الثلاثاء - 17 شعبان 1445 هـ - 27 فبراير 2024 م

من تاريخ الدولة السعوديّة الأولى كما رواه الجبرتي في تاريخه -الجزء الأول-

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد: فهذا بين أيديكم جزءٌ من تاريخ الدولة السعودية الأولى، وكيف كانت نهايتها، كما صَوَّرَها المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه “عجائب الآثار في التراجم والأخبار”، والحق أننا قد سُبِقنا إلى هذا العمل على يد السيد محمد أديب غالب، وكان عمله موفقًا، وبإشرافٍ من دار اليمامة التي كان يديرها علامة الجزيرة العربية حمد الجاسر؛ لكننا اقتصرنا في نقلنا عن الجبرتي على ما أورده عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعن الدولة السعودية، وكان ذلك مقتصرًا على الفترة الأخيرة من حكم الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد، وفترة حكم عبد الله بن سعود حتى نهايتها.

كما أننا قمنا بمركز سلف للبحوث والدراسات بإدراج المتن من التاريخ المذكور نقلًا عن الكتاب -طبعة دار الجيل ببيروت- وبمقابلته مع الطبعة المعروفة بطبعة شموئل موريه، حيث ذكر الأخير أنه في طبعته جمع جميع ما سبقه من طبعات، والحقّ أننا لم نجد فروقًا يشاد بها.

وقد تولى د. محمد السعيدي مراجعة النص وإبداء ما ظهر له أهميته من تعليقات، نسأل الله أن ينفع بها.

وحيث يُعد هذا البحث للنشر الورقي -إن شاء الله- بعد تمامه، فقد قررنا نشره تباعًا عبر الموقع، وذلك لأخذ التعليقات الواردة من قراء الموقع، والعمل بما يتيسر منها.

وشكر الله لكل من أسهم معنا في إتمام الموضوع كما يسرّ، والله ولي التوفيق.

 

د. محمد بن إبراهيم السعيدي

 

بداية ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

[سنة 1217هـ المحرم في غرته – 4 مايو 1802م]: فيه ترادفت الأخبار بأمر عبد الوهاب([1]) وظهور شأنه من مدة ثلاث سنوات من ناحية نجد، ودخل في عقيدته قبائل من العرب كثيرة، وبث دعاته في أقاليم الأرض، ويزعم أنه يدعو إلى كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله، ويأمر بترك البدع التي ارتكبها الناس ومشوا عليها… إلى غير ذلك([2])([3]).

الأمن في الحجّ

[صفر 17 منه – 19 يونيه 1802م]: وفي يوم الخميس سابع عشرة حضر جاويش الحج وصحبته مكاتبات الحجاج من العقبة، وضربوا لحضوره مدافع، وأخبروا الأمن والرخاء والراحة ذهابًا وإيابًا، ومشوا من الطريق السلطاني، وتلقتهم العربان وفرحوا بهم([4])([5]).

[21 منه – 23 يونيه 1802م]: فلما كان يوم الاثنين وصل الحجاج ودخلوا إلى مصر، وفي صبحها دخل أمير الحج وصحبته المحمل([6])([7]).

[في الحاشية]

تحقيق في مسألة انتقاض الصلح بين الشريف غالب وبين الإمام عبد العزيز

[شعبان 10 منه – 6 ديسمبر 1802م] وفيه: حضرت جماعة من أشراف مكة وعلمائها هروبًا من الوهابيين، وقصدهم السفر إلى إسلامبول يخبرون الدولة بقيام الوهابيين، ويستنجدون بهم لينقذوهم منهم ويبادروا لنصرهم عليهم، فذهبوا إلى بيت الباشا والدفتردار وأكابر البلد، وصاروا يحكون ويشكون، وتنقل الناس أخبارهم وحكاياتهم([8])([9]).

[رمضان – 26 ديسمبر 1802م]: فيه حضرت أيضًا جماعة من أشراف مكة وغيرها([10]).

حجٌّ لم يُرَ مثله قبله

[شوال 22 منه – 15 فبراير 1802م]: كان خروج أمير الحج بالموكب والمحمل المعتاد إلى الحصوة، وكان ركب الحجاج في هذه السنة عالَمًا عظيمًا، وحضر الكثير من حجاج المغاربة من البحر، وكذلك عالم كثير من الصعيد وقرى مصر البحرية والأروام، وغير ذلك([11])([12]).

استنجاد الأشراف بالعثمانيين ضد السعوديين

وفي غايته -أي: رمضان- [22 فبراير 1803م]: حضر أولاد الشريف سرور شريف مكة هروبًا من الوهابيين ليستنجدوا بالدولة، فنزلوا ببيت المحروقي بعدما قابلوا محمد باشا والي مصر وشريف باشا.

وفيه: ارتحل حجاج المغاربة وكانوا كثيرين، فسافر أغنياؤهم والكثير من فقرائهم من طريق البر، وآخرون من السويس على القلزم([13]).

وفي خامس عشرينة [19 آذار 1803م] حضر أحمد باشا والي دمياط وكانوا أرسلوا له طوخ ثالث ليحضر ويتوجه بعساكر لمحافظة مكة من الوهابيين، وأخذوا في تشهيله([14])([15]).

[28 منه – 22 مارس 1803م] وفيه: ورد الخبر بأن المراكب التي بها ذخيرة أمير الحاج بالقلزم المتوجهة إلى الينبع والمويلح غرقت بما فيها([16]).

انضمام عثمان المضايفي إلى الدولة السعودية

وفي يوم الجمعة [ذو الحجة 15 منه – 18 إبريل 1803م]: حضرت مكاتبات من الديار الحجازية يخبرون فيها عن الوهابيين أنهم حضروا إلى جهة الطائف، فخرج إليهم شريف مكة -الشريف غالب- فحاربهم فهزموه، فرجع إلى الطائف وأحرق داره التي بها، وخرج هاربًا إلى مكة، فحضر الوهابيون إلى البلدة وكبيرهم (المضايفي) نسيب الشريف، وكان قد حصل بينه وبين الشريف وحشة، فذهب مع الوهابيين، وطلب من سعود الوهابي أن يؤمره على العسكر الموجهة لمحاربة الشريف([17])([18]).

[24 منه – 12 إبريل 1803م]: وفيه: وصلت هجانة -ن شريف باشا بمكاتبة للباشا والدفتردار يخبر فيها أنه وصل الينبع، وهو عازم على الركوب من هناك على البر ليدرك الحج ويترك أثقاله تتوجه في المركب إلى جدة([19])([20]).

[غايته – 22 إبريل 1803م]: وصل سلحدار الباشا، وصحبته آغات المقرر الذي تقدمت بشارته، فلما وصلوا إلى بولاق أرسل الباشا في صبحها إليهم، فركبوا في موكب إلى بيت الباشا، وضربوا لهم مدافع، وحضر المشايخ والقاضي والأعيان والوجاقات، فقرئ عليهم ذلك، وفيه: الأمر بتشهيل غلال للحرمين والحث والأمر بمحاربة المخالفين([21])([22]).

[سنة 1218هـ المحرم غرته – 23 إبريل 1803م]: فيه وردت عدة نقاير وبها جبخانة وجملة من العساكر، وصحبتهم إبراهيم آغا -الذي كان كاشف الشرقية عام أول- وكان توجه إلى إسلامبول([23])، فحضر وصحبته ذلك. فحملوا الجبخانة وطلعوها إلى القلعة، فيقال: إنها متوجهة إلى جدة بسبب فتنة الحجاز، وقيل غير ذلك([24])([25]).

وفي ذلك الوقت حضر إليه طائفة من الإنكشارية، وهم الذين كانوا حضروا في أول المحرم في النقاير مع الجبخانة ليتوجهوا إلى الديار الحجازية، وأنزلوهم بجامع الظاهر خارج الحسينية([26]).

وفيه حضر هجان على يده مكاتيب مؤرخة في 20 شهر الحجة، مضمونها: أن الوهابيين أحاطوا بالديار الحجازية، وأن شريف مكة -الشريف غالب- تداخل مع شريف باشا وأمير الحج المصري والشامي، ورشاهم على أن يتعوقوا معه أيامًا حتى ينقل ماله ومتاعه إلى جدة، وذلك بعد اختلاف كبير وحلّ وربط وكونهم يجتمعون على حربه ثم يرجعون عن ذلك… إلى أن اتفق رأيهم على الرحيل، فأقاموا مع الشريف اثني عشر يوما ثم رحلوا ورحل الشريف -بعد أن أحرق داره- ورحل شريف باشا أيضًا إلى جدة([27])([28]).

[صفر 16 منه – 7 يونيه 1803م]: وردت مكاتبات من الديار الحجازية مؤرخة في منتصف محرم، وفيها الأخبار باستيلاء الوهابيين على مكة في يوم عاشوراء، وأن الشريف غالب أحرق داره وارتحل إلى جدة، وأن الحجاج أقاموا بمكة ثمانية أيام زيادة عن المعتاد؛ بسبب الارتباك قبل حصول الوهابيين بمكة ومراعاة للشريف حتى نقل متاعه إلى جدة، ثم ارتحل الحجاج وخرجوا من مكة طالبين زيارة المدينة، فدخل الوهابيون بعد ارتحال الحج بيومين([29])([30]).

دخول السعوديين مكة من غير حرب وقيامهم بواجب الدعوة

[20 منه – 11 يونيه 1803م]: حضر الشريف عبد الله بن سرور وصحبته بعض أقاربه من شرفاء مكة وأتباعهم نحو ستين نفرًا، وأخبروا أنهم خرجوا من مكة مع الحجاج، وأن عبد العزيز بن سعود الوهابي([31]) دخل إلى مكة من غير حرب([32])، وولي الشريف عبد المعين أميرًا على مكة والشيخ عقيل قاضيًا([33])، وأنه هدم قبة زمزم([34]) والقباب التي حول الكعبة والأبنية التي أعلى من الكعبة([35]).. وذلك بعد أن عقد مجلسًا بالحرم، وباحثهم على ما الناس عليه من البدع والمحرمات المخالفة للكتاب والسنة، وأخبروا أن الشريف غالب وشريف باشا ذهبا إلى جدة وتحصنا بها، وأنهم فارقوا الحجاج في الجديدة([36])([37]).

خلاف الناس حول الدعوة الإصلاحية ورسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب تتضمن توضيح دعوتهم وعقيدتهم

[29 منه – 20 يونيه 1803م] دخل الجم الغفير من الحجاج ومات الكثير من الداخلين في ذلك اليوم وكثير مرضى، وحصل لهم مشقة عظيمة وشوب وغلاء وخصوصًا بعد مجاوزتهم العقبة، وبلغت شربة الماء بدينار، والبطيخة بدينارين. وكان حجاج كثير، وأكثرهم أوباش الناس من الفلاحين والنساء وغير ذلك. وخرج سليم آغا مستحفظان وصحبته جماعة من الانكشارية والكشاف والأخبار والعسكر، فاستلموا المحمل من أمير الحج، وأمروه بأن لا يدخل المدينة؛ بل يقيم بالبركة حتى يحاسبوه. ويسافر بمن معه من العسكر إلى جهة الشام، ثم رجعوا بالمحمل، ودخلوا به المدينة وقت الظهر على خلاف العادة، وحضر صحبة الحجاج كثير من أهل مكة هروبًا من الوهابي، ولغط الناس من خبر الوهابي واختلفوا فيه. فمنهم من يجعله خارجيًّا وكافرًا([38])، وهم المكيون ومن تابعهم وصدق أقوالهم، ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو غرضه. وأرسل([39]) إلى شيخ الركب المغربي كتابا ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته وصورتها([40]):

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين([41])، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره [ونتوب إليه]([42])، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فقد قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].

فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق والاختلاف؛ فقال([43]) تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن أمته تأخذ مأخذ([44]) القرون قبلها، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع. وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟!»([45]). وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»([46]).

إذا عُرِفَ هذا، فمعلوم ما قد عمَّت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها: الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء الحاجات وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله.

وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها؛ لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، كما قال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 2، 3].

فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار. وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك به؛ وذلك أن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]([47])، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]([48]).

وقال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} [الروم: 57]([49])، وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109].

وهو سبحانه وتعالى لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [سبأ: 22، 23]([50]). فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله، كما قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]، وقال تعالى: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106].

فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه- لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداء بل يأتي فيخر لله ساجدًا، فيحمده بمحامد يعلِّمه إياها، ثم يقول: «ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع»، ثم يحد له حدًّا فيدخلهم الجنة([51])، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟!

وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الأصحاب والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، فمن سلك سبيلهم ودرج على منهاجهم.

وأما ما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها، والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته وحذر منها، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان»([52]).

وهو صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر([53])، وثبت فيه أيضًا أنه بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره لا يدع قبرًا مُشرفًا إلا سوَّاه، ولا تمثالًا إلا طمسه([54])، ولهذا قال غير واحد من العلماء: (يجب هدم القباب المبنية على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم)([55]).

فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر إلى أن كفَّرونا وقاتلونا واستحلّوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف الصالح من الأئمة([56])، ممتثلين لقوله سبحانه وتعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]. فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25].

وندعو الناس إلى إقامة الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله الحرام. ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 41]، فهذا هو الذي نعتقده وندين الله به. فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا.

ونعتقد أيضًا أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين للسنة لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك([57]).

[وصلى الله على محمد]([58]).

أقول([59]): إن كان كذلك، فهذا ما ندين الله به نحن أيضًا، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين([60]). فقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان»([61])، والحافظ المقريزي في «تجريد التوحيد»([62])، والإمام اليوسي في «شرح الكبرى»([63])، و«شرح الحكم» لابن عباد([64])، وكتاب «جمع الفضائل وقمع الرذائل»، وكتاب «مصايد الشيطان»، وغير ذلك.

[9 منه – 29 يونيه 1803م]: سافر الشريف عبد الله بن سرور إلى إسكندرية متوجهًا إلى إسلامبول. وأنعم عليه إبراهيم بك بخمسين ألف فضة([65]).

[في الحاشية]

تحقيق في سبب خروج سعود من الحجاز

[ربيع الآخر 4 منه – 24 يوليه 1803م]: وردت هجانة من ناحية الينبع، وأخبروا أن الوهابيين جلوا عن جدة ومكة؛ بسبب أنهم جاءتهم أخبار بأن العجم زحفوا على بلادهم الدرعية وملكوا بعضها([66])، والأوراق فيها خطاب من شريف باشا وشريف مكة لطاهر باشا على ظن حياته([67]).

انفراد الجبرتي بذكر قطع الماء عن جدة

[جمادى الآخرة 6 منه – 23 سبتمبر 1803م]: في هذا الشهر تحقق الخبر بجلاء الوهابي عن جدة ومكة ورجوعه إلى بلاده. وذلك بعد أن حاصر جدة وحاربها تسعة أيام وقطع عنها الماء([68]). ثم رحل عنها وعن مكة، ورجع الشريف غالب إلى مكة وصحبته شريف باشا، ورجع كل شيء إلى حاله الأول، ورد المكوس والمظالم([69]).

[شعبان غرته – 16 نوفمبر 1803م]: وصل كاتب ديوان علي باشا، الذي يقال له: ديوان أفندي، وعلى يديه مكاتبة خط شريف وصل من الدولة، ولما قرئ بحضرة الأمراء والمشايخ أظهروا البشر، وكتبوا جوابًا بتمام السرور لتنظيم الأحوال، وأعظمها تشهيل الحج الشريف، وأرسلوه مع رضوان كتخذا وبعض الفقهاء([70]).

التعبئة لمحاربة الوهابيين والتحريض عليهم

[شوال 25 منه – 7 فبراير 1804م]: وفي خامس عشرينه عملوا ديوانًا وقرؤوا فرمانًا وصل من الدولة مع الططر خطابًا لعلي باشا والأمراء بتشهيل أربعة آلاف عسكري وسفرهم إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين، وإرسال ثلاثين ألف إردب غلال إلى الحرمين.

وأنهم وجَّهوا أربع باشات من جهة بغداد بعساكر. وكذلك أحمد باشا الجزار، أرسلوا له فرمانًا بالاستعداد والتوجه لذلك، فإن ذلك من أعظم ما تتوجه إليه الهمم الإسلامية([71]) وأمثال ذلك من الكلام والترفق. وفيه بعض القول بالحب والمروءة بتنجيز المطلوب من الغلال وإن لم تكن متيسرة عندكم تبذلوا الهمة في تحصيلها من النواحي والجهات بأثمانها على طرف الميري بالسعر الواقع([72]).

من أخبار المحمل

[26 منه – 8 فبراير 1814م]: أنزلوا محمل الحاج من القلعة مطويًّا من غير هيئة([73]). وأشيع في الناس دورانه إلى بيت إبراهيم بك صحبة أحد الكشاف وطائفة من المماليك، واتفق الرأي على سفره من طريق بحر القلزم صحبة محمود جاويش مستحفظان، ومعه الكسوة والصرة. وكان حضر الكثير من الحجاج بالجهة القبلية بجمالهم ودوابهم ومتاعهم، فلما تحققوا عدم السفر -حكم المعتاد- باعوا جمالهم ودوابهم بالرميلة بأبخس الأثمان، لعدم العلف بعدما كلفوها بطول السنة، وما قاسوه أيضًا في الأيام التي أقاموها بمصر في الانتظار والتوهم([74]).

[ذو القعدة 8 منه – 19 فبراير 1804م]: ركب إبراهيم بك وأمراؤه إلى قراميدان([75])، وسلم المحمل واجتمع الناس للفرجة على العادة، فمروا به من الشارع الأعظم إلى العادلية وأمامه الكسوة في أناس قليلة وطبل وأشاير، وعينوا للذهاب معه أربعمائة مغربي من الحجاج، رتبوا لهم جامكية ثلاثين نفرًا من عسكر الأرنؤود([76]).

[12 منه – 23 فبراير 1804م]: سافرت قافلة الحج بالمحمل إلى السويس([77])([78]).

[صفر 14 منه 1219هـ – 25 مايو 1804م]: وفيه: وردت مكاتبات إلى التجار من الحجاز، وأخبروا بأن الحجاج أدركوا الحج والوقوف بعرفة، ودخلوا قبل الوقوف بيومين([79]).

وأخبروا أيضًا بوفاة شريف باشا إلى رحمة الله تعالى، وكان من خيار دولة العثمانيين([80]).

[في الحاشية]

ذكر بعض أسباب الغلاء في الحجاز

[ربيع الأول 8 منه – 17 يونيه 1804م]: فيه وردت مكاتبات من الحجاز، وأخبروا فيها بموت محمود جاويش الذي سافر بالمحمل، وكذلك الحاج يوسف صيرفي الصرة. وأن طائفة من الوهابيين حاصروا جدة ولم يملكوها([81])، وأن ببلاد الحجاز غلاء شديدًا لمنع الوارد عنهم، والإردب القمح بثلاثين ريالا فرانسا، عنها من الفضة العددية خمسة آلاف وأربعماية([82])([83]).

حصار مكة وجدة والمدينة

[13 منه – 22 يونيه 1804م]: ورد الخبر بوصول مراكب وأدوات من القلزم إلى السويس وفيها حجاج والمحمل، وأخبروا بمحاصرة الوهابيين لمكة والمدينة وجدة، وإن أكثر أهل المدينة ماتوا جوعًا لعزة الأقوات، والإردب القمح بخمسين فرانسا إن وجد، والإردب الأرز بمائة فرانسا. وقس على ذلك([84])([85]).

قتل العساكر التركية للحجاج وإفسادهم في الحرم

[ربيع الآخر غرته – 10 يوليه 1804م]: فيه وصلت مراكب من الديار الحجازية إلى السويس وفيها حجاج ومغاربة. ولم يصل منهم إلا القليل، وأكثرهم قتله العسكر الذي بقي بمكة بعد موت شريف باشا ومن انضم إليهم من أجناسهم. وقد حصل منهم غاية الضرر والفساد والقتل حتى في داخل الحرم؛ لأن الشريف غالبًا ضمّهم إليه، ورتب لهم جامكية([86]). واستمروا معه على هذا الحال الفظيع([87])([88]).

خشية السلطنة من وقوع ينبع بيد السعوديين

[18 منه – 27 يوليه 1804م]: وفي ليلة الخميس وصل أمير أخور([89]) الصغير من الديار الرومية، وطلع إلى بولاق في صبحها، وركب إلى القلعة، فأنزله الباشا ببيت رضوان كتخدا([90]) إبراهيم بك بدرب الجماميز. ولم يعلم ما بيده من الأوامر، ثم تبين أن من الأوامر التي معه إخراج خمسمائة من العسكر إلى بندر ينبع البحر يقيمون بها محافظين لها من الوهابيين، ويدفع لهم جامكية سنة كاملة وذخيرتها وما يحتاجون إليه من مؤنة وغلال وجبخانة([91])([92])([93]).

الجنود والقادة في مصر لم يكونوا متشوفين للقتال في الحجاز

[23 منه – أول أغسطس 1804م]: وفي يوم الثلاثاء قرؤوا تلك الأوامر، وفيها أنه تعين محمد باشا أبو مرق بعساكر الشام إلى الحجاز، فأحضر الباشا كبار العسكر وعرض عليهم ذلك الأمر، وقال لهم: إنه ورد لي إذن عام في تقليد من أقلده، فمن أحب منكم قلدته أمرية طوخ أو طوخين([94]). فامتنعوا من ذلك. وقالوا: نحن لا نخرج من مصر ولا تتقلد منصبًا خارجًا عنها([95]). ووصلت الأخبار في هذه الأيام أن الوهابيين ملكوا الينبع([96])([97]).

[25 منه – 3 أغسطس 1804م]: قلدوا علي آغا الوالي على العسكر المعين إلى الينبع أميرا، وضربوا له المدافع، وفرح الناس بعزله من الولاية. فإنه كان أخبث من تقلد الولاية من العثمانية، وكان الباشا يراعي خاطره ولا يقبل فيه شكوى. وتعين للسفر معه عدة من العساكر من أخلاط مصر البطالين: أروام وخلافهم([98])([99]).

معاناة الشعب المصري من العثمانيين

[سنة 1219هـ جمادي الأولى غرته – 8 أغسطس 1804م]: وفيه قرروا فردة غلال على البلاد: قمح وشعير وتبن. أعلى وأوسط وأدنى: الأعلى خمسة عشر إردبا، وخمسة عشر حمل تبن، والأوسط عشرة، والأدنى خمسة. على أن إقليم القليوبية لم يبق به إلا خمسة وعشرون قرية فيها بعض سكان، والباقي خراب ليس فيها ديار، ولا نافخ نار. ومجموع المطلوب ثمانية آلاف إردب، خلاف التبن، وذلك برسم ترحيلة علي باشا إلى الينبع، ثم قرروا فردة أخرى كذلك أيضا، وقدرها ألف وخمسمائة كيس رومية([100])([101]).

[13 منه – 20 أغسطس 1804م]: وفي يوم الأحد ثالث عشرة خرج علي باشا الوالي المسافر إلى الينبع خارج البلد، وأقام جهة العادلية، وارتحل يوم السبت تاسع عشرة، ومعه مائة عسكري لا غير، وذهب إلى جهة السويس([102])([103]).

وفيه [13 جمادى الأولى]: أرسل الباشا إلى المشايخ والوجاقلية وتكلم معهم في توزيع فردة على أهل مصر لغلاق جامكية العسكر، فدفعوا بما أمكنهم من المدافعة، فقال: هذا الذي نطلبه إنما نأخذه على سبيل القرض، ثم نرده إليهم، فقالوا له: لم يبق بأيدي الناس ما يقرضونه، ويكفي الناس ما هم فيه من الغلاء، ووقف الحال وغير ذلك، فالتفت إلى الوجاقلية، وقال: كيف يكون العمل؟ فقال أيوب كتخدا: نعمل جمعية مع السيد أحمد المحروقي، ويحصل خير، فركن الباشا على ذلك، ثم اجتمعوا مع المذكور، واتفقوا أنهم يطلبونها بكيفية ليس فيها شناعة ولا بشاعة، وهي أنهم قرروا على الوجاقلية قدرًا من الأكياس، وكتبوا بها تنابية بأسماء أشخاص، منها ما جعلوا عليه عشرين كيسًا، وعشرة، وخمسة، وأقل، وأكثر، وكذلك وزعوا على أشخاص من تجار البن وخان الخليلي، ومغاربة أغراب، وأهل الغورية، وخلافهم؛ من تراخى في الدفع قبضوا عليه وأودعوه في أضيق الحبوس، ووضعوا الحديد في يديه ورجليه ورقبته، ومنهم من يوقفونه على قدميه، والجنزير مربوط بالسقف. وأرسلوا العسكر إلى بيوتهم، فجلسوا بها يأكلون ويسكرون، ويطلبون من النساء المصروف، خلاف الأكل الذي يطلبونه ويشتهونه، وهو ثمن الشراب والدخان والفاكهة؛ بل ويأتون بالقحاب معهم، ويضربون بالبندق والرصاص بطول الليل والنهار، وأمثال ذلك([104]).

[شعبان 13 منه – 17 نوفمبر 1804م]: وصل قاصد من الديار الرومية وعلى يده فرمان جواب عن مراسلة للباشا بإرسال باشة الينبع لمحافظتها من الوهابيين وأنه أعطاه ذخيرة شهرين، بأن يرسل إليه ما يحتاجه من الذخيرة، وكذلك محمد باشا والي جدة يعطي له ما يحتاجه من الذخيرة؛ لأجل حفظ الحرمين [والوصية برعية مصر ودفع المخالفين وأمثال ذلك]، فعمل الباشا الديوان في ذلك اليوم وقرؤوا الفرمان وضربوا عدة مدافع([105]).

[شوال غايته – غاية يناير 1805م]: برز أمير الحج المسافر بالمحمل وخرج إلى خارج، ومعه الصرة أو ما تيسر منها. وعين للسفر معه عثمان آغا -الذي كان كتخدا محمد باشا- بجماعة من العسكر؛ لأجل المحافظة ليوصلوه إلى السويس ويسافر من القلزم مثل عام أول.

دخول الوهابيين المدينة المنورة من غير حرب وقيامهم بواجب الدعوة

[رجب 15 منه – 9 أكتوبر 1805م]: برز طاهر باشا الذاهب إلى البلاد الحجازية بعساكره إلى خارج باب النصر.

وفيه: وردت الأخبار بأن الوهابيين استولوا على المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم- بعد حصارها نحو سنة ونصف من غير حرب، بل تحلقوا حولها، وقطعوا عنها الوارد، وبلغ الإردب الحنطة بها مائة ريال فرانسا. فلما اشتد بهم الضيق سلموها. ودخلها الوهابيون ولم يحدثوا بها حدثا، غير منع المنكرات وشرب التنباك في الأسواق وهدم القباب، ما عدا قبة الرسول صلى الله عليه وسلم([106]).

[ذو القعدة 14 منه – 3 فبراير 1806م]: وفي يوم الاثنين رابع عشرة أخرجوا المحمل والكسوة، وعين للسفر بهما من القلزم مصطفى جاويش العنتبلي، ومعه الصرة، ودفعوا له ربعها وثمنها، وهذا لم يتفق نظيره([107]).

[18 منه – 7 فبراير 1806م]: وفي يوم الجمعة ثامن عشرة ارتحلت القافلة وصحبتها الكسوة والمحمل أواخر النهار من ناحية قايت باي بالصحراء، وذهبوا إلى جهة السويس ليسافروا من القلزم([108])([109]).

[ذو الحجة 9 منه – 28 فبراير 1806م]: كان يوم الوقوف بعرفة، وفي ذلك اليوم ركب محمد علي بالأبهة الكاملة، وصلى الجمعة بالمشهد الحسيني، ولم يركب من وقت ولايته بالهيئة إلا في هذا اليوم([110]).

مسالمة الشريف غالب للوهابيين والدخول في طاعتهم

[سنة 1221هـ المحرم غايته – 19 إبريل 1806م]: وفيه وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين، وذلك لشدة ما حصل لهم من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية، حتى وصل ثمن الإردب المصري من الأرز خمسمائة ريال، والإردب البر ثلثمائة وعشرة. وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك. فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم والدخول في طاعتهم وسلوك طريقتهم وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة. وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها، وشرب الأراجيل والتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة ودفع الزكاة وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم.

وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك؛ حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حاله؛ وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات، على البائع والمشتري، ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم؛ فيكون الشخص من سائر الناس جالسًا بداره، فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها. فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر. فعاهده على ترك ذلك كله، واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز؛ من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون، والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث. وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور، والتصاوير والزخارف، وتقبيل الأعتاب، والخضوع والتذلل، والمناداة والطواف، والنذور والذبح والقربان، وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق، في توحيد الألوهية، التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها، ليكون الدين كله لله؛ فعاهده على منع ذلك، وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة؛ لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية، وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك.

فعند ذلك أمنت السبل، وسلكت الطرق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال.

حتى بيع الإردب من الحنطة بأربعة ريال. واستمر الشريف غالب بأخذ العشور من التجار، وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون، وأنا آخذ من المشركين لا من الموحدين([111]).

إنكار الوهابيين للمحمل لاشتماله على بعض المنكرات

[جمادى الآخرة 13 منه – 28 أغسطس 1806م]: وفي يوم الخميس ثالث عشرة وصلت قافلة من السويس وصحبتها المحمل، فأدخلوه وشقوا به من المدينة، وخلفه طبل وزمر، وأمامه أكابر العسكر، وأولاد الباشا، ومصطفى جاويش المتسفر عليه([112]). ولقد أخبرني مصطفى جاويش المذكور أنه لما ذهب إلى مكة وكان الوهابي حضر الحج واجتمع به، فقال له الوهابي: ما هذه العويدات التي تأتون بها تعظمونها بينكم؟ يشير بذلك القول إلى المحمل، فقال له: جرت العادة من قديم الزمان بها. يجعلونها علامة وإشارة لاجتماع الحجاج، فقال: لا تفعلوا ذلك، ولا تأتوا به بعد هذه المرة، وإن أتيتم به مرة أخرى فإني أكسره([113])([114]).

[وفي رجب 9 منه – 22 سبتمبر 1806م]: وصل كتخدا القبودان إلى ساحل بولاق فضربوا لقدومه مدافع، وعملوا له شنكا. وعمل الباشا الديوان وحضر المشايخ وقرؤوا المرسوم الوارد صحبة الكتخدا المذكور مضمونه: إبقاء محمد علي باشا واستمراره على ولاية مصر، حيث إن الخاصة والعامة راضية بأحكامه وعدله بشهادة العلماء وأشراف الناس، وقبلنا رجاءهم وشهادتهم، وأنه يقوم بالشروط التي منها: طلوع الحج ولوازم الحرمين وإيصال العلائف لأربابها على النسق القديم.. إلخ([115]).

[وفي شعبان 16 منه – 29 أكتوبر 1806م]: وفيه وصل إلى ثغر بولاق قابجي، وعلى يده تقرير لمحمد علي باشا بالاستمرار على ولاية مصر، والثاني: يضمن بإجراء لوازم الحرمين، وطلوع الحج، وإرسال غلال الحرمين والوصية بالرعية، وتشهيل غلال وقدرها ستة آلاف إردب، وتسفيرها عن طريق الشام معونة للعساكر المتوجهين إلى الحجاز([116])([117]).

[ذو القعدة غرته – 10 يناير 1807م]: وصل الحجاج الطرابلسية، وعدوا إلى بر مصر([118]).

[2 ذو القعدة – 17 يناير 1807م]: أداروا كسوة الكعبة والمحمل، وركب معها المتسفر عليها من القلزم -وهو شخص يقال له: محمود آغا الجزيري- وركب أمامه الآغا والوالي والمحتسب وطائفة الدلاة وكثير من العسكر([119]).

منع دخول المحمل لاشتماله على بعض المنكرات

[سنة 1222هـ المحرم – 9 إبريل 1807م]: فيه ورد الخبر بأن ركب الحاج الشامي رجع من منزله هدية([120])، ولم يحج في هذا العام. وذلك أنه لما وصل إلى المنزلة المذكورة أرسل الوهابي إلى عبد الله باشا أمير الحاج يقول له: لا تأت إلا على الشرط الذي شرطناه عليك في العام الماضي؛ وهو أن يأتي بدون المحمل وما يصحبهم من الطبل والزمر والأسلحة وكل ما كان مخالفا للشرع؛ فلما سمعوا ذلك رجعوا من غير حج، ولم يتركوا مناكيرهم([121]).

[صفر منه – 11 إبريل 1807م]: وفيه وصل حجاج المغاربة إلى مصر من طريق البر، وأخبروا أنهم حجوا وقضوا مناسكهم، وأن سعود الوهابي وصل إلى مكة بجيش كثيف، وحج مع الناس بالأمن وعدم الضرر ورخاء الأسعار؛ وأحضر مصطفى جاويش أمير الركب المصري وقال له: ما هذه العويدات والطبول التي معكم؟ يعني بالعويدات: المحمل، فقال: هو إشارة وعلامة على اجتماع الناس بحسب عادتهم، فقال: لا تأت بذلك بعد هذا اليوم، وإن أتيت به أحرقته؛ وأنه هدم القباب، وقبة آدم، وقباب ينبع والمدينة، وأبطل شرب التنباك والنارجيلة من الأسواق، وبين الصفا والمروة، وكذلك البدع([122])([123]).

إخراج سعود كل من لا يُؤمَن جانبه من الحرمين

[15 منه – 24 إبريل 1807م]: وفيه وصل ثلاث داوات من جدة إلى ساحل السويس فيها أتراك وشوام وأجناس آخرون. وذكروا أن الوهابي نادى بعد انقضاء الحج: لا يأتي إلى الحرمين بعد هذا العام من يكون حليق الذقن. وتلا في المناداة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، وأخرجوا هؤلاء الواصلين إلى مصر([124])([125]).

[ربيع الآخر 7 منه – 14 يونيه 1807م]: وصلت القافلة والحجاج من ناحية القلزم على مرسى السويس، وحضر فيها أغوات الحرم والقاضي الذي توجه لقضاء المدينة -وهو المعروف بسعد بك- وكذلك خدام الحرم المكي، وقد طردهم الوهابي جميعا؛ وأما القاضي المنفصل فنزل في مركب ولم يظهر خبره؛ وقاضي مكة توجه بصحبة الشاميين. وأخبر الواصلون أنهم منعوا من زيارة المدينة، وأن الوهابي أخذ كل ما كان في الحجرة النبوية من الذخائر والجواهر، وحضر أيضًا الذي كان أميرًا على ركب الحجاج وصحبته مكاتبة من سعود الوهابي، ومكتوب من شريف مكة، وأخبروا أنه أمر بحرق المحمل.

واضطربت أخبار الإخباريين عن الوهابي بحسب الأغراض، ومكاتبة الوهابي بمعنى الكلام السابق في نحو الكراسة، وذكر فيها ما ينسبه الناس إليه من الأقوال المخالفة لقواعد الشرع ويتبرأ عنها([126]).

[شوال 23 منه – 24 ديسمبر 1807م]: وصل قابجي ومعه مرسومات، يتضمن أحدها بالتأكيد في التشهيل والسفر لمحاربة الخوارج بالحجاز واستخلاص الحرمين والوصية بالرعية والتجار([127]).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) يعني الإمام المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة الإصلاحية رحمه الله.

([2]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 526).

([3]) هذا أوّل ذكر في تاريخ الجبرتي لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وللدولة السعودية، ويتضح منه أنّ الجبرتي ليس لديه حتى ذلك الحين معرفة بالدعوة ولا بالدولة، لا من حيث مبادئها ولا تاريخها. فالشيخ محمد بن عبد الوهاب كان في عام 1217هـ قد توفي منذ أحد عشر عامًا، وذلك سنة 1206هـ رحمه الله.

وقوله: (إنه ظهر شأنه من مدَّة ثلاث سنوات) يعني عام 1214هـ والذي يعني أنّه ظهر شأنه هما الإمامان عبد العزيز بن محمد بن سعود، وابنه الإمام سعود بن عبد العزيز، حيث في تلك السنة 1214هـ حجّ الإمام سعود في حياة أبيه بأهل نجد والجنوب والأحساء، وكل من في ولاية الدّولة السعوديّة، وذلك لأول مرة منذ عام 1162هـ، حيث منع الشريف مسعود أهل نجد من الحجّ بحجّة كفرهم -نعوذ بالله من الضلال- كما صرّح بذلك عبد الله بن محمد بن عبد الشكور في كتابه تاريخ أشراف أمراء مكة (2/ 523)، وتتابع أشراف مكة على هذا القرار الجائر حتى عام 1213هـ رغم مكاتبة الإمام محمد بن سعود وابنه الإمام عبد العزيز لكلّ من تولّى الشرافة في مكّة، وكانوا يمنعونهم من ذلك، حتى جاء عهد الشريف سرور، فأذن للنجديِّين بالحجّ، شريطة أن يأخذ الشريف السرور منهم مائة من الخيل، وضرمة [أي: طعام] كما يأخذون من الأعاجم.

 وذكر ابن عبد الشكور أنّ الإمام عبد العزيز أبى ذلك (2/ 528)؛ لكن ابن غنام ذكر في أحداث سنة 1197هـ أنّ عبد العزيز أهدى إلى والي مكّة المشرفة خيلًا وإبلًا واستأذنه في أن يؤدّي أهل الدِّين فرض الحجّ، فأذن بذلك، فحجّ في تلك السنة منهم نحو ثلاثمائة رجل. تاريخ ابن غنام ص (158) -تحقيق: ناصر الدّين الأسد-.

والظاهر أنه لا تعارض بين الأمرين، فلعلّ الإمام عبد العزيز رفض الشروط المجحفة للشريف سرور، واكتفى ببذل بعض الشيء نظير حجّ ثلاثمائة رجل فقط ممن لم يقضوا فرضهم أو لهم حاجة ضروريّة إلى الحجّ، لكن الإذن العام للسعوديين بالحجّ لم يحدث إلا سنة 1214هـ، وسبب إذن الشريف غالب للإمام عبد العزيز بحجّ رعاياه أنّ الشريف في عام 1212هـ استغلّ انشغال الأمير سعود بحرب والي العراق، فهاجم عددًا من رعايا الدّولة السعوديّة مما يليه من بلدات: كتربة، ورنية، وبيشة، والخرمة، فندب الأمير سعود وهو في العراق عددًا من أمراء القبائل الموالية له وأمرهم بصدّ الشريف غالب، فاجتمعوا ونزلوا عليه في الخرمة، فأوقعوا به وقعة عظيمة، مكافأة لما صنعه في تلك البوادي والقرى، فكاتب الإمام عبد العزيز -وهو في الدرعيّة- يخبره بالإذن له ولأهل نجد بالحجّ، وذلك -والله أعلم- أنه خشي أن تتقدم القوات السعودية بعد هزيمة غالب المنكرة في الخرمة وتشتت جيشه واستيلاء السعوديين على جميع عتاده وما كان معه من مالٍ عظيمٍ في تلك الحملة، فخشي أن تتقدّم القوَّات المنتصرة إلى مكّة، فبادرهم بالإذن بالحجّ، وهو قرار تلقّاه الإمام عبد العزيز بالترحاب مما يدلّ على أنّ الدولة السعودية لم تكن تخطط لضمّ الحجاز، وإلا لكانت هزيمة الشريف غالب في الخرمة أعظم فرصة لتحصيل ذلك.

الحاصل أنّ زعم الجبرتي أنّ ظهور عبد الوهاب كان قبل 1217هـ بثلاث سنوات كان يعني به حجّه في تلك السَّنة بعد اثنين وخمسين عامًا من الانقطاع عن الحجّ، وقد ظهرت الدعوة السلفيّة للنّاس في هذا الحجّ، حيث كان حجّاج نجد يزيدون على العشرين ألفًا كما ذكر ذلك دحلان في الصفحة (268) من كتابه خلاصة الكلام -الطبعة الأولى، 1305هـ، مصر-.

ولا شك أن هذا العدد العجيب حري بأن يُري العالم قوتهم وحسن شمائلهم؛ ولذلك ظهر أمرهم لمن بمصر كما يذكر الجبرتي في عام 1217هـ. ومن المهم أيضًا أن نشير إلى أنّه في سنة 1183هـ أذن شريف مكّة أحمد بن سعيد لبعض أهل نجد، وذلك أنّ جماعة من جند الإمام عبد العزيز صادفوا في طريقهم غزوًا للأشراف عليهم الشريف منصور بن سعيد، فأطلقه الإمام عبد العزيز دون فداء، فأذن لجماعة منهم بالحجّ، ولم يستمرّ ذلك [تاريخ ابن غنام، ص (134)].

وأما عام 1117هـ وسبب قول الجبرتي: فيه ترادفت الأخبار بأمر عبد الوهاب، فسيأتي الحديث عنه قريبًا.

([4]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 530).

([5]) الجاويش هو حاجب الوزير ومن في حكمه [رسالة لغوية عن الرتب والألقاب المصرية، أحمد تيمور، ص (26) مكتبة الهنداوي، القاهرة 2012م].

وما وراء هذا الخبر هو أنّ حجّ عام 1216هـ والذي يخبر الجبرتي عن حجاجه وما لاقوه من أمن واستقبال من العربان وفرحٍ منهم بالحجاج، وأمنٍ ورخاء في الذهاب والإياب، وظواهر غير مألوفة في الحجّ، كلّ ذلك -والله أعلم- ببركة هيبة الدولة السعودية، فقد انتقض الصلح بين الإمام عبد العزيز وبين الشريف غالب لأسباب سيأتي الحديث عنها، فدخلت القوّات السعودية بقيادة عثمان المضايفي، وتمكّنت من الاستيلاء على الطائف وضبط الأمور فيه، وتأهّب الأمير سعود ابن الإمام عبد العزيز بجمع الجيوش لضمّ الحجاز إلى الدولة السعودية، وكان ذلك على مقدم الحجاج، فهابت الأعراب الذين كانوا يقطعون طريق الحاجّ، وضبط الشريف غالب الأمور الأمنية في مكّة خوفًا من نزول القوّات السعوديّة أثناء الحجّ، وبذلك تحقّق ما نقل الجبرتي وصفه على لسان جاويش حملة الحجّ المصريّة.

([6]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 530).

([7]) لم ينقل الجبرتي أنّ الحجاج رووا لهم أنّهم لقوا بأسًا أو ظلمًا أو هضمًا، ولو سمع الجبرتي شيئًا من ذلك لنقله، ولو سمع الجبرتي -وهو المؤرّخ الحريص على الدقّة- شيئًا من ذلك لنقله، وهذا خلاف ما يرويه مؤرخو الحجاز؛ كابن عبد الشكور ودحلان، وما ينقلانه عن الدّولة السعودية لا يمكن الوثوق به مطلقًا، فهما مؤرخان غير محايدين، وقد أبديا في تواريخهما من صنوف البغضاء لهذه الدولة ودعوتها ما لا يمكن معه قبول روايتهما، والعجب من تسليم بعض المؤرخين لهما ونقلهم عنهما دون ذكر أنهما هما مصدر روايتهم، حتى ظنّ كثير من القرّاء أنّ هذا أمر مجمع عليه بين المؤرخين، والحقيقة أن دخول السعوديين للطائف لم يتم نقله من مؤرخ محايد؛ لذلك نرى أنّ ما يروى من أحداث القتل مبالغ فيه جدًّا، كما أنّ الرواة لم يذكروا ماذا فعل الطّرف المقابل.

والحقيقة الأقوى أنّ الحجاج جميعًا رجعوا سالمين آمنين شاكرين لظروف الحجّ، وهذا أمر وحده يكفي للدلالة على الجوّ العام في الحجاز بعد دخول السعوديين، وهو جوّ غير مألوف فيما قبله من السّنوات.

([8]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 548).

([9]) تقدّم معنا أنه بعد موقعة الخرمة وقع الصلح بين الشريف غالب وبين الإمام عبد العزيز، ثمّ في عام 1216هـ انتقض الصلح بين الطرفين، وأخذ عثمان المضايفي الطائف وولاه الإمام عبد العزيز إمرة الطائف والحجاز، وقدم الأمير سعود بالجيوش ودخل مكّة، وهرب منها الشريف غالب إلى جدّة، وحدثت بعد ذلك ملاحم طويلة.

وابن بشر يقول: “وفي هذه السنة انتقض الصلح بين غالب الشريف وبين عبد العزيز بن محمد بن سعود” [عنوان المجد (1/ 259)] ولم يذكر من هذا المتسبّب في نقض الصلح. وابن عبد الشكور وأحمد دحلان يذكران أنّ عبد العزيز هو من نقض الصلح، فذكرا أنّ عبد العزيز سعى في إفساد القبائل التي تحت يد الشريف، وأغلظ الرجلان العبارة في ذلك، فمما قال ابن عبد الشكور من القول السيّئ: “ثمّ لما تخلل الفساد في أغلب القبائل، ورفضوا الدين الحق، واتّبعوا الدين الباطل، وعلم سعود أنّ إقليم اليمن يصير تحت يده، سلط سالم بن شقبان على زهران، وشرع يسعى بالفساد والقبح، ويُسلط عربانه على عربان الشريف الذي انعقد عليهم الصلح، ولم يبال بعهدٍ ولا ميثاق وجب، ولا تلزمه الوجوه الذي عليها المعول عند العرب، وما زال يسلط العربان على العربان، ويؤمر أرذلهم سالم بن شقبان..” [تاريخ أشراف وأمراء مكّة (2/ 590)].

وقال دحلان: “وفي هذه المدّة التي مضت بعد الصلح كان سعود يُراسل خُفية كثيرًا من مشايخ القبائل، أرباب البغي والفساد، فكاتب شيخ محايل سعدي بن شار، وشيخ بارق أحمد بن زاهر، فصارا يفسدان كثيرًا من القبائل حتى كان منهما من الفساد ما حصل بسببه انتقاض الصلح، وكان سببًا في دخول جميع قبائل الحجاز في دين الوهابية..” [خلاصة الكلام، ص (268)].

فالرجلان يُلخصان القضيّة في أن عبد العزيز نقض العهد باستمالته القبائل التي تمّ الصلح على كونها من رعايا الشّريف، وللأسف أكثر من كتب بعدهما إما ذهب مذهبهما، كصاحب كتاب (حكّام مكّة) للضابط الإنجليزي جير الدغوري، وهو مستعرب بريطانيّ عسكري لا يرجى منه الصمت ولا الإنصاف؛ ولكن كتابه حظي باهتمام كبير في الغرب، وتُرجم إلى العربيّة [حكام مكة ص (225) ط: الأولى 2010م، بيت الوراق، العراق] وكذلك الشيخ عبد الله بن الغازي فإنّه ساق الحديث بما يوحي بميله إلى أن نقض الصلح كان من جهة عبد العزيز [إفادة الأنام بأخبار بلد الله الحرام (4/ 13)]، وكذلك سياق الحديث عند الشيخ عبد الله بن محمد البسّام في تحفة المشتاق فإنّه قال بالحرف: “وفيها انتقض الصلح بين الشريف غالب وعبد العزيز بن محمد بن سعود، وسببه دخول كثير من قبائل الحجاز واليمن تحت طاعة عبد العزيز بن محمد..” [تحفة المشتاق، ص (303) دارة الملك عبد العزيز، الرياض 1437هـ].

وهنا ينبغي أن ندرس هذه القضيّة دراسة منصفة من عدّة جهات:

أولًا: أن الغدر ليس بشيمة لحكّام الدولة السعودية حتى اليوم، ونخصّ بالذكر هنا موضوع بحثنا الإمامين عبد العزيز وابنه سعودًا، فلم يسجّل التاريخ لهما غدرًا، ولذلك لا يُتصوّر أن يَفِيا للجميع طول حياتهما ثم يغدرا بالشريف غالب بعد ذلك العهد الذي أعطياه؛ ولم يأت من قال خلاف ذلك بدليل صحيح على نقض العهد سوى غزو عثمان المضايفي للطائف، ثمّ دخول سعود إلى مكّة، وهما شاهدان قويّان في حال لم يكن قبلهما ما يعكّر الصفو من جهة غالب، ومن يدرس دخول الطائف ومكّة مع قطع النظر عما قبلهما، فلم يتحرّ الحقيقة كما ينبغي، وسوف نفصّل ذلك إن شاء الله تعالى.

ثانيًا: قولهم: (إنّه أدخل في تبعيّته قبائل ممن تضمّن الصلح كونهم من تابعي الشريف) غير صحيح، وأول من قال ذلك ونقله عنه الآخرون -وأعني ابن عبد الشكور ودحلان- لم يسمّيا قبيلة واحدة من القبائل المسماة في الصلح أدخلها عبد العزيز في طاعته حتى تاريخ انتقاض الصلح، ومن ادَّعى دعوى فعليه إثباتها، إما برسالة من عبد العزيز أو ابنه، أو برسالة مبايعة شيخ إحدى هذه القبائل، وإما بواقع الحال كوفود جيش من نجد إلى إحدى هذه القبائل لنصرتها ضدّ الشريف، أو وفود المزكي من ابن سعود ليأخذ الزكاة، كل هذه الأمور وما شابهها من الأمور تثبت أن الدعوى لا وجود لها، ولعلّ دحلان حاول إثبات شيء من ذلك؛ لكنّه أثبت على نفسه التزوير، حين قال: “كان سعود يراسل خفية كثيرًا من مشايخ القبائل أرباب البغي والفساد، فكاتب شيخ محايل سعدي بن شار، وشيخ بارق أحمد بن زاهر، فصارا يفسدان كثيرًا من القبائل” [خلاصة الكلام، ص (268)]

وهو يعني بمحايل إقليم محايل الممتدّ من ساحل البحر الأحمر من محاذاة ميناء البرك من الشمال حتى وادي تيه من الشّرق، يعني هذا الإقليم كاملًا، ولا يعني خصوص المدينة المعروفة بهذا الاسم حاليًّا، لأنّها لم تتأسس إلا بعد ذلك التاريخ بأزيد من ستّين سنة، وذلك سنة 1288هـ [تاريخ عسير في الماضي والحاضر هاشم سعيد النعمي، ص (28)].

وهذه المنطقة لم تكن في ذلك التاريخ تابعة للشريف غالب، وإنما كانت مستقلّة يحكمها الخيراتيون، وفي ذلك التاريخ 1216هـ كان الحاكم عليها الشريف علي حيدر الخيراتي، ثم حكمها بعده عمّه الشريف حمود الخيراتي الشهير بالمسمار [انظر: كتاب نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود للعلامة عبد الرحمن البهكلي، وتعليقات الشيخ محمد العقيلي عليها ص (67) وما بعدها، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز 1402هـ]، وكانت هذه الدولة الخيراتية موالية لإمام اليمن لا للشريف غالب، بدليل أنه لما تنازل علي بن حيدر الخيراتي عن الحكم لعمّه حمود بن محمد الخيراتي رفعا بذلك إلى إمام اليمن، قال البهكلي: “فعاد الجواب بالإمداد المعتاد، بمرسوم الولاية، والحصان والكسوة على وفق المراد” [نفح العود، ص (109)].

وأما سعدي بن شار الذي ذكره دحلان، فالموجود في المصادر التي هي أعرف بتلك المنطقة أن اسمه عرار بن شار وليس سعديًّا كما يقول دحلان، ولم يكن حاكمًا لمحايل، وإنما كان رجلًا معتنقًا للمعتقد السلفي، وهو من بني شعبة من أهل المخلاف السليماني [نفح العود، ص (101)].

إضافة إلى ذلك فإنّ الإمام عبد العزيز لم يُفسد أهل المخلاف السليماني على حكّامهم، ولم يأمرهم بمعصيتهم ولا الخروج عليهم، وإنما أرسل لهم رسالة يدعوهم فيها إلى التوحيد، ذكرها بتمامها البهكلي في تاريخه، وهو معاصر للأحداث من أهل تلك البلاد، ولم يُشر إلى أنّ عبد العزيز أفسد النّاس على حمود، وبدايتها كما يلي -نقلًا عن البهكلي-: “إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني خصوصًا الأشراف أولاد محمد بن أحمد، حمود وناصر ويحيى، وسائر إخوانهم وبنو إخوانهم، وكذلك الأشراف بنو النعمي وكافة أهل تهامة..” [نفح العود، ص (68)]. وبعد هذه المقدمة التي ذكر فيها الأشراف بالإجلال والتقديم أخذ يشرح مبادئ منهج السلف، ولم يذكر فيه حضًّا على الخروج أو الثورة.

وبهذا نعلم أنّ الحجّة الوحيدة التي أدلى بها دحلان من دعوى نقض عبد العزيز الصلح لا توصل إلى ما يريد.

ثالثًا: لم يكن في نية آل سعود ضمّ الحجاز إلى دولتهم، ولو أرادوا ذلك لبدت له شواهد قبل هذا التاريخ، بل الشواهد عكس ذلك، وفيها أنّ حكام الحجاز منعوا أهل نجد من الحجّ أكثر من خمسين سنة، ولم يحصل من الدولة السعودية أي محاولة للحجّ بالقوّة، وحصلت لهم فرصتان للحجّ بمقابلٍ من الخيل والجمال؛ إحداهما في عهد أحمد بن سعيد، والأخرى في عهد سرور، وتقدّم ذكرهما، وبذلت الدّولة السعودّية المقابل من الخيل والجمال ليحجّ بعض رعاياها، ولو شاءت لاتّخذت هذه الخيل وهذه الجمال مراكب لغزو الشّريف لكنّها لم تفعل.

كما أنّ الشريف غالب نفسه عدّ له ابن عبد الشكور -وهو موالٍ له- ثلاث عشرة غزوة إلى نجد وما يتعلّق بولايتها من البلدان، ولم يعد لعبد العزيز ولا لابنه مسعود غزوةً واحدةً إلى الحجاز وما يتعلّق بها من ولايات قبل غزوة غالب على الخرمة [ابن عبد الشكور (2/ 530) ما بعدها] وعدّها دحلان خمس عشرة غزوة قبل غزوة الخرمة [خلاصة الكلام، ص (161) وما بعدها] ولم يذكرا هما ولا من تبعهما من المؤرِّخين أنّ الدّولة السعودية ردّت أو اعتدت بغزوة واحدة، مما يؤكّد لكلّ بصير أنّ العُدْوان كان من قِبَل دولة الشريف غالب، ودونك سرد بأسماء الغزوات كما في كتابَيِ ابن عبد الشكور ودحلان، مع نقل ما ذكراه من الجرائم التي ارتكبها جنود الشريف وأشاد بها المؤرخان غير المحايدَين، واللذان يحصيان على الدولة السعودية كلّ جليل وحقير، ويباركان الطوام التي يقع فيها غيرهم، وعلى منهجهم يسير اليوم كل أعداء الدّعوة السلفيّة.

يقول دحلان في مقدّمة سرده للوقائع التي شنّها الشريف غالب على أتباع الدّعوة السلفيّة: “فلمّا تولّى مولانا الشريف غالب استأذنوه في الحجّ فمنعهم، وتهددهم بالركوب عليهم، وأتبع القول بالفعل؛ لأنّهم ظهر أمرهم، وتطاير شررهم، فأراد دفعهم عن الوصول إلى حرم الله تعالى، وفعل كلّ ما أمكنه حتى عجز، فجزاه الله خيرًا، ولنذكر الوقائع التي كانت بينه وبين هذه الطائفة فإنها تفوق عن خمسين واقعة، من سنة خمس ومائتين وألف إلى سنة عشرين ومائتين وألف” [خلاصة الكلام، ص (161)].

فانظر إلى تصريح دحلان هذا، فإنّه يقرّ أنّ هذا الحشد العظيم من الغزوات ليس له مبرّر إلا أنّهم طلبوا منه الحجّ، فبئس العالم دحلان يقرّ الصدّ عن المسجد الحرام، ويَعدُّ ذلك من مناقب فاعله، بل يُقر شنّ الحروب لأجل ذلك، ويمتدح السّلب والنهب، بل والسبي، فحسبه الله.

1- غزوة السرّ سنة 1205هـ وأميرها عبد العزيز بن مساعد، حاصر تربة السرّ ستّة أشهر، ورجع هو ومن معه خائبين، ويقول ابن عبد الشكور وهو يروي ما فعله الشّريف عبد العزيز بن مساعد في طريقه: “ثمّ شرع يملك في قرى نجد ومنها ضرية، وهذه القرية من أوّل قرى نجد، فأرسل عليها غزية أمّر عليها السيد فهدًا، فذبح منها أحد عشر وهرب جانب منهم وأُسِر” [ابن عبد الشكور (2/ 538)] فبأيّ ذنب ذُبح هؤلاء الأحد عشر؟!

2- غزوة الشَّعْراء وهي بقيادة غالب نفسه، حاصر هذه البلدة بجيوش عظيمة وبارود ومدافع كما يفصِّل ذلك ابن عبد الشّكور؛ لكنّه عجز عنها ورجع مهزومًا مخذولًا كما رجع أخوه عبد العزيز عن السرّ؛ وزعم ابن عبد الشكور أنّ الشريف رجع عنها بعد أن طلب أهلها الأمان ولاقتراب موسم الحجّ، والصحيح أنّه رجع عجزًا كما رجع أخوه، والدليل على ذلك أنّه لو كان رجع لِطلب أهلها الأمان لَاستمر في السّير ليصل إلى الدرعيّة أو يلتقي بالأمير سعود؛ إذْ لا شك أنّ بلدة الشَّعْراء ليست هي هدفه الذي حشد القبائل في مكّة وفي الزيماء والسيل لأجله، وسيّر المدافع والقنابل معه ليصل إليه، كما وصف ابن عبد الشكور نفسه في حكايته لتجهيز غالب حملته وقبلها حملة أخيه عبد العزيز، ونفوق الإبل التي كانت تجرّ المدافع حيث عقرها أحد أهل الشَّعراء وهي في مراحها، وقد خلّد أحد وُجهاء الشَّعراء -وهو صعب بن عبد الله جد أسرة آل صعب من بني زيد- هذه الواقعةَ بقوله من الشعر العامي:

يا ذيب لا تقنب والأشراف يرمون *** وبيني وبينك مبرمات اللياحِ

يا ذيب تيما ناد ربعك يجرون *** زمل المدافع سبعة بالمراحِ

شريف مكة غالب اللي يقولون *** لفظ عنان الحرب وأقفى وراحِ

جونا يبون لكلمة الحق يطفون *** وجا كسرهم على ضعاف النواحي

من دون ديرتنا ترى الغوش يثنون *** وكم واحدٍ جدّد عليه النياحِ

وهي أبيات يتوارثها أهل الشَّعْراء حتى اليوم.

أما ادّعاء ابن عبد الشكور أنّه رجع لأجل الحجّ فادعاء واهٍ؛ لأنّه خرج في رمضان كما يذكر ابن عبد الشكور نفسه، ويعلم أنّه ذاهب لبلاد بعيدة ولنصرة أخيه الذي تغيّب بجيوشه أكثر من ستة أشهر، ولا يمكن أن يكون سار هذا المسير وهو يخطِّط للعودة قبل الحجّ، ولكن ابن عبد الشكور ودحلان لا يريدان أن يكونا مؤرخين منصفين، وأن يعترفا عليه بالهزيمة من قريتين صغيرتين.

ومن رجس القول الذي تكلّم به ابن عبد الشكور ويدلّك على ما في نفوس أعداء الدولة السعوديّة من تكفير للمسلمين واستباحة للدماء: وصفُ ابن عبد الشّكور للشعراء وأهلها حين يقول: “وهي قرية محصنة، وأهلها أهل فجور وملعنة، فأحاط بجوانبها الأربع، وعاملها بالقنبرة والمدفع” [ابن عبد الشكور (2/ 542)] والسؤال هنا: ما الذي جاء ابن عبد الشكور من فجور أهل الشعراء وملعنتهم كي يستحلّ ضربهم بالقنبر والمدفع؟! وأي عدوان مال به أهل الشعراء على الأشراف؟! هل قطعوا طريق الحجّ الذي منعه الأشراف من خمسين سنة، أم تركوا إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، أم عبدوا غير الله واستغاثوا بأهل القبور والمقامات؟!

كل تلك الأسئلة جوابها: لا، وفعلها مُتَصوَّر من ملِك همّه دنياه كالشريف غالب؛ لكن حين يستحلّها العالم كابن عبد الشكور ودحلان فإنّ ذلك دليل على أنّ مذهبه في الدّين مذهب فاسد، جانح إلى استحلال الدّماء والأموال بغير ما أمر الله.

والأسئلة نفسها في حصار أخيه للسرّ وضربها وتجويع أهلها؛ لكنّ الله أحال قوّة المعتدين ضعفًا، وأحال ضعف المؤمنين قوّة، فالحمد لله وحده.

3- غزوة بيشة بقيادة عبد العزيز بن مساعد أخي الشريف غالب، وهي غزوة كتب الله تعالى الشقاق فيها والنزاع على الأموال بين الأَخَوين، فوصل عبد العزيز إلى بيشة وقسّم الأموال التي أودعها إيّاه أخوه على الجند، وعاد خائبًا سنة 1206هـ، وقال دحلان في تلك الغزوة: “كانت في ربيع الثاني من سنة ست بعد المائتين والألف، جهّز جيشًا، وأمّر عليه أيضًا أخاه السيّد عبد العزيز لقتال القبائل التي دخلت في دين عبد العزيز بن محمد بن سعود” [خلاصة الكلام، ص (263)]. إذًا وحسب دحلان، فسبب الغزو ديني، وهو ردّة هذه القبائل بدخولها في دين السعوديّين، فأين من يسطِّون على التاريخ السلفي بمزاعم التكفير عن هذه العبارات؟!

4- غزوة عقيلان، وهي على قبيلة من قبائل قحطان تسكن قرب بيشة، أمّر عليها الشريف غالب عثمان المضايفي سنة 1208هـ، واتّجه إلى موضعهم في عقيلان، ونهب إبِلَهم، وعاد إلى مكّة، وجُرمهم الذي غزاهم من أجله الدّخول في المنهج السلفي ونبذ الأولياء والأنداد.

5- الغزيّة الخامسة -كما قال دحلان- مشتملة على غزوات سار فيها الشريف عبد المعين أخو غالب إلى هادي بن قرملة فلم يدركه، ثمّ إلى رنية وحاصر فيها ابن قطنان حتى استأسر له وأرسله إلى مكّة، فأسره الشريف غالب بالرجوع عن دينه، هكذا عبّر ابن عبد الشكور، فأيّ تكفير لأتباع الدعوة السلفيّة أعظم من هذا، فأعاده غالب إلى بلده فاعتصم بحصنه، فزعم له بعض أتباع الشريف بأنّهم تابعوه على دينه، فأدخلهم عنده فقتلوه، هذه أيضًا عبارة ابن عبد الشّكور، فدين محمد بن عبد الوهاب في زعمه ليس دين الشّريف؛ والأكثر بهتًا وكيدًا هو تأييد ابن عبد الشكور لهذا القتل لهذا الرّجل، ليس وحده، بل هو وجميع من في حصنه، لا سبب لذلك إلا دين الوهّابيّة كما يزعم ابن عبد الشكور ودحلان.

ثم غزا قبيلة مطير وقبيلة هتيم، فأمّا المطران فارتحلوا قبل وصوله، وأما الهتمان، فقال ابن عبد الشكور: “وصكّ الهتمان صكّة عجيبة، وحلّت بهم كل بليّة ومصيبة، وقتل منهم كثير، وأخذ منهم الجمّ الغفير بين شاة وبعير” [ابن عبد الشّكور (2/ 487)]. فما الذي أحلّ له دماء أهل رنية وأموالهم ودماء الهتمان وأموالهم؟!

6- الغزوة المسمَّاة بغزوة عرواء، وأميرها الشريف ناصر بن سليمان، والحقيقة أنها انتهت إلى وادي الشبكة، وهو وادٍ بين عرواء والشَّعراء وقربه إلى الشعراء، ولم يُذكر أنّه فعل شيئًا، وعاد إلى الثمامية قرب عفيف، قال ابن عبد الشّكور: “وعدا منها على آل روق بالثمامية، وأخذ عليهم مِئَتَيْ قطيع من الإبل، وقتلهم قتلة شنيعة، وعاد بالغنائم” [ابن عبد الشكور (2/ 549)]. فها هو أغزى الجنود ليقتلوا فريقًا من الروقة من عتيبة ويسلب مالهم، ثمّ يأتي ابن عبد الشكور ودحلان ويجعلان ما فعله دينًا، ويبهتان الدّعوة بأنّها تكفّر المسلمين وتستحلّ دماءهم وأموالهم، فليت شعري من يستحلّ الدماء والأموال وهذا قولهم؟! وكانت هذه الغزوة سنة 1210هـ.

7- غزوة ماسل وهي أيضًا سنة 1210هـ، وأميرها اسمه الشريف فهيد، وقد اتجه إلى نجد، فلمّا وصل الخرمة وجد بها ثلاثة من قحطان أراد منهم أن يخبروه بمكان هادي بن قرملة شيخ قحطان، فأبوا فقتل منهم اثنين، فأخبره الثالث بمحلّ أمير قومه، وهو ماسل جبل بوادٍ قرب الدوادمي، فغزا عليهم هناك، قال ابن عبد الشكور: “فأدار عليهم الرحى، وأخذهم أخذة الضحى، وقتل منهم ما يقارب المائة، وانهزم من بقي من تلك الفئة”، ثمّ يكمل حكاية الشريف فهيّد مفتخرًا بها: “فاتّفق أنّهم صادفوا جماعة من قحطان تحت إمارة ابن قيحان، ومعهم إبل تسير كالغمام، فأخذوا جميع تلك الأباعر، وقتلوا جميع من كان معها إلا من كان على الفرار قادر”. لا سبب لقتل جماعة ابن قرملة وابن قيحان وجماعته إلا اتباعهم دعوة التوحيد، غزاهم في بلادهم ولم يعتدوا عليه، فالله حسيب الظالمين. ثمّ يكمل ابن عبد الشكور رحلة فهيّد هذا ويقول: “صادفوا بني شذير من شيوخ قحطان، غازيًا بعض العربان، فقتلوا من جماعته خمسة وأربعين، وأخذوا بني شذير أخذًا وبيلًا، واقتلع من خيلهم خمس قلايع، من المضمرات الطلايع، وأخذ عشرين ذلولًا من جيّد الركاب، وأجاد فيما فعل وأصاب، وربط سبعة بالعدو وأحصاهم، وأرسلهم إلى رنية وأمر بقطع خصاهم” [ابن عبد الشكور (2/ 551-552)] .

اللهم لطفك من مثل هذا القائد الظالم، قتلٌ وسلب، وقطع خِصى تعزيرًا على اتباع دعوة التوحيد!

8- غزيّة بريم وهي في سنة 1210هـ أيضًا أمّر عليها أخاه عبد المعين، ودخل نجدًا فوجد العربان الذين قصد قتلهم ونَهْبَهم قد ترفعوا إلى أماكن لم يجرؤ على الذهاب إليها، فعاد أدراجَه.

9- في حجّ سنة 1210هـ أرسل الشريف غالب الشريف ناصر بن سليمان ومعه مدفع لاجتياح نجد، فلما وصل الجمانية لاقته جنود الدولة السعودية، فردّوه على عقبه منهزمًا، وسلبوا جميع ما معه من مال جزاء ما سبق له من عدوان، وأخذوا منه المدفع الذي جرّه ليهدم قلاع نجد. [ابن عبد الشكور (2/ 554)، وحكاية المدفع في عنوان المجد (1/ 213)].

10- غزوة رغبا وأميرها الشريف فهيَّد، الذي ندب حسن بن غالب لغزو أهل الخرمة، قال ابن عبد الشكور: “لكونهم خرجوا من اتباع شرايع المسلمين، ودخلوا في دين الوهابيين، فأخذهم وارتحل، وقتل من دنا منه الأجل” [(2/ 556)]. ثمّ عاد إلى سرد رحلة فهيّد، فذكر أنّهم صادفوا نحو خمسين من الإبل لقبيلة حرب، فأخذوهم وفجعوا، ثمّ تصدى لهم حجيلان بن حمد أحد قادة الدولة السعودية، قال ابن عبد الشكور: “ومعه الجمّ الغفير من أشقياء العرب، والفجرة الكفرة عصاة الرحمن، وكافة مطير والسّهول، وكلّ فاجر جهول” [(2/ 558)]. انظر هذا التكفير لا لسبب إلا أنّهم دافعوا عن بلادهم ضدّ من اجتاحها وقتل وسلب عتوًّا وعدوانًا؛ ثمّ واصل ابن عبد الشكور ليذكر غزو فهيّد هذا على هادي بن قرملة، وقتله منهم مقتلة عظيمة غدرًا وهم في مرابعهم دون سبب: “فصكّهم أي صكّة، وصيّر معيشتهم بعدها ضنكة، وقتل منهم قتلة شنيعة، وأذاقهم الهضيمة والوجيعة، وغنم ما لديهم من غنمٍ، وما يملكون من حمر النّعم” [(2/ 558)].

11- غزا الشريف فهيّد بأمر غالب بلدة رنية، فقتل أهلها وأحرقها وأخذ ما بها من أموالٍ، قال ابن عبد الشكور: “فظفَّره الله تعالى على قوم الشّقاق والنّفاق، وطفق منها بالسّوق والأعناق، فملكها وأخذ ما فيها من الغنايم… وقد أحرق دورها، وفرّ من أوكارها طيورها” [(2/ 560)].

12- غزوة عريق الدسم، وعليها الشريف فهيّد أيضًا، قصد من اتبع الدعوة السّلفيّة من حرب، قال ابن عبد الشكور: “وأخذ الموهبين من حرب ثمّ عاد لمرسله”، ثم قال: “ولم يزل باب الشرق للغزو مفتوح” [(2/ 562)].

13- غزوة العَلَم، وأميرها مبارك بن محمد بن مساعد، ابن أخي الشريف غالب، قال ابن عبد الشكور: “حتى وصل إلى موضع يقال له: العلم، صادف جماعة من الموهبين من بني حرب، فأفتك فيهم قتلًا وسلبًا، وصكّهم حتى أعمى الله أبصارهم، وخذل شيعتهم وأنصارهم، وأخذ مواشيهم ومراحهم، وخلّص الأرواح من أجسادهم”. لا جريمة لهم سوى اتباع الدين الخالص والبراءة من الأنداد والأولياء! ثمّ يواصل ابن عبد الشكور مفتخرًا بجريمة هذا الشريف: “ثمّ توجّه مقبلًا، فصادف خمسًا وأربعين من الوهابيين، خارجين ببضاعة اشتروها من مدينة سيّد المرسلين، فقبضهم ووضعهم في الحديد، وشنّعهم أعظم تشنيع، وأخذ أخبارهم وقتل الجميع” [(2/ 562/ 563)]. والسؤال: ما ذنب هؤلاء سوى أنّهم خرجوا ببضاعة من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

الجواب: إنهم موهبون يستحقّون القتل والسلب لأجل ذلك!

14- في الحادي عشر من شعبان عام 1212هـ على الخرمة، وهي الغزوة التي نفد صبر الدولة السعودية فيها فأدبته هناك أيما أدب، وبسبب هزيمته فيها طلب غالب الصلح مع السعوديين، وأذن لأوّل مرّة منذ عام 1162هـ لأهل نجد بالحجّ إذنًا عامًّا، والذي سيأتي حديثنا هنا لتقرير من نقض هذا الصلح.

فكنّا نقول: إنّ السعوديين لم يكن لهم تشوّف إلى غزو الحجاز، ولو كان ذلك لديهم لما توقفوا عند انتصارهم في الخرمة، وهم يعلمون مدى الضّرر الذي ألحقوه بغالب، والذي لو واصلوا معه سيرهم لم تقف لهم القوّات الحجازيّة، ولكان منتهاهم عند البحر.

      ولنقف قليلًا مع الجرائم التي ارتكبها غالب في مسيره قبل هذا الصلح، ومدى حفاوة ابن عبد الشكور ودحلان بها.

قال ابن عبد الشكور: “فتوجّه من شعبان بجيش عرمرم، أمكنه لو أراد أن يخرب الزمان”، فانظر إلى سوء الأدب مع الله تعالى خالق الزّمان، وهو وحده الذي يصلحه ويخربه؛ لكنّه النفاق والغلو في المخلوقين، والانحراف في الاعتقاد.

ثّم قال: “وغزا على قحطان في المحدث كأنّه عليهم شوم، حتى أكل من لحومهم الأغربة والبوم، وأخذ الجميع مواشيهم التي يملكونها، وضيّق عليهم سبلهم الذي يسلكونها، وكم أخذ عليهم من الخيل قليعة”.

ثمّ قال: “ومن البديعة عدا على هادي بن قرملة في القنصليَّة، وترك أفئدة قومه بنار الحزن صليَّة، وذبح فيهم ذبحةً أسال دماءهم كالسَّيل المنهمر، وأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر”. ولا ينقضي من ابن عبد الشكور دعيِّ العلم سوء الأدب مع الله؛ فإذا كان هذا شأن علماء مكّة، فكيف كان عوامّها قبل انتشار الدّعوة السعوديّة بينهم؟!

ثمّ قال: “ثمّ عاد إلى رنية وحَرَبها، وقطع نخلها وخَرَّبها، فانطرحوا عليه أهلها وطلبوا منه الصلح، فسمح عنهم بما جنوه من القبح”، وأين القبح الذي جناه أهل هذه القرية الذين عدا عليهم هذا المجرم في دارهم، وذبح رجالهم، وأحرق نخيلهم ونساءهم؟!

ثمّ قال: “ثمّ ارتحل إلى وادي بيشة، فأقرّ بها كلّ مصلح، وفرّ المفسدون الذين في قلوبهم الغشيشة، فكلّ من شرد من الوهابيين أحرق داره، وعلم أنّه من المفسدين”، يا ويح هذا الوهّابي المسكين، حتى إذا ترك القتال وغادر موضع النزال يحرق داره وتؤخذ أمواله! هل هذا حكم الله حتى في الكافرين؟!

ثمّ قال المجرم ابن عبد الشكور: “ثمّ قصد قرية يقال: الخرمة، فلم يُبق لها حُرمة”، أعوذ بالله من الإجرام وأهله.

وأمر الإمام عبد العزيز شيوخ القبائل التابعة له بالاجتماع على غالب في الخرمة، ففعلوا ودارت هناك ملحمة عظيمة انتصرت فيها القوّات السعودية، واكتفى ابن عبد الشكور ودحلان بذكر هزيمة غالب، وأنّه قُتل في المعركة من الجميع ألفان ونيّف، ولم يذكرا الخسائر المادّية، وسوف أنقلها من عنوان المجد، حيث ذكر أنّ غالبًا هرب وجنوده وتركوا جميع أموالهم، ومنها خزائنه التي وُجد فيها ثمانية عشر ألف قطعة ذهبية [مشخص] وهو مبلغ كبير كافٍ لتمويل غزوة لمكّة، لا سيّما وأن سعودًا في تلك الأثناء كان عائدًا من العراق منتصرًا على ولايتها، ومعه من الجند الكثير، فلو اجتمع مع الجند الذين غلبوا الشريف وما معهم من مال لغلبوا على الحجاز كلّه.

ولكن عبد العزيز اكتفى بالصّلح، وهذا شاهد على امتناع أن يكون نقضُ الصلح من قبل عبد العزيز أو ابنه سعود؛ وستأتيك بقيّة الشواهد.

رابعًا: من الشواهد على أن النقض لم يكن من قِبَل عبد العزيز: أنّ الشريف غالب بعد الصلح تفرّغ لشنّ الغارات على كلّ من تعلّق بالفَهم السلفي وتاب من دعاء غير الله تعالى والنَّذر له من رعيّته، ولا شكّ أنّ الصلح لا يعني بسط يد الشريف على من أخلص العبادة لله تعالى، وما دامت الدولة السعودية قادرة على نصرة الموحّدين ورفع الظلم عنهم دون مفاسد شرعيّة فما المانع؟ وقد عدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد الذي بينه وبين قريش منتقضًا حين أقدمت قريش على إغراء حلفائها لقتل حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلّم؛ ولم تكن الغزوات التي شنّها غالب على أتباع الدّعوة واحدة أو اثنتين، بل أوصلها دحلان إلى ثلاثين غزوة، ولن أطيل على القارئ بعرضها ولكنّني سأختار بعضها، وأنقل ما أجده من تسويغات عبد الشكور ودحلان، ليدرك القارئ فداحة الأمر وعظمه.

قال دحلان: “ولمّا بلغ مولانا الشريف أنّ شيخ محايل كاتبهم وتبعهم على دينهم وخلع طاعة مولانا الشريف غالب أرسل لوزيره بالقنفذة أبي بكر بن عثمان..”. ثم إنّ هذا الوزير حسب دحلان قاتل أهل محايل وملك ما في واديهم، وأضرم النّار بناديهم، ثمّ عاد إلى القنفذة. [خلاصة الكلام، ص (269)].

فالمنكر الذي ارتكبه أهل محايل حسب دحلان هو اتّباع المذهب الحقّ، ولو فرضنا كونه باطلًا فهذا يوجب دعوتهم إلى الحقّ أولًا، وليس قتالهم وحرق منازلهم.

ثمّ إنّ محايل كما قدّمنا ليست تابعة للشريف، بل هي دولة شبه مستقلّة يحكمها آل خيرات، وولاؤهم لإمام اليمن وليس لشريف مكّة، ومحايل في ذلك الوقت تطلق على إقليم ممتدّ من البحر في المخلاف السليماني حتى جبال عسير، وليست البلدة المعروفة اليوم، وهذا سبق بيانه، فهي ضمن إقليم المخلاف السليماني.

وهذه الغزوة لم يذكرها مؤرخو المخلاف السليماني، فلم أرها في (درر نحور الحور العين) للطف الله جحاف، ولا في (نفح العود) لعبد الرحمن البهكلي، وهما معاصران للأحداث، وغزوة مثل هذه حدث فيها من الشناعات ما لخّصه دحلان يصعب أن تفوِّتاها؛ كما لم يذكرها مؤرخ المخلاف السليماني المعاصر الشيخ محمد بن أحمد العقيلي رحمه الله في كتابه الكبير (تاريخ المخلاف السليماني).

لذلك فالغالب أنّها نسج خيال، أو أنّ غالبًا أرسل لوزيره في القنفذة لكنّه لم يفعل.

ومع ذلك فالمؤرّخ دحلان مدان بهذا الخبر الذي يدلّ على أنّ الخرق للصلح جاء من غالب.

      وبعدها أرسل غالب غزوًا إلى بني كنانة؛ لأنّهم اعتنقوا الفهم السلفي للكتاب والسّنة، “وقتلوا فيهم قتلة شنيعة” [خلاصة الكلام، ص (269)].

      وبعدها أرسل غزوًا إلى وادي حلي وهو جنوب القنفذة، وقتل من أهلها وسلب أموالهم، وأخذ أولادهم وباعهم في مكّة في شهر رمضان بيع العبيد، وجاء كبراؤهم فتابوا من دين الوهابية. [خلاصة الكلام، ص (269)].

      ولا شكّ أنّ أهل حلي بعدما صنع الشريف بهم ظلمًا لن تلين قناتهم دون الثأر، فثاروا سنة 1216هـ، وطردوا عامل الشّريف غالب، واستنجدوا بمن يوافقهم، ذكر ابن عبد الشّكور ودحلان أنّ الجيش الذي أنجدهم من قِبل عبد العزيز، وهذا غير صحيح؛ لأنّ قوّات عبد العزيز إما أن تأتي من قِبل نجد، فلا بدّ أن تمر بالطائف ومكّة، ولا يمكنها ذلك، وإما أن تأتي من عسير، فلا بدّ أن تمرّ بالمخلاف السيلماني، والصواب -والله أعلم- أنّهم جماعات من البوادي والحواضر استنصر بهم أهل حليّ، ولم يقدِّم ابن عبد الشكور ولا دحلان معلومات عن هذه القوّات سوى أنّ كبيرهم اسمه شري، وهذا لا يعني أنّهم من عبد العزيز.

ثمّ بلغه -أي: غالب- أنّ جماعة من أهل السّاحل “دخلوا في دين الوهابية”. [خلاصة الكلام، ص (170)].

الشاهد من ذلك كلّه أنّ الشريف بعد الصلح استمرّ في قتل وقتال كلّ من قَبِل الدعوة من رعيّته، والحقّ أن عبد العزيز أو سعودًا ليس لهم دخل في ذلك، فالدّعوة انتشرت في عسير ثمّ تأثّر بها أهل المخلاف السليماني، ثمّ انتقلت إلى قبائل تهامة مما يجاور مكّة، وهذه نعمة أنعمها الله تعالى على رعيّة الشريف غالب، وكانت نعمة عليه لو عمل بهذا المنهج ونشره بين رعيّته، لما كان بينه وبين سعود سوى الخير والإصلاح.

ولم يكن من سعود أن يرى هذا الرجل يغزو رعيّته التي ولاه الله عليها دون ذنبٍ إلا أنّهم اقتنعوا بدعوة الإصلاح، فقتل المسلمين من أعظم المنكرات التي لم يكن يستطيع كف غالب عنها إلا سعود، وبذلك ندرك أن نقض الصلح ليس -كما يقول مؤرخو مكّة- من قِبَل سعود؛ بل من قِبَل غالب نفسه، لكن هؤلاء المؤرخين لا يرون قتل السلفيّين منكرًا.

خامسًا: في أواخر سنة 1212هـ -أي: قبل الصلح- أرسل الشريف غالب وفدًا إلى إسطنبول يستنجدهم على الإمام عبد العزيز، لكنّهم لم يجيبوا. [تحفة المشتاق، ص (299)]. والظاهر أنّ هذا التواصل وهذا الاستنجاد ظل مستمرًّا حتى بعد الصّلح، وذلك أنّ هجوم عثمان المضايفي على الطائف كان في شوّال سنة 1217هـ، وها هو الجبرتي يذكر أنّه في شعبان، أي: قبل انتقاض الصلح، كان جماعة من الأشراف في مصر يستنجدونهم على ابن سعود، وإذا كانت هذه الفئة، وصلت كما يقول الجبرتي في العاشر من شعبان، فإنّها تحرّكت من الحجاز في حدود العشرين من رجب.

والغالب أنّ عثمان المضايفي لمّا اجتمع بالإمام عبد العزيز أخبره بهذه الأمور الجارية من التآمر مع الترك ضدّ الدّولة السعوديّة، فلم يكن من سعود إلا أن قَبل بيعة عثمان المضايفي وكتب معه الكتب إلى القبائل، هذا إضافة إلى ما قدّمناه من نكاية غالب في أثناء الصّلح بمن اعتقد المنهج السلفي، والتي لم يكن لعبد العزيز السُّكوت عنها.

وكيف يهرب هؤلاء الأشراف في جمادى أو في رجب ويصلوا القاهرة في شعبان، وعثمان المضايفي لم يغز الطائف إلا في شوّال، بل آخر شوّال؟! [ابن عبد الشكور (2/ 601)]. فكيف يكون هؤلاء فارّين عن الوهّابية وهم لم ياتوا إليهم بعد؟!

([10]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 549).

([11]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 550).

([12]) في هذا العام حجّ عدد كبير من النّاس، وصفه دحلان بأنّه لم يُرَ حجّ قبله مثله، وفيه من الأمراء المغاربة وسلطان مكّة وغيرهم من الأمراء والسلاطين، وحجّوا بأمان، والأمير سعود قاطن في منزلٍ قريب من مكّة هو وجنوده، وقد طلب الشريف غالب من أمراء الحجّ أن يركبوا معه لقتال سعود فأبوا، وتكفّل لهم بالزّاد والذخيرة فلم يستجيبوا، ورحلوا إلى ديارهم، فدخل سعود رحمه الله مكّة ودخلها في يوم السّبت ثامن المحرّم سنة 1218هـ.

لا شكّ أن من أسباب كثرة الحجّاج في عام 1217هـ ما وجده حجّاج عام 1216هـ من أمن واطمئنان وسكينة، ولم يحل دون كثرة الحجاج هذه التحذيرات التي أطلقها الأشراف القادمون من مكّة وأبناء الشريف سرور الذين ظلوا يبتكرون القصص عن فظاعات الوهابيين بزعمهم؛ ولو حمل الناس هذا الكلام على محمل الجد لكان العكس، ونكص الحجاج على أعقابهم، أو على الأقل لم يأتوا بهذه الصورة من الكثافة التي شهد بها خصوم الدعوة كابن عبد الشكور ودحلان وهم لا يعلمون أنهم يشهدون على أنفسهم.

قال ابن عبد الشّكور: “ولم يُعلم حجّ قبل هذا من كثرة المخلوقات وتراكم النّاس بعضها ببعض” [(2/ 616)] والعجيب أنّه يقول بعد ذلك: “وما أرى الحكمة في كثرة هذه الخلائق إلا لصدّ هؤلاء الزنادقة عن حجّ بيت الخالق، ولم يقدر أحدٌ بسوء يصل إليها إن بقيت هذه المخلوقات حواليها” [(2/ 616)].

وأقول: بل إنّ من حكمة الله أنّ جعل خلاف ما ذكره ابن عبد الشّكور هو الحكمة، فلم يكثر الحجيج إلا ببركة هؤلاء الموحّدين الذين أبى الحجاج أن يُقاتلوهم، كما أراد ذلك الشريف غالب، رغم فتاوى التكفير والاتّهام بالزندقة كما صنع ابن عبد الشكور الذي يرمي بالزندقة قومًا لا يطلبون من النّاس شيئًا إلا إخلاص التوحيد لله عزّ وجلّ.

([13]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 551).

([14]) ذكره الجبرتي ضمن أحداث شهر ذي القعدة سنة 1217هـ. انظر: تاريخ عجائب الآثار (2/ 552).

([15]) هذه ثمرة سفارة الأشراف الذين وفدوا يطلبون الإعانة على الوهابيين بزعمهم.

([16]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 553).

([17]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 554).

([18]) هنا أمران في حاجة إلى إيضاح:

أحدهما: أن انضمام عثمان المضايفي إلى الدولة السعودية ليس سببه وحشة بين الرّجلين كما هو ظاهر كلام الجبرتي؛ بل إنّ السبب عقدي بحث، والغالب على الظنّ أنّ المضايفي حينما ترأس وفدًا من قِبَل الشريف ذاهبًا إلى الدّرعيّة والتقى هناك بعلماء الدّعوة السلفيّة وعلى رأسهم الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه الأمير -آنذاك- سعود اقتنع بمبادئ الدعوة، وعَلِم أنّ قتال الشريف لهم ظُلم، وأن ما وقع من قتل الشريف لرعيّته ممن اعتنق مبادئ الدعوة كأهل حليّ وسواهم ممن قاتلهم -بل وباع أبناءهم كما قدّمنا نقلًا عن ابن عبد الشكور- ظلم عظيم، وهو في حقيقته نقضٌ للصلح، ولا شكّ أنّ المضايفي كان على علمٍ تامّ بمراسلات الشريف غالب مع العثمانيّين، والتي ذكر الجبرتي بعضها، وكل هذه كانت خطرًا على الدّعوة.

كما أنّ المضايفي يعلم جيّدًا تأهّب الشريف لمبادرة السعوديين بالغزو، والذي يظهر من خلال ما أجراه الشريف من تحصينات للطائف ومكّة لم يكن لها داعٍ في ظل الظروف الاقتصادية التي كان يعاني منها الشريف بعد هزيمة الخرمة، فلم يكن ثمّ داعٍ سوى العزم على مبادرة الدّولة السعوديّة بالغزو، والله تعالى أعلم، وقد فصّل في ذكر التحصينات بعد إجراء الصلح ابن عبد الشكور [(2/ 572)].

وقد نقلت الباحثة لطيفة العدواني في كتابها (عثمان بن عبد الرحمن المضايفي العدواني) عددًا من الرسائل من الشريف غالب إلى الدولة العثمانية بعد الصلح بينه وبين السعوديين، يستعدي فيها العثمانيين ويطلب منهم الانقضاض على الدولة السعودية، ويشوه صورتها لديهم، بل ذكرت ما يفيد أن حملة سليمان باشا من العراق على الدولة السعودية -والتي باءت بالفشل- كانت استجابة من العثمانيين لرسائل الشريف غالب، وهذه أدلة قاطعة على أن نقض الصلح كان من طرف الشريف؛ ولا شك أن المضايفي كان على علم بكل ذلك، وأنه لما اقتنع بمبادئ الدعوة أفشى ذلك للإمام عبد العزيز، وكان أحد أسباب انضمام المضايفي للسعودية، كما كان إضافة لما تقدم سببًا في إقدام السعوديين على حرب الشريف غالب، وانظر: [عثمان بن عبد الرحمن المضايفي، ص (137)، د. لطيفة العدواني، دارة الملك عبد العزيز، 1442هـ].

ثانيهما مما يستدعي التعليق من كلام الجبرتي: قوله: “إنّ الوهابيين استولوا على الطّائف وقتلوا الرّجال، وأسروا النّساء”، فأوّل من يرد على الجبرتي هو الجبرتي نفسه كما ذكره محمّد أديب غالب في كتابه (من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي) ص (9) هامش (1) قال: “قد كفانا مؤونة إبطال هذه الفرية الجبرتي نفسه عندما ذكر هزيمة طوسون، وقال: “إنّ الوهابيين لا يذهبون خلف مدير”. ويضاف إلى هذا بأنّهم في جميع حروبهم لم يقتلوا من الرّجال إلّا من قاتلهم وأبى قبول الحقّ. وأما أسر النّساء والأطفال، فهذا كذبٌ صريح لم يحدث في أيّ وقعة من الوقعات التي جرت بينهم وبين أعدائهم؛ بل هم يُعاملون أولئك وغيرهم ممن لا يُقاتل المعاملة الشرعيّة؛ لأنّهم في كل أفعالهم يسيرون على نهج المصطفى صلى الله عليه وسلّم وخلفائه الراشدين.

وقد يحدث أثناء المعارك من بعض الجهلة من البادية وغيرهم من القسوة ما لا يتماشى مع تلك الطريقة؛ لكن رجال تلك الدّعوة من علماء وقادة لا يُقِرُّون ذلك ولا يرضون به، بل يعاقبون عليه وينكرونه أشدّ الإنكار. ونسبة شيء من ذلك إليهم كذبٌ صريح وبهتان عظيم. {والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا}”. انتهى كلام محمد أديب غالب.

ونضيف إلى ما قاله محمد أديب غالب: أنّ ما ذكره الجبرتي نقله عن الأخبار الرسميّة الواصلة من الشريف غالب ومن وُلاة العثمانيين، وأخبارهم كأخبار ابن عبد الشكور، لا يمكن الوثوق بها؛ وقد نقل أحمد الحضراوي في كتابه (اللطائف من تاريخ الطائف) أخبار الواقعة تفصيلًا عن شهود عيان وأطال في ذلك، وهو مؤرّخ مكّي صوفيّ حاقد على الدّعوة السلفيّة متعصّب عليها، يسمي أهلها خوارج، لكن ميزة كلامه أنّه لا ينقله عن المصدرين المألوفين للمؤرخين وهما ابن عبد الشكور وأحمد دحلان، وإنّما عمّن شهدوا الواقعة، وقد أدرك الرّجل بعضًا منهم، فقد عاش بين عامي 1252هـ و1327هـ، كما ينقل عن كتاب لعبد الله المحجوب الميرغني عنوانه: (تفتيت القلوب بالأحزان)، وعبد الله المحجوب هذا معاصر للمؤلّف، أي: لم يدرك الأحداث لكنّه يروي مشاهداته، وهو أيضًا من شيوخ الطريقة الختمية الصوفيّة حاقد على الدّعوة السلفيّة، ولذلك لا ينتظر منه ولا من الحضراوي إنصافٌ للدّعوة؛ لكن الحقّ ما شهدت به الأعداء كما يقال.

وقد قصّ الحضراوي ما حصل في الطائف آنذاك، والذي استخلصته مما ذكره الحضراوي: أنّه في أواخر شوّال سنة 1217هـ خرج الشريف غالب إلى العبيلاء قرية عثمان المضايفي، وأراد دمارها ومن فيها، لكنّه رجع منكسرًا وتحصّن في الطائف، وقدم عليه عثمان المضايفي وابن شكبان، فواجههم الشريف بالمدافع، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم رجعوا عن الطائف إلى ضاحية السلامة، وكان أهلها يقاتلونهم، فكسروا أهل ذلك الحيّ ونهبوهم، وخاف الشريف أن يحصل له ما حصل في ضاحية السلامة، فقام بحرق قصره بنفسه واشتعلت فيه النيران، وهرب هو إلى مكّة، هناك حصل خوف كبير بين السكّان وهلع واختلاف رأي، وحصل قتال وقتل وفوضى، ولم يُعرف من هو من الجيش السعودي ممَّنْ هم من الأعراب أو أهل البلدة، وحصل قتال ونهب ورعب. وأمّا الجيش السعودي فلم يحصل منهم قتل كما ينصّ على ذلك الحضراويّ نفسه، قال بالحرف: “ولم يزل سالم الشقي ابن شكبان يُراجِع عثمان في استئصال الرّجال بالقتل والبلاد بالخراب، ولم يوافقه على ذلك عثمان رجاء أن يعمرها” [اللطائف في تاريخ الطائف، مخطوط، ورقة (31) ص (60)].

وأمّا النساء فنقل الحضراوي عن شاهد عيان قوله بعد أن ذكر ما حصل للرّجال والأموال: “ولكن بحمد الله ومنّته لم يكشف لأحد من الحريم وغيرهم سترًا، لكونهم عرب يخشوا الفاحشة والعار” [اللطائف، ص (63) ورقة (32)].

وبذلك يظهر أنّ ما حصل من فظائع يشترك فيها الشريف غالب الذي هرب من خصومه دون ترتيب وترك الطائف في ذلك الحال بعد أن أحرق داره؛ مما جعل النّاس يوقنون بالهزيمة، وكذلك رعاع أهل الطائف وضعفاء الدّين فيهم، وكذلك الأعراب الجهلة والطمّاعون من النّاس، ومن لا يرقبون الله تعالى من أغمار جيش ابن شكبان والمضايفي، أما أهل القرار وصليبة جيش السعوديّين وعلماؤهم وحكّامهم فليس لهم في هذه الفظائع دور، وأمّا النّساء فحصل عليهنّ ما يحصل في الحروب من أذى؛ لكن لم يكشف لهنّ ستر كما نقل ذلك الحضراوي.

([19]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 556).

([20]) شريف محمد والي جدّة آنذاك؛ والدفتردار هو اللّقب العثماني للمسؤول المالي في الدّولة، يقابله في العصر الحاضر وزير الماليّة.

ونلاحظ أنّ هذا الخطاب من والي جدّة أُرسل قبل الحجّ بأيام من ينبع، ووصل القاهرة في الرابع والعشرين، أي: أنّ الطّريق استغرق عشرين يومًا.

([21]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 556).

([22]) يقصد بالمقّررات: الأموال التي تفرضها الدّولة العثمانيّة للولاة، والسلحدار: هو المشرف على مستودع الأسلحة [المصطلحات المتداولة في الدّولة العثمانيّة ص (374)، تأليف: أ. د. محمود عامر، جامعة دمشق، نسخة إلكترونيّة]، أو: مدير موظفي الغرفة الخاصّة، كان يحمل سيف السّلطان على كتفه في المراسم الخاصة، ويمشي وراءه [المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانيّة ص (134)، د. سهيل صابان، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنيّة، الرياض، 1421هـ].

([23]) لقد استبدل العثمانيون المسلمون الأوائل اسم عاصمة دولتهم (القسطنطينية) باسم (إسلامبول) ومعناها (مستودع الإسلام) أي: حيث (يزخر) أو (يغزر) الإسلام وعوضًا عن (إستانبول) اللفظ الإغريقي المشتق من أيس- تن- بولن ومعناها (إلى المدينة). (محمد أديب غالب).

([24]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 562).

([25]) الجبخانة في الأصل: مكان حفظ الدروع، ثمّ أصبحت تطلق على مكان حفظ الدّروع والبارود والأسلحة والذخائر، ثمّ أصبحت تطلق على البارود والأسلحة والذخائر. [المعجم الموسوعي، ص (80)].

([26]) ذكره الجبرتي ضمن أحداث شهر صفر سنة 1218هـ، وجزء من الكلام مذكور أعلاه. انظر: تاريخ عجائب الآثار (2/ 575).

([27]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 573).

([28]) لم يطلب الشريف غالب منهم أن يتعوّقوا وحسب؛ بل طلب منهم ومن والي الشّام ومن السّلطان مصقط وسائر أمراء الحجّ أن يركبوا معه لمقاتلة الأمير سعود ابن الإمام عبد العزيز وهو معسكر قرب مكّة ينتظر أن ينتهي الحجّ ويسافر الحجّاج ليدخلها؛ لكن جميع الأمراء أبوا ذلك، ولم يأت سادس المحرّم عام 1218هـ إلا وقد رحل الجميع [ابن عبد الشكور (2/ 618)].

أما إحراق الشريف غالب داره فكان في الطّائف، ولم يذكر ابن عبد الشكور أنّه فعل ذلك في مكّة، وكذلك دحلان، وذكره جيرالد دي غوري في كتابه (حكّام مكّة) [ص (228)، ترجمة رزق الله بطرس، الوراق للطباعة والنشر، ط الأولى، 2010م] وذكره الحضراوي في اللطائف [ورقة (34) ص (66)] وذكره ووصف تكرر اشتعال النّار بضعًا وعشرين ليلة لطف الله جحاف في درر نحور الحور [(1/ 530)].

([29]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 583).

([30]) في تاريخ ابن عبد الشكور أنّ دخول سعود كان في اليوم الثّامن [(2/ 625)] وهو الأرجح، والفرق يسير.

([31]) الذي دخل مكّة هو الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد مكلفًا بالغزو من قِبَل والده الإمام عبد العزيز، وقد استشهد الإمام عبد العزيز في رجب من العام نفسه الذي دخلت فيه مكّة تحت حكمه عام 1218هـ؛ وذلك بعد أن طعنه في خاصرته وهو يصلي أحد العراقيِّين والغالب أنّه من الشّيعة، جاء من العراق لهذا الغرض وادّعى أنّه مهاجر إلى الدّعوة، فقرّبه الإمام وكلّف من يعلمه الدّين والصلاة وأركان الإيمان ومبادئ العلم، وانتهى أمره بأن طعن الإمام وهو ساجد، ولمّا طعنه أهوى إلى أخيه الأمير عبد الله بن محمّد وهو ساجد ليقتله، فتصارعا وأمكن الله الأمير عبد الله من هذا العدو فقتله بالسّيف. [عنوان المجد (1/ 265)].

([32]) لمّا أخذ عثمان المضايفي الطّائف ورتّب أمورها أرسل له الإمام عبد العزيز تقريرًا على ولايته عليها وعلى الحجاز، وأمر ابنه سعودًا أن يتّجه إلى مكّة، ذكر ابن عبد الشّكور ومن تبعه: أنّه كان متّجهًا إلى العراق، ثم عدل عن مسيره ذاك واتّجه إلى مكّة بعد أن جاءته أخبار الطائف، وكان حين جاءه كتاب والده في الدهناء [(2/ 613)] ووافقه على ذلك ابن بسّام في تحفة المشتاق [ص (306)]. ولم يذكر ابن بشر ذلك، وإنّما ذكر أنّ سعودًا أقام بالروضة المعروفة بالسبلة شمال الزلفي لتجتمع عليه القبائل [(1/ 260)]. وليس بين الخبرين تعارض، خاصّة إذا علمنا أنّ سعودًا بعد وفاة أبيه قصد العراق غازيًا في خبر طويل [عنوان المجد (1/ 279)]. ثمّ قصد مكّة بمن اجتمع معه من الرّجال، ونزل بهم عن مكّة مسيرة ثلاث مراحل، أي: قرابة المائة وعشرين كيلومترًا بالمقياس المعاصر؛ وظلّ في مكانه إلى أن انتهى الحجّ، وذهب جميع الحجّاج في اليوم السّادس من المحرّم؛ وهرب الشريف غالب إلى جدّة، وأناب مكانه أخاه عبد المعين؛ لكنّه لم يستطع ضبط الأمور بسبب الخوف والفوضى، ولذلك -والله أعلم- لم يذكر ابن عبد الشّكور أنّ غالبًا أناب أخاه، وقد ذكر ابن بسام الإنابة [تحفة المشتاق، ص (308)]، وأيًّا كان فإنّ الشريف عبد المعين هو الموجود في مكّة أثناء فترة الفراغ القصيرة تلك، وهو الذي لجأ إليه أهل مكّة ليطلب لهم الأمن من الأمير سعود وليثنوه عن فكرة مواجهة سعود [درر نحور الحور (1/ 529)].

ثمّ كتب الشريف عبد المعين كتابًا إلى سعود يطلب فيه الأمان لأهل مكّة، كما يطلب أن يكون هو أميرها من قبل الدّولة السعوديّة [ابن عبد الشكور (2/ 621)]. ولم ير أهل مكّة الاكتفاء بخطاب الشّريف عبد المعين الذي طلب فيه الشرافة لنفسه من الأمير سعود، بل ذهب منهم وفدٌ التقى سعودًا في السيل، وطلبوا منه الأمان لأهل مكّة، فأعطاهم إياه مكتوبًا، ووصل هذا الخطاب، وقرئ في مكّة واطمأن النّاس، وفي اليوم الثامن من المحرّم وصلت القوّات السعودية إلى مكة ودخلتها بسلم، ذكر ذلك كلّ من ابن عبد الشكور [(2/ 621)] ودحلان [خلاصة الكلام، ص (217)] وابن بشر [(1/ 263)] وابن بسّام في تحفة المشتاق [ص (208)].

وقد رأى منير العجلاني أن رواية ابن بشر لدخول مكّة ناقصة؛ لأنّه لم يذكر دفاع مكّة مستندًا إلى روايات بوركهارت وغيره من الرحالة الأوربييّن، [تاريخ البلاد العربيّة السعوديّة، منير العجلاني (2/ 165)، دار الشبل، ط الثانية، 1413هـ].

والصحيح هو ما ذكره الجبرتي، وهو ما اتّفق مع ما رواه المؤرخون أنّه دخل مكّة سِلمًا، وأكرم أهلها غاية الإكرام، وأما روايات الرحالة فقد حدث ذلك حين رحل سعود من مكّة إلى نجد، وعاد الشّريف غالب لمحاصرة مكّة، وأعاد حكمه عليها، ثمّ عاد سعود مرّة أخرى، وحصل هنالك الحصار والملحمة التي ذكرها المؤرّخون بعد ذلك في أواخر 1219هـ وأوائل 1220هـ. وانظر تفاصيله في ابن عبد الشّكور [(2/ 673)] وفي كلامه الكثير من المبالغات.

([33]) المقصود الشيخ عقيل بن يحيى العلوي، ذكر ذلك الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهّاب في رسالته في حكاية المباحثة مع أهل مكّة [ص(292) تحقيق د. صالح السندي] ولم أجده في تراجم علماء مكّة كمختصر النّور والزّهر وغيره، وقال محقّق الرسالة: لعلّ المقصود: عقيل بن عمر بن عقيل.

قلتُ: تخرّص المقصود فيمن اسمه عقيل صعب ما لم يكن هناك بيّنة.

أما وصف الجبرتي هذا الرّجل بأنّ سعودًا جعله قاضيًا، فلم يذكره من اطلعت عليه من مؤرخي مّكة أو غيرهم؛ والغالب أنّه لم يغيّر من نظام الدولة ولا ولاتها كثيرًا، حيث جعل الشّريف عبد المعين أميرًا على مكّة وجعل الفتوى على ما هي عليه، ولعلّ القضاء كذلك، في دخوله هذه السّنة، أما بعد ذلك فمعلوم أنّه غير القاضي.

([34]) لم يذكر ابن عبد الشّكور هدم قبّة زمزم، مع عظيم حرصه على ثلب الوهّابيّين [(2/ 628)] كما لم يذكره تلميذه دحلان [خلاصة الكلام، ص (287)] وهو مثل شيخه في عداء الدّعوة ومحبّة ثلبها، ولا الحضراوي في اللطائف وهو لا يقلّ عن سابقَيه عداوة للدّولة [ص 67/ ورقة 35] فهؤلاء أهل مكّة ومنهم المعاصر للحدث وهو ابن عبد الشكور، ومنهم القريب منه وهما دحلان والحضراوي، ولديهم الدّواعي لذكر ذلك وعدم كتمه؛ وقد ذكر الأولان ما ينافي ذلك، وهو أنّ الأمير سعودًا صعد على ظهر زمزم وخطبهم، والغالب أنّ القبّة كانت على ظهر زمزم، والذي يضعّف عندنا القول بهدمها: أنّها ليست قبّة على ضريح يعبد من دون الله، وإنما الغالب أنها بُنيت لتظليل البئر وقاصديه ووقايتهم حرّ الشمس.

([35]) يقصد بالقباب حول الكعبة (قبة المقام وقبة العباس وقبة الفراشين)، فالخبر الذي ورد إلى مصر ونقله الجبرتي خبر أريد به التهييج على السعوديّين كأكثر أخبار ذلك الزّمان، أما ما هُدم حقيقة فقد فصّله ابن عبد الشّكور فقال: “وأوغل الملعون -يعني الأمير سعودا- في هذا الطلب، فبادر الوهابيّون ومعهم جميع الخانعين لهدم المساجد ومآثر الصالحين، واجتهدوا في هدمها وفرطوا في تفريط نظمها، فهدموا مولد النبيّ المطهّر، وهدموا مولد سيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، ومولد ليث بني غالب سيّدنا علي بن أبي طالب، وهدموا كثيرًا من قبور الصحابة ومواضع الدّعاء والإنابة، وهدموا مولد السيدة خديجة الكبرى، ومولد بنتها السيّدة فاطمة الزهراء، ثمّ شنّوا الإغارة على قبور الأولياء الصالحين وعلى قبور العلماء العاملين” [تاريخ ابن عبد الشكور (2/ 629)].

وما قاله دحلان عن هدم المساجد كذب لا يكون من أتباع الدّعوة السلفيّة إلا إن كانت مساجد مبنيّة على الأضرحة، فنِعمَ ما فعلوا إن كان الأمر كذلك، فإنّ المسجد إذا بُني على القبر وجب على إمام المسلمين هدمه، لقوله تعالى: {وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا}، فلا يُبنى المسجد إلا تعظيمًا لله تعالى، ولا يبنى تعظيمًا لقبورٍ يُدعى الأموات فيها كما يُدعى الله تعالى، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “لعن الله اليهود والنّصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”، قالت عائشة رضي الله عنها وهي راوية الحديث: “يحذّر ما صنعوا”. والأمر في ذلك مقطوع فيه لم يخالف فيه إلا أهل البدع بعد القرون المفضّلة بكثير.

وأما القباب التي على أماكن ولادة النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم فليس من ذلك شيء ثابت، بل هو محض تخرّصات، ولو ثبتت لأخبر بها مؤرخو مكّة القدماء، كالأزرقي [244هـ] والفاكهي [ت بعد 272هـ] ولو صحّ أنّها أماكن ولادتهم، فليس لها قدسيّة، واتخاذها أماكن للعبادة من البدع الظّاهرة المفضية إلى أعظم منها من البدع الموصلة للشرك.

وأمّا قبور الصّالحين ومن تُزعم لهم الولاية، فإنّما يهدم السلفيّون القبب والمباني التي عليها لقول علي رضي الله عنه: “ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألّا تدع قبرًا مشرفًا إلا سوّيته”، فللّه درّهم، ما أحسن ما صنعوا!

أمّا هدم ما ارتفع من البناء عن الكعبة فهو كذبٌ، ولو حدث منه أدنى شيء لذكره مؤرخو مكّة الذين هم أحرص النّاس على نبز الدّعوة.

([36]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 585).

([37]) ذكر ذلك تفصيلًا الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهّاب في رسالته في حكاية المباحثات مع علماء مكّة [ص (287)].

([38]) سامح الله هؤلاء القوم ورحمهم على ما كان عليه أمراؤهم وعلماؤهم من جهل بدعوة التوحيد السلفية والتي مثلها الإمام عبد العزيز في ذلك تمثيلًا عمليًّا وشريفًا يشبه ما كان يقع في زمن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الملوك والأمراء الصالحين، فقد ذكر ابن بشر أن الشيخ عثمان بن منصور ذكر له: أن رجالًا من سراق الأعراب في عهد الإمام الصالح الحازم عبد العزيز وجدوا عنزًا ضالة في رمال السر -النفوذ المعروفة- في نجد وهم جياع. أخبرني أنهم قد أقاموا يومين أو ثلاثة مقوين -أي: لم يأكلوا شيئًا عند عامة نجد- فقال بعضهم لبعض: لينزل أحدكم على هذه العنز فيذبحها لنا لنأكلها، فكل منهم كان يقول لصاحبه: (نزل إليها) فلم يستطع أحد منهم النزول خوفًا من العاقبة على الفاعل، فألحوا على رجل منهم فقال: والله لا أنزل إليها ودعوها فإن عبد العزيز يراها! فتركوها وهم في أشد الحاجة إليها. فمن هنا يتبين للباحث أن دعوة التوحيد السلفية اصطدمت أول ما اصطدمت بأولئك الأمراء والعلماء الأغراب الذين لم يتركوا وسيلة من وسائل الضلال والجهل والتحريض إلا اتخذوها ذريعة لمحاربة إصلاح المجتمع الذي كان يعيش تحت الحكم الفاسد البغيض. (محمد أديب غالب).

([39]) أي: سعود رحمه الله.

([40]) هذه الرسالة هي للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله موجّهة لأهل المغرب، ولعلّ الفرصة لم تسنح ليرسلها لهم في حياته، فأرسلها الإمام سعود رحمه الله. انظر: [الدرر السنيّة (1/ 83)].

([41]) غير موجودة في الدرر السنيّة [(1/ 83)].

([42]) في الدرر [(1/ 83)].

([43]) في الجبرتي: (وقال).

([44]) في الجبرتي: (ما أخذ)، والتصويب من الدرر [(1/ 83)].

([45]) رواه البخاري (4/ 169) رقم (3456)، مسلم (4/ 2054) رقم (2669).

([46]) رواه الترمذي (4/ 323) رقم (2641).

([47]) في الدرر (1/ 86) بدل هذه الآية قوله تعالى: {قل لله الشفاعة جميعًا} [الزمر: 44]. وكلا الآيتين دليل صحيح في هذه السياق.

([48]) الزيادة من الدرر السنيّة (1/ 86).

([49]) ليست في الدرر (1/ 86).

([50]) الزيادة من الدّرر (1/ 86).

([51]) الحديث في البخاري وغيره من كتب السنّة، صحيح البخاري، باب قول الله: {وعلّم آدم الأسماء كلها} (6/ 17)، رقم (4467).

([52]) رواه أبو داود (6/ 306) رقم (4252).

([53]) صحيح مسلم، باب النهي عن تجصيص القبر وأن يُقصد عليه وأن يبنى عليه (2/ 667)، رقم (94).

([54]) صحيح مسلم، باب الأمر بتسوية القبر (2/ 666).

([55]) انظر: إغاثة اللهفان (1/ 327)، زاد المعاد (3/ 506).

([56]) في الجبرتي: (الأمة)، ولعلّ ما أثبتنا من الدرر السنيّة (1/ 88) هو الصّواب.

([57]) رواه ابن ماجه، باب اتباع سنة رسول الله (1/ 7)، رقم (10).

([58]) الزيادة من الدّرر (1/ 88).

([59]) القول للجبرتي.

([60]) من هذا القول السديد ينظر الجبرتي إلى كل الذين كتبوا وتحدثوا بإخلاص عن دعوة التوحيد الإصلاحية أنها بدأت حركة سلفية تدعو إلى الرجوع بالإسلام نقيًّا إلى منابعه الأولى حتى يتخلص المسلمون من طغيان الخرافات الصوفية والفهم الخاطئ للإسلام كما عرفه الجهال من العوام والمستغلون من الحكام والعلماء على السواء. وكان من الطبيعي -بل من التوفيق والتكامل- أن تبدأ دعوة التوحيد الإصلاحية على أيدي آل الشيخ وآل سعود هذه البداية؛ لأن قلب الجزيرة العربية لم يكن واقعًا تحت سيطرة حكم الأشراف الذين لم تكن أعمالهم تتفق مع روح الإسلام الصحيح وما كان يتطلبه العرب والترك منهم في العمل لصالح البلاد ووحدة الأمة الإسلامية بكل نزاهة وشرف لصلاح الأمة والعباد. ومن الجدير بالذكر كما يقول حافظ وهبة: أن الواقف على تاريخ الأشراف في الحجاز (وغير الحجاز) يرى أنه تاريخ (مظلم) مملوء بالدماء والفظائع. فالشريف منهم في سبيل الإمارة لم يكن يتورع عن قتل أخيه وأبناء عمومته في سبيل الحكم، ولقد بلغت ببعضهم القسوة أن قتل أخاه وطبخ لحمه ودعا إخوانه الباقين لوليمة قدم لهم فيها لحم أخيه. [ص (144) «جزيرة العرب»] (محمد أديب غالب).

([61]) إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان (2/ 330)، ابن قيّم الجوزيّة، تحقيق: محمد عزير شمس، عالم الفوائد، الطبعة الأولى 1432هـ.

([62]) تجريد التوحيد، (1/ 19) تحقيق: طه محمد الزيني، الجامعة الإسلامية، 1409هـ.

([63]) المقصود به الكتاب المطبوع باسم (حواشي اليوسي في شرح كبرى السّنوسي) تأليف الحسن بن مسعود اليوسي المتوفّى سنة 1102هـ تحقيق حميد حماني اليوسي، دار الرشاد الحديثة، المغرب، 1429هـ، وقد استعرضت الكتاب بأجزائه الثلاثة، فلم أجد ما أشار إليه الجبرتي، والمؤلّف كما في سيرته صوفي أشعري قبوري. انظر ترجمته للمحقّق حميد صافي في المجلّد الأوّل من الكتاب.

([64]) في آخر الجزء الثاني من كتاب شرح الحكم العطائيّة موضوع: “بيان ما استعمله المصنّف من الاستغاثات” كلام فيه إفراد الله تعالى بالدّعاء والاستغاثة وإنزال الحاجات، ولعلّ الجبرتي رحمه الله أخذ منه النهي عن الاستغاثة بغيره؛ لكن المتصوفة عند الحجاج يزعمون أن دعاء غير الله تعالى ليس من الاستغاثة بغيره، وإنّما من باب شكر من جرت النّعمة على يديه، أو من باب بذل الأسباب، أو غير ذلك من المماحكات التي لم ينزل الله تعالى بها سلطانًا. [شرح الحكم العطائيّة لابن عباد النفري الرندي (2/ 199)، دار الفكر].

([65]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 592).

([66]) نعم، غادر سعود ومعظم قواته الحجاز متجهًا إلى الدرعيّة، ولم يُقم في حصار جدّة إلا أيامًا لا تزيد عن الأحد عشر يومًا، لكن المصادر جميعها ما عدا الجبرتي لا تشير إلى غزو العجم هذا، لذلك لا نرى أنّه خبر صحيح، والحقيقة أنّ خروج سعود من الحجاز بهذه السرعة وتركه حصار جدّة بعد بضعة أيام ليس طبيعيًّا؛ لكنّ ما ذكره ابن عبد الشكور [(2/ 637)] وتبعه عليه دحلان من أنّ السبب في سفرهم هو ما لاقوه من شدّة الرمي بالمدفع الذي نصبه الشريف غالب على أسوار جدّة، وأنّه قُتل منهم بسببه آلاف، هذا الكلام غير مقنع؛ لأنّهم يستطيعون أن يُقيموا على حصار جدّة بعيدًا عن مرمى المدافع، كما أنّ المدافع آنذاك لا تقتل بهذا الشّكل الكبير، وقد رَمَت مدافع غالب بلدة الشعراء المتقدّم الحديث عنها وأسوارها من الطّين أربعين يومًا فلم يستطع غالب اكتساحها، وجنود سعود ليسوا بالغباء الذي صورهم به عبد الشكور حتى يقفوا للقنابل حيث تلقي بها المدفعيّة؛ وكذلك لو كان الأمر كما يصفون لتراجع سعود إلى مكّة أو لاتخذ طريقه إلى بلدة أخرى ليوطّد الأمن فيها؛ ولذلك أجدني أميل إلى ما ذكره لويس كورانسيه في كتابه (تاريخ الوهّابييّن) من أنّ وباء انتشر بين جنوده وفتك بهم ألجأه إلى فكّ الحصار والانصراف إلى نجد [تاريخ الوهابيّين، ص (69)، دارة الملك عبد العزيز، 1426هـ]، وتبعه على ذلك فلكس ما نجان في [تاريخ الدّولة السعوديّة، ص (308)، دارة الملك عبد العزيز، 1424هـ]، وإن كان الرجلان قد اختلفا في نوع المرض، وهذا لا يغيّر شيئًا.

([67]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 597).

([68]) انفرد الجبرتي بذكر قطع الماء عن جدّة، والواقع أنّ جدّة ليس لها ينابيع قريبة أو بعيدة تمدّها بالماء، وإنما تعتمد على آبار داخليّة وصهاريج يملؤها السيل الذي لا يحدث في كلّ أوقات السنة، لذلك فالقول بقطع سعود الماء عن جدّة لا أظنّه دقيقًا.

([69]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 604-605).

([70]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 609-610).

([71]) هذه الدعاية العثمانيّة الخبيثة ضدّ الدّعوة السلفيّة والدولة السعوديّة وذلك بتصوير قتاله أولويّة إسلاميّة أهم منْ إخماد ثورة المسيحيّين في البلقان وأهم من قتال الروس والصّرب والفرنسيّين، وأهم من علاج ضعف الدّولة العثمانيّة العظيم، ذلك الضّعف الذي مكّن الفرنسيّين من احتلال مصر بيسرٍ وسهولة، ومكّن نابليون من قتل عشرة آلاف جندي ومدني عثماني في سوريا كي يرهب النّاس ويستولي عليها دون مقاومة، ولولا أخطاء نابليون نفسه وعدم تقديره الموقف بشكل مناسب لاستطاع فعلًا اجتياح سوريا بسهولة والوصول إلى الأناضول كما فعل ذلك إبراهيم باشا بعد سنوات يسيرة، فقد كانت الدّولة العثمانيّة في أشدّ حالات الضّعف، ولولا المعونة الإنجليزيّة لما استطاعت إخراج الفرنسيّين من مصر، فجعلُ قتال السعوديّين أهم من قتال الكفّار الأصليّين الذين انتهى أمرهم معها إلى احتلال البلاد الخاضعة لها هو أقوى مؤشرات الفشل الذي انتاب هذه الدّولة بعد ذلك، ولم تفِ شيئًا حركة الإصلاح التي تبنّاها السلطان سليم لأنّها تعتمد على الانسياق للغرب ثقافيًّا، واتخاذ الولايات العثمانيّة كأكياس من الذّهب تمون بها حركة الإصلاح في الأناضول وإصطنبول وحدهما وليس في كلّ أرجاء السلطنة [راجع مثلًا كتاب: تاريخ الدولة العثمانيّة، تأليف: يلماز أوزتونا، ترجمة: عدنان سليمان ومحمود الأنصاري (1/ 644) وما بعدها، مؤسسة فيصل للتمويل، تركيا، 1988م].

([72]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 625).

([73]) المحمل المصري عبارة عمّا يُشبه الهودج تحمله الإبل مصنوع بطريقة جميلة، مربّع الشّكل له سقف هرمي تودع فيه كسوة الكعبة التي تغزل في مصر، ويذهب إلى مكّة برًّا، يرافقه قافلة كبيرة من الحرس والأعيان والحجاج، كما يودع المحمل الصرّة، وهي مبالغ مالية كبيرة تصل إلى الحرم، ومبالغ إضافيّة توزّع على فقراء الحرم والمجاورين، كما يحمل ركب المحمل قناطير من الحلوى توزع في مكّة، وكذلك بعض الأمانات التي ترسل إلى الحرم؛ وقد تكلّم عدد من الرحالة عنه وعن صفته وطريق سيره، ومنهم محمد صادق باشا، وكان في عام 1297هـ ميرلاي [أمير كتيبة] مرافقا لركب المحمل، وله كتاب (رحلة مشعل المحمل) مؤسّسة هنداوي 2022م.

([74]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 626).

([75]) هو ميدان قلعة صلاح الدّين الأيوبي في القاهرة.

([76]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 628).

([77]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/ 632).

([78]) بعد أن استولى غالب على مكّة لم تأمن الإدارة المصريّة على المحمل أن يذهب عن طريق البر، مع أنّ المحمل الأصل فيه أن يكون مجهّزًا بالرّجال والمدافع، فقد أثبتت الأحداث أنّ الأمن يحلّ مع الدولة السعوديّة ويُنزع مع ذهابها، وذلك من الله تعالى لإقامة الشّرع، والقوّة في حفظ الدّين والنفس والمال، وأعظم ذلك كلهّ الحرص على التّوحيد وقطع دواعي الشّرك، وهذا مصداق قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وقد حقّق الله وعده للنّاس على يد الدّولة السعوديّة الأولى لمّا أقامها على الإيمان وعمل الصّالحات وتوحيد ربّ العزّة والجلال في عهدها الأوّل ثمّ الثاني ثمّ الثالث، وما أصدق قول الإمام الشوكاني وهو معاصر لتلك الدّولة الميمونة: “ومن دخل تحت حوزته أقام الصّلاة والزكاة والصيام وسائر شعائر الإسلام، ودخل في طاعته من عرب الشّام السّاكنين ما بين الحجاز وصعدة، غالبهم إما رغبة وإما رهبة، وصاروا مقيمين لفرائض الدّين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئًا، ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرّد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بها من عوجٍ، وبالجملة فكانوا في جاهليّة جهلاء، كما تواترت بذلك الأخبار إلينا، ثمّ صاروا الآن يصلّون الصلوات لأوقاتها، ويأتون بسائر الأركان الإسلاميّة على أبلغ صفاتها [البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السّابع، محمد علي الشوكاني (2/ 5)، دار المعرفة، بيروت]. فهذا الشوكاني، الإمام المجتهد العدل الثقة المعاصر للأحداث [ت 1255هـ] يكرّر التواتر المفيد للقطع مرتين، الأوّل: حين يذكر ما حصل من استقامة النّاس وأنهم في الدولة السعوديّة، والثانية: حين يذكر ما كان عليه النّاس من جهل بالدين قبلها.

واللافت أنّ موكب المحمل المصري لم يحضر الحجّ برًّا، إنما أرسل المحمل مع فئة من المغاربة بحرًا، بينما حضر المحمل الشّامي بموكبٍ دون المعتاد، ولم يحضر أميره المفترض وهو أحمد الجزّار، بل حضر مملوكه نيابة عنه وهو سليمان باشا. وقد طلب الشريف غالب منه إبقاء جنوده عنده في الحجاز لحمايته من الوهّابيّين فأبى، وقال: لمن تدعني؟ قال: لنفسك، وبعد الإلحاح والوساطة أبقى عنده مائة وخمسين خيالًا. [ابن عبد الشّكور (2/ 653)، ودرر نحور الحور، ص (556)]. وهذا يعني أنّ أحمد الجزّار لم يعمل بالفرمان الذي وصل إليه بالاستعداد للتوجّه لحرب الوهابيّين، والذي تقدّمت إشارة الجبرتي إليه، وربّما كان سبب تخلّف أحمد الجزّار تكليفه بإخماد ثورة بعض فئات الجنود في مصر، والتي انتهت بالتصالح والعفو عنهم، وأشار إلى ذلك الجبرتي [(2/ 650)].

([79]) قال لطف الله جحاف: “وانقطع في هذا العام [1218هـ] حاج المصريّين لكثرة المِجيب [هكذا هي في الكتاب مع الضبط بالشّكل ولم أعرف معناها] بطريقتهم لداعي عبد العزيز، ولثورة الغز على باشة السّلطان بالدّيار المصريّة، ولموت باشة الحاجّ المصري في تلك الأيام كما بلغ، والله أعلم” [درر نحور الحور، ص (541)]. فهذا ينفي وصول الحاجّ المصري، والجبرتي يثبت، والجبرتي في هذا الخبر أثبت.

([80]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 5).

([81]) ذكر هذا الحصار ابن عبد الشّكور وأنّه كان في شهر المحرّم من عام 1219هـ، وكان بقيادة عثمان المضايفي وابن شكبان، وذكر أن معهما من الجنود اثني عشر ألفًا، وحاصراها بعض ليالٍ، ولم يريا مصلحة في إطالة الحصار، فتفرّق القائدان بمن معهما من الجنود [ابن عبد الشّكور (2/ 654)]، وذكره ابن بسّام أيضًا في تحفة المشتاق [ص (314)].

([82]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 11).

([83]) هذه الرّسالة وصلت إلى مصر وِفق الجبرتي في ربيع الأوّل من عام 1219هـ، فهي تتكلّم عن أحداث وقعت في المحرّم أو في صفر على أكثر تقدير، فهو سابق للغلاء الذي حدث بسبب حصار سعود لمكّة بعد ذلك، ولم يذكره ابن عبد الشّكور ولا دحلان ولا الحضراوي، والظّاهر أنّ إغفالهم له كان لأن من أسبابه الحروب التي أخذ يشنّها الشريف غالب على البلدات والقبائل المحيطة بمكّة، فلذلك تركوا ذكره، وللإنصاف فأسباب هذا الغلاء عديدة، منها أنّه بعد وفاة والي جدّة شريف باشا الذي أشار إليه الجبرتي حصل من عسكره الذي تحت ولايته والعساكر التي جاءت إليه فساد كبير داخل مكّة، حتى إنّهم قتلوا الحجّاج، وسوف يشيرُ إلى ذلك الجبرتي بعد قليل، وكان هذا الفساد من أسباب الغلاء، كما أنّ الشريف غالبًا عمل على استقطاب العساكر التركيّة بجميع أجناسهم وجعلهم تحت إمرته، واستدعى هذا احتجاز كثير من الوارد من المواني الحجازيّة ليجعله في هؤلاء الجنود؛ وكذلك فإنّ الشريف استقوى بهؤلاء الجنود الكثيرة وما معهم من عتاد، استفاد منهم في تحقيق عدد من الانتصارات على السعوديّين، كلّ ذلك ولا شكّ سيؤدّي إلى الغلاء، هذا بالإضافة لكون الطّائف بيد السّعوديّين وهي طريق لكثير من الميرة التي ترد مكّة من الطّائف ونجد وجبال الحجاز.

([84]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 11).

([85]) حصار جدّة هو الذي تقدّم ذكره معنا قريبًا، وكان في المحرّم من هذا العام 1219هـ، وأمّا حصار مكّة فإنّ الحجّاج الذين أخذ عنهم الجبرتي هذا الخبر متوهّمون، فحصار مكّة كان في شوّال، أي: بعد قدوم الحاجّ المصري بأشهر، ولعلّ الغلاء في الأسعار والحركات العسكريّة التي كانوا يرونها أحدثت عندهم هذا الانطباع.

أمّا المدينة، فإنّ أحد أمراء حرب وهو بادي بن بدوي بن مضيان وأخاه بداي اقتنعا بالدّعوة السلفيّة، وسافرا إلى الإمام عبد العزيز بن محمد بعد قدوم سعود من حصار جدّة، وأعلنا ولاءهما للدّولة السعوديّة وقناعتهما بمبادئ الدّعوة، فأمرهم بفتح المدينة، فلم يكن ذلك بوسعهم، فبنوا بأمر عبد العزيز قرية لهم في عوالي المدينة، وتبعهم أهل قباء وصنعوا صنيعهم، وكذلك من حول المدينة من البوادي، فقطعوا على أهل المدينة طرق الإمداد وضيّقوا عليهم، واستمرّ الأمر كذلك إلى منتصف سنة 1220هـ حيث أرسل أهل المدينة يطلبون مبايعة سعود بعدما علموا بمبايعة غالب له [عنوان المجد (1/ 288)].

([86]) الجامكيّة: مرتب الجنود في المصطلح العثماني والمملوكي وأصلها فارسيّ. [من أخبار الحجاز نجد، تعليقات محمد أديب غالب، ص (360)].

([87]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 16-17).

([88]) قتل العساكر التركيّة الموجودة مع الشّريف وتحت إمرته للحجّاج في مكّة وإفسادهم في الحرم لم يذكره ابن عبد الشّكور رغم قربه من الحدث في مكّة ومعاصرته له، بل مجَّد هؤلاء العساكر ووصفهم بالأوصاف العظيمة من البطولة والشجاعة وغيرها مما لا يستحقّونه من المديح؛ وهذه المذبحة التي أوقعها الأتراك بالحجّاج المصريّين والمغاربة -ولعلّه وقع مثلها في الحجّاج الشوام وغيرهم- هي السّبب الحقيقي لامتناع حجّاج الشام ومصر في السنوات التي تليها، ليس السّبب حكم السعوديّين، مع التأكيد على أنّ الحجّ بصفة عامّة لم يعرف الأمن إلا في عهد الدّولة السعوديّة، وما قصّة المحمل الشّامي والمحمل المصري إلا أكبر دليل على ذلك، حيث يحمل ركب المحملين الأسلحة والمدافع لحماية من معه، ولو كان الطّريق آمنًا لم يكونوا في حاجة إلى ذلك، بل لم يكن المحملان يحميان إلا من معهما، أمّا من حجّ من مصر والشّام في غير معيّة المحمل، وكذلك حجّاج اليمن وغيرها من البلاد فلم تكن هناك دولة مسؤولة عن حمايتهم؛ إلا حين ملك السعوديّون الطريق إلى حجّ اليمن وحجّ العراق.

([89]) أمير آخور: لقب يُطلق على رئيس الإصطبلات في القصر السلطاني. [المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانيّة، ص (37) تأليف د. سهيل صابان، مكتبة الملك فهد الوطنيّة، 1421هـ].

([90]) كتخذا: لقب يطلق على المشرفين على أعمال كبار الموظّفين في الدّولة من الوزراء والولاة. [المعجم الموسوعي، ص (188)].

([91]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 23).

([92]) الجبخان: اسم يطلق على الآلات الحربيّة والمكان الذي تحفظ فيه. [المعجم الموسوعي، ص (82)]، وفي المصادر العربيّة يطلق على الرصاص والذخيرة.

([93]) استطاع بداي بن مضيان من شيوخ حرب -وقد قدّمنا قريبًا أنّ الإمام عبد العزيز أو ابنه سعود طلبوا منه أن يبني قرية في عوالي المدينة- الوصول إلى ينبع، وطرد الحامية العثمانيّة منها، وطرد وزير الشَّريف غالب فيها، وكان ذلك في شهر صفر من عام 1219هـ، ووصل الخبر سريعًا إلى الشّريف غالب، ووصل إليه بعد أيّام وزير ينبع وهو من العسكر العثماني في اليمن، وهو يمني الأصل واسمه محمد الحجري، لكن غالبًا لم يرض منه هذا التسليم لابن مضيّان، فقتله وصلبه، وذهب غالب إلى جدّة وصادف فيها سفينتين حربيتين إنجليزيتين مجهّزتين بكامل الآلة الحربيّة، فطلب من قائدهما الذهاب إلى ينبع وضربها بما معه من السّلاح، لكن القائد الإنجليزي خدعه أو استخفّ به -ولعله أخذ من أمواله التي بذلها له- فجهّز غالب عشر سفن حربيّة وملأها بالجنود وممن معه من الترك والعرب، فأرساها على ينبع، ولم يذهب صحبتها، بل أمّر عليها أميرين، تركيّ وعربيّ، فضربوا ينبع أيّامًا، ثم نزلوا إلى البر، وخرجت رجال ابن مضيان من ينبع، واستلمها الترك باسم غالب. [ابن عبد الشكور (2/ 665)].

ولا شكّ أنّ السلطنة كانت تخشى من وقوع ينبع بيد السعوديّين، فكلفوا باشا مصر بإعداد حامية لها؛ والظّاهر أنّ السعوديّين ملكوا ينبع واستردّها الشريف قبل أن تصل هذه الحامية، بل قبل أن تخرج من مصر.

([94]) الطوخ وسام عثماني.

([95]) واضح من هذا الخبر أنّ الجنود والقادة في مصر من مختلف القوميّات لم يكونوا يتحمّسون للذهاب للقتال في الحجاز، ولعلّ ذلك أحد أسباب استعانة محمد علي باشا بالمرتزقة من البنادقة والإيطاليّين وغيرهم في غزو الجزيرة العربيّة.

([96]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 23).

([97]) في هذا الوقت الذي كتب فيه الجبرتي أن ينبع قد ملكها السعوديّون كانت قد عادت إلى حكم الشّريف غالب، فالخبر يأخذ طريقه إلى مصر، وربما بلغ الفارق بين الحدث وبلوغ الخبر شهرين.

([98]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 24).

([99]) وهذا ناتج عن رفض العسكر المسير إلى الحجاز، فلم يجد الباشا إلا موظفًا مكروهًا لدى المصريّين يُعدُّ التخلّص منه مكسبًا، ومعه جندهم في الحقيقة أخلاط من البطّالين الذي في ذهابهم راحة للبلاد والعباد، وبذلك نجزم أن الدِّعاية التكفيريّة والتي تزعم أنّ قتال الوهّابيّين جهاد لم تعمل ما كان يُرجى لها أن تعمله في عقول المصريّين، وسوف يتّضح ذلك أكثر في حوادث لاحقة.

([100]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 26).

([101]) هذا الخبر يبيّن لك حجم المعاناة التي عاناها الشّعب المصري من الحكم العثماني، ولا سيّما في خوض الدّولة العثمانيّة حربًا لا داعي لها مع السعوديّين، وكانت نفقات هذه الحرب قبل حملة محمّد علي وأثناءها على حساب الشّعب المصري؛ وقد قدّمنا أنّ السعوديّين لم يكن لهم أرب في أخذ الحجاز ولا الدّخول إلى العراق لولا الحملات المتكرّرة التي بعثها العثمانيّون من العراق والحجاز لإسقاط الدّولة السعوديّة.

([102]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 27).

([103]) الأمر الذي جاء من الدّولة هو إرسال خمسمائة عسكري ويُعطون رواتب سنة مقدّمًا، ومع أنّ الباشا لم يجد من يُوافق على الذّهاب للحجاز من العسكريّين النظاميّين رغم الإغراءات، ورغم أنّ الباشا اكتفى بالبطّالين كما يقول الجبرتي، إلا أنّه حتى من البطّالين لم يجد من يوافق على التجنيد سوى مائة بطّال!

([104]) عجيب أن أرضًا بحجم مصر لا توفي غلتها براتب مائة عسكري من البطّالين غير المحترفين! والغالب أنّ عائدات غلال مصر عظيمة، لكن منها ما تذهب إلى الدّولة في إصطنبول؛ ومنها ما يذهب لجيوب الباشا والمماليك وسواهم من رجال الدّولة؛ أمّا مصاريف الجيوش وتصريف شؤون البلاد اليوميّة فيؤخذ بالقوّة من المصريّين من عامّة وصنّاع وتجّار.

والمضحك المبكي في هذا الخبر أنّ النّكال الذي نكّل به التجّار الذين لم يدفعوا ما طُلب منهم، من أذى فظيع في أنفسهم وفي بيوتهم، هذا النّكال هو الكيفية التي ليس شناعة ولا بشاعة حسب اتّفاق الباشا والوجاقليّة؛ فإذا كان هذا ليس فيه بشاعة ولا شناعة، فكيف بما لم يكن كذلك؟!

كفانا الله والمسلمين بأس الظّالمين؛ والعجب كلّ العجب ممّن لا زالوا يمجّدون الدّولة العثمانيّة وشأنها في بلاد العرب، وهم يتابعون ما كتبه المؤرخون ممّا جرى على أيديهم في البلاد العربيّة خاصّة من الشناعات.

ويثبت بمثل هذا الخبر براءة المصريّين الأصلاء من حرب الدّولة السعوديّة ودعوتها السلفيّة.

([105]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 34).

([106]) وكان تسليم المدينة في تاريخ 15/ 7/ 1220هـ، وهو تسليم لم يعقبه مباشرة الاستيلاء على أموال غرفة النبي e، فإنّ أخذ أموال الغرفة كان بيد سعود بن عبد العزيز نفسه، وقد جاء إلى هناك بعد فتحه مكّة، وتحدّث عنه الجبرتي هناك.

ومنه يُعلم: أنّ السعوديّين كان لهم -بعد الله تعالى- فضل على ساكني المدينة، كما سبق لهم فضلٌ على ساكني مكّة، وذلك بتحرّي حدود الله تعالى والقيام بأمره سبحانه، ومنع المنكرات بأنواعها، ومنها التنباك الذي عرف الأطبّاء المعاصرون فضل منع تعاطيه في الأسواق، فجاءت التعليمات الحديثة من البلدان ذات التقدّم العلمي بمنعه في أماكن التجمّعات كالأسواق؛ أمّا قبّة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يتعرّض لها السعوديّون وليس ذلك إجلالًا لها، فهي بدعة كسائر البدع، ولكن إجلالًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرقد تحتها عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

([107]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 99).

([108]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 99).

([109]) نلاحظ هنا ولاية محمد علي باشا على مصر، ولم يكن محمد علي واليًا؛ وسبب ذلك هياج كان على الوالي أحمد باشا، فعزله القاضي والشيخ عبد الله بن حجازي الشرقاوي، وكان ذلك وقت ولايته للأزهر، وارتبط هذا العزل والتولية بمطالبات شعبيّة، ولعلّ ذلك كان من أسباب الزّيادة في عطاء المسؤول عن الصرّة التي تسير مع ثوب الكعبة.

([110]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 102).

([111]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 116-117).

([112]) المراد بها الذي سافر بالمحمل.

([113]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 132-133).

([114]) نستفيد من ذكر هذه الواقعة أنّ السلفيّين لم يقوموا بكسر المحمل ونبذ عويداته، كما عبّر الإمام سعود، ولكنّهم عملوا بما ينبغي عليهم، وهو إبلاغ القوم بما لاحظوه في هذه البدعة، وحذّروهم من القدوم بها مرّة أخرى.

هذا مع ما هم عليه والمصريّون من العداء، ودخول المصريّين في دعم الأشراف دون مبرّر، ولو أنّهم ردّوا المحمل عن القدوم إلى مكّة لكان معهم من الحقّ ما يقف عنده كلّ واقف، ولكنّهم آثروا الإحسان في ذلك.

([115]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 135-136).

([116]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 137- 138).

([117]) القابجي بالتركيّة هو بوّاب القصر السلطاني، وقد جاء هذا البوّاب بتقدير ممجّد على ولاية مصر.

([118]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 139).

([119]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 140).

([120]) هدية: موضع قرب المدينة.

([121]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 188).

([122]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 189).

([123]) هذا تكرار لما رواه الجبرتي عن صاحب الحملة، وفيه شهادة المغاربة على الإمام سعود بالإحسان في الحرمين، فلم يسقط إلّا القباب التي على القبور، أو أماكن التعبّد، ولم ينه إلا عن البدع والتنباك في الأسواق.

([124]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 193).

([125]) أخرج سعود من مكّة والمدينة كلّ من لا يأمن جانبه، سواء من الأتراك أو السوريّين أو أي جنس، وقد أحسن الجبرتي حين عبّر بـ [ذكروا] ومن المعتاد أن يذكر الإنسان ما لا يعيبه. انظر: [عنوان المجد (1/ 292)].

([126]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 204).

([127]) تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار (3/ 229).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في السنة […]

هل الإيمان بالمُعجِزات يُؤَدي إلى تحطيم العَقْل والمنطق؟

  هذه الشُّبْهةُ مما استنَد إليه مُنكِرو المُعجِزات منذ القديم، وقد أَرَّخ مَقالَتهم تلك ابنُ خطيب الريّ في كتابه (المطالب العالية من العلم الإلهي)، فعقد فصلًا في (حكاية شبهات من يقول: القول بخرق العادات محال)، وذكر أن الفلاسفة أطبقوا على إنكار خوارق العادات، وأما المعتزلة فكلامهم في هذا الباب مضطرب، فتارة يجوّزون خوارق العادات، وأخرى […]

دعاوى المابعدية ومُتكلِّمة التيميَّة ..حول التراث التيمي وشروح المعاصرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: في السنوات الأخيرة الماضية وإزاء الانفتاح الحاصل على منصات التواصل الاجتماعي والتلاقح الفكري بين المدارس أُفرِز ما يُمكن أن نسمِّيه حراكًا معرفيًّا يقوم على التنقيح وعدم الجمود والتقليد، أبان هذا الحراك عن جانبه الإيجابي من نهضة علمية ونموّ معرفي أدى إلى انشغال الشباب بالعلوم الشرعية والتأصيل المدرسي وعلوم […]

وثيقة تراثية في خبر محنة ابن تيمية (تتضمَّن إبطالَ ابنِ تيمية لحكمِ ابن مخلوف بحبسه)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على من بُعث رحمةً للعالمين، وبعد: هذا تحقيقٌ لنصٍّ وردت فيه الأجوبة التي أجاب بها شيخ الإسلام ابن تيمية على الحكم القضائيّ بالحبس الذي أصدره قاضي القضاة بالديار المصرية في العهد المملوكي زين الدين ابن مخلوف المالكي. والشيخ كان قد أشار إلى هذه […]

ترجمة الشيخ المسند إعزاز الحق ابن الشيخ مظهر الحق(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ إعزاز الحق ابن الشيخ مظهر الحق بن سفر علي بن أكبر علي المكي. ويعُرف بمولوي إعزاز الحق. مولده ونشأته: ولد رحمه الله في عام 1365هـ في قرية (ميرانغلوا)، من إقليم أراكان غرب بورما. وقد نشأ يتيمًا، فقد توفي والده وهو في الخامسة من عمره، فنشأ […]

عرض وتعريف بكتاب: “قاعدة إلزام المخالف بنظير ما فرّ منه أو أشد.. دراسة عقدية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: (قاعدة إلزام المخالف بنظير ما فرّ منه أو أشد.. دراسة عقدية). اسـم المؤلف: الدكتور سلطان بن علي الفيفي. الطبعة: الأولى. سنة الطبع: 1445هـ- 2024م. عدد الصفحات: (503) صفحة، في مجلد واحد. الناشر: مسك للنشر والتوزيع – الأردن. أصل الكتاب: رسالة علمية تقدَّم بها المؤلف […]

دفع الإشكال عن حديث: «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من أصول أهل السنّة التي يذكرونها في عقائدهم: السمعُ والطاعة لولاة أمور المسلمين، وعدم الخروج عليهم بفسقهم أو ظلمهم، وذلك لما يترتب على هذا الخروج من مفاسد أعظم في الدماء والأموال والأعراض كما هو معلوم. وقد دأب كثير من الخارجين عن السنة في هذا الباب -من الخوارج ومن سار […]

مؤرخ العراق عبّاس العزّاوي ودفاعه عن السلفيّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المحامي الأديب عباس بن محمد بن ثامر العزاوي([1]) أحد مؤرِّخي العراق في العصر الحديث، في القرن الرابع عشر الهجري، ولد تقريبًا عام (1309هـ/ 1891م)([2])، ونشأ وترعرع في بغداد مع أمّه وأخيه الصغير عليّ غالب في كنف عمّه الحاج أشكح بعد أن قتل والده وهو ما يزال طفلا([3]). وتلقّى تعليمه […]

دفع الشبهات الغوية عن حديث الجونية

نص الحديث ورواياته: قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: بَابُ مَنْ طَلَّقَ، وَهَلْ يُوَاجِهُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ؟ حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ […]

الحقيقة المحمدية عند الصوفية ..عرض ونقد (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة عرضنا في الجزء الأول من هذا البحث الحقيقة المحمدية عند الصوفية، وما تضمنه هذا المصطلح، ونقلنا أقوال أئمة الصوفية من كتبهم التي تدل على صحة ما نسبناه إليهم. وفي هذا الجزء نتناول نقد هذه النظرية عند الصوفية، وذلك من خلال: أولا: نقد المصادر التي استقى منها الصوفية هذه النظرية. […]

قواعد في فهم ما ورد عن الإمام أحمد وغيره: من نفي الكيف والمعنى

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إنَّ البناءَ العقديَّ والمعرفيَّ وتحديدَ الموارد والأصول العامَّة من أهم المعايير التي يُعرف من خلالها مذاهب العلماء، وإن ترتيب المذاهب كألفاظ مُرتبة بجوار بعضها بعضًا ما هو إلا ثمرة هذا البناء والمورد، وأما اختلافُ الألفاظ والعبارات فليس هو المعتبر، وإنما المعتبر مقاصدُ العلماء وماذا أرادوا، وكيف بنوا، وكيف أسَّسوا، […]

(إشكال وجوابه) في قتل موسى عليه السلام رجُـلًا بغير ذنب

  من الإشكالات التي تُطرح في موضوع عصمة الأنبياء: دعوى أن قتل موسى للرجل القبطي فيه قدحٌ في نبوة موسى عليه السلام، حيث إنه أقدم على كبيرةٍ من الكبائر، وهو قتل نفسٍ مؤمنة بغير حق. فموسى عليه السلام ذُكِرت قصتُه في القرآن، وفيها ما يدُلّ على ذلك، وهو قَتلُه لرجُل بَريء بغير حقّ، وذلك في […]

ذم البدعة الإضافية والذِّكْر الجماعي هل هو من خصوصيات الشاطبي وابن الحاج؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: موضوع البدعة من أهم الموضوعات حضورًا في تاريخنا الإسلامي وفي الفكر المعاصر، وقد شكَّلت قضية البدعة الإضافية أزمةً معاصرة في الرواق العلمي في الآونة الأخيرة لعدم ضبط المسألة وبيان مواردها، وبسبب حيرة بعض المعاصرين وتقصيرهم في تحقيق المسألة جعلوها من قضايا الخلاف السائغ التي لا يصح الإنكار فيها! […]

الأصول الدينية للعنف والتطرف عند اليهود.. دراسة عقدية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: تتردد على لسان قادة اليهود مقتطفات من التوراة: “عليكم بتذكّر ما فعله العماليق بالإسرائيليين، نحن نتذكر، ونحن نقاتل”([1]). ومن نصوصهم: «فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلا تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارً»([2])، والتحريم هنا بمعنى الإبادة. كما يتردد في […]

اليهود والغدر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: اليهود تكلّم عنهم القرآن كثيرا، وقد عاشوا بين المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فعايشهم وخبرهم، والسنة والسيرة مليئة بالأحداث التي حصلت مع اليهود، وحين نتأمل في تاريخ هذه الأمة نجد فيها كل الصفات التي ذكرها الله عنها في كتابه العزيز، فقد كان اليهود وراء فساد […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017