الثلاثاء - 09 رجب 1444 هـ - 31 يناير 2023 م

قراءة نقدية في كتاب (الصواعق والرعود) لابن داود الحنبلي (الجزء الرابع – الأخير) الكذب وسوء الأدب عند خصوم الدعوة النجدية

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

يمثِّل كتابُ الصواعق والرعود لعبد الله بن داود الزبيريّ (1225هــ) حالةً متقدمة من السقوط الأخلاقيّ والإفلاس الفكريّ لخصوم الدعوة الإصلاحية، فهو ردّ ممزوج بكثير من الكذب والشتم والسب والتكفير لإمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب وأمير دولتها الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.

ومَن يطالع صفحات هذا الكتاب يجد عَجبًا من قدرة مؤلّفه على افتراء الكذب أو نقله بطريقة لا تسيء للدعوة الإصلاحية وأهلها بقدر ما تقدَح عند العقلاء في نزاهة صاحب الردّ وأمانته واتزانه العلميّ في تعامله مع خصمه وعدوّه حتى وإن كان كافرًا مارقًا.

ومَن كان على بيّنة من أمره واثقًا من حجته وبطلان مذهب خصمه فإنه بغنًى عن اللجوء لحيَل المفلسين كالسب والكذب الذي يحسنه كلّ أحد، والذي هو سلاح من لا حجَّةَ له.

والكذب وسوء الأدب ليس بالأمر الغريب في خطاب الخصوم المناوئين لدعوة الإصلاح النجدية، بل هو شائع مألوف في كتبهم ورسائلهم، ولا نبالغ إن قلنا بأنه أقوى أسلحتهم للنيل من الدعوة وأئمّتها وصدّ الناس عن الاستنارة بأفكارها إلى يوم الناس هذا.

لكن ردّ ابن داود على الدعوة النجدية يفوق نظائره بقدرة صاحبه الخارقة على حشد كمٍّ هائل من ألوان الأكاذيب والتشنيعات، وكأنه أراد جمع ما تفرّق في كتب الخصوم والزيادة عليه، محاولًا رمي الدعوة بكلّ وصف قبيح، باذلًا جهدَه حتى لا يفوته شيء مما يمكن أن يخطر بالبال من الأوصاف الشنيعة والتُّهم الباطلة.

مثل هذا النوع من الردود الرديئة تذكِّرنا بكتابات النصارى في أوربا في القرون الوسطى عن الإسلام ونبيّه الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، والتي كانت تقدِّم صورة قبيحةً ومحرّفة عن الإسلام؛ لتجعله ديانة وثنية أو مجرد هرطقة منشقّة عن دين النصارى، وغاية هذه الكتابات حشد أبناء الملة النصرانية ضدّ الإسلام وتعبئتهم معنويًّا لتبنّي مواقف متطرفة من هذا الدين.

ومعلوم أنّ هذا الكتاب وضعه صاحبُه في أجواء الحرب الشّرسة التي واجهتها الدعوة النجدية بمختلف أشكالها الإعلامية والفكرية والعسكرية، والتي انتهت بتهديم الدرعية -عاصمة الدعوة- وقتل أهلها وتهجير من تبقّى منهم، وذلك سنة (1233هــ/ 1818م).

فمثل هذه الكتابات غالبًا ما تكون موجَّهة نحو الأتباع العقائديين المتعصّبين لتعزيز إيمانهم وقناعاتهم، ولا يمكنها أن تكون موضوعةً للنقد العلميّ المتزن للأفكار والمذاهب.

فالكذب الذي ملأ صفحاتِ هذا الكتاب يشهد بجهلِ صاحبه بطريقة صناعة الكذب وصياغته ونشره بهيئة مقبولة مقنِعة، فطريقة المؤلّف في حشد الأكاذيب -مختلِقا أو ناقلًا لها- توحي بأنه وضع كتابه ليطفِئ نار حقده ويشفِي غيظَه، وإلا فخطابه لا يقنِع العقلاء حتى وإن لم يكونوا على وفاقٍ مع أفكار الإصلاح السلفي.

وقد استخدم المؤلّف سلاح الكذب بكثرةٍ في كتابه لسبّ الدعوة وذمّها وشيطنتها وتشويه صورتها كمعدن للشرور وأصل للفساد، مع أنه كان يكفيه -كعادة إخوانه ورفاقه- أن يصفها بالبدعة والخارجية دون شطح ومبالغة إلى حدٍّ لا يُعقل، ودون بلوغ رتبة الجنون وفقدان الصواب في الإتيان بأي كذب يردُّه المنطق السليم ويصعُب تصديقه إلا مع قدر كبير من التحامل والغلوّ في العداوة.

الكذب لمواجهة الدعوة النجدية: انحطاط أخلاقي وإفلاس فكري:

أراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن يدع المسلمون تعلقهم بالأموات الصالحين، وأن يتخلَّصوا من الاعتقادات السخيفة التي تؤمن بقدرة الأموات العاجزين على التأثير في عالم الأحياء. فلم تكن دعوته مستهجَنة عقلًا أو مصادِمة لشيء مما جاء به الوحي الشريف بل الشرع يشهَد لها، والعقل يصدقها ويقرر ما جاءت به، فلم يكن بإمكان الخصوم نقضُ حجّته وتفنيد دعوته، ولم يجدوا أمامهم سوى إثارة الشبهات البائسة حول مبادئ الدعوة، إلى جانب كذبٍ كثير لتشويه صورتها وترويج بضاعتهم.

وكان بإمكان الخصوم أن يكتفوا بالمعارضة الفكرية بالأدلة، دون الدخول في دوامة الكذب التي لا تدلّ إلا على العجز والضعف وعدم الثقة بالشبهات المثارة في وجه الدعوة.

فالكذب الذي انتهَجه خصوم الدعوة علامةٌ على إفلاسهم وعجزهم، لا سيما أنه في كثير من الأحيان تمت صياغته بطريقة يصعب تصديقها عقلا، بل قد يقع التضاربُ بين كذبتين تنقض إحداهما الأخرى.

والكذب الكثير الواردُ في هذا الكتاب كما سيراه القارئ يشير إلى المستوى المتدني الذي وصل إليه الخصوم من الناحية العلمية الموضوعية، ومن الناحية الدينية الأخلاقية.

وإن كان البعض مغترًّا بحجم الكتاب، وتقريظه من كبار علماء نجد المعادين للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإنه سيقف على الوجه الآخر له حينما يقلّب صفحاته ليجد افتراء وكذبًا من جنس كذب ابن المطهِّر الحلّي في كتابه (منهاج الكرامة).

وإنه من المؤسف أن يقول ابن داود في الدعوة وإمامها قولا قبيحًا ويفتري عليهم كذبًا كثيرًا بالرغم منِ اعترافه بأنه وفد إلى الدرعية وحظي بغاية الإكرام من الأمير عبد العزيز والشيخ الإمام، وسمع منه موعظة حسنة([1]).

وإنه لمن المؤسِف كذلك أن يكون الردّ الشيعي على رسالة الأمير عبد العزيز أفضلَ من الناحية الأخلاقيّة من ردّ ابن داود الزبيريّ الحنبلي.

فقد ردّ المرجع الشيعي جعفر كاشف الغطاء النجفي (ت: 1228هـ) على رسالة الأمير بكتاب سماه: (منهج الرشاد لمن أراد السداد)، وكان مشحونًا بذات الشبهات المتداوَلة بين الخصوم، لكنه كتبه بلسان الناصِح المشفق على الأمير، وكان خاليًا من الشتائم والأكاذيب، ومما ورد في مقدمته: (فأقسم عليك بمن جعلك متبوعًا بعد أن كنت تابعًا، ومطاعًا بعد أن كنت لغيرك مطيعًا سامعًا، وأعزك بعدما كنت ذليلًا، وكثر جمعك بعدما كان نزرا قليلا أن تنظر ما رسمته سطرا سطرا، وتمعن في تحقيق ما رقمته نظرا وفكرا، متوحّشا من الناس وقت النظر، متحذّرا من النفس الأمارة كل الحذر، طالبا من الله كشف الحقيقة، سالكًا في المناظرة واضح الطريقة، فلعله يظهر أنه ليس بيننا نزاع، فنحمد الله على الاتفاق والاجتماع)([2]).

كما اعترف النجفي بالأثر الإيجابي للدعوة النجدية فقال: (ولا شكّ أن نجدًا وأعرابها قبل أن يظهر فيها أمر الصلاة والصيام، وتأمروهم بملازمة العبادة للملك الديان، كانوا كالأنعام أو أضلّ سبيلا، وقد رفع الله بكم عنهم الشقاق، وحصل بينهم الاتفاق، وفرّقوا بين الحلال والحرام، وتوجّهوا لأوامر الملك العلام)([3]).

لكننا قد نعذر هؤلاء في سلوكهم دربَ الكذب للنيل من الدعوة؛ إذ إنهم عاجزون فعليّا عن مواجهة الدعوة وخطابها العقلاني الناطق بحقائق القرآن.

بعض علامات هذا العجز تتَّضح فيما نقله ابن داود عن شيخه محمّد بن فيروز الأحسائي أنه يقول: إنَّ ابن القيم ينبغي أن يكون أكفَر الكافرين عند الدعوة النجدية؛ لأنه سمى كتابه (إغاثة اللهفان) فجعله مغيثًا! وهم يقولون: من جعل رسول الله مغيثًا للملهوفين كفر، فكيف بمن جعل كتابه مغيثًا للملهوفين؟!([4]).

فإذا كان هذا منطقَ علمائهم في مواجهة الدعوة، فلا غرابة في لجوء الأتباع للكذب والتشنيع بما لا يُعقل.

وسنقف وقفات سريعةً مع أهمّ ما افتراه ابن داود، محاولين تفنيده بما يلزم من كلام أئمة الدعوة، ثم نعرّج على طائفة من الأكاذيب الناطقة بكذب الرجل وغايتها في التشنيع دون الحاجة لتكلّف الردّ عليها، ثم نذكر بعض أوصاف الذمّ التي أطلقها بحقّ الشيخ الإمام وتلميذه الأمير عبد العزيز صاحب الرسالة التي ردّ عليها وجعلها موضوع الكتاب.

محمد بن عبد الوهاب وادِّعاء النبوة:

تكرَّر في كتاب ابن داود فكرة ادعاء محمد بن عبد الوهاب للنبوة، وذلك لمحاولة تأكيدها وتثبيتها وشيطنة الشيخ ودعوته ونقله من منزلة (المبتدع الخارجي) إلى منزلة (الزنديق المارق المدَّعي للنبوة)، وحاول المؤلف كثيرا التشبيه بين مسليمة الكذاب ومحمد بن عبد الوهاب من جهة موطنه ومحلّ دعوته (اليمامة ووادي حنيفة)، ومن جهة أفكاره ومضمون ما جاء به.

ففي تقريظ ابن فيروز للكتاب ذكر أن الشيخ في مقتبل عمره كان كثيرًا ما يلهج بأخبار أدعياء النبوة وحكايات الخارجين وأرباب الفتن وأخبارهم، يقول ابن فيروز: (ثم ظهر لي أنه أضمر ذلك في نفسه ثم تحيّر في كيفية إبرازه)([5]).

ويؤكّد ابن داود على هذا المعنى كثيرا، فيزعم أن لسان حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه أنه يدّعي النبوة (كما هو ظاهر من تصرفاته)، وأنه وإن لم يصرح بادّعاء النبوة (فقد ادعاها بالفعل والقوة)([6]).

والقصد من تكرار هذه الفكرة التأكيد على كذبتين يحرص الخصوم على ترويجهما وهما:

أ- أن ما جاء به الإمام المجدّد ليس مجرد أفكار منحرفة وبدعة مخالفة للجمهور، بل هو دين جديد ومذهبٌ مُحدَث ليس له صلة بدين الإسلام والطوائف المنتسبة له.

وقد حرص ابن داود على ترسيخ هذا المعنى بعبارات ومعان مختلفة، فادعى أن الشيخ يكفّر جميع الأمة، وأنه لا يصحّ لأحد إسلام إلا تائبًا على يديه ومقلدًا له في كل أقواله، ويعتبر ابن داود أن ذلك بمثابة اتخاذ الوسائط الشركية التي يكفّر محمد عبد الوهاب من وقع بها([7])، وأنه لا بد لمن أراد الدخول في دين الدعوة النجدية أن يتبرأ من جميع دينه القديم([8])، كما أنه ينسب للشيخ القول بأن (ديننا هذا ناسخ لما قبله)([9])، وأنه إذا أتاهم من يعاهدهم على دين الله ورسوله قالوا له: ما نرضى منك إلا أن تعاهدنا على ديننا، وإذا قال إنسان: قال رسول الله كذا وكذا، قلتم: انظروا هل قاله الشيخ فهو حق وإلا فهو باطل([10]).

كل هذه المفتريات يسوقها ابن داود للتأكيد على أن دين الدعوة النجدية ليس هو دين الإسلام، ولا هو مذهب بدعي مخالف للجمهور، بل هو دين مختلق أحدثه محمد بن عبد الوهاب وشرعه لأتباعه.

ب- الكذبة الأخرى التي أراد ابن داود تثبيتها من خلال دعوى النبوة: أن الإمام محمد بن عبد الوهاب لا يرضى من المسلمين إلا الانقياد التام لأفكاره، والطاعة المطلقة لدولته، فكل من خالفه في شيء الدين أو رفض الهجرة إلى أراضي دولته والخضوع لحكمه فهو كافر مفارق للإسلام.

وقد لجأ لتعزيز هذه الكذبة بدعوى تكفير الدعوة لمن رفض الهجرة إلى أراضيها والإسلام على يديه، والترويج بأن أتباع الدعوة يغالون في طاعتهم إمامهم ويتبعونه في تحليل الحرام وتحريم الحلال([11]).

فالوهابية عند ابن داود يغلون في شيخهم، وينزلونه منزلة الرسول عليه السلام، فلا يؤمنون إلا بما جاء به، ويشهدون على أنفسهم بالكفر قبل معرفته، ويوجبون طاعته والهجرة إليه، وأنهم بذلك يقتفون أثر بني حنيفة في مسليمة الكذاب([12]).

وكلّ الأكاذيب والافتراءات التي سيأتي ذكرها تدور حول تأكيد هذين المعنيين: وهو تكفير جميع أهل القبلة إلا من وافقه في دينه الجديد([13])، والحكم بالضلال على جميع الأمة إلا من هاجر إليه وتابعه ولزم طاعته([14]).

وصريح كلام ابن داود أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن يعنيه أمرُ الشرك الأكبر ومظاهر الانحراف في عبادة المسلمين، وإنما كان يدعو لدينه الجديد، ويقاتل الناس من أجل إدخالهم فيه، كما يقاتلهم من أجل إخضاعهم لطاعته ولزوم أمره في كل شيء.

فالشرك الذي يتحدَّث عنه محمد بن عبد الوهاب غير موجود في بلاد المسلمين كما يزعم ابن داود، وإن وجدت بعض مظاهره فأتباع الشيخ لا يحرصون على إزالتها بقدر حرصهم على إخضاع الناس لحكمهم وإلزامهم بطاعة إمامهم والشهادة له بالعصمة ولمخاليفه بالضلال، وسيأتي الكلام على هذا.

تكفير الأمة الإسلامية والأمر بقتالها:

يزعم ابن داود أن الشيخ الإمام حينما أظهر دعوته أمر بتكفير المسلمين وقتلِهم أجمعين، وفي موضع آخر زعم أن الشيخَ كفّر الأمة قاطبة، وفي موضع ثالث أن جميع أهل القبلة كفار عنده إلا من وافقه في كل ما يقول([15]).

وقد أنكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائله مرارًا وتَكرارًا أنه يكفّر بالعموم([16])، كما أنكر ذلك الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود في بعض رسائله([17])، وممن أنكره أيضًا الشيخ حمد بن ناصر بن معمر([18]) وأبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض أجوبتهم([19]).

وأبان الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن مذهبه في التكفير فقال: (وأما التكفير فأنا أكفِّر من عرَف دينَ الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفر، وأكثر الأمّة -ولله الحمد- ليسوا كذلك)([20]).

ويؤكّد الشيخ في رسالته لعبد الرحمن السويديّ البغداديّ يقول: (ونسبوا إلينا أنواع المفتريات… فمنها: إشاعة البهتان، بما يستحي العاقل أن يحكيَه، فضلا عن أن يفتريه، ومنها: ما ذكرتم أني أكفِّر جميع الناس إلا من اتَّبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة. فيا عجبا! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم؟! إني أبرأ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا عن مختلّ العقل فاقد الإدراك)([21]).

ومما يتّصل بهذه الفرية ما نسبه ابن داود للدعوة وإمامها من القول بأن الأمة في ردة منذ نحو ستمائة عام، وفي موضع آخر من نحو سبعمائة عام([22]).

وقد أنكر الشيخ الإمامُ هذا الكذب في رسالته لأهل القصيم، وفي رسالته لعبد الله بن سحيم، كما أنكر ذلك ولده الشيخ عبد الله في رسالته التي كتبها بعد دخول قوات الموحدين مكة المكرمة عام (1218هـ)([23])، وكذا أنكره تلميذه الأمير عبد العزيز بن سعود في إحدى رسائله الدعوية([24]).

تكفير من لم يهاجر إلى بلاد الدعوة:

ومن أكاذيب ابن داود قولُه: إن الدعوة أوجبت على أهل الشام والحرمين الهجرة إلى اليمامة، وأنها تشهد بالكفر على من لا يفعل ذلك، وأنها تجعل المؤمن كامل الإيمان الذي لم يهاجر إلى بلد الدعوة كفرعون وهامان([25]).

وينسب ابن داود إلى محمّد بن عبد الوهاب قوله بأن (من لم يهاجر إليه فهو كافر بلا شك ولا ارتياب، ولو عمل بجميع شرائع الإسلام، واتصف بالعلم والعدول والإتقان، ولو سكن الحرمين واتصل نسبه بالحسنين، حتى لو صدّقني في جميع الأقوال ولم يخالفني في شيء من الأفعال)([26]).

ومعلوم أن الشيخ الإمام وتلميذَه الأمير عبد العزيز أنكرا مرارًا أنهم يكفِّرون مَن لم يهاجر إليهم من المسلمين، مؤكِّدين أن ذلك من دعايات العدو التي تصدّ الناس عن حقيقة الدعوة الموجّهة لمحاربة الشرك الأكبر ومظاهره([27]).

والغاية من هذا الإفك وأمثاله التأكيدُ على الفكرة الأساس، وهي: ادعاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب للنبوة وإتيانه بدين جديد طمعا في الزعامة الدينية والسياسية.

إنكار ابن داود لوجود الشرك في نجد:

حرِص ابنُ داود على إنكار وجود مظاهر الانحراف الشركية في بلاد نجد؛ وذلك لهدم الأساس الذي قامت عليه الدعوة الإصلاحية، فنفي وجود الشرك يبطِل شرعية الدعوة، ويجعل ما قامت به مجرّدَ مزاعم توصّلت بها لسفك الدماء والترويج لدين جديد والسعي لفرض هيمنته السياسية على مدن الجزيرة العربية.

فهي تُهمة خطيرةٌ، وغرضها خبيثٌ، وهي مع ذلك مكابَرةٌ هزيلة، يظن صاحبها أنه قد أقام الحجة الباهرة على خصومه، لكنه في الحقيقة أشهد الناس على بؤسِه وعَجزه عن النيل من الدعوة، فلجأ لحيلة العاجز، فأنكر ما لا يُمكن إنكاره ودفعُه، وتجرأ على ما يقرّه العقل والمنطق السليم ويؤكِّده التاريخ والواقع.

زعم ابن داود أن أهلَ نجد لا يعرفون المشاهد، وليس عندهم شيء من ذلك، ولا يعرفون شيئًا من هذه الأمور، وأنهم لا يأتون شيئًا من المحظور شرعًا عند القبور ولا يرضونه([28]).

وهذا الزعم يمكن دفعُه من وجوه كثيرةٍ سيأتي تفصيلها وبيانها في بحث آخر، لكن غايتنا في هذا المقام التأكيدُ على أن العقل يأبى التسليمَ لمثل هذه المزاعم والمجازفات، فمن المحال أن تقوم حركةُ إصلاح ديني وتدخل في صراع فكريّ وعسكريّ عنيف مع خصومها، كلّ ذلك من أجل أوهام وأكاذيب اختلقها مؤسس حركة الإصلاح وداعيتها الأول.

ومن المحال عقلًا أن تسطّر الكتب والمجلدات الموثقة للسجال بين الدعوة النجدية وخصومها في مختلف البلاد الإسلامية حول قضايا الشرك والبدع المفضية إليه، من المحال أن ينشأ هذا السجال من أجل مزاعم لا أصل لها تتحدَّث عن شيوع المظاهر الشركية بين وعند قبور الصالحين وأضرحتهم.

ومن المحال أيضًا أن ينتفض المنتسبون للعلم في بلاد نجد في وجه الشيخ لتفنيد أفكاره وإبطالها بالرسائل والكتب في الوقت الذي كان يسَعهم أن يُنكِروا وجودَ ما يستدعِي الإنكار، ويحسموا الجدل والنزاع بمجرد تكذيب مزاعم الشيخ المُصلح.

ومعظَم المؤلفات الموضوعة للردّ على الدعوة النجدية لم تدخل في جدل حول وجود مظاهر الشرك من عدمها، بل في شرعية الأفعال والاعتقادات المنتشرة بين أهل ذلك الزمان حول الأضرحة.

ولا يمكن لعاقل أن يزعم أن انقسامًا كبيرًا وجدلًا واسعًا بين أبناء ذلك الزمان -وحتى يومنا هذا- نشأ من أجل قضية لا وجود لها، بل لمجرد أوهام من خيالات مخترعها.

كما أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن بِدعًا من المنكرين على مظاهر الشرك في زمانه، بل سبقه وعاصَره دعاةٌ إلى نفس ما دعا إليه من إخلاص الدّين لله، وظهرت الدعوات الإصلاحية في العراق والشام ومصر واليمن، بل في عاصمة الدولة التركية إسطنبول.

ولما قام محمد بن عبد الوهاب بدعوته انتشرت فكرتُه، وناصره الكثير من أعلام زمانه من العلماء والأمراء والمؤرخين والمثقفين، وأثنوا على صنيعه الحسَن؛ حتى صار رائدًا للإصلاح الديني في القرون الأخيرة.

سليمان بن عبد الوهاب يردّ على ابن داود:

لن نطيل الجدَل في نقض الشبهة التي أثارها ابن داود حينما نفى وجودَ المشاهِد الشركية في نجد، بل نترك المجال لأشهَر المعاصرين للدعوة والمناوئين لها والذي انتشرت رسالته في الرد عليها وعُدَّت أولَ ما كُتب في هذا الباب، وهو سليمان بن عبد الوهاب التميميّ شقيق الإمام المجدّد، وننظر فيما كتب في رسالته الموسومة بـ(الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) حيث يقول: (ومعلوم عند العامّ والخاصّ أن هذه الأمور -مظاهر الشرك- ملأت بلاد المسلمين، وعند أهل العلم منهم أنها ملأت بلاد المسلمين من أكثر من سبعمائة عام)([29]).

ويقول أيضًا: (وهذه الأمور حدثت قبل زمان الإمام أحمد في زمان أئمة الإسلام، وأنكرها من أنكرها منهم، ولا زالت حتى ملأت بلاد المسلمين كلّها، وفعلت هذه الأفاعيل كلها التي تكفِّرون بها)([30]).

ويقول: (ومعلوم عند العامّ والخاصّ ممن له معرفة بالأخبار أن هذه الأمور التي تكفِّرون بها ملأت بلاد المسلمين من أكثر من سبعمائه عام كما تقدّم نقله… وأن هذه الأمور ظاهرة غير خفية… والناس يسافرون إليها من جميع الأمصار أعظم مما يسافرون إلى الحج)([31]).

ويؤكّد سليمان بن عبد الوهاب ما ذكره سابقًا ويكرّره قائلًا: (وقد تقدّم مرارًا أن هذه الأفاعيل التي تجعلون من فعلها كافرًا موجودة في الأمة وجودًا ظاهرًا من أكثر من سبعمائة عام، بل قد ذكر ابن القيم أنها ملأت الأرض، وأخبر أنّ في الشام وغيره من بلاد المسلمين بل في كل بلد منها عدّة، وأخبر بأمور عظيمة هائلة تُعمل عندها من السجود للقبور والذبح لها وطلب تفريج الكربات وإغاثة اللهفان من أهلها والنذور وغير ذلك)([32]).

ويؤكّد أيضًا أن الأمور التي (تجعلون بها المسلم كافرًا -بل تكفّرون من لم يكفّره- ملأت مكّة والمدينة واليمن من سنين متطاولة، بل بلغَنا أن ما في الأرض أكثر من هذه الأمور في اليمن والحرمين)([33]).

ويقول: (فمن أطراف الشرق إلى أطراف الغرب إلى الروم إلى اليمن كل هذا ممتلئ مما زعمتهم أنه الأصنام)([34]).

ويقول: (فأما هذه الأمور التي تجعلونها شركًا أكبر وعبادةَ الأصنام فهي ملأت بلاد العرب من قرون متطاولة)([35]).

ويقول: (الأمّة بأجمعها على طبقاتها من قرب ثمانمائة سنة ملأت هذه القبور بلادها)([36]).

ويقول: (وهذه الأمور التي تجعلونها الشركَ الأكبر وتسمّون أهلها عباد الأصنام أكثر ما تكون بمكة المشرفة)([37]).

ويقول: (ومعلوم عند من عرف المدينة النبوية وأهلها أن هذه الأمور فيها كثير، وأكثر منه في الزبير وفي جميع قرى الإسلام، وذلك من قرون متطاولة تزيد على أكثر من ستمائة سنة)([38]).

وقد حرصت على تتبّع جميع عباراته المؤكّدة لوجود الشرك الأكبر وانتشار الأضرحة والقبور المعظَّمة في معظم بلاد الإسلام لأهمية التأكيد على هذه الحقيقة من كلام أشهر المناوئين للدعوة وأقربهم للشيخ محمد بن عبدالوهاب، والذي أكّد مقالة المصلحين النجديّين، وأثبت ما لا يمكن إنكاره وجَحده، وأن الشرك قد عمّت مظاهره وانتشر في بلاد الإسلام، ولم يقترب في رسالته الطويلة من فكرة إنكار وجود الشرك في بلاد نجد بالرغم من سعيه لإبطال مذهب الموحدين النجديين وتفنيد حجتهم من وجوه مختلفة.

أهل نجد يرفضون الشرك لكن الشيخ لا يقبل منهم إلا الشهادة له بالعصمة!

من أعجب من ذكره ابن داود أنّ أهل نجدٍ لا يعرفون الشرك عند القباب والأضرحة، ولا يفعلونه، ولا يرضونه، ولا يوالون أهلها ولا يحبونهم، متسائلًا عن سبب قتل أتباع الدعوة النجدية للمصلين.

ثم يجيب عن هذا التساؤل قائلًا: (إن محمد بن عبد الوهاب قال لهم: لا أقبل منكم أبدًا حتى تشهدوا لي بالصدق والعصمة ولجميع العلماء بالكذب والفرية، وأني لا أنطق عن الهوى، وأن من عاداني فقد زاغ وفي الكفر هوى، وتجاهدوا معي بالسيف والمال واللسان، وتشهدوا أن كل من يتبعني يُحسن تفسير القرآن)([39]).

وقد كرّر ابن داود هذا المعنى مرارًا؛ سعيًا منه للتأكيد على عدم وجود انحرافات شركية تستدعي ظهور الدعوة الإصلاحية، وإنما هي رغبة محمد بن عبد الوهاب بالزعامة الدينية والسياسية على أهل نجد.

وهذا الكذب يأباه العقل ويردّه من كل الوجوه، فلو أردنا الحديثَ بمنطق الدعوة، فإن أصحاب الدعوات والمذاهب الدينية الصحيحة والفاسدة يجتهدون في إقناع الناس، ويحرصون على استمالتهم، ويزيّنون لهم بزخرف القول أفكارَ دعوتهم، وينفّرونهم عن مذهب الخصوم؛ مستخدمين في سبيل ذلك كلَّ السبل الممكنة. وفرض الرأي وإلزام الناس به وإكراههم على اعتناق دين أو مذهب ميعن لا يتناسب مع فكرة الدعوة.

أما إن أردنا الحديث بمنطق السياسة فإنّ الملوك والقادة لا يحرصون على استعداء الشعوب الواقعة تحت سلطانهم، بل يلجؤون إلى استمالتهم إلى صفّهم أو تحييدهم بالقوى الناعمة والأساليب غير الصدامية.

ومعلوم أن نابليون بونابرت القائد الفرنسي -صاحب الحروب والانتصارات العسكرية المشهورة في الشرق والغرب- حينما تمكّن من السيطرة على مصر في حملته المعروفة عام (1798-1801م) أظهر الإسلام وتودَّد إلى أهله.

ومن قبله الباطنية الإسماعيلية، فإنهم هيمنوا على مصر والحجاز وبعض بلاد المغرب واليمن، ولم يتمكّنوا من فرض مذهبهم الشيعيّ بالإكراه على الشعوب السنية بالرغم من غياب المعارضة القويّة لحكمهم، بل ظلّوا على طريقتهم الأولى في الدعوة، ولم يخاطبوا الناس بالمنطق المتعجرف والخطاب الاستعلائي الذي نسبَه ابن داود لإمام الدعوة، بالرغم من أنهم كانوا متمكّنين عسكريًّا وسياسيًّا أكثر من تمكّن الدعوة السلفية في بلاد نجد وعموم الجزيرة العربية.

أمر ثالث: وهو أن الدعوة لم تلجأ للصدام العسكريّ مع محيطها إلا اضطرارًا لردّ غارات أعدائها، ولم تتمكّن من تحقيق الانتصارات وتوسيع رقعة دولتها إلا بعد حروب وصراعات كثيرة، ولم تلبث طويلًا حتى توالت الحملات عليها من العراق والإحساء والحجاز، فسقطت دولتها وتهدمت عاصمتها.

فلم تصل الدعوة النجديّة لمرحلة التمكين العسكريّ والقهر التامّ لخصومها حتى يتسنّى لها مخاطبة الناس بلغة العنجهية التي نسبها ابن داود لهم حيث يقول مخاطبًا الإمام: (وأنت -يا مغرور- لا تُدخل العلماء الأعيان في دائرة الإسلام إلا بتعليمك إياهم معنى لا إله إلا الله وأن يشهدوا لك بالعصمة والهدى)([40]).

بل يذهب ابن داود إلى أبعدَ من ذلك متَّهما أتباع الدعوة النجدية (بقتل المؤذّن وهو على المنارة بالرصاص، ويقال له: كذبت يا عدوَّ الله، لا يُقبل منك هذا حتى تشهد أن محمّد بن عبد الوهاب على الحقّ ومن عاداه على الباطل)([41]).

ويقول أيضًا على لسان الشيخ: (أنا لا أرضى إلا أن تشهدوا أنكم كفّار قبل اليوم، وأني على الحق وحدي، وتُكفِّرون من سلف من آبائكم وعلمائكم)([42]).

وقد بينّ الشيخ عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب أنّ هذا من الكذب المفترى عليهم حيث يقول في سياق نفيه لطائفة من الأكاذيب المنسوبة للدعوة: (وأنّا لا نقبل بيعةَ أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركًا، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله)([43]).

تكفير الناس من أجل الملك والحكم:

يصرّح ابن داود بما أراد التوصّل إليه من خلال كذبه السابق، فقد أراد التأكيد على أن الشيخَ الإمام جاء بدين جديد يُلزم الناس بالطاعة المطلقة له وتكفير من خالفه وعصى أمره، كلّ ذلك من أجل الظفر بمغانم الحكم والمُلْك.

أي: أن الشيخ قام بتوظيف الدين لأغراض سياسية دنيوية، يقول ابن داود: (وجميع ما يورده من الأدلة الفاسدة يقصد بها الكفر الأكبر؛ حتى يتمّ له ما أراد من قتل المسلمين وأكل أموالهم والاستيلاء على ديارهم). وقد صرح بذلك في مواضع كثيرة([44]).

محاربة الدعوة للعلوم الشرعية وتكفير العلماء وحرق مؤلفاتهم:

يحاول ابن داود من خلال كتابه إشاعة الكِذبة التي تقول: إن الشيخ يترك التقليد ويدَّعي الاجتهاد ويبيحه لأصحابه دون الرجوع للعلماء أو لمصنّفات أهل العلم السابقين، ودون اهتمام بطلب العلم الشرعيّ وتحصيله والترقّي في مراتبه.

وهذا الاتّهام يتناسب مع جعل الدعوة النجديّة دينًا جديدًا لا صلة له بدين المسلمين وأئمته من العلماء وتراثهم في مختلف المجالات.

بمعنى آخر: فابن داود من خلال أكاذيبه يجعل من الدعوة النجدية حركةً حداثية تقطع صلتها بماضيها، وتنتقد العلماء، وتقدّم صياغة وتفسيرا جديدًا للإسلام.

فقد زعم ابن داود أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يحذّر من الفقه ويزدريه، ويعيب على من اعتنى بكتبه، بل إنه يسبّها ويسبّ أهلها كما قام بإحرق كتب الأحكام([45]).

ولا يقتصر الأمر على الفقه كما يرى ابن داود، فمحمد بن عبد الوهاب لا يعرف العربية، (بل يعيب على من تعلمها ويسبه)([46])، وادّعى أيضًا أن الدعوة النجدية (تحذّر من كتب التفسير، وتعاقب من أظهر ورقة منها، هي وجميع كتب أهل العلم من حديث وفقه وغيره، وتحرف شيئا منها وتهين شيئا، وتجتهد في أن لا يرى العوام شيئا من كتب العلم)([47]).

وزعم أنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب جعل لنفسه ورْدًا لازمًا في سبّ ولعن وتكفير العلماء، وإذا أتاه من يريد الدخولَ في دينه فلا بد أن يبدأ بلعن المشايخ وتكفيرهم)([48])، ونسب له أيضا القول بأن (من لم يكفّر العلماء فهو أكفر من فرعون)([49]).

ولا تقتصر عداوة الشيخ على معاصريه من العلماء كما يرى ابن داود، بل إنه يطعن في السابقين أيضًا كالبخاري وأبي حنيفة النعمان والسيوطي والبهوتي الحنبلي، ويكفّر ابن حجر الهيتمي، وزعم أيضًا أن عيسى بن قاسم -وهو من خواص تلاميذ الشيخ- يسمّي كتاب الإقناع للحجاوي وكتاب منتهى الإرادات لابن النجار الفتوحي: (الكلبان الأسودان)([50]).

ويُفهم من كلام ابن داود أن الشيخ الإمام في خصومة مع علماء المسلمين المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين، وأنه جريء على الطعن فيهم وعدم الأخذ منهم وتكذبيهم وتكفير بعضهم.

ولا ينبغي لعاقل أن يتردَّد في القطع بأن هذا من الإفك والكذب الذي لا يستقيم تصديقه إلا في اعتبار محمد بن عبد الوهاب داعية لديانة جديدة ناسخة لدين الإسلام، أو مارقًا مدعيًا للنبوة، أو حداثيًّا متزندقً يطعن في التراث الإسلامي وعلماء الدين ويرى نفسه مؤهلًا للاجتهاد والنظر بمعزل عن الرجوع إلى من سبقه.

وقد نوّه الشيخ إلى تكذيب الإفك الدائر في فلك ادعاء الاجتهاد وإبطال المذاهب الأربعة وذمّ كتب الفقه والعلماء، فيقول في إحدى رسائله مفندًا بعض المفتريات المنسوبة له ومنها: (أني مبطل كتب المذاهب الأربعة، وأني أدعي الاجتهاد، وأني خارج عن التقليد)([51])، ويقول أيضًا: (وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد، فنحن مقلدون الكتاب والسنة وصالح سلف الأمة وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل)([52]).

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (فتأمل -رحمك الله- ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة المقتدى بهم من أهل الحديث والفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين؛ لكي تتبع آثارهم)([53]).

ويقول عبد الله أيضًا: (ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلّد أحدَ الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم، ولا نقرهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها)([54]).

ويقول إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن في بيان عقيدة جدّه مؤسس الدعوة: (وقد درج على هذا مَن بعدهم مِن التابعين مِن أهل العلم والإيمان مِن سلف الأمة كسعيد بن المسيب… ومالك بن أنس… وابن المبارك وأبي حنيفة النعمان بن ثابت والشافعي وأحمد وإسحاق والبخاري ومسلم ونظرائهم من أهل الفقه والأثر، لم يخالف هذا الشيخ ما قالوه، ولم يخرج عما دعوا إليه واعتقدوه)([55]).

وفي هذه النصوص وغيرها الكثير أنَّ الدعوة النجدية وإمامَها يعظّمون العلماء من السلف والأئمة الأربعة المتبوعين، ويعظّمون البخاري وأبا حنيفة النعمان، ويقتدون بهم، ويعتقدون عقيدتهم بخلاف مزاعم الخصوم.

أمّا كذبة تكفير ابن حجر الهيتمي فيردّها عبد الله ابن الإمام محمد فيقول: (ولا نقول بكفر من صحّت ديانته وشُهر صلاحه وعُلم ورعه وزهده وحسُنت سيرته وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سمة علمه؛ ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ لأنه من جملة علماء المسلمين)([56]).

أما موقف الدعوة النجدية من كتب العلماء فيوضّحه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قائلًا: (إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلِّها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرّزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير. ونحرص على كتب الحديث خصوصًا الأمهات الستّ وشروحها، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولًا وفروعًا، وقواعد وسيرا ونحوًا وصرفًا وجميع علوم الأمة. ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلًا إلا ما اشتمل على ما يُوقع الناس في الشرك)([57]).

وأكّد في موضع آخر أنهم لا يتلِفون شيئًا من كتب العلماء فقال: (وأما ما يُكذَب علينا سَترا للحق وتلبيسا على الخلق) ثم ذكر أشياء منها: (وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء ونتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل)([58]).

ابن داود يصدّق مزاعم المستشرقين عن حقيقة الدعوة:

معلوم أنّ ما كتبه الرحّالة الغربيون والمستشرقون عن الدعوة النجدية اشتمل على كثير من التصوّرات المشوّهة والمعلومات الخاطئة، ومن أشهر من تداولته الكتابات الأجنبية عن الدعوة الزعمُ بأنها لا تأخذ إلا بالقرآن وتطرح ما سواه من مصادر التشريع.

وابن داود نجده يؤيّد هذه المزاعم، فيزعم أن الإمام المجدّد يقول: (لا آخذ إلا بالكتاب -القرآن- ويكفي عن الإجماع وغيره، وأما الحديث فلا يتعلّمه ولا يعلّمه، بل يكتم كتبه عن أتباعه)([59])، وفي موضع آخر يزعم أن الدعوة تكتفي بالكتاب والسنة ولا تأخذ بالإجماع والقياس([60]).

وإن كان الغربيون لجهلهم وقلة اطلاعهم قد يعذَرون في تصوّراتهم الساذجة عن الدعوة ومبادئها، فابن داود غيرُ معذور في اختلاقه للكذب، وربما كان هذا الرجل وأمثاله من الذين يفترون الكذب أو يتداولونه هم مصدر المعلومات المضلّلة عن الدعوة الإصلاحية.

العلاقة الأخويّة بين الرافضة والدعوة النجدية!

تفرّد ابن داود بأمرٍ لم يشاركه فيه أحد، وهو زعمه أن بين الرافضة والدعوة النجدية أخوَّة ومودَّة باطنة، وأن الدعوة تُكرمهم إذا وفدوا إلى ديارها، ولا تكفّرهم، ولم تقتل منهم أحدًا بالرغم من تعظيم الرافضة للمشاهد والأضرحة وغلوهم في أهل البيت، بل يذهب ابن داود إلى أبعد من ذلك فيرى أن الدعوة تجعل خصومها من أهل السنة شرَّا من الرافضة([61]).

وهذا الكلام يردّه ويرفضه كلّ من قرأه من الموافقين أو المخالفين للدّعوة، فأشدّ الناس عداوة لغلو الرافضة هم النجديون، بل إنهم عند الشيخ محمد (أول من أدخل الشرك في هذه الأمة)([62]).

في المقابل فإن أشدَّ الناس بغضًا للدعوة الإصلاحية قديمًا وحديثًا هم الرافضة، يستوي في ذلك عوامهم وعلماؤهم وملوكهم، فالرافضة والدعوة النجدية ضدان لا يجتمعان ولا يتفقان ولا يلتقيان إلا في ميدان الصدام والمواجهة؛ فكل منهما يؤسس دينه ومذهبه على هدم المذهب الآخر، فأمر الرافضة لا يصلح دون تعظيم المراقد وحج المشاهد، وأمر الإسلام لا يتمّ عند مصلحي نجد مع بقاء هذه المشاهد، بل القضية المحورية عند النجديين هي محاربة هذه المظاهر وإزالتها من حياة المسلمين.

ولعله من العبث إطالة الكلام حول هذا الأمر؛ لأنه أمر معلوم بالضرورة لكل من عرف الدعوة النجدية وتاريخها وطريقة تعاملها مع الروافض في الإحساء والعراق.

ذم القبائل والمناطق:

سلك ابن داود مسلكًا رديئًا اتَّخذه المخالفون في نقدهم للدعوة وذمّهم لإمامها، وهو ذم البلد التي نشأ فيها الإمام محمد بن عبد الوهاب وظهَرت فيها دعوته، يعني (بلاد نجد، ومنطقة اليمامة، ووادي بني حنيفة)([63])؛ مستندين إلى ما ورد في الصحاح من أن الفتنة من المشرق.

وهذا المعيار في الذمّ والمدح لا يُرضي إلا ضعافَ العقول، ولو اعتمدناه في تقييم الدول والدعوات لتبين فساده.

فإنه قد ثبت في السنة النبوية الثناء على بلاد اليمن وأهلها، ومعلوم أن المذهب الزيدي انتشر في اليمن وقويت شوكتُه وبسط حُكمه لأكثر من ألف عام على أجزاء واسعة من النواحي الشمالية للبلاد، فهل ظهور الدعوة الزيدية في اليمن دليل على صحة أفكارها وسلامة منهجها؟!

ولا يقتصر الأمر على التشيّع الزيدي، فقد ظهرت دعوة الإسماعيلية في اليمن، وقامت لهم دولة دامت قرابة مئة عام (429-532هــ)، حكمت معظم البلاد اليمنية عُرفت بالدولة الصُّليحية.

كما ظهر التصوّف في إقليم حضرموت، وتمكَّن وانتشر، على ما فيه من خرافات وغلو في الأولياء ودجل وتكسّب بدعوى الانتساب للبيت العلوي الشريف، فهل نشهد بصحة هذه الانحرافات لوجودها في أرض جاء الثناء عليها في الأخبار النبوية؟! وهل يجوز تزكية المذاهب المخالفة لعقيدة جمهور المسلمين وإجماعهم بسبب ظهورها في أرض اليمن؟!

يمضي ابن داود مبالغًا كعادته في القدح والذمّ، فلا يقتصر على ذم البقعة والمكان، بل أخذ يذم القبائل، ومنها:

– قبيلة الشيخ (بنو تميم).

– وبنو حنيفة (وإليهم يرجع نسب أنصاره من آل سعود).

– ووائل (يعني بنو بكر بن وائل) وإليهم يرجع بنو حنيفة([64]).

ومن العجيب أنه استند في ذمه لبني تميم على تفسير قتادة لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَّرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}، ذكر أنهم من بني تميم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب منهم([65]).

لكنه غفل عن أمرين:

الأول: أنه ثبت في الصحيح ثناء النبي على بني تميم وذكر مناقبهم([66]).

الثاني: أن شيخه محمد بن فيروز الأحسائي من بني تميم أيضًا!

والذمّ والمدح عند ابن داود تابع للفكرة التي يهواها، فإذا أراد ذمّ الدعوة النجدية ذم ديارها وذمّ أهلها فيقول مثلا: (فإن أهل نجد أهل معاصٍ ومظالم وحسد وبغي، فسلطه الله عليم)([67])، فجعل خروج الدعوة منها من شؤم معاصيهم وبغيهم فكانت عقابًا إلهيًّا.

لكنه حينما أراد إنكار وجودِ الشرك ونفي ما يستدعي ظهور الدعوة في نجد أثنى على أهلها وعلى استقامة أحوالهم الدينية، حيث زعم بأن أهل قرى نجد قبل ظهور الدعوة (منقادون لأمر ربّ العالمين، ويقيمون جميع أركان الدين، وهم على مذهب واحد وعقيدة واحدة مرضية عندك، وليس فيها مبتدع قبل خروجك ولا معاند، وليس عندهم شيء من المشاهد، وفيها علماء وعباد وزهاد ومجتهدون في نشر التوحيد والدين)([68]).

الحياة الشخصية للإمام المجدّد مادة لصناعة الأكاذيب عند خصومه:

يعجز الخصوم عن مواجهة الدعوة الإصلاحية بالحجة والبرهان، فيلجؤون لطريقة بائسة تتمثل في الطعن في الشيخ الإمام من خلال افتراء الكذب عن حياته الخاصّة والتطرق لأمور لا تمسّ الأفكار والمبادئ التي دعا لها.

ووفقًا للمصطلحات الدارجة في زماننا فإن الخصوم يلجؤون لأسلوب تشويه سمعة الشيخ والتشهير به من خلال الكذب عليه في قضايا تتعلق بحياته الشخصية وأحواله في مقتبل عمره، وإن كانت هذه الأمور بحد ذاتها -حتى وإن صحت- لا تقدح في الأفكار الإصلاحية التي نادت بها الدعوة، ومن هذه المفتريات:

ما رواه محمد بن فيروز الأحسائي عن علاقة الإمام المجدّد بأمير العيينة عثمان بن معمر التميميّ، فيزعم أن أخت عثمان أصابها مسّ من الجنّ وعجزوا عن إخراجه، وأنه خاطبهم من داخلها بأنه لا يقدر عليه إلا محمد بن عبد الوهاب، فحضر وحين قابل المرأة خرج المارد!

ثم إنّ ابن معمر أراد أن يبقي الشيخ عنده فأشاروا بأن يزوّجه عمّته الجوهرة بنت عبد الله بن معمر لأن محمد بن عبد الوهاب كان مولعًا بها([69])!

فمثلُ هذا الكلام لا ينبغي لفقيه أن يرويَه؛ فإنّ ذلك يقدح في المروءة والديانة والصدق، وليس من النزاهة ولا القوة العلمية أن تواجهَ خصمَك في المعتقد بهذه الحكايات البائسة.

ومن ذلك زعم ابن فيروز أيضًا أنّ الشيخ في أول عمره كان مهتمًّا بأخبار أدعياء النبوة، وكأن الشيخ راودته فكرة ادّعاء النبوة، فقرأ في تجارب السابقين ثم خرج بدعوته!

بل إن حنق ابن فيروز على الإمام جعله ينحدر إلى القول بأن الشيطان واقَعَ أمَّ الشيخ محمد في لحظة غفلةٍ من أبيه، فجاء هذا المارد -أي: محمد بن عبد الوهاب-، وتحريًا للورع والأمانة فإنه صدّر كلامه القبيح بقوله: (لعل الشيخ غفل عند مواقعة أمه)([70])! وكأن كلمة (لعل) تُخرجه من معرّة البذاءة والخُلُق الرديء.

ومن ذلك أيضًا ادّعاء ابن داود أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب انهمك في الذنوب والمعاصي في أول أمره([71]).

ومن ذلك أيضًا: زعم ابن داود أن الشيخ لم يطلب العلوم الشرعية في الحجاز كعادة طلاب العلم في نجد، وإنما (طلبه في المشرق كالبصرة والحويزة وبلاد الرفض)([72]). والمشهور من سيرة الشيخ أنه توجّه للحجاز وأخذ عن علمائها، ومن أشهرهم محمد حياة السندي وعبد الله بن إبراهيم بن سيف، ولا يُعرف عن الشيخ أنه توجّه للأحواز (الحويزة) وبلاد فارس لطلب العلم، وما تتناقله بعض كتب التراجم عن ذلك فمأخوذ عن كتاب لا يُعرف صاحبه وهو مشحون بغرائب لم يقل بها أحد، ولا تستقيم مع المشتهر من سيرة الشيخ وعموم أحواله ودعوته، ومن ذلك: أن الشيخ في رحلته في طلب العلم ذهب إلى مدينة أصفهان في بلاد العجم وطلب علم الحكمة الإشراقية ومسالك التصوف ثلاث سنوات، وجلس في الخلوة واعتزل الناس ستة أشهر([73])!

الاستشهاد بالأحاديث المكذوبة لذمّ الدعوة النجدية:

بلغ الجنون بأعداء الدعوة مبلغًا عظيمًا، دفعهم لاختلاق الأحاديث في ذمّ محمد بن عبد الوهاب ودعوته ونسبة ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام بعد أن كنّا نظنّ أن وضع الحديث قد انتهى بانقضاء عصر الرواية.

فقد أورد ابن داود هذا حديثا نصّه: (سيخرج في ثاني عشر قرنًا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور…) ثم قال: (وهذا وإن لم نقف له على مخرج فله شواهد كثيرة تقوي معناه)([74]).

وهذا من الكذب البيّن، وقد أورده ابن داود وهو موقن بأنه غير موجود في دواوين الأحاديث الموضوعة؛ لأنه وضع بعدها بقرون! ومع ذلك ينسبه بكل صفاقة ووقاحة للنبي عليه الصلاة والسلام ويزعم أن له شواهد تقوي معناه.

كما أورد ابن داود حديثًا آخر هذا نصه: (كنت في مبادئ الرسالة أعرض نفسي على القبائل كل موسم، ولم يجبني أحد جوابا أقبح ولا أخبث من رد بني حنيفة)([75]).

وقد أورده دون أن يُعلّق عليه، وهذا الكلام لم يذكره أحدٌ مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومصدره الوحيد هو سيرة ابن إسحاق حيث قال: (حدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم)([76])، فالكلام لم يرد مرفوعًا من الأصل حتى في المصدر الوحيد من كتب المسلمين، بل هو من كلام أحد التابعين، وإسناده لا يصح بحال من الأحوال.

كما أورد نصًّا ثالثًا من جنس الأحاديث التي تتناول فتن آخر زمان، لكنه نسبه إلى أحد التواريخ، ونصه: (يخرج في آخر الزمان في بلد مسيلمة رجل يغيّر دين الإسلام، ولا يتعدّى ملكه نجد)([77]).

فجاء جميل صدقي الزهاوي([78]) فجعل هذا النصّ من كلام النبي عليه الصلاة والسلام كما فعل ابن داود حينما جعل كلام عبد الله بن كعب بن مالك حديثا مرفوعًا.

طائفة من مفتريات ابن داود وغلوّه في ذمّ الدعوة النجدية وسبّ أئمتها:

نقف وقفاتٍ سريعة مع بعض الكذب الذي افتراه ابن داود ونسبه إلى الدعوة النجدية، والذي يكتفي المرء بمجرد قراءته لتكذيبه دون الحاجة لدليل على نفي نسبته، ونعلّق على بعض بما يلزم.

أولًا: تكفير السلطان والخروج عليه([79]):

يُدرك كلّ من عرف الدعوة الإصلاحية وطالع رسائل أئمتها وتاريخ دولتها أنها أبعد الناس عن مسلك الخروج، وأنها لم تتعرّض يوما لشرعية الحكم العثماني والولاة التابعين، ولم تنازعهم الملك والسلطان، بل لم تبحث هذه المسألة ولم تخطر ببالها.

وهم في ذلك يلتزمون عقيدة أهل السنة وتعاملهم مع ولاة الأمور، وهذا ما شهدت به رسائلهم ومواقفهم العملية في تعاملهم مع ممثلي الدولة العثمانية في الحجاز والأحساء والعراق.

فقضية الدعوة النجدية أبعد ما تكون عن مسألة شرعية الحكم وتغيير الحاكم وتكفير الولاة والدعوة لخلعهم.

ثانيًا: زيارة الشيخ أولى من الحج:

يقول ابن داود فيما يفتريه على الإمام: (وأما الحج فأسقطتَه عن أهل قُراك، وجعلتَ مكانه زيارتَك واتّباع هواك، فإنه إذا جاءكم الرجل يريد الحجّ تعيبون عليه وتقولون: لو زرت الشيخ كان أولى من حجك)([80]).

ثالثًا: تكفير من سكن المدينة النبوية أو زارها([81]):

رابعًا: قتل الطفل الرضيع ورفعه على الرمح لأنه مشرك:

ذكر ابن داود أن الدعوة النجدية أشر على المسلمين من مسليمة الكذاب، فلا يرحمون الصغير ولا يوقرون الكبير، ثم ذكر كلامًا شنيعًا في وصف دموية أتباع الدعوة وحبهم لقتل المصلين وغدرهم، ومما قاله: (ويشقون بطن الحامل، ويخرجون ولدها، ويرفعونه على الرمح، ويقولون: انظر -يا ربّنا- فعلنا بهذا المشرك)([82]).

خامسًا: النداء للأذان من أجل جمع المصلين وقتلهم([83]):

يكرّر ابن داود فريةَ قتل أتباع الدعوة للمصلين المخالفين لهم أثناء صلاتهم، وقد أكد هذا الأمر مرارًا إمعانا في ذمهم وتقبيح فعلهم.

ويزعم أن محمد بن عبد الوهاب يوصي أتباعه بقتل المصلين، فأول من يقتلون المؤذن، وأول من يقتلون الكبير الهرم المصلي بالمسجد آخر الليل([84]).

سادسًا: قتل المصلين الموافقين لهم:

يصرّ ابن داود على نزع المعقولية عن الكذب الذي يسرده، فلا يكتفي باتهام النجديين بقتل المخالفين لهم، بل يزعم أنهم لا يقبلون توبة التائب، ويصرّون على قتل الموافق التائب لهم بعد أن يسمحوا له بأداء الصلاة.

ونحن إن صدّقنا أن الوهابية جاؤوا بدين جديد، ولا يقبلون من الناس إلا موافقتهم وطاعتهم، فلماذا يقتلون من دخل في طاعتهم أثناء الصلاة؟!

حيث يدّعي ابن داود أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يقبل توبةً من تائب، فإنَّ كثيرًا ما يجد الرجل في البرية معه حزمة الحطب لأيتامه وأرامله، فيقول ذلك الرجل: أنا مسلم ملتزم لجميع شرائع الإسلام، وأنا أتوب إلى الله وإليكم، وأذهب معكم لبلدكم وأوافقكم… دعوني أصلي… فإذا سجد أهووا إليه بالسلاح وقتلوه، وبعض الأحيان يتركونه حتى يسلم، ثم يتبادرونه بالسلاح)([85]).

وفي موضع آخر ذكر أنهم إذا ظفروا برجل من المسلمين (أظهروا له الأمان حتى يعطيهم جميع ما عنده من الأخبار، ثم إذا شرع في الصلاة فصار في السجود تبادرتموه بالرماح والسيوف)([86]).

وقد مرّ معنا زعم ابن داود أن الوهابية يقتلون المؤذّن وهو على المنارة، (ويقال له: كذبتَ يا عدو الله، لا يقبل منك هذا حتى تشهد أن محمد بن عبد الوهاب على الحق ومن عاداه على الباطل)([87]).

وهنا يقع التناقض مجدّدًا، هل الوهابية حركة دينية مارقة تدعو لدين جديد ينسخ دين الإسلام، أم أنها مجرد حركة مسلحة دموية تتستر بالدين للظفر بالأموال وتسعى للملك والزعامة السياسية؟

سابعًا: أهل نجد أكفر من فرعون والشيطان([88]):

نسب ابن داود هذا الكلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكل من طالع مؤلفات الشيخ وقرأ رسائله علم أنه بريء من هذه المبالغات التي لا تليق بمصلح يريد نجاة قومه.

ولطالما نفى الشيخ أكاذيب خصومه على كثرتها، وفي أحد رسائله المشهورة والتي كَثُر تداولها يقول: (وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نُكفّر من لم يُكفّر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدّون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفِّر ويقاتل)([89]).

فأين هذا الكلام المتزن من الإفك الذي يضعه ابن داود على لسان الشيخ؟!

ثامنًا: كفر فرعون ما يبلغ جزءًا من ألف جزء من كفر المويس([90]):

وهذا أيضًا من المبالغات التي افتعلها ابن داود ونسبها للشيخ، وحسْبُ القارئ أن ينظر في عبارة الشيخ ليرى حجم المبالغة في الكذب.

يقول الشيخ: (وتذكرون أني أكفّرهم بالموالاة، وحاشا وكلا; ولكن أقطع أن كفر من عبد قبّة أبي طالب لا يبلغ عُشْر كفر المويس وأمثاله)([91]).

والمويس هو عبد الله بن عيسى آل موسى، من أشهر خصوم الدعوة النجدية الذين كانوا يحرضون الناس ضدها ويفترون عليها الكذب كما ورد في رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

تاسعًا: الصلاة على النبي على المنابر والدعاء بعد الصلاة المكتوبة([92]) وشرب الدخان كلها من من الشرك الأكبر عند أتباع الدعوة([93]):

عاشرًا: المسبّحة صنم، والتسبيح بها عبادة له:

ومن الإفك الذي نسبه ابن داود للشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه يقول بأن (المسبّحة كالأصنام ومن يسبح بها فهو يعبده، ولا فرق بينه وبين من يعبد الأصنام، بل يشدّد هذا المارد -يعني محمد بن عبد الوهاب- في المسبحة أعظم من تشديده في الأصنام)([94]).

حادي عشر: لو خرج أبو جهل لقاتل أهل نجد لشركهم وتوحيده([95]):

وهذا الإفك قد صاغه ابن داود مما قرره الشيخ بأن مشركي العرب في الجاهلية كانوا يلجؤون إلى الله وحده في الشدة ويشركون به في الرخاء، وأن مشركي زمانه يلجؤون للمقبورين في الشدة والرخاء.

فلم يزعم الشيخ أن أبا جهل مسلمٌ عرف حقيقة التوحيد، وأنه لو بُعث من قبره لقاتل عُبّاد القبور، فهذا كذب لا يصدّقه عاقل حتى وإن كان خصمًا لأفكار الدعوة، والغرض من صياغة الكذب بهذه الطريقة التنفير من الدعوة وتشنيع مقالتها.

الثاني عشر: مدّ اليد لتقبيلها وتلقين الميت من جملة المكفرات عند أتباع الدعوة([96]):

بعض الأوصاف التي أطلقها ابن داود على الإمام المجدد والأمير ابن سعود والدعوة النجدية:

اعتاد ابن داود على وصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنه “مسيلمة الصغير” أو “خليفة مسليمة” أو ” وارث مسليمة الكذاب” وأنه “الخارجي المارق الكذاب”([97]).

وأن لذته (في التفكير واللعن وتضليل الأمة والكذب عليها والطعن وسبّ العلماء والأخيار وافتضاض الجواري الأبكار وشتم الأحياء والأموات وأكل الحرام ومال اليتامى والشبهات… فكاد والله أن يقول ما قال مسليمة الكذاب، ويطلب من المسلمين ثأره بلا شك ولا ارتياب)([98]). أما محمد بن عبد اللطيف الأحسائي فقد وصف الشيخ بأنه “الجواظ الزنيم”([99]).

أما الأمير عبد العزيز بن سعود فكان له نصيبه من لسان ابن داود البذيء، فقد وصفه بأنه (قائد الفجّار ورأس الأشرار عدو الجبار، المارق، من أعظم المحاربين لله ورسوله، عدو الرحمن، قائد أهل الفجور والجور والمكر والطغيان، مسليمة الصغير)([100]).

كما أورد هذا الحديث (ستة لعنهم الله… الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله سبحانه، والمتسلّط بالجبروت؛ ليذلّ من أعزّ الله، أو يعزّ بذلك من أذلّ الله سبحانه، والمستحلّ بحرم الله سبحانه، والمستحلّ من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي). وزعم أن هذه الخصال السبع كلها موجودة في عبد العزيز إلا التكذيب بالقدر([101]).

كما أسرف ابن داود في ذمّ الدعوة النجدية حتى جعلهم أشرَّ على المسلمين من مسليمة الكذاب، وأن مقالتهم أقبح من مقالة أهل النهروان من الخوارج، وأعظم ضررا على المسلمين منهم، وأن اليهود ولنصارى أخفّ شرًّا من النجديين؛ (لأن شرّهم قاصر وشرّكم متعدٍ). أما محمد بن عبد اللطيف الأحسائي فاعتبر الوهابية أضرّ على أهل التوحيد من عبدة الأوثان والأصنام)([102]).

ابن داود والدعوة لحرب الدعوة النجدية وقتالها:

لم يكتف ابن داود بالمعارضة الدينية لما جاءت به الدعوة الإصلاحية، بل كان داعية لمحاربتها واجتثاثها، يقول في المقدمة: (ثم إن العلماء لما رأوا أنه لا يجيب ولا يرجع إلى الحق ينيب… تركوا الردّ عليه وهجروه… وقالوا: هذا مغرور وليس له رادع إلا بسيف السلطان وتخريب الديار والأوطان، فلعل شجاعا يكشف هذه الغمة ويقطع تلك الفتنة الصماء المدلهمة بخميس عرمرم متزاحم الأفواج وعسكر ضخم متلاطم الأمواج، ممدود بغاية الظفر والنصر، مرصود بعناية الربانية على أهل العصر، فيجيء مسليمة ومجاعة، ويدمر اليمامة ويجدد ويلها إلى قيام الساعة)([103]).

ويقول أيضا: (ينبغي لمن قيّضه الله لقتال هذا الضالّ أن يكون له نيّة خالصة واعتقاد صحيح وصبر جميل وبأس شديد وعزم ومصابرة ومكابدة ومشورة وسياسة تامة في الحروب، فحينئذ يكون الظفر -إن شاء الله- بالمطلوب)([104]).

فخيَّب الله تعالى سعيَه، وقطع آمالَه، ونصر سبحانه دعوةَ التوحيد، وأعلى رايتَها، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الصواعق والرعود (ص: 236).

([2]) منهج الرشاد لمن أراد السداد (ص: 3-4).

([3]) منهج الرشاد لمن أراد السداد (ص: 31).

([4]) الصواعق والرعود (ص: 162).

([5]) الصواعق والرعود (ص: 28).

([6]) الصواعق والرعود (ص: 93، 122-123، 149، 175، 236، 252، 504).

([7]) الصواعق والرعود (ص: 44، 150، 481).

([8]) الصواعق والرعود (ص: 233).

([9]) الصواعق والرعود (ص: 534، 116).

([10]) الصواعق والرعود (ص: 276).

([11]) الصواعق والرعود (ص: 126، 387، 494، 498، 428، 251، 330).

([12]) الصواعق والرعود (ص: 251).

([13]) الصواعق والرعود (ص: 50).

([14]) الصواعق والرعود (ص: 30).

([15]) الصواعق والرعود (ص: 50، 43، 288).

([16]) الدرر السنية (1/ 63، 100، 104، 10/ 131).

([17]) الدرر السنية (1/ 263).

([18]) الدرر السنية (7/ 145).

([19]) الدرر السنية (9/ 252).

([20]) الدرر السنية (1/ 73، 83).

([21]) الدرر السنية (1/ 80).

([22]) الصواعق والرعود (ص: 44، 281، 295، 489).

([23]) الدرر السنية (1/ 34، 229، 263، 10/ 13).

([24]) الدرر السنية (1/ 34، 263، 10/ 13).

([25]) الصواعق والرعود (ص: 44، 122، 255، 392، 471، 481).

([26]) الصواعق والرعود (ص: 118).

([27]) الدرر السنية (1/ 104، 263).

([28]) الصواعق والرعود (ص: 51، 61، 111، 148، 152، 446).

([29]) الصواعق الإلهية (ص: 46).

([30]) الصواعق الإلهية (ص: 124).

([31]) الصواعق الإلهية (ص: 126، 128، 129).

([32]) الصواعق الإلهية (ص: 134، 136-137).

([33]) الصواعق الإلهية (ص: 141).

([34]) الصواعق الإلهية (ص: 143، 161).

([35]) الصواعق الإلهية (ص: 147).

([36]) الصواعق الإلهية (ص: 148).

([37]) الصواعق الإلهية (ص: 150-151).

([38]) الصواعق الإلهية (ص: 155).

([39]) الصواعق والرعود (ص: 111).

([40]) الصواعق والرعود (ص: 140).

([41]) الصواعق والرعود (ص: 481).

([42]) الصواعق والرعود (ص: 279).

([43]) الدرر السنية (1/ 229).

([44]) الصواعق والرعود (ص: 215، 138، 219، 432).

([45]) الصواعق والرعود (30، 93، 94-97، 185، 197، 134).

([46]) الصواعق والرعود (ص: 176).

([47]) الصواعق والرعود (ص: 55).

([48]) الصواعق والرعود (ص: 90، 100).

([49]) الصواعق والرعود (ص: 147).

([50]) الصواعق والرعود (ص: 535، 491، 225، 135، 188-193، 147، 446، 250، 300).

([51]) الدرر السنية (1/ 34).

([52]) الدرر السنية (1/ 97).

([53]) الدرر السنية (1/ 245).

([54]) الدرر السنية (1/ 227).

([55]) الدرر السنية (1/ 515-516).

([56]) الدرر السنية (1/ 236).

([57]) الدرر السنية (1/ 228).

([58]) الدرر السنية (1/ 229).

([59]) الصواعق والرعود (ص: 124).

([60]) الصواعق والرعود (ص: 471-472).

([61]) الصواعق والرعود (ص: 51-52، 61، 373، 376، 454).

([62]) الدرر السنية (1/ 80).

([63]) الصواعق والرعود (ص: 69-70، 99، 107).

([64]) الصواعق والرعود (ص: 83-84).

([65]) الصواعق والرعود (ص: 53).

([66]) صحيح البخاري (2543).

([67]) الصواعق والرعود (ص: 89).

([68]) الصواعق والرعود (ص: 277-278).

 

([69]) الصواعق والرعود (ص: 29).

([70]) الصواعق والرعود (ص: 27).

([71]) الصواعق والرعود (ص: 90).

([72]) الصواعق والرعود (ص: 49-50).

([73]) لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب (ص: 58).

([74]) الصواعق والرعود (ص: 83).

([75]) الصواعق والرعود (ص: 84).

([76]) تاريخ الطبري (1/ 556).

([77]) الصواعق والرعود (ص: 70-71).

([78]) في كتابه (الفجر الصادق).

([79]) الصواعق والرعود (ص: 147، 131، 414).

([80]) الصواعق والرعود (ص: 278).

([81]) الصواعق والرعود (ص: 330).

([82]) الصواعق والرعود (ص: 119).

([83]) الصواعق والرعود (ص: 312، 427، 481).

([84]) الصواعق والرعود (ص: 168).

([85]) الصواعق والرعود (ص: 119).

([86]) الصواعق والرعود (ص: 144).

([87]) الصواعق والرعود (ص: 481).

([88]) الصواعق والرعود (ص: 288).

([89]) الدرر السنية (1/ 104).

([90]) الصواعق والرعود (ص: 62).

([91]) الدرر السنية (10/ 116).

([92]) وفي موضع آخر (ص: 319): أن الدعاء بعد الصلوات المكتوبة من جملة المحرمات أو المكفرات وأنه بدعة ضلالة.

([93]) الصواعق والرعود (ص: 412).

([94]) الصواعق والرعود (ص: 262).

([95]) الصواعق والرعود (ص: 195 288).

([96]) الصواعق والرعود (ص: 266، 305).

([97]) الصواعق والرعود (ص: 129، 173، 488).

([98]) الصواعق والرعود (ص: 108).

([99]) الصواعق والرعود (ص: 31).

([100]) الصواعق والرعود (ص: 258، 287، 425، 444، 494).

([101]) الصواعق والرعود (ص: 81).

([102]) الصواعق والرعود (ص: 119، 183، 282، 41).

([103]) الصواعق والرعود (ص: 44).

([104]) الصواعق والرعود (ص: 104).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

البحث في مدى صحة نِسْبة ابن عُبيْدان البعلبكي الحنبلي (734) إلى القول بوحدة الوجود

  من ابن عُبيْدان البعلبكي الحنبلي؟ الشيخ عبد الرحمن بن محمود بن عُبيْدان البعلبكي الحنبلي رحمه الله هو أحد أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية القدماء، من الذين سماهم الشيخ عماد الدين الواسطي في رسالته (التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار) وحلَّاه فيها بقوله: (السيد الأخ، الفقيه العالم النبيل، الفاضل فخر المحصلين، زين الدين، عبد الرحمن بن محمود […]

حديث إزالة النخامة من المسجد واعتراض الحداثيين

يرى بعض الحداثيين أنَّ هذا الدينَ قد جمع بين بعضِ التناقضات، منها أمور تتعلق بالنظافة؛ إذ كيف يسمح النبي صلى الله عليه وسلم  لصحابته أن يتنخَّموا عن يسارهم وتحت أقدامهم وهم في الصلاة، خاصة لو حدث ذلك في المسجد، أليس هذا منظرًا مؤذيًا لمن حوله؟ ثم أليس هذا الفعل فيه سوء أدب مع الله؟! فإذا […]

الرد على من زعم أن التفويض هو إثبات مع التنزيه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة ثمة قناعة غير صحيحة منتشرة في الأوساط الشعبوية ، وهو أن من التفويض هو إثبات مجمل للصفات من غير خوض في المعاني التفصيلية، وكثيرًا ما نسمع من المخالفين أن إثبات معنى صفة اليد وتفويض الكيف عند شيخ الإسلام هو إثبات تحديد لهذه اليد كأن تكون من جنس أيدي المخلوقين […]

خصائص أبي بكر الصديق رضي الله عنه (أدلتها، وركائزها، ومدلولاتها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     فإنَّ مِن أصول أهل السنة والجماعة حبَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمَهم وتوقيرهم، والشهادة لهم بالفضل والسابقة والمكانة السامقة، فهم خير قرون الأمة وأكرمها. وقد كان السلف رضي الله عنهم يعلِّمون أولادهم حبَّ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما يعلِّمونهم السورة من القرآن، كما […]

حديث صفوان بن المعطل.. وهل يدل على التهوين من صلاة الفجر؟

  ادَّعى بعض مَن عُرف بتتبُّع الشواذ والمتشابهات أنَّ أداء صلاةِ الفجر بعد طلوع الشمس لا يختلف عن صلاتها قبل طلوع الشمس، وأنّ الإنسان إذا كانت أحواله لا تتناسب مع صلاة الفجر في موعِدها فلا مانع مِن صلاتها حينما يستيقظ. واحتجَّ على ذلك بحديث صفوان بن المعطّل رضي الله عنه وأنَّ النبي صلى الله عليه […]

المعتمد العقدي عند الحنابلة.. دعوى ونقاش

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اعتمدت بعض الدعوات الحنبلية الجديدة على ظنون وأوهام صيَّروها مُسلَّمات، ومن جُملة هذه الظنون: فكرة «معتمد المذهب العقدي» وذلك بهدف تمرير بعض البدع في قالب اختيارٍ مذهبي، وليت الأمر وقف إلى هذا الحد، بل تعداه إلى ادعاءاتٍ غير محرّرة، وهو ادعاء أن معتمد المذهب هو التفويض أو نفي الأفعال […]

أين ذهبت خُطَبُ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: السُّنَّة النبويَّة واجهت الكثيرَ من حَمَلاتِ التَّشكيك والطعن على مرِّ العصور، بدءًا من فتنة الخوارج والروافض، ثم أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وصولًا إلى المستشرقين، وانتهاء بأذنابهم من منكري السنَّة ممَّن يسمَّون بالقرآنيين والحداثيين ومن على شاكلتهم. وقد صار التَّشكيك في السنة النبوية صَيحةَ الوقت المعاصر، وبات كلُّ […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الثاني”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   القسم الثاني: الأحاديث التي استدلوا بها على استحباب شد الرحال إلي قبر النبي ﷺ: الحديث الأول: ما رواه الدارقطني في سننه، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي»([1]). استدل به السبكي في شفاء السقام، وعمر عبد […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الأول”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أولاً: تعريف الزيارة: أولاً: في اللغة: مأخوذة من الزور وهو الميل، فالزاء والواو والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على المَيْل والعدول، فمن زار قوماً فقد مال إليهم بنفسه([1]) ، وتأتي بمعنى: الإتيان بقصد الالتقاء([2])،  أوهي:  في العرف قصد المزور إكراماً له واستئناساً به([3]) . ثانياً: في الاصطلاح العام: أما عند […]

الاحتفال بالكريسماس.. مناقشة فتوى دار الإفتاء المصرية في الاحتفال والتهنئة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم وبعد: فقد سئلت دار الإفتاء المصرية سؤالا، عن حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية، وعن حكم تهنئة المسيحين فيه؟ فأجابت بما يلي :”الاحتفال برأس السنة الميلادية المؤرخ بيوم ميلاد سيدنا المسيح عيسى ابن مريم على نبينا […]

تكفير المعيَّن عند الإمام محمد بن عبدالوهاب (مهمَّاتٌ ومسالكُ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد:      “قلَّة هم الرجال الذين أثاروا هكذا انفعالات، وقلَّة هم الذين رأوا فكرهم محرفًا بصورة كاريكاتورية، وقلَّة هم الذين أُبديَت بهم الآراء دون الاهتمام بقراءتهم أو فهمهم، ومع محمد بن عبدالوهاب ندخل في ميدان الجدل، وقضية النوايا والاستيهام، فمنذ أكثر من قرنين راجت التحليلات والروايات غير الموضوعية التي […]

التداخل العقدي بين الطوائف المنحرفة.. الصوفية والفلاسفة أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   لا شكَّ أنَّ الزهد والتقلُّل من مُتع الدنيا وعدم تعلُّق القلب بها هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، وقد حثَّنا الله في كتابه على ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]، […]

شذرات في التحوّل المذهبي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إن التحوّل المذهبي من الأمور التي تشدّ أنظار المطالع في سير الفقهاء والعلماء والمفكرين من السابقين واللاحقين وتراجمهم، وقلما ينظر فيها طالب علمٍ إلا وتساءل عن أسباب ذاك التحوّل وملابساته. ومن الرسائل اللطيفة التي أُفْرِدت لهذا الموضوع: رسالة للشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، حيث […]

موقف الفقيه العزّ بن عبد السلام من ابن عربيّ الاتّحادي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: تواترت كلماتُ أهل العلم العدول من مختلف المذاهب في ذمّ محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بمحيي الدين ابن عربي (558هـ-638هـ) أحد أشهر رؤوس الضلالة في تاريخ الإسلام، واشتهرت كلماتهم في التحذير منه وبيان انحرافه وإلحاده، حتى أفرد بعضهم في ذلك الفتاوى والمؤلَّفات، […]

المشاهد والقباب بين الحقيقة والخرافة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت بها القلوب بعد […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017