الجمعة - 05 رجب 1444 هـ - 27 يناير 2023 م

المعتمد العقدي عند الحنابلة.. دعوى ونقاش

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

اعتمدت بعض الدعوات الحنبلية الجديدة على ظنون وأوهام صيَّروها مُسلَّمات، ومن جُملة هذه الظنون: فكرة «معتمد المذهب العقدي» وذلك بهدف تمرير بعض البدع في قالب اختيارٍ مذهبي، وليت الأمر وقف إلى هذا الحد، بل تعداه إلى ادعاءاتٍ غير محرّرة، وهو ادعاء أن معتمد المذهب هو التفويض أو نفي الأفعال الاختيارية، وغير ذلك مما لم يتفوه به أئمة المذهب.

وهذه الصورة الدغمائية التي يستخدمها هؤلاء تحمل في طياتها كثيرًا من الخلط في التصوُّر من جهة، وعدم التحرير من جهة أخرى، فبجانب التأصيل الخاطئ تجنَّوا على ما قرره العلماء، وادَّعوا وجود أشياء معتمدة لم ينصّوا عليها أصلًا، فأصبح مصطلح “المعتمد” وفقًا لتصوّراتهم غير الدقيقة للمذهب الحنبلي.

ولذا نحن بحاجة إلى توضيح طريقة المتأخرين لا سيما في باب الأسماء والصفات:

1- طريقة الحنابلة في طبقة تلامذة ابن تيمية وتلامذتهم.

2- تقريرات متأخري المذهب.

3- هل يوجد معتمد عقدي حنبلي؟ وهل يجوز تقليده؟

 

1- طريقة الحنابلة في طبقة تلامذة ابن تيمية وتلامذتهم:

بداية نقرر: أن تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعدهم من الطبقات الوسطى كانوا على رأيه في الصفات والأفعال الاختيارية، بل جمهورهم على مذهبه في مسائل الإلهيات بشكلٍ عامّ، مثل الحكمة والتعليل وغيرها.

قال السفاريني: (والحاصل أن شيخ الإسلام وجمعًا من تلامذته أثبتوا الحكمة والعلة في أفعال الباري جل وعلا، وأقاموا على ذلك من البراهين ما لعَله لا يبقي في مخيلة الفطين السالم من ربقة تقليد الأساطين أدنى اختلاج وأقل تخمين، وأما الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم فقد أجلب وأجنب وأتى بما يقضي منه العجب في كتابه شرح منازل السائرين ومفتاح دار السعادة)([1]).

ويدل على ذلك أيضًا ما نقله الحافظ ابن حجر عن جمهور الحنابلة من إثبات الأفعال الاختيارية، قال ابن حجر: “وافترق أصحاب أحمد فرقتين، فمنهم من قال: كلامه لازم لذاته، والحروف والأصوات مقترنة لا متعاقبة، ويسمع كلامه من شاء. وأكثرهم أنه يتكلم بما شاء إذا شاء، وأنه نادى موسى حين كلمه، ولم يكن ناداه من قبل)([2]).

وكلام ابن حجر عن الأكثرية يحتمل أنه يقصد جمهور الحنابلة بشكلٍ عام، وهذا احتمال بعيد، ويُحتمل أنه يقصد حنبلية زمانه وما رآه من أحوالهم، فقد أخذ عن الحنابلة ممن تتلمذوا على تلاميذ ابن تيمية كابن رجب وغيره، ومنهم عرف مذهبهم.

وأقوى دليل على أنهم قائلون بالأفعال الاختيارية: أن إمام أصوليِّي الحنابلة -وهو العلامة ابن قاضي الجبل- صنف رسالةً للذب عن ابن تيمية ضدّ ادعاءات السبكي بعنوان: “الرد على من رد على شيخ الإسلام في مسألة حوادث لا أول لها”.

وهي رسالة جليلة في بابها، ويتّضح من عنوانها -وكذا مضمونها- أنه موافق لشيخ الإسلام في مسألة الحوادث التي تتضمن بدورها الأفعال الاختيارية، وقد تعرض في رسالته تلك إلى تأويل القاضي أبي يعلى لكلام الإمام أحمد عن الكلام بالمشيئة، ورده بثلاثة أوجه.

قال ابن قاضي الجبل: (وتأول القاضي أبو يعلى المشيئة في قوله: “إذا شاء” على مشيئة الإسماع بناء على أن الكلام صفة نفسية لا يتعلق بالمشيئة، بل هو نعت ذاتي كالحياة والعلم، فقيل عليه: هذا باطل لثلاثة أوجه، أحدها: أن رد المشيئة إلى مشيئة الإسماع تأويل الكلام وخروج عن ظاهره بغير دليل، الثاني: أنه يلزم منه قِدم السامع لأن قوله لم يزل عبارة مستغرقة، الثالث: أن الإمام أحمد قال فيما رده على الجهمية في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي: صيرناه على فعل من أفعالنا، وهذا يخالف تأويل من تأول الجعل بمعنى التسمية)([3]).

أما موقف الحافظ أبي المظفر يوسف السرمري الحنبلي -وهو تلميذ الشيخ عبد المؤمن بن عبد الحق الحنبلي صاحب قواعد الأصول ومعاقد الفصول وتلميذ ابن تيمية- فله قصيدة الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية؛ رد فيها على تقي الدين السبكي في تشنيعه على ابن تيمية والتي يقول فيها:

سبحانه لم يزل ما شاء يفعله           في كل ما زمنٍ ما من معقبهِ

نوع الكلام كذا نوع الفعالِ قديـ      ــمُ لا المعيّن منه في ترتبه([4])

ومحل الشاهد هو ما ذكره السرمري من قدم نوع الكلام، لا قدم الكلام المُعين، وهو ما يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية.

وبالانتقال إلى الحافظ ابن رجب نجده يثبت الأفعال الاختيارية بشكلٍ صريح، ففي معرض ذكره لحديث «هل تدرون ماذا قال ربكم؟»…. يورد الحافظ ابن رجب بعض روايات الحديث فيقول: (وقوله: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» -وفي بعض الروايات: «الليلة»وهي تدل على أن الله تعالى يتكلّم بمشيئته واختياره. كما قال الإمام أحمد: لم يزل الله متكلما إذا شاء)([5]).

ويقول ابن رجب في «فتح الباري»: «ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها، وتمر كما جاءت عندهم: قوله تعالى: ﴿ ‌وَجَآءَ ‌رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة. وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما. وعندهما: أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره»([6]).

وهذا النص واضح جلي في إثبات ابن رجب قيام الأفعال والصفات الاختيارية بذات الرب، وأنه يقرر أن إثبات ذلك هو قول الإمام أحمد وإسحاق، كما أنه قول غيرهما من أئمة الدين.

ولعل من الشواهد على ذلك أن ابن رجب رحمه الله تلقى النونية عن شيخه ابن القيم، وقد أفاض ابن القيم فيها في إثبات الأفعال الاختيارية، يقول ابن رجب عن شيخه ابن القيم : “لازمت مجالسة قبل موته ، أزيد من سنة ، وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة ، وأشياء من تصانيفه وغيرها” ([7])

2- تقريرات متأخري المذهب:

علاء الدين المرداوي:

أما علاء الدين المرداوي -مصحح المذهب ومُنقحه- فينقل أقوال الناس في صفة الكلام، فيذكر ثمانية أقوال، ثم ينقل القولَ التاسع وينسبه إلى أئمة الحديث والسُّنة، وهو: “التاسع: أن يقال: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، بكلام يقوم به، وهو يتكلَّم بصوت يُسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا القول هو المأثور عن أئمة الحديث والسنَّة”.

ثم يقول المرداوي تعليقًا على هذا القول التاسع: “ومن أعظم القائلين بهذا القول الأخير: الإمام أحمد؛ فإنه قال: لم يزل الله متكلمًا كيف شاء بلا تكييف، وفي لفظ: إذا شاء”([8]).

يتضح من كلام المرداوي أنه نقل عن ابن تيمية تسعة أقوال، واختار القول التاسع، وذكر أنه كلام السلف وعلى رأسهم الإمام أحمد. أقول: عندما نقل ذلك فإنه قد ذكر القول الرابع الذي فيه: (أنه حروف وأصوات [أزلية مجتمعة في الأزل]، وهو قول طائفة من أهل الكلام والحديث، وذكره الأشعري عن طائفة، وهو الذي ذكره عن السالمية ونحوهم).

أقول: لماذا لم يختر المرداوي هذا القول الرابع الذي يثبت فيه قدم الحرف والصوت، وهو القول الذي اختاره من اختاره من الحنابلة، والذي هو قول طائفة من أهل الكلام والحديث؟! فلو كان المرداوي يريد مجرد إثبات الحرف والصوت في الجُملة من كلام ابن تيمية، لكان قد رجح هذا القول الذي لا ينافي القول بمسألة حلول الحوادث، وإنما اختار ونسب إلى الأئمة القول التاسع الذي تقدّم ذكره.

وقد نقل المرداوي في التحبير من منهاج السنة (الذي يسميه الردّ على الرافضي) في مسائل مهمة من أصول الدين، وهذا يدل على مكانة الكتاب عند هذا الإمام الذي على كتبه التعويل لدى متأخري الحنابلة، كما يدلّ على مخالفة المرداوي للأشاعرة ومن وافقهم في تلك المسائل.

قال في: (قال الشيخ تقي الدين في الرد على الرافضي في الجزء الثالث: (وأما جمهور أهل السنة المتبعون للسلف والأئمة فيقولون: إن فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق ومفعول لله، لا يقولون: هو نفس فعل الله، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول …)([9]).

وقال: (قال الشيخ تقي الدين في ” ‌الرد ‌على ‌الرافضي “: (جمهور أهل السنة يقولون: إن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يرضاه، وإن كان داخلا في مراده، كما دخلت سائر المخلوقات، لما في ذلك من الحكمة، وهو وإن كان شرًا بالنسبة إلى الفاعل فليس كلما كان شرًا بالنسبة إلى شخص يكون عديم الحكمة، بل لله في المخلوقات حكمة، قد يعلمها بعض الناس، وقد لا يعلمونها) انتهى)([10]).

وقال: (قال الشيخ تقي الدين في ‌الرد ‌على ‌الرافضي: (أكثر أهل السنة على إثبات الحكمة والتعليل) انتهى)([11]).

أما موقف العلامة ابن المبرد فقد كان أشد جرأةً ووضوحًا، وإذا كان المرداوي قد اختار قول ابن تيمية في الأفعال الاختيارية، فإن ابن المبرد قد نقل قول القاضي وأبطله!

فينقل عن القاضي أبي يعلى تأويله لكلام الإمام أحمد: (لم يزل متكلمًا إذا شاء) بأنه مشيئة الإسماع، ثم يعقب ابن المبرد: (وعندي أن الأمر على غير ما ذكره القاضي، وأن الأمر في ذلك على شيئين: الأول: القرآن كلام الله قديم، وهذا ليس له مدخل في كلام أحمد. الثاني: أن كلام الله عز وجل بالقرآن، وتعبير القرآن قديم، وأن الله عز وجل لم يزل متكلمًا، ولا نقول: الكلام صفة حدثت له، فهو لم يزل متكلمًا من حيث الجملة من غير نظر إلى شيء. وقول أحمد: متى شاء.. يعني: متى شاء أن يتكلم بشيء تكلم به، مع أن كلامه الذي هو ضد ما لم يتكلم قديم، وأنه إذا شاء تكلم، وإذا شاء لم يتكلم، وأن كلامه ليس بمتصل منه في سائر الأوقات، بل إذا شاء الكلام تكلم، مع أن وصفه بأنه مُتكلم: قديم ، وأنه إذا شاء تكلم بشيء، وإذا شاء تكلم بغيره، وأما ما قالوه [ يعني القاضي ومدرسته ] يلزم منه أنه مُتكلم في كل الأوقات، وأن كلامه مُتصل مستمر على سائر الأوقات، وهذا يرده النقل والعقل، وأيضًا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء كجر السلسلة على الصفوان”. وهذا يدل على أن له أوقاتًا لا يتكلم فيها، وأنه لا يتكلم إلا إذا شاء، مع أن وصفه بأنه متكلم قديم، وقولهم يلزم منه أنه إذا تكلم بكلمة لا يزال يقولها !! ، وليس الأمر كذلك، بل يتكلم بشيء وينتهي ويأتي غيره)([12]).

وأما ابن النجار الفتوحي فعلى طريقتهم أو قريبًا منهم، فقال في (شرح الكوكب المنير)، وقد ذكر تسعة أقوال في القرآن: (التاسع: أنه يقال: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، بكلام يقوم به، وهو يتكلَّم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا القول هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة، ومن أعظم القائلين به: إمامنا أحمد، والبخاري، وابن المبارك، وعثمان بن سعيد الدارمي، ونحوهم.

وقال الحافظ ابن حجر: نصَّ الإمام أحمد في كتاب «الرد على الجهمية»: أن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، كيف شاء، ومتى شاء، بلا كيف، قال القاضي (أبو يعلى): قوله: إذا شاء، أي: أن يُسمِعنا. قال أحمد: لم يزل الله يأمر بما شاء ويحكم. ثم قال ابن حجر: وافترق أصحاب أحمد فرقتين، فمنهم من قال: كلامه لازم لذاته، والحروف والأصوات مقترنة لا متعاقبة، ويسمع كلامه من شاء. وأكثرهم أنه يتكلم بما شاء إذا شاء، وأنه نادى موسى حين كلمه، ولم يكن ناداه من قبل)([13]).

والشاهد: أن ابن النجار اختار القول التاسع: أن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، ثم نسبه إلى الإمام أحمد وغيره من السلف.

ومما يدلّ على أنه على مذهب ابن تيمية أنه قال عن مدرسة القاضي: “وذهب بعض الحنابلة وغيرهم إلى أن القرآن العربي كلام الله، وكذلك التوراة، وأن الله لم يزل متكلما إذا شاء([14])، وأنه تكلم بحروف القرآن، وأسمع من شاء من الملائكة والأنبياء صوته، وقالوا: إن هذه الحروف والأصوات قديمة العين، لازمة للذات، ليست متعاقبة، بل لم تزل قائمة بذات مقترنة لا تسبق، والتعاقب إنما يكون في حق المخلوق، بخلاف الخالق، وذهب أكثر هؤلاء إلى أن الأصوات والحروف هي المسموعة من القارئين، وأبى ذلك كثير”.

ومعلوم أن متكلمة الحنابلة من مدرسة القاضي هم الذين يقولون: “الحروف والأصوات قديمة العين”، وأكثر هؤلاء يقول: “الأصوات والحروف هي المسموعة من القارئين”. وهذا ينتظم على قول مدرسة القاضي، وقد صرح به ابن الزاغوني أن ما يصل من التلاوة هو صوت الله تعالى([15]).

وهو ما يؤكد أن ابن النجار على مذهب ابن تيمية في تلك المسألة، لكن ثمة تناقض ظهر في كلام العلامة ابن النجار رحمه الله حيث إنه بعدما نقل مذاهب الناس واختلافهم واختار مذهب ابن تيمية قال: “وإنما أطلنا لأن غالب الناس في زمننا يزعمون أن القائل بأن الله يتكلم بصوت وحرف قديمين غير متعاقبين من فوق السماء بقدرته ومشيئته إذا شاء وكيف شاء كما قرر يكون كافرا! فهذا أحمد والبخاري وغيرهما ممن ذكرنا صرحوا بذلك”([16]).

وهذا الكلام السابق فيه تلفيق بين المذهبين، فإن القول بقِدم الصوت والحرف وعدم التعاقب لا ينتظمان على الكلام بالمشيئة والإرادة، ومخالف لما قرره هو بنفسه مسبقًا.

أما الإمام البعلي صاحب الروض الندي، وهو من كتابه الذخر الحرير في شرح مختصر التحرير

والبعلي هنا ترك أكثر ما ذكره المرداوي في التحبير وكذا ما ذكره ابن النجار في شرحه لأن مقصده الاختصار، وذكر الراجح من المذهب، ومع ذلك فإنه نقل نقلًا جازمًا به دون أن ينسبه إلى ابن تيمية، مع أن النقل هو كلام ابن تيمية.

قال البعلي رحمه الله: “قال السلف والأئمة: إن الله تعالى يتكلم بمشيئته وقدرته، [وإن كان مع ذلك قديم النوع]، بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، فإن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، [ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يكون متكلما بقدرته ومشيئته]، ومن لا يزال متكلمًا بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام ممكنًا له بعد أن يكون ممتنعا عنه لو قدر أن ذلك ممكن، فكيف إذا كان ممتنعًا لامتناع أن يصير الرب قادرًا بعد أن لم يكن، وأن يكون التكلم والفعل ممكنًا بعد أن كان غير ممكن)([17]).

هذا النص العظيم الذي انتزعه البعلي -وهو إمام أصوليّي المتأخرين- من كلام ابن تيمية وضمنه شرحه الذي قصد به الاختصار والاقتصار على الراجح: فيه إثبات قِدم النوع وتجدّد الآحاد، وشيء من التدليل على ذلك، وليس فيه حديث عن الحرف والصوت، ولا تعرض لذلك، وإنما المراد منه إثبات أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته (وهي مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب).

هذا، مع اعتبار أن البعلي تعمّد في شرحه الاختصار، والاقتصار على الراجح، لا تفريع الأقوال والإسهاب، فلم يذكر مثلًا مسألة الكلام بالصوت -مع كونها أولى بالذِكر- لكنه لم يذكرها لأنها مسألة بدهية ومفروغ منها عند الحنابلة، إنما ذكر الصفات الاختيارية لأنه قد وقع فيها الخلاف، فجميع ما في شرحه هو قائلٌ به وهو الراجح من المذهب عنده.

أما ابن بلبان رحمه الله فهو مختصر عقيدة ابن حمدان، وهو على طريقة متكلمي الحنابلة، في أول واجب على المكلف، وقِدم الكلام “نفي قيام الأفعال”، ونفي العلة والحكمة ونحو ذلك، اتباعًا لما اختصره من عقيدة ابن حمدان، إلا أنه -هو وابن حمدان- يسلكان مسلك عامة الحنابلة في إثبات الصفات بغير تعطيلٍ ولا تشبيه، وحملها على مقتضى اللغة العربية، كما سيأتي.

فيقول رحمه الله: “فكل ما صح نقله عن الله، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو جميع علماء أمته، وجب قبوله، والأخذ به، وإمراره كما جاء وإن لم يُعقل معناه، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى، وتفسيره، كآية الاستواء، وحديث النزول، وغير ذلك، إلا بصادر عن النبي صلى الله عليه، أو بعض الصحابة.

وهذا مذهب السلف قاطبة، وهو أسلم المذهبين وأَولاهما، لموافقته لسلف الأمة وخيار الأئمة، رضوان الله عليهم أجمعين.

فلا نقول في التنزيه كقول المعطلة، ولا نميل في الإثبات إلى إلحاد الممثلة، بل نثبت ولا نحرف، ونصف ولا نكيّف، فالإيمان بذلك واجب من غير ردٍّ ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تجسيم ولا تأويل، على مقتضى اللغة.

والكلام في [الصفات] فرع على الكلام في الذات، فكما أنه لا شبيه له في ذاته، لا شبيه له في صفاته، [فصفاته] معلوم وجودها، [ولا يَعلم حقائقها] إلا هو سبحانه وتعالى، ونحن نُضرب عن [كيفيتها]، فمذهبنا حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين، وهو إثبات الأسماء والصفات مع نفي التشبيه والأدوات”([18]).

والشاهد من كلامه قوله: “على مقتضى اللغة”، فهذه العبارة ترجع إلى “بل نثبت…”، ففيها تأكيد على أن صفات الباري يجب تصريفها على مقتضى اللغة، ولا يصح حمل قوله: “على مقتضى اللغة” على الكلمة التي تسبقها، فيكون المعنى: “ولا تأويل على مقتضى اللغة”، فهذا مما لا معنى له؛ لأن التأويل على مقتضى اللغة أمر مقبول غير مذموم.

وأما قوله في أول كلامه: “وإن لم نعقل معناه” فهو متوافق مع ما ذكره ابن تيمية في التدمرية: “القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه عز وجل فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف؛ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه”([19]).

ومما يدل على أن هذا النص ليس فيه تفويض مذموم أن النص “على مقتضى اللغة” نقله ابن حمدان عن أبي الحسن ابن الزاغوني، ولا يوجد في كتابه الإيضاح على هذا النسق، لكنه يكرر هذا المعنى كثيرًا، وهو الإثبات على مقتضى اللغة، ومن ذلك قوله في إثبات صفة الوجه: “(الظاهر ما كان متلقى من اللفظ على طريق المقتضي، وذلك مما يتداوله أهل الخطاب بينهم، حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك، عند من له أدنى ذوق ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية”([20]).

ومما يدل أيضًا على أن ابن بلبان ليس بمفوض أنه يتعامل مع الصفات معاملة واحدة، ولم يُفرق بين صفةٍ وأخرى، بل الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، كما ذكر في النص السابق.

وبالانتقال إلى العلامة مرعي الكرمي، وكتابه أقاويل الثقات نجده يصرح بمعرفة معاني الصفات، وأنه ليس فيها أُحاجي أو ألغاز، فيقول في

في «أقاويل الثقات»: ” ونعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حقٌّ، ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يُعرف من حيث يُعرف مقصودُ المتكلم بكلامه، وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائها وصفاتها، ولا في أفعالها، فكما تيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة؛ فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء”([21]).

وتناول مرعي الكرمي لابن تيمية ضمن احتجاجه بالصفات يُبيّن لنا مذهب الرجل، فلقد أكثر مرعي الكرمي النقل عن ابن تيمية جدًّا في كتابه «أقاويل الثقات»، ثم قال: (وأطال ابن تيمية الكلام على ذلك، وعلى تأييد مذهب السلف في عدة كراريس).

فلو أن مذهب ابن تيمية في الصفات مرجوحًا عنده لما نسب مذهب ابن تيمية في الصفات إلى مذهب السلف، وهذا أمر أوضح من أن يوضح([22]).

ثم يزيد الأمر وضوحًا، ويصرح في ” أقاويل الثقات”: “أئمتنا الحنابلة يقولون بمذهب السلف ويصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.. فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه ولا نزيد عليه، فإن ظاهر الأمر في صفاته سبحانه أن تكون ملحقة بذاته، فإذا امتنعت ذاته المقدسة من تحصيل معنى يشهد الشاهد فيه معنى يؤدي إلى كيفية، فكذلك القول فيما أضافه إلى نفسه من صفاته، هذا كلام أئمة الحنابلة ولا خصوصية لهم في ذلك بل هذا مذهب جميع السلف والمحققين من الخلف” ([23])

فقوله: “فإذا امتنعت ذاته المقدسة من تحصيل معنى يشهد الشاهد فيه معنى يؤدي إلى كيفية، فكذلك القول فيما أضافه إلى نفسه من صفاته”

هذا النص العظيم للشيخ مرعي يخرجه من التفويض رأسًا، لأن مقصده: أن المعنى الذي يؤدي إلى الكيفية هو الممتنع لا مطلق المعنى! وهو كلام ساقه على ذات الله وذات الله ليست مفوضة عند الجميع، ثم سحبه على جميع الصفات.

فالتفويض عندهم هو تفويض الكيف الذي لا يعلمه إلا الله، وكذا التفويض للمعنى الذي قد يقع في نادر عباراتهم لا يقصدون معنى اللفظ ذاته، فهم يجرونه على ظاهره، ويثبتون به الصفات على حقيقة ألفاظ النصوص، وإنما يقصدون – كما قال الشيخ مرعي: “معنى يشهد الشاهد فيه معنى يؤدي إلى كيفية”

وقد سبق أن ذكرنا استدلال مرعي بالقاعدة السلفية “القول في الصفات كالقول في الذات”

فقال: “وهذا المذهب هو الذي نقل الخطابي وغيره أنه مذهب السلف ومنهم الأئمة الأربعة، وبهذا المذهب قال الحنفية والحنابلة وكثير من الشافعية وغيرهم وهو إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها محتجين بأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات صفاته إنما هي إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف” ([24])

أبو المواهب ابن عبد الباقي

أما أبو المواهب ابن عبد الباقي فهو ممن خلط بين المذهبين فقد وافق القاضي في مواضع ووافق ابن تيمية في مواضع، وإن كان التأثير التيمي عليه ظاهر جدًا، حيث يقول ابن عبد الباقي في (العين والأثر) في تقرير الأفعال الاختيارية:

“وقولنا: ولم يزل الله متكلمًا كيف شاء إذا شاء بلا كيف، يأمر بما يشاء ويحكم، فقد قال الأئمة: إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء؛ فإن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لم يتكلم، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام ممكنًا له.

وقال قوم: لا يتكلم بمشيئته وقدرته، بل كلامه لازم لذاته كحياته. ثم من هؤلاء مَن عرف أن الحروف والأصوات لا تكون إلا متعاقبة، والصوت لا يبقى زمانين فضلًا عن أن يكون قديمًا، فقال: القديم معنًى واحد لامتناع معانٍ لا نهاية لها، وامتناع التخصيص بعدد دون عدد، فقالوا: هو معنًى واحد، وقالوا: معنى التوراة والإنجيل والقرآن معنًى واحد، ومعنى آية الكرسي والدَّين واحد، ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات قديمة الأعيان لم تزل ولا تزال، وأن الباء لم تسبق السين، والسين لم تسبق الميم، وأن الحروف مقرونة ببعضها اقترانًا قديمًا أزليًّا، لم يزل ولا يزال، وهي متراتبة في حقيقتها وماهيتها غير متراتبة في وجودها، وقال كثير منهم: إنها مع ذلك شيء واحد. إلى غير ذلك من اللوازم التي يقول جمهور العقلاء: إنها معلومة الفساد بضرورة العقل” ([25]).

وقال في تفسير الاستواء بالاستيلاء: “إن هذا تفسير لم يقل به أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة والتابعين، بل أول من قال ذلك الجهمية والمعتزلة كما قاله أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، وكتاب الإبانة، فإنه كان [معلومًا للسلف علمًا ظاهرًا]، فيكون التفسير المحدث باطلًا، ولهذا قال مالك: الاستواء معلوم.

وأما قوله: “والكيف مجهول” فالجهل بالكيف لا ينفي علم ما [قد عُلم أصله]، كما نقر بالله ونؤمن به، ولا نعلم كيف هو، أشار إلى ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض رسائله والله أعلم)([26]).

قلت: وهو إقرار لمذهب ابن تيمية في التفرقة بين أصل معنى الصفة وبين الكيفية. ([27])

لكن ما يدعو إلى العجب زعْم أحد رؤوس المتحنبلة المعاصرين أن إثبات المواهبي السابق لا يدل أنه من المُثبتة، لأن متكلمة الحنابلة يثبتون الاستواء بعكس بقية الصفات. كذا قال !

وقائل هذا الكلام لم يفرق بين العلو وبين الاستواء، فالعلو صفة عقلية عند متكلمة الحنابلة، أما الاستواء فهي عندهم كبقية الصفات الخبرية سواءً بسواء، وقد مرَّ بنا اضطراب القاضي أبي يعلى في هذه الصفة وتعقب ابن تيمية له.

أما السفاريني رحمه الله فهو من أضبط المتأخرين لكثرة تترسه بكلام شخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقد يقع في كلامه شيء من الاضطراب لكونه قد اعتمد في نظمه على كتابي ابن حمدان ومختصره لابن بلبان.

قال الإمام السفاريني رحمه الله في المفوضة كما ذكر ذلك في كتابه لوامع الأنوار: “وأهل التجهيل هم الذين يقولون: إن الرسول لم يعرف معاني ما أنزل عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك، وكذلك قولهم في أحاديث الصفات، وأن الرسول تكلم بكلام لا يعرف معناه، وهذا قول كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف، فيقولون في آيات الصفات وأحاديثها: لا يعلم معرفتها إلا الله، ويستدلون بقوله – تعالى: (سورة آل عمران الآية 7 وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، ويقولون: تجرى على ظاهرها، وظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلا (بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله” أهـ ([28]).

أما في إثباته للأفعال الاختيارية: قال السفاريني مستدركًا على القاضي أبي يعلى: (وقال القاضي النزول صفة ذات، والحق أنه صفة فعل) ([29])

ثم قال السفاريني بعدها: “أما المعتزلة فتنفي قيام الصفات والأفعال به وتسمي الصفات أعرضًا والأفعال حوادث ويقولون لا يقوم به تعالى الأعراض ولا الحوادث فيتوهم من لم يعرف حقيقة قولهم أنهم ينزهون الله تعالى عن النقائص والعيوب والآفات.. قال شيخ الإسلام قدس الله سره: ولفظ الأعراض في اللغة، قد يفهم منه ما يعرض للإنسان من الأمراض ونحوها، وكذلك لفظ الحوادث والمحدثات، قد يفهم ما يحدثه الإنسان من الأفعال المذمومة والبدع التي ليست مشروعة، أو ما يحدث للإنسان من الأمراض ونحو ذلك، والله سبحانه وتعالى يجب تنزيهه عما هو فوق ذلك مما فيه نوع نقص فكيف تنزيهه عن هذه الأمور‏؟‏ ولكن لم يكن مقصود المعتزلة بقولهم‏:‏ هو منزه عن الأعراض والحوادث إلا نفي صفاته وأفعاله، فعندهم لا يقوم به علم ولا قدرة ولا مشيئة ولا رحمة ولا حب ولا رضى ولا فرح ولا خلق ولا إحسان ولا عدل ولا إتيان ولا مجيء ولا نزول ولا استواء ولا غير ذلك من صفاته وأفعاله‏. ‏‏ وجماهير المسلمين يخالفونهم في ذلك، ومن الطوائف من ينازعهم في الصفات دون الأفعال، ومنهم من ينازعهم في بعض الصفات دون بعض، ومن الناس من ينازعهم في الفعل القديم ويقول‏:‏ إن فعله قديم وإن كان المفعول محدثًا” ([30]).

نلاحظ في النقل السابق أن السفاريني بعدما أثبت قيام الأفعال من تقريره، دعّمه بنقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية ما يفيد إثبات قيام الأفعال الاختيارية بذاته، وختم به الفصل.

فلا يُقال أنه ينقل عن ابن تيمية ولا يعتقد ما ينقله، فإن هذا قد يقال إذا ما نقل ولم يقرر هو بنفسه، واستدراكه -السابق- على القاضي يُبيّن ذلك.

لكن وقع في بعض التناقض مثلما وقع من ابن النجار، حيث قال السفاريني: ” وتحرير مذهب السلف أن الله متكلم كما مر، وإن كلامه قديم وأن القرآن كلام الله وأنه قديم حروفه ومعانيه ” ([31])

لكن لعل مرادهم من هذا الرد على الأشعرية ممن يقولون بخلق الحروف والآيات، فجاء التركيز على أن الحروف والمعاني قديمة ويريدون بها غير مخلوقة.

وابن تيمية قد فصّل في لفظة القديم هذه وبيّن أنه قد يستخدم لمعنىً حق، وقد يستخدم لنفي الأفعال. والمعتبر هو طريقة القائل.

كذا الموضع الذي في منظومته ” صفاته كذاته قديمة”: لا يصح أن يستدل به على أن السفاريني ينكر قيام الأفعال -لاسيما وأن الشرح مقدم على المتن، فالشرح زيادة بيان وتوضيح، وكلامه الصريح يُرد إلى كلامه المجمل- ومن القواعد المقررة عند أهل العلم: أن كلام العالم يُجمع في الباب الواحد، ولا يُكتفى بقولٍ دون الآخر.

يقول ابن القيم رحمه الله: “والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما محض الحق، ويريد الآخر أكبر الباطل، والعبرة بسيرة الرجل ومنهجه وما يدعو إليه وما يناظر عليه ” أهـ

أما المثال الثاني في تقريره لقيام الأفعال، هو قول السفاريني مُقررًا قيام الأفعال: “وقال العلامة الطوفي([32]) في قواعد الاستقامة والاعتدال: المشهور عند أصحاب الإمام أحمد – رضي الله عنه – أنهم لا يتأولون الصفات التي من جنس الحركة، كالمجيء والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي، كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح، وقال: وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه، وقال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول: يفعل الله ما يشاء. وقال حماد بن زيد: يدنو من خلقه كيف يشاء” أهــ.

وفي النقل السابق يتبيّن: “إثبات المعنى المتنازع فيه”، أي ظاهر معنى الآيات. وهو المعنى المتنازع فيه بين المتأخرين.

ثم عقب بقول الأوزاعي عن حديث النزول: “يفعل الله ما يشاء”، فجعل النزول فعلًا لله، فالنزول: فِعلٌ، بمقتضى اللغة والعقل. وليس من باب الإضافات التي لا تُفهم.

وقال حماد بن زيد: يدنو من خلقه كيف شاء

ففسر حماد النزول: بالدنوّ، ومعلوم أن المفوّض لا يستبدل الصفة بمترادفاتها اللغوية، لكونه لا يفهم المعنى.

وقد صحح السفاريني كتاب الرد على الجهمية إلى الإمام أحمد في كتابه (لوامع الأنوار)([33])، والتي يحارب بعض المتحنبلة المعاصرين على نفيها عنه.

وقال السفاريني في لوامع الأنوار البهية:” والحاصل أن المعتزلة موافقة للأشعرية، والأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق محدث وإنما الخلاف بين الطائفتين أن المعتزلة لم تثبت لله كلاما سوى هذا، والأشعرية أثبتت الكلام النفسي القائم بذاته تعالى، وأن المعتزلة يقولون: إن المخلوق كلام الله، والأشعرية لا يقولون أنه كلام الله، نعم يسمونه كلام الله مجازا هذا قول جمهور متقدميهم، وقالت طائفة من متأخريهم: لفظ كلام يقال على هذا المنزل الذي نقرؤه ونكتبه في مصاحفنا، وعلى الكلام النفسي بالاشتراك اللفظي.قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن هذا ينقض أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلم به، وهم مع هذا لا يقولون إن المخلوق كلام الله حقيقة كما يقوله المعتزلة مع قولهم أنه كلامه حقيقة، بل يجعلون القرآن العربي كلاما لغير الله، وهو كلامه حقيقة. قال شيخ الإسلام: وهذا شر من قول المعتزلة، وهذا حقيقة قول الجهمية. ومن هذا الوجه فقول المعتزلة أقرب ” أهـ

ومما يحسن الإشارة إليه أن السفاريني يقول بقول ابن تيمية في المسائل التي خالفه فيها متأخري الحنابلة، فهو يقول بقوله في الحكمة والتعليل، والتحسين والتقبيح ونحو ذلك.

فيقول رحمه الله: “الحاصل أن فعل الله تعالى وتقدس، لا يكون لعلة في قولٍ مرجوح، اختاره كثير من علماءنا وبعض المالكية والشافعية وقاله الظاهرية والأشعرية والجهمية (!) والقول الثاني أنهما لعلة وحكمة اختاره الطوفي وهو مختار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن قاضي الجبل وحكاه عن إجماع السلف.. والحاصل أن شيخ الإسلام وجمعًا من تلامذته أثبتوا الحكمة والعلة فى أفعال الباري جل وعلا وأقاموا على ذلك من البراهين ما لعَلّه لا يبقي في مخيلة الفطين السالم من ربقة تقليد الأساطين أدنى اختلاج وأقل تخمين) أهــ ([34])

 

عثمان النجدي

أما العلامة عثمان ابن قائد النجدي فهو كغيره من المتأخرين أصحاب الطريقة التوفيقية، ممن جمعوا بين ألفاظ المذهبين، فقرر في بداية رسالته ” نجاة الخلف” أن الله لا تحله الحوادث ولا يحل في حادث، لكن هذه العبارة -وإن كانت مجملة – لكنها لا تعني بالضرورة نفي الأفعال الاختيارية لأنها توهم معنىٍ صواب ومعنىً خطأ بحسب مراد القائل كما فصّل فيها ابن تيمية.  

كذلك يقول ابن قائد – رحمه الله تعالى -: “القرآن كلام الله أنزله على محمد – صلى الله عليه وسلم – معجزٌ بنفسه، متعبدٌ بتلاوته. والكلام – حقيقة – الأصوات والحروف، وإن سُمي به المعنى النفسي وهو نسبةٌ بين مفردين قائمةٌ بالمتكلم فمجاز. والكتابة كلامٌ حقيقة، فلم يزل الله تعالى متكلمًا كيف شاء، وإذا شاء بلا كيف، يأمر بما شاء ويحكم، هذا مذهب الإمام أحمد وأصحابه وهو إمام السنة بلا منازع، ومذهب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري إمام الحديث بلا دفاع، وجمهور العلماء. قاله ابن مفلح في أصوله وابن قاضي الجبل” أهـ

وهذا التقرير ينبغي أن يقف الباحث أمامه كثيرًا، فإن عثمان النجدي بعدما قرر الكلام بالمشيئة والفعل الاختياري، عزاه إلى تلامذة ابن تيمية: ابن مفلح وابن قاضي الجبل، وهما على مذهب ابن تيمية في هذه المسألة.

أما عن النقل عن ابن تيمية، فثلاثة أرباع الرسالة هي كلام ابن تيمية بنصه، ففي النصف الأول من الرسالة أكثر من النقل عن ابن تيمية دون عزوٍ له، بداية من قوله: ” أما ما تنازع فيه المتأخرون من الألفاظ المبتدعة من النفي والإثبات…” ([35])

أما الثلث الأخير من رسالته “نجاة السلف” هي برُمتها قواعد نقلها من التدمرية بتمامها حيث قال: ” الفصل الثالث: في قواعد نافعة إن شاء الله تعالى….” ([36]) ثم نقل قواعد من التدمرية

وكذلك نجده في مقدمة «هداية الراغب» يعتمد على ابن القيم حيث يقول: «فعل العبد الاختياري إنما يكون لجلب نفع للفاعل أو دفع ضرر عنه، وفعله تعالى يُخالف ذلك، فما فروا فيه من المحذور -يعني من نفي الرحمة باعتباره فعلًا- نظير ما فروا منه… والحاصل: أن الصفة تعتبر من حيث هي هي، وتارة من حيث قيامها به تعالى، وتارة من حيث قيامها بغيره، وليست الاعتبارات الثلاث متماثلة، إذ ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في شيء من صفاته، ولا في شيء من أفعاله، وهو السميع البصير. فاحفظ هذه القاعدة فإنها مهمة جدًّا، بل هي التي أغنت السلف الصالح عن تأويل آيات الصفات وأحاديثها، وهي العاصمة لهم من أن يفهموا من الكتاب والسنة مستحيلًا عن الله من تجسيم أو غيره. ثم بعد إثباتي لهذه القاعدة رأيتها منصوصة في كلام السيد معين الدين الصفوي، ثم رأيته قد سبقه إليها العلامة ابن القيم». ([37])

وأخيرًا ..

إن أصحاب الفكر الواحد لا يدخلون في مسائل مركبة، إنما يدخلون أساسًا في علاقات كُلية تتخطى المسائل الجزئية، وبحسب هذه الرؤية يصبح المذهب كالقالب الواحد التي تحيطه الأطر العامة والمسائل الكلية التي تجمعهم.

هذه رؤية الحنابلة للمذهب الأثري، فهم يرون أن مذهبي القاضي وابن تيمية سائغان داخل المذهب الواحد، وبعضهم يرجح مذهب القاضي في مسائل، وابن يتيمة في مسائل، وبعضهم يميل إلى قول ابن تيمية، أغلبهم يُلفِّق ما بين المذهبين.

وهذا ما يُفسر -بوضوح- توظيف كلام ابن تيمية وكلام القاضي في مدونات الحنبلية للمتأخرين في سياق واحد. حتى أن الواحد منهم يشرح كلام القاضي بكلام ابن تيمية أحيانًا، ويشرح كلام ابن تيمية بكلام القاضي فهم يرون المذهب قالبًا واحدًا، وأن الخلاف داخل المذهب يسير وسائغ([38]).

هذه نظرة الحنابلة المتأخرين باختصار، فمذهب ابن تيمية عندهم سائغ-قطعًا، ولا يعدونه مبتدعًا ولا مجسِّمًا كما يلمح أويصرح بعض الجهلة من المنتسبين إلى مذهب الإمام أحمد اليوم.

يقول الشيخ عبد الله بن صوفان القدومي المتوفى سنة 1331هـ تلميذ الشيخ حسن بن عمر الشطي الدمشقي الحنبلي 1274هـ : (فإن قلت: كيف يلتئم ما نقلته من ثناء الأئمة عليه (يعني شيخ الإسلام) مع كلام العلامة ابن حجر في (شرح الشمائل) ومع كلامه في (الدر المنظم)، وقد رماه وتلميذَه ابن القيم بالعظائم، ونسبهما إلى القول بالجهة والتجسيم، ثم قال: (والإمام أحمد وأجلاء مذهبه مبرؤون من هذه الوصمة القبيحة، كيف وهي كفر عند الكثيرين).

قلت: إن الشيخ تقي الدين ابن تيمية كان يرجح مذهب السلف على غيره من مذاهب المتكلمين، وكان شديد الطعن عليهم، كثير الرد لكلامهم، مع تسميته لهم معطلة، فامتُحن، وخاض فيه أقوام حسدًا، ورموه بالتجسيم بسبب أمور أشاعها مشيع لحفظ نفسه، أو لأجل المعاصرة التي لا ينجو منها إلا من كمل في قدسه.

فخلف من بعدهم من قلدهم في الطعن، فتجاوزوا فيه الحد، ورماه بعظائم موجبة للتعزير أو الحد، وهذه تصانيفه قد ملأت طباق الثرى، واطلع عليها القاص والدان من علماء الورى، فما وجد فيها عقيدة زائفة، ولا عن الحق زائغة) ([39]).

فانظر إلى ثناء هذا الفقيه الحنبلي على عقيدة الشيخ وتبرئته له من وصمة التجسيم، وقارن ذلك بما يفعله بعض المتحنبلة اليوم من الطعن في عقيدة الشيخ في الصفات، لتعلم أن هؤلاء لا سلف لهم من الحنابلة.

والحنابلة المتأخرون لا بأس عندهم بالمراجعة والنقد على القاضي وغيره، كما فعل السفاريني في مواضع عديدة، فهم يرون أنك ما دمتَ تُثبِتُ الصفات ولا ترى تأويلها وتنكر منطلقات المتكلمين العقلية = فالأمر لديهم بعد ذلك سهل ويسير.

وهذا يجرنا إلى السؤال التالي: هل هناك معتمد في المذهب أو إجماع حنبلي متأخر في الاعتقاد؟

ينبغي التفرقة بين نوعين من مسائل العقائد:”المسائل الكبار، ومسائل الدق، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن الحنابلة: (نزاعهم في مسائل الدِق؛ وأما الأصول الكِبار فهم متفقون عليها)([40]).

1- المسائل الكبار: مثل الإثبات المُجمل وعدم التأويل، العلو الذاتي، الحرف والصوت، تقديم النقل على العقل عند توهم التعارض، ونبذ أصول اليونان ونحو ذلك، وهذا النوع = إجماعهم فيه حجة لأنه مذهب أهل الحديث كلهم، فصح فيه الإجماع، وهذا الصنف يصح أن ننسبه إلى معتمد المذهب الحنبلي لأنها أصول كلية عامة.

2- مسائل الدق: أي المسائل الكلامية الدقيقة المشتبهة ([41]) التي وقع فيها نزاع في المتأخرين بعدما دخلوا في علم الكلام- مثل أول واجب على المكلف،، حلول الحوادث، التحسين والتقبيح، الحكمة والتعليل. فهذه ونحوها، إذا اشتهر قول في المتأخرين، لا يصح أن يُسمى إجماعًا ولا معتمدًا، بل هذه المسائل تخضع لتحرير كل عالمٍ بحسبه، وبما أداه إليه اجتهاده، ومن زعم أنهم اعتمدوا شيئًا منها، فبين أيدينا كتب الحنابلة المتأخرين، وهم مختلفون فيها، بل إن كثيرًا منهم يختار قول ابن تيمية فيها بلا غضاضة.

هل يوجد معتمد عقدي حنبلي، وهل يجوز تقليده؟

بادئ ذي بدء نص أئمة الحنابلة على تحريم التقليد في مسائل الإلهيات، فقال أبو البركات المجد ابن تيمية في المسودة في أصول الفقه: (قال القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب والحلواني: مسائل الأصول المتعلقة بالاعتقاد بالله، وما يجوز عليه وما لا يجوز، وما يجب له، ويستحيل عليه = لا يجوز التقليد فيها) ([42])

وقد وقع نزاع بين الشيخ الموفق بن قدامة، والفخر ابن تيمية في مسائل عقدية احتج الفخر ابن تيمية بما قرره الحنابلة فكان رد ابن قدامة قاسيًا عليه.

قال ابن قدامة: (قوله: إن كتب الأصحاب القديمة والحديثة فيها القول بتكفير القائل بخلق القرآن: فهذا متضمن أن قول الأصحاب هو الحجة القاطعة!. وهذا عجب!. أترى لو أجمع الأصحاب على مسألة فروعية، أكان ذلك حجة يقتنع بها، ويكتفي بذكرها؟ فإن كان فخر الدين يرى هذا فما يحتاج في تصنيفه إلى ذكر دليل سوى قول الأصحاب. وإن كان لا يرى ذلك حجة في الفروع، فكيف جعله حجة في الأصول؟ ([43]).

بغض النظر عن مدى صحة اجتهاد ابن قدامة في أصل المسألة المتنازع فيها، لكنّ الشاهد في كيفية نظرته فيما قرره إجماع الحنابلة، فكيف بكتب المتأخرين؟!

وقد مرَّ بنا أن السفاريني اختار قول ابن تيمية في الحكمة والتعليل، وقد مرَّ بنا -أيضًا أن مصحح المذهب المرداوي اختار قول ابن تيمية في أن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد، وغيرها من الأمور التي مرت بنا في هذا المقال وقال بها أساطين المذهب، فأي معتمدٍ للمذهب نعتمده؟

ومن الأدلة على فساد تلك الفكرة -أعني وجود معتمدٍ للمذهب في الكلاميات- وجود مخالفات بدهية عند بعض المتأخرين، ومن أعجب مخالفات الحنابلة المتأخرين-التي تخالف بدهيات المذهب-، هو استدراك الشيخ الخلوتي على ابن النجار الفتوحي في صفة الكلام.

قال الخلوتي في ” حاشيته على المنتهى”؛ وتحت عبارة: ” كاعتقاد أن الله ليس بمستوٍ على عرشه، وأن القرآن المكتوب في المصاحف ليس بكلام الله تعالى”؛ قال العلامة الخلوتي: ” قال المولى سعد الدين التفتزاني: التحقيق أن كلام الله تعالى اسمٌ مشترك بين الكلام النفسي القديم، ومعنى الإضافة كونه صفةً الله تعالى، وبين اللفظ الحادث المؤلف من السُّور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوقٌ لله تعالى…”

ثم قال الخلوتي بعد أن نقل كلامه: (ومنه تعلم ما في كلام الشارح -أي ابن النجار- فتفطن لئلا تزل قدمك)([44]).

والخلوتي بهذا النقل يتجاوز كل الحنابلة -حتى المتسامحين مع الأشعرية- فإن أبا الفضل التميمي-وهو من المتسامحين- قال في مسألة الحكاية والعبارة: «وكان [يعني الإمام أحمد] يبطل الحكاية ويضلل القائل بذلك، وعلى مذهبه أن من قال إن القرآن عبارةٌ عن كلام الله فقد جهل وغلط» ([45]) وقد نقل ابن حمدان هذا عن أبي الفضل في «نهايته» ([46]).

فهل يُقدَّم في هذه المسألة الأصلية ما ينقله أبو الفضل التميمي عن الإمام أحمد، أم ما يقرره السعد التفتازاني نقلًا عن أئمة الأشعرية ويوافقه عليه الخلوتي؟!

إذن لا ينبغي أن يمتري باحث منصف أن الحنابلة المتأخرين دخل عليهم ما دخل من عدم التمييز بين المقالات، ونوع مجاراة لأهل زمانهم، لاسيما ممن عاشوا في مصر حيث الوسط الأشعري الخالص في تلك الأزمنة. وهؤلاء يُعتذر لهم بأن المسائل لم تكن مُحققة في أزمانهم بالشكل المطلوب، فيترحم عليهم ويعتذر لهم، لا أن يُجعل كلامهم هو المذهب !!

إذن فجعل العقيدة متعلقة بالمذهب، ليكون الحنبلي تابعًا للحنابلة المتأخرين، والشافعي تابعًا للأشاعرة المتأخرين، والحنفي مقلدًا للماتريدية – لا يخفى على باحثٍ منصف أن هذا جمع بين المتناقضات، ومجانب للصواب.

وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) لوامع الأنوار (1/ 286).

([2]) فتح الباري (7/ 136).

([3]) الرد على من رد على شيخ الإسلام في مسألة حوادث لا أول لها، دار الكتب والمخطوطات المصرية، برقم 323، في اللوح الثامن، صفحة ١٤.

([4]) الحمية الإسلامية في الانتصار لابن تيمية ص: 64-75.

([5]) فتح الباري (9/ 259).

([6]) «فتح الباري» لابن رجب (7/236).

([7])  ذيل طبقات الحنابلة (2/369)

([8])التحبير شرح التحبير (1/ 1311).

([9]) التحبير شرح التحبير (2/585).

([10]) التحبير شرح التحبير (2/743).

([11]) التحبير شرح التحبير (2/751).

([12]) تحفة الوصول إلى علم الأصول على مذهب أهل السنة والجماعة ص: 106-107.

([13]) شرح الكوكب المنير (1/ 163).

([14]) تعليق الكلام بالمشيئة لا ينتظم مع هذا القول الذي ذكره.

([15]) النص في كتاب: الإيضاح في أصول الدين، لابن الزاغوني ص: 410 -411.

([16]) مختصر التحرير (1/178)

([17]) الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير ص: 268-269)

([18]) قلائد العقيان في اختصار عقيدة ابن حمدان ص: 512-514 ، تحقيق د. عبدالله عوض العجمي.

([19]) التدمرية ص: 65.

([20]) انتهى من الإيضاح ص 281.

([21]) أقاويل الثقات ص 234.

([22]) وأما وقوع مرعي الكرمي في ألفاظ موهمة في مواضع، فهي تندرج تحت بند الاصطلاحات التي ناقشناها في موضوعات أخرى.

([23]) أقاويل الثقات ص ٦٤.

([24]) أقاويل الثقات ص ١٣٦.

([25]) العين والأثر، المواهبي ص 68، 69 .

([26]) العين والأثر، المواهبي ص25. وعلق على هذا الموضع محققه عصام قلعجي الحنبلي: ” هذا ليس نقلًا عن كتب ابن تيمية، بل أخذًا منه على المعنى والكيف” !!

([27]) وفي النقل السابق عن المواهبي رد على من يظن أننا نتأول كلام المتأخرين ونتكلف لجذبهم إلى مذهب عقدي معين، والحمد لله لا نحتاج إلى ذلك، فالغرض من البحث هو إظهار الحقائق كما هي.

([28]) لوامع الأنوار، السفاريني ص 117.

([29]) لوامع الأنوار، السفاريني ص 250.

([30]) لوامع الانوار، السفاريني ص 250،251

([31]) لوامع الأنوار، السفاريني ص 137.

([32]) الصواب أن هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في “الاستقامة”، وقد وهم السفاريني في نسبته إلى الطوفي.

 ([33]) لوامع الأنوار، السفاريني ص67.

([34]) لوامع الأنوار، السفاريني ص 285.

([35]) نجاة الخلف، عثمان النجدي ص 7

([36]) نجاة السلف، عثمان النجدي ص14.

([37]) هداية الراغب ص 6

([38]) والغرض من هذا الكلام بيان الطريقة التلفيقية للحنابلة المتأخرين، ومعلوم أنهم يُلفقون ما بين المذهبين، وطريقتهم بالتأكيد ليست صحيحة. والفائدة من بيان ذلك أمران: أولهما: أنهم لا يرون ابن تيمية شاذَا كما يدعي الحنابلة الجدد، بل يختارون قوله في مسائل كبيرة بلا غضاضة ، ثانياً : بيان أنهم مضطربون،  فلا يؤخذ عنهم العقيدة، لأن الحنابلة الجدد سيضطرون حينها إلى قبول كلام ابن تيمية مثلهم في بعض كبريات القضايا، وفي هذه الحالة سيظهر التناقض.

([39]) المنهج الأحمد في درء المثالب التي تنمى إلى مذهب الإمام أحمد ص138.

([40]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية 2/ 86

([41]) ملاحظة: مسائل الدق المشتبهة، لا يعني أنها سائغة الخلاف-في أصلها-، إنما سُميت “الدق” لاشتباهها، ولدقة المسائل الكلامية.

([42]) المسودة لآل تيمية ص457

([43]) كان أصل النزاع في تكفير علماء الأشعرية كما هو معتمد المذهب وقتئذ، واستدل الفخر بقولهم بخلق القرآن، واعترض عليه ابن قدامة أن المسألة ليست مجمع عليها.

([44]) حاشية المنتهى (7: 249-251).

([45]) اعتقاد الإمام المنبل أحمد بن حنبل، التميمي ص 36

([46]) نهاية المبتدئين في أصول الدين، ابن حمدان ص 27).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

حديث إزالة النخامة من المسجد واعتراض الحداثيين

يرى بعض الحداثيين أنَّ هذا الدينَ قد جمع بين بعضِ التناقضات، منها أمور تتعلق بالنظافة؛ إذ كيف يسمح النبي e لصحابته أن يتنخَّموا عن يسارهم وتحت أقدامهم وهم في الصلاة، خاصة لو حدث ذلك في المسجد، أليس هذا منظرًا مؤذيًا لمن حوله؟ ثم أليس هذا الفعل فيه سوء أدب مع الله؟! فإذا كنّا لا نفعل […]

الرد على من زعم أن التفويض هو إثبات مع التنزيه

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة ثمة قناعة غير صحيحة منتشرة في الأوساط الشعبوية ، وهو أن من التفويض هو إثبات مجمل للصفات من غير خوض في المعاني التفصيلية، وكثيرًا ما نسمع من المخالفين أن إثبات معنى صفة اليد وتفويض الكيف عند شيخ الإسلام هو إثبات تحديد لهذه اليد كأن تكون من جنس أيدي المخلوقين […]

خصائص أبي بكر الصديق رضي الله عنه (أدلتها، وركائزها، ومدلولاتها)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة     فإنَّ مِن أصول أهل السنة والجماعة حبَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمَهم وتوقيرهم، والشهادة لهم بالفضل والسابقة والمكانة السامقة، فهم خير قرون الأمة وأكرمها. وقد كان السلف رضي الله عنهم يعلِّمون أولادهم حبَّ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما يعلِّمونهم السورة من القرآن، كما […]

حديث صفوان بن المعطل.. وهل يدل على التهوين من صلاة الفجر؟

  ادَّعى بعض مَن عُرف بتتبُّع الشواذ والمتشابهات أنَّ أداء صلاةِ الفجر بعد طلوع الشمس لا يختلف عن صلاتها قبل طلوع الشمس، وأنّ الإنسان إذا كانت أحواله لا تتناسب مع صلاة الفجر في موعِدها فلا مانع مِن صلاتها حينما يستيقظ. واحتجَّ على ذلك بحديث صفوان بن المعطّل رضي الله عنه وأنَّ النبي صلى الله عليه […]

المعتمد العقدي عند الحنابلة.. دعوى ونقاش

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اعتمدت بعض الدعوات الحنبلية الجديدة على ظنون وأوهام صيَّروها مُسلَّمات، ومن جُملة هذه الظنون: فكرة «معتمد المذهب العقدي» وذلك بهدف تمرير بعض البدع في قالب اختيارٍ مذهبي، وليت الأمر وقف إلى هذا الحد، بل تعداه إلى ادعاءاتٍ غير محرّرة، وهو ادعاء أن معتمد المذهب هو التفويض أو نفي الأفعال […]

أين ذهبت خُطَبُ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة  تمهيد: السُّنَّة النبويَّة واجهت الكثيرَ من حَمَلاتِ التَّشكيك والطعن على مرِّ العصور، بدءًا من فتنة الخوارج والروافض، ثم أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، وصولًا إلى المستشرقين، وانتهاء بأذنابهم من منكري السنَّة ممَّن يسمَّون بالقرآنيين والحداثيين ومن على شاكلتهم. وقد صار التَّشكيك في السنة النبوية صَيحةَ الوقت المعاصر، وبات كلُّ […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الثاني”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   القسم الثاني: الأحاديث التي استدلوا بها على استحباب شد الرحال إلي قبر النبي ﷺ: الحديث الأول: ما رواه الدارقطني في سننه، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي»([1]). استدل به السبكي في شفاء السقام، وعمر عبد […]

الزيارة وشد الرحال .. بين أهل السنة والصوفية “الجزء الأول”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أولاً: تعريف الزيارة: أولاً: في اللغة: مأخوذة من الزور وهو الميل، فالزاء والواو والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على المَيْل والعدول، فمن زار قوماً فقد مال إليهم بنفسه([1]) ، وتأتي بمعنى: الإتيان بقصد الالتقاء([2])،  أوهي:  في العرف قصد المزور إكراماً له واستئناساً به([3]) . ثانياً: في الاصطلاح العام: أما عند […]

الاحتفال بالكريسماس.. مناقشة فتوى دار الإفتاء المصرية في الاحتفال والتهنئة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم وبعد: فقد سئلت دار الإفتاء المصرية سؤالا، عن حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية، وعن حكم تهنئة المسيحين فيه؟ فأجابت بما يلي :”الاحتفال برأس السنة الميلادية المؤرخ بيوم ميلاد سيدنا المسيح عيسى ابن مريم على نبينا […]

تكفير المعيَّن عند الإمام محمد بن عبدالوهاب (مهمَّاتٌ ومسالكُ)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد:      “قلَّة هم الرجال الذين أثاروا هكذا انفعالات، وقلَّة هم الذين رأوا فكرهم محرفًا بصورة كاريكاتورية، وقلَّة هم الذين أُبديَت بهم الآراء دون الاهتمام بقراءتهم أو فهمهم، ومع محمد بن عبدالوهاب ندخل في ميدان الجدل، وقضية النوايا والاستيهام، فمنذ أكثر من قرنين راجت التحليلات والروايات غير الموضوعية التي […]

التداخل العقدي بين الطوائف المنحرفة.. الصوفية والفلاسفة أنموذجًا

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   لا شكَّ أنَّ الزهد والتقلُّل من مُتع الدنيا وعدم تعلُّق القلب بها هو منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، وقد حثَّنا الله في كتابه على ذلك فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5]، […]

شذرات في التحوّل المذهبي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إن التحوّل المذهبي من الأمور التي تشدّ أنظار المطالع في سير الفقهاء والعلماء والمفكرين من السابقين واللاحقين وتراجمهم، وقلما ينظر فيها طالب علمٍ إلا وتساءل عن أسباب ذاك التحوّل وملابساته. ومن الرسائل اللطيفة التي أُفْرِدت لهذا الموضوع: رسالة للشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله، حيث […]

موقف الفقيه العزّ بن عبد السلام من ابن عربيّ الاتّحادي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: تواترت كلماتُ أهل العلم العدول من مختلف المذاهب في ذمّ محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير بمحيي الدين ابن عربي (558هـ-638هـ) أحد أشهر رؤوس الضلالة في تاريخ الإسلام، واشتهرت كلماتهم في التحذير منه وبيان انحرافه وإلحاده، حتى أفرد بعضهم في ذلك الفتاوى والمؤلَّفات، […]

المشاهد والقباب بين الحقيقة والخرافة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت بها القلوب بعد […]

ورقة في الجواب عن شبهة عدم الإلزام بفهم الصحابة في فهم نصوص الوحي

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة لم يعد العقلانيون المعاصرون يصادمون النَّص، ولم يعودوا يناقضون الإجماع؛ لأنهم علموا أنها معركة خسر فيها مرارًا وتكرارًا أسلافُهم ممن يريدون اتباع الهوى وإشباع الشهوة وتحريف الدين الإسلامي، فاتخذوا وسيلةً أخرى لاستهداف النصوص الشرعية، فصاروا يقدِّمون أفكارهم المخالفة للشرع في قالب شرعيّ بتوظيف النصوص لترسيخ أفكارهم الهدّامة للدين الإسلامي، […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017