها([31])، ورواه أحمد بلفظ: “سوُّوا قبوركم بالأرض”([32]).

2- عن أبي بردة قال: أوصَى أبُو موسى الأشعري حينَ حضَرهُ الموت، فقال: إذا انطلقتُم بجنازتي فأسرعوا المشي، ولا يتبعني مجمر، ولا تجعلُوا في لحدي شيئًا يحولُ بيني وبين التُّراب، ولا تجعلوا على قبري بناء، وأُشهِدكم أنِّي بريءٌ من كل حالقة أو سالقة أو خارقة. قالوا: أوَسمعت فيه شيئًا؟ قال: نعم، من رسول الله صلى الله عليه وسلم([33]).

3- عن عبد الرحمن بن مهران، أن أبا هريرة رضي الله عنه قالَ حينَ حضرَهُ الموت: لا تضربوا عليَّ فسطاطًا، ولا تتبعوني بمجمر، وأسرِعوا بي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: “إذا وضع الرجل الصالح على سريره، قال: قدِّموني قدِّموني، وإذا وضع الرجل السوء على سريره، قال: يا ويله، أين تذهبون بي؟!”([34]).

4- رأى ابن عمر رضي الله عنهما فسطاطًا على قبر عبد الرحمن، فقال: انزعه يا غلام، فإنما يظلُّه عمله([35]).

5- عن عبد الله بن شرحبيل، أن عثمان رضي الله عنه خَرَجَ فأمر بتسوية القبور، فسُوِّيَت إلا قبر أم عمرو وأبيه عثمان، فقال: ما هذا القبر؟ فقالوا: قبر أم عمرو، فأَمَر به فسُوِّي([36]).

6- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه حَضَرَ أبا سعيد الخدري وهو يموت، فقال أبو سعيد: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: “إنَّ الميتَ يبعث في ثيابه التي قبض فيها”، ثم قال أبو سعيد: قد أوصيتُ أهلي أن لا يتبعوني بنار، ولا يضربوا على قبري فسطاطًا، واحملوني على قطيفة أرجوان([37]).

7- قال أبو الوليد الباجي -بعد أن روى حديث جابر رضي الله عنه، في النَّهي عن البناء على القبور والأمر بالتسوية-: “وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: وينبغي أن تسوى تسوية تسنيم”([38]).

فانظر كيفَ توارد الصَّحابة الكرام على الأمرِ بالتَّسوية والنهي عن البناء ورفع القبر، وعن ضربِ الفساطيط.

وهؤلاءِ الصحابة، هم من أخذُوا العلم عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم، وهُم من طبَّقوهُ أحسنَ تطبيق، وإن أردنا أن نَبحَثَ عن كلامِ العُلماء في تحقيق مسألةٍ ما؛ فَهُم أولى الناس بالبحثِ عن أقوالهم وأفعالهم، وقد رأيت كيف أنَّهم كان دأبهم هو النهي عن البناءِ على قبورهم.

أقوال العلماء في مسألة البناء على القبور:

أمَّا من جاءَ بعدهُم من الأئمة، فإنَّهم ساروا على طريقتهم، وانتهجوا نهجهم، يقولُ محمَّد بن كعب -مبيِّنًا الأصلَ في القبور، وأنها تكون بدون بناء-: “هذه الفساطيط التي على القبور محدثة”([39])، وعن أبي حازم قال: قال سعيدُ بن المسيب في مرضه الذي ماتَ فيه: “إذا ما متُّ فلا تضربوا على قبري فسطاطًا”([40])، وقال ابن بطَّة: “ومن البدع؛ البناء على القبور وتجصيصها”([41])، وعلى هذا، كانَ علماء المسلمين من أصحابِ المذاهب الأربعة ومن تبعهُم.

فمن الحنفية:

قال محمد بن الحسن الشيباني -صاحب أبي حنيفة-: “ولا نرى أن يُزاد على ما خرَجَ منه”([42])، وإذا كان لا يرى الزيادة على ما خرجَ منَ القبر، فالبناءُ من بابِ أولى.

وقالَ الكاساني: “وكرهَ أبو حنيفة البناءَ على القبر”([43]).

وقال ابن عابدين -بعد أن أورد كلام الكاساني في كراهيةِ البناء-: “كذا في البدائع -أي: قول الكاساني- وظاهرُه أن الكراهة تحريميَّة، وهو مقتضى النهي المذكور”([44]).

وقال أحمد الطحطاوي، في حاشيته على مراقي الفلاح، بعد أن ذكَر قوله: “ويكره البناء عليه”: “ظاهر إطلاقه الكراهة أنها تحريمية”([45]).

وقال محمد البركوي: “وقد صرَّح عامة الطوائف، بالنَّهي عن بناء المساجد عليها والصلاة إليها؛ متابعةً منهم للسُّنة الصحيحة الصريحة، ونصَّ أصحاب أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفةٌ وإن أطلقتِ الكراهة لكن ينبغي أن تُحمل على كراهة التحريم؛ إحسانًا للظنِّ بالعلماء، وأن لا يُظن بهم أن يُجوِّزوا فعلَ ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنُ فاعله والنهي عنه”([46]).

فهؤلاء كلُّهم من علماء الحنفية، يصُرِّحون بحُرمة البناء على القبور، بل قد صرَّحوا بأنه من أعظم الوسائِل المفضية إلى الشِّرك([47]).

أما المالكية:

فقد قالَ ابن عبد البر: “ولا تُجصَّص ولا يبنى عليها”([48]).

وقال القرطبي: “فاتخاذُ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك ممَّا تضمنته السنة من النَّهي عنه، ممنوع لا يجوز”([49]). ثم قال بعد أن أورد أحاديث النَّهي عن البناء: “وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي أن ينبغي أن يقال: هو حرَام”([50]).

وقال ابن الحاج -بعدَ أن حذَّر من الكتابة والنقش على قبر الميت-: “مع كون البناء على القبر ممنوعًا”([51]).

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: “والتحقيق الذي لا شكَّ فيه أنه لا يجوز البناء على القبور ولا تجصيصها”([52]).

وأما الشافعية:

فقد قالَ الشافعي رحمه الله: “وأحبُّ أن لا يزاد في القبر ترابٌ من غيره، وليس بأن يكون فيه تراب من غيره بأس إذا زيد فيه ترابٌ من غيره ارتفع جدًّا، وإنما أحبّ أن يشخص على وجه الأرض شبرًا أو نحوه، وأحبّ أن لا يبنى، ولا يجصص؛ فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضعَ واحدٍ منهما، ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصَّصة”([53]).

ومما يبين مرادَه بالكراهة هنا؛ ما أورده في نصِّه الآخر؛ إذ قال: “وأكرهُ أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوَّى، أو يصلَّى عليه وهو غير مسوّى، أو يصلّى إليه، وإن صلَّى إليه أجزأه وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “قاتل اللهُ اليهود والنَّصارى؛ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد، لا يبقى دينانِ بأرض العرب([54]).

وهنا أيضًا أطلق الكراهة؛ لكن لا يمكن أن تحمل إلا على التَّحريم، وكثيرا ما يطلق القُدماء لفظ الكراهة ويقصدون به التحريم، وسيأتي بيان ذلك. ويدل على أنَّ مراده التحريم: أنه ساق حديث: “قاتل اللهُ اليهود والنَّصارى”، وهذا الحديث شديد الدلالة على التحريم.

وقال أبو بكر الحصني: “ويسطَّح القبرُ بعد أن يعمق، ولا يبنى عليه، ولا يُجصص”([55]).

وأما الحنابلة:

فقد قال منصور البهوتي: “(ويكره تجصيصه) وتزويقه وتحليته وهو بدعة، (والبناء عليه) لاصقة أولى؛ لقول جابر: “نهى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجصص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه” رواه مسلم”([56]).

قال عبد الرحمن ابن قاسم: “والمرادُ كراهةُ التحريم، وهو مراد إطلاق أحمد -رحمه الله- الكراهة في البناء عليه؛ لما تقدم من نهي النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، والأمر بهدمه، ولأنَّه من الغلو في القبور الذي يصيِّرها أوثانًا تُعبد كما هو الواقع، وقد لعنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتَّخذين عليها المساجد والسُّرج، وأخبر أنَّ من بنى على قبور الصالحين فهو من شرارِ الخلق عند الله، ومن ظنَّ أن الأصحاب أرادوا كراهة التنزيه دونَ التحريم فقد أبعد النجعة”([57]).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “قول المؤلف -رحمه الله-: (يكرهُ البناء على القبر) إن أراد بالكراهة كراهة التحريم فهذا حقّ، وإن أرادَ بذلك كراهة التنزيه فهذا ضعيف، والصواب أن البناء على القبور حرامٌ ولا يجوز”([58]).

وقال الشيخ محمد المختار الشنقيطي: “قال المصنف رحمه الله: (والبناء عليه) أي: أنَّ البناء على القبر محرَّم؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن البناء على القبور … وقد أجمعَ العلماء والفقهاء -رحمهم الله- على اختلاف مذاهبهم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظَّاهرية؛ على تحريم البناء على القبور، وأن هذا الفعل من كبائرِ الذنوب، وأنه لا يترك البناء على القبر؛ لما فيه من فتنةِ الحي وصرفه إلى تعظيم المقبور، وهذا كما هو محل إجماعٍ بين العلماء -رحمة الله عليهم- فالنَّصُّ أيضًا ثابتٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتحريم البناء على القبر”([59]).

هذا بعضُ ما قاله العلماء الأعلام، في تحريم البناء على القبور على اختلاف مدارسهم الفقهية، وحتى تكتمل الصورة ننقل نصًّا نفيسًا للعلامة ابن القيم -رحمه الله- يُوضِّح فيه مراد الأئمة بالكراهة، فيقولُ رحمه الله: “قلت: وقد غلط كثير من المتأخِّرين من أتباع الأئمة على أئمَّتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقُوا لفظ الكراهة، فَنَفَى المتأخرون التحريمَ عمَّا أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سَهُل عليهم لفظ الكراهة وخَفّتْ مؤنته عليهم؛ فحمَله بعضُهم على التَّنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهةِ تركِ الأولى، وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرّفاتهم؛ فحصل بسببه غلطٌ عظيم على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قالَ الإمام أحمد -في الجمع بين الأُختين بملك اليمين-: أكرهُه، ولا أقول: هو حرام، ومذهبُه تحريمه، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم لأجلِ قول عثمان، وقال أبو القاسم عمر بن الحسين الخِرَقي -فيما نقله عن أبي عبد اللَّه-: ويكرهُ أن يتوضأ، في آنيةِ الذهب والفضة، ومذهبه: أنَّه لا يجوز … وقال في رواية ابنه عبد اللَّه: لا يعجبني أكلُ ما ذُبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة وكلّ شيء ذبِح لغير اللَّه، قال اللَّه عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3]. فتأمَّل كيف قال: (لا يعجبني) فيما نَصَّ اللَّه سبحانه على تحريمه”([60]).

ويؤكِّد على هذا أيضًا صنيع البخاري رحمه الله، فإنَّه قد عقد بابًا في صحيحه، أسماه: “باب ما يكره من اتِّخاذ المساجد على القبور”. أورد فيه حديثَ عائشة رضي الله عنها في لعنِ اليهود والنَّصارى، ولا شكَّ أن اللّعن دليلٌ على شدَّة التحريم، لا على الكراهة.

يتّضحُ من ذلكَ: أن البناء على القبور محرَّمٌ عند عامة العلماء، ويؤكّد على ذلك، عملُ الصحابة ومن بعدهم، فإنَّهم هم أولى الناس بحفظ الشريعة وفهمِ الدين والائتمارِ بالأوامر والانتهاءِ عند النواهي، وقد مرَّت أقوالهم، وعلى تلك الأقوال بنَوا أفعالَهم، وانظُر في حال الصحابة ومن بعدَهم، كيف كانوا في مسألةِ البناء على القبور، قال الشَّعبي: “رأيتُ قبور شهداء أُحد، جثى مسنمة”([61])، وقالَ الإمامُ الشَّافعي -مبيِّنًا أحوالَ أهل زمانه-: “وقد رأيتُ من الولاة من يهدِمُ بمكَّة ما يُبنى فيها، فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك”([62])، وقال أبو الحسن السمهودي: “وإنما أوجب عدم العلم، بعين قبر فاطمة رضي الله تعالى عنها وغيرها من السَّلف، ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها”([63])، ويقول: “اعلم أن أكثر الصحابة رضي الله عنهم -كما قال المطري- ممن توفِّي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته مدفونون بالبقيع، وكذلك سادات أهل بيتِ النبي صلى الله عليه وسلم، وسادات التابعين، وفي مدارك عياض، عن مالك: أنه ماتَ بالمدينة من الصحابة نحو عشرة آلاف، وباقيهم تفرَّقوا في البُلدان. وقال المجد: لا شكَّ أن مقبرة البقيع محشوَّة بالجماء الغفير من ساداتِ الأمة، غير أنَّ اجتناب السَّلف الصَّالح من المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها، أفضى إلى انطماسِ آثارِ أكثرهم، فلذلك لا يُعرف قبر معينين منهم إلا أفرادًا معدودة”([64])، وقال علي القاري: “ودُفنَ بمكة كثير من الصحابة الكرام، أمَّا مقابرهم فغير معروفة -كما ذكرَهُ الأعلام-، حتى قبر خديجة رضي الله عنها، إنَّما بُني على ما وقَعَ لبعضهِم من المنام”([65]).

هذا هو فعلُ الصحابة ومن بعدَهم من السلف الصالح الذين اتبعوا الدليل، واقتفوا الأثر، ولم يتعلَّقُوا يومًا بأهداب القبور، ولم يعظِّموها، ولم يبنوا عليها بما يفضي إلى تعظيمها والتعلُّق بها، فإنَّهم أبعد الناسِ عن الخرافات والأوهام، وأعرف الناس بأن العاقل لا يتعلق إلا برب العالمين، والذي قد أبطل الوسائط بينَه وبين الناس.

ومما يؤلم القلب أن الأمر قد آلَ إلى وضعٍ أشبه ما يكون بالنصارى مع الرهبان؛ فإنَّه لا سبيل للنَّاس إلى مغفرة الذنوب إلا عن طريقهم، ولا يدخلون الجنَّة إلا عن طريقهم، أما نحنُ فنحمد الله الذي منَّ علينا بأن نرجع إليه، ونتوب إليه، وندعوه ونرجوه ونطلبه دون أن نجعل أي وسائط بيننا وبينَه، وما في القبور إلا أناسٌ قد أفضوا إلى ما قدموا {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]، ولا يملكون ضرًّا ولا نفعًا لأنفسهم، فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم.

وأخيرا:

تبيَّن من خلال كلام العلماء: أن القول بالتَّحريم ليس قولًا شاذًّا -كما يصوِّره البعض-، وليس قولًا ابتدعه الإمام محمد بن عبد الوهاب، ولا ابن تيمية قبله، وقد حرصتُ على عدم إيراد كلامهما البتة في تقرير المسألة، وإنَّما أوردت النصوص الشرعية، ثم أتبعتها بكلام الصحابة الكرام، وبهذه النُّصوص النبويَّة وبفعل الصحابة تقوم الحجة، وأتبعت ذلك بكلام بعضِ العلماء على اختلاف مذاهبهم الفقهية، في بيان تحريم ذلك، وجلُّهم ممن عاشوا قبل ابن تيمية رحمه الله، فلا عزاء لمكابرٍ يكذب على الناسِ ويُلبِّس عليهم من أجل التشنيع على أئمة المسلمين وصدِّ الناس عنهم، فقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب، متَّبعًا للسلف لا مخالفًا لهم، وكان معظِّمًا للعلماء لا طارحًا لكلامهم، وحسبك في بيانِ هذا أن تقرأ للشيخ نفسه وهو يوضّح أنه لا يدعو إلا إلى اتباع الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، يقولُ رحمه الله: “وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع: إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإما إلى إجماع أهل العلم”([66])، وقد سئل أبناؤه حسين وعبد الله، عن عقيدته؟ فقالا: “عقيدة الشيخ -رحمه الله تعالى- التي يدين الله بها، هي عقيدتنا وديننا الذي ندين الله به، وهو عقيدة سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرض أقوال العلماء على ذلك، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله”([67])، فدعوى أنَّه أتى بقولٍ شاذٍّ لا يقبله العقل، ولا يصدِّقُه الواقع، فكلام عار عن الدلائل والبينات. وقد ردَّ على ذلك ابنه عبد الله فقال: “وأما مذهبنا، فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة، ولا إجماع الأمة، ولا قول جمهورها”([68]).

وإن كان المخالف وأمثاله ممن لا يصدق كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا أتباعه، فدونه كلام هذا المستشرق الفرنسي شارل سان برو؛ حيث يقول: “لا بد من التأكيد بأن فكر محمد بن عبد الوهاب لم يشكل فرقة إيديولوجية أو عقائدية جديدة، إنه بالدرجة الأولى دعوة إلى أصول الدين الصحيحة”([69]).

فتبين من هذا أنَّ القول بتحريم البناء على القبور، هو ما دلت عليه النصوص الشرعية، وهو ما يقتضيه العقل السليم النابذ للخرافات والأوهام، وما جاءت الشريعة إلا لتخليص الناس من التعلق بالأوثان والتمسح بخرقهم والبكاء عند عتباتهم، فأعزَّ الله المسلمين بالخلاص من مثل هذا الذُّل، وعلى هذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) المسألة الشرقية لمصطفى كامل، نقلا عن كتاب: هذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل (ص: 171).

([2]) الخطط التوفيقية (ص: 89).

([3]) انظر: مساجد مصر وأولياؤها الصالحون لسعاد ماهر محمد (ص: 44).

([4]) انظر: القول الحق في بيروت ودمشق (ص: 97).

([5]) انظر: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين لعلي بن بخيت الزهراني (ص: 294-295).

([6]) حكى ذلك صلاح اليافعي في: تاريخ حضرموت السياسي، وذكر أنه بنفسه ذهب إلى ضريح من الأضرحة ليأكل من تراب ذلك الضريح، انظر الكتاب (ص: 119).

([7]) انظر: نهر الذهب في تاريخ حلب (1/ 192).

([8]) انظر: تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد للصنعاني (ص: 70).

([9]) مثل كتاب “الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة” لمحمد بن الزيات.

([10]) انظر: بدع الاعتقاد وأخطارها لمحمد حامد الناصر (ص: 261).

([11]) مجموع الفتاوى (27/ 465-466)، وانظر أيضا: مجموع الفتاوى (27/ 161-162).

([12]) انظر: مساجد مصر وأولياؤها الصالحون (ص: 46).

([13]) أخرجه مسلم (970)، والترمذي (1052)، والنسائي (2028)، وأحمد (15286).

([14]) أخرجه ابن ماجه (1564)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (4/ 64).

([15]) أخرجه أحمد (26555)، والحديث قد روي موصولا ومرسلا بدون ذكر أم سلمة، وهو صحيح لغيره.

([16]) أخرجه مسلم (969).

([17]) أخرجه مسلم (968).

([18]) المسند (23959).

([19]) نيل الأوطار (4/ 102).

([20]) أخرجه مسلم (532).

([21]) أخرجه البخاري (1330)، ومسلم (529).

([22]) أخرجه البخاري (435)، ومسلم (531).

([23]) أخرجه مسلم (530).

([24]) أخرجه أحمد (21774)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 27): “رجاله موثوقون”، وحسنه الألباني في تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (19).

([25]) أخرجه أحمد (7358) وصححه الألباني في أحكام الجنائز (216).

([26]) أخرجه ابن حبان (2327)، وقال عنه شعيب الأرناؤوط: “إسناده صحيح على شرطهما”.

([27]) أخرجه البخاري (437)، ومسلم (530).

([28]) أخرجه البخاري (427) ومسلم (528).

([29]) أخرجه أحمد (1691) وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/ 124): “وهذا إسناد حسن أو صحيح، رجاله ثقات كلهم”.

([30]) أخرجه أحمد (3844)، وصححه ابن حبان (6847)، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز (1/ 218).

([31]) أخرجه مسلم (968).

([32]) المسند (23959).

([33]) أخرجه أحمد (19547)، قال شعيب الأرناؤوط: “إسناده حسن”، وقال الألباني في تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (79): “إسناده قوي”.

([34]) أخرجه أحمد (7914)، قال شعيب الأرناؤوط: “صحيح لغيره”، وقال الألباني في أحكام الجنائز: (70) “رواه أحمد وغيره بسند صحيح”.

([35]) أخرجه البخاري (2/ 95) تعليقًا مجزومًا به.

([36]) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 28) برقم (11795).

([37]) أخرجه عبد الرزاق (3/ 430).

([38]) المنتقى شرح الموطأ (2/ 22).

([39]) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 24) برقم (11752).

([40]) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (5/ 108).

([41]) الشرح والإبانة، تحقيق: عادل بن عبد الله آل حمدان (273).

([42]) الآثار (2/ 191).

([43]) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 320).

([44]) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (2/ 236).

([45]) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: 611).

([46]) زيارة القبور الشرعية والشركية (ص: 10).

([47]) انظر: جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (2/ 640، 3/ 1635، 1642).

([48]) الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 283).

([49]) تفسير القرطبي (10/ 379).

([50]) تفسير القرطبي (10/ 381).

([51]) المدخل (3/ 272).

([52]) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/ 302).

([53]) الأم (1/ 316).

([54]) الأم (1/ 317).

([55]) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (ص: 164).

([56]) الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 190).

([57]) حاشية الروض المربع (3/ 127).

([58]) تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (2/ 390).

([59]) شرح زاد المستقنع (5/ 86).

([60]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 75-76).

([61]) أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 22).

([62]) الأم (1/ 316).

([63]) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (3/ 93).

([64]) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (3/ 99-100).

([65]) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (ص: 402-403).

([66]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 55).

([67]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 219).

([68]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 245).

([69]) الإسلام: مستقبل السلفية بين الثورة والتغريب (ص: 254).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

عرض وتعريف بكتاب ” دراسة الصفات الإلهية في الأروقة الحنبلية والكلام حول الإثبات والتفويض وحلول الحوادث”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: لا شك أننا في زمن احتدم فيه الصراع السلفي الأشعري، وهذا الصراع وإن كان قديمًا منحصرًا في الأروقة العلمية والمصنفات العقدية، إلا أنه مع ظهور السوشيال ميديا والمواقع الإلكترونية والانفتاح الذي أدى إلى طرح الإشكالات العلمية على مرأى ومسمع من الناس، مع تفاوت العقول وتفاضل الأفهام، ووجود من […]

هل هناكَ وحيٌ آخر غير الكُتبِ المنزَّلة؟ حجةٌ أخرى على منكري السُّنة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: جاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من عند ربِّه بالقرآن الكريم، فيه إجاباتُ الأسئلة الوجوديّة الكبرى، وفيه هداية الإنسان لما يصلِحه ويصلح شؤونَه ويعرِّفه بغاية وجودِه ووجود الكون ومآله ومآل الكون، وجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم أيضًا بما يفسِّر القرآنَ الكريم ويبيِّنه ويوضِّحه، ويذكر عباداتٍ شرعها الله […]

كفَّ الله أسنَّتنا فلنكفّ ألسنتنا (الأصول التي اعتمد عليها أهل السنَّة في الكفِّ عمَّا شجر بين الصَّحابة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: مذهبُ أهل السُّنة والجماعة في الصَّحابة مذهبٌ واضحٌ متَّسق مع النَّقل الصحيح والعقل الصَّريح ووقائع التاريخ، وتعاطي أهل السنة للموضوعات التي تتعلق بالصَّحابة الكرام تعاطٍ ينمُّ عن منهجيَّة واضحة في التعامل مع المسائل الشرعية، فلم يكفِّروا الصَّحابة الكرام كما فعلت الرافضة، ولم يجعلوهم كأي أحدٍ بعد جيل الصحابة […]

السّلفيّة من الإقبال عليها إلى التنكُّر لها

  ١/ ٢ لأزمانٍ متعاقبةٍ ظلَّت البدَعُ في الدين تتوالى على أمّة الإسلام حتى أثقلت كاهلَها بأشتاتٍ لا تُحصى من الخرافات والخيالات والأوهام، سدَّت عليها آفاق الحياة الرّحبة، وجعلتها أسيرةً للمنامات وشيوخ الدَّجَل والشعوذة والخرافة، وكل ذلك باسم الدين، وآلِ البيت، والمحبة الإلهية، وآصنافٍ من القوالب التي رُكِّب بها الاستعبادُ للشياطين وكهّانهم. وجاء الاستعمار إلى المسلمين […]

بُطلان دَعوى مخالفةِ ابن تيميةَ للإجماع (مسألة شدِّ الرحال نموذجًا)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إنَّ من أكثر ما اشتهر عن مناوئي شيخ الإسلام ابن تيميةَ الادِّعاءَ عليه بأنه يخالف الإجماعَ، ولا ريب أنها دَعوى عريضةٌ بلا برهان، وقد أقدم عليها مخالفو الشيخ؛ بغيةَ تزهيد الناس في كلامه وتقريراتِه، ورغبةً في صرفهم عن أقواله وتحقيقاته، والباحثُ المنصف يدرك تمامًا أنَّ دعوى مخالفة الإجماع من […]

وقفاتٌ علميّة مع المجوِّزين لِلَعن يزيد بن معاوية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: تعتبَر مسألةُ لعن يزيد بن معاوية من المسائل المشهورة التي بُحِثت في كتب العقائد والفقه والتفسير وشروح الحديث وكتب الآداب والسلوك، ومن أشهر من ذهب إلى جواز لعن يزيد بن معاوية أبو الفرج ابن الجوزي؛ إذ صنّف رسالةً خاصة في هذه المسألة سمّاها: (الرّدّ على المتعصّب العنيد المانع […]

الدِّعاية الموحِّديّة ضدَّ دولة المرابطين السلفيّة (قراءة تحليليّة في رسائل محمد بن تومرت)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: إنّ المغربَ الإسلاميَّ كان إلى غاية أوائل القرن السادس على عقيدة السلف في الغالب الأعمّ؛ رغم قيام دولٍ رافضيّة وخارجية حاولت فرضَ عقائدها على الأمّة، فلم يزل الناس على مذهب مالك في الفروع، وعلى عقيدته -التي هي عقيدة السلف- في الأصول، وهذا الوضعُ الغالبُ لم يمنع من […]

ترجمة الشيخ الدكتور أسامة عبد العظيم (1367هـ/ 1948م – 1444هــ/ 2022م)(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها … متى يمت عالم منها يمت طرف كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلّ بها … وإن أبى عاد في أكنافها التلف قال العلامةُ ابن القيم رحمه الله: “إن الإحـاطـة بـتراجم أعـيـان الأمـة مطلوبـة، ولـذوي الـمعـارف مـحبوبـة، فـفـي مـدارسـة أخـبـارهم شـفـاء للعليل، وفي مطالعة […]

ترجمة الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ(1)

ترجمة الشيخ عبد العزيز بن عبد الفتاح القارىء

عيد الهلع (الهالوين): أصله، وحكم الاحتفال به

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: فمن المؤسف جدًا أن نرى مظاهر الاحتفال بما يسمى (الهالوين) أو (عيد الرعب والهلع) تنتشر في بلاد المسلمين؛ تقليدًا منهم للكفار والغربيين، دون أدنى إدراك لحقيقة هذا العيد الوثني، الذي ينبذه المسيحيون المحافظون، ويرونه عيدًا وثنيًا […]

علم المصطلح المعاصر والمصطلح الحديثي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  المقدمة: المصطلحات هي من مفاتيح العلوم، وقد قيل: إنّ فهم المصطلحات نصف العِلم؛ لأنّ المصطلح هو لفظ يعبر عن مفهوم، والمعرفة مجموعة من المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في شكل منظومة، وقد ازدادت أهميّة المصطلح وتعاظم دوره في المجتمع المعاصر الذي أصبح يوصف بأنّه (مجتمع المعلومات) أو (مجتمع المعرفة)، […]

ما صحّ في الحبة السوداء وشكوك المنكرين!

  تمهيد: مَن ينظر إلى أصحاب الفكر الليبرالي والحداثي.. يجدُ أنَّهم لا ينظرون إلى الأشياء إلا بمعيارٍ واحد، وهو: معيار المادَّة فحسب، فيبنون آراءهم وتحليلاتهم عليها، ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل يهزؤون بمن يأخذ بالأسباب ويؤمن بالغيب في آن واحد، فهو يؤمن بالله وبوعوده في القرآن والسنة، ويؤمن بالمادة والعقل والمصنع والآلة، فلا […]

التَعرِيف بكِتَاب: (أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعًا ودراسة)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعًا ودراسة. اسم المؤلف: د. سليمان بن محمد الدبيخي، أستاذ العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة القصيم. رقم الطبعة وتاريخها: الطبعة الأولى في دار المنهاج، الرياض عام 1427هـ، وطبعت الطبعة الرابعة عام 1437ه، وقد أعيد طبعه مرارًا. حجم […]

قراءة نقدية في كتاب (الصواعق والرعود) لابن داود الحنبلي (الجزء الرابع – الأخير) الكذب وسوء الأدب عند خصوم الدعوة النجدية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   يمثِّل كتابُ الصواعق والرعود لعبد الله بن داود الزبيريّ (1225هــ) حالةً متقدمة من السقوط الأخلاقيّ والإفلاس الفكريّ لخصوم الدعوة الإصلاحية، فهو ردّ ممزوج بكثير من الكذب والشتم والسب والتكفير لإمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب وأمير دولتها الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود. ومَن يطالع صفحات هذا الكتاب […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017