الاثنين - 18 ذو الحجة 1445 هـ - 24 يونيو 2024 م

الإعلام بخطورة تكفير أئمة الإسلام .. (تكفير السلف للجهمية، ولماذا لا يعني هذا تكفير أعيان الأشاعرة؟) الجزء الثاني

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

لا ينازع أحدٌ في أنَّ أئمة السلف نُقل عنهم تكفير الجهمية، وعباراتهم في ذلك مشهورة، قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:

ولقد ‌تقلّد ‌كفرَهم ‌خمسون في       عشر من العلماء في البلدان

واللالكائي الإمام حكاه عنـهم      بل حكاه قبله الطبراني([1])

وقد أورد أبو القاسم الطبري اللالكائي (ت: 418هـ) أسماء الأئمة الذين قالوا: من قال: (القرآن مخلوق) فهو كافر، ثم قال بعدها: “فهؤلاء خمس مائة وخمسون نفسًا -أو أكثر- من التابعين وأتباع التابعين والأئمة المرضيين، سوى الصحابة الخيِّرين على اختلاف الأعصار ومضيِّ السنين والأعوام. وفيهم نحوٌ من مائة إمام، ممن أخذ الناسُ بقولهم وتديَّنوا بمذاهبهم، ولو اشتغلتُ بنقل قول المحدِّثين لبَلَغَتْ أسماؤُهم ألوفًا كثيرة، لكني اختصرت وحذفت الأسانيد للاختصار، ونقلتُ عن هؤلاء عصرًا بعد عصر، لا يُنْكِر عليهم مُنْكِر، ومن أنكر قولهم استتابوه، أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه. ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: (القرآن مخلوق) جعد بن درهم في سني نيف وعشرين، ثم جهم بن صفوان، فأما جعد فقتله خالد بن عبد الله القسري، وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن عبد الملك”([2]).

وهذا معلوم لا ينازع فيه أحد، أعني: إطلاقهم القول بتكفير الجهمية، وتكفير من نفى العلو، أو قال بخلق القرآن.

ولكنَّ هذا لا يعني تكفير أعيان المنتسبين للجهمية بكل درجاتهم في كل زمان ومكان، دون اعتبار لانتشار الشبهات وخفاء العلم من عدمه. ولا أحد من أهل العلم قطُّ يقول ذلك أو يفتي به؛ لأن العلماء يفرّقون بين الحكم المطلق والحكم على المعين، فقد يطلقون القول بكفر من قال أو فعل كذا، ولكن لا يكفّرون أعيان القائلين والفاعلين إلا بعد النظر في استيفاء الشرائط وانتفاء الموانع،كما سبق بيانه في الأصول التي قدمناها.

ولذلك فإن ما ورد من تكفير السلف للجهمية محمول على أحد أمرين:

الأول: أن المقصود به غلاة الجهمية، أو الجهمية المحضَة، نفاة جميع الأسماء والصفات.

الثاني: أنه يقصد به التكفير المطلق، وليس المعين. وهذا لا يعني عدمَ تكفير أحد من الأعيان مطلقًا، بل من كفره السلف فإنما كفروه لقيام الحجة عليه، ومعرفتهم بحقيقة نفاقه وزندقته، وليس لمجرد الانتساب للتجهم، أو إحدى فِرَقِه، أو قوله ببعض هذه البدع دون التحقُّق من حقيقة أمره.

فهذا جواب عام، تفصيله فيما يلي:

أولا: بيان أن الجهمية مراتب، والتجهم ليس درجة واحدة:

  • فالجهمية الغلاة هم نفاة جميع الأسماء والصفات.
  • والمعتزلة (الجهمية المشهورون) هم نفاة الصفات، ولكنهم يثبتون الذات والأسماء.
  • والأشاعرة والكلابية من متكلِّمي الصفاتية يثبتون الأسماء وبعض الصفات على خلاف بينهم في مقدار ذلك، ولكنهم في الجملة من أهل الإثبات. ولا شكَّ أن لهذا التفاوت بينهم في البدعة أثرًا في الحكم عليهم.

فالجهمية الغلاة كفّار بأعيانهم؛ لأن حقيقة قولهم التعطيل المحض ونفي الخالق، ولأن قولهم نفي لصريح القرآن، ومخالف للمعلوم من الدين بالضرورة، فقد نقل السلف عنهم عبارات منافية لصريح القرآن، كقولهم: لم يكلِّم موسى تكليمًا، ولم يتَّخذ إبراهيم خليلًا. كما في القصة المشهورة أن خالد بن عبد الله القسري خطب فيهم يوم الأضحى، فقال: “من كان منكم يريد أن يضحِّي فلينطلق فليضح، فبارك الله في أضحيته، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ زعم أن الله ‌لم ‌يكلِّم ‌موسى تكليمًا، ولم يتَّخذ إبراهيم خليلًا، سبحانه عما يقول الجعد علوًّا كبيرًا”([3]).

ومن ذلك: قولهم بالحلول أو الاتحاد، فقد كان ذلك من الأقوال الشائعة في الجهميّة الأوائل، ولذلك كان السلف يثبتون البينونة بين الله وخلقه؛ ليردّوا على الحلولية والاتحادية من الجهمية نفاة العلو.

قال الإمام أحمد رحمه الله: “فقلنا: لِمَ أنكرتم أن يكون الله على العرش وقد قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وقال: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]؟! فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش، فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كلّ مكان، ولا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان…”([4])، ثم ردَّ عليهم قولهم هذا.

فلما نفوا العلو قالوا: إنه تعالى في كلّ مكان، ولا يختصّ به مكان.

ولا شكَّ أن هذه الأقوال مصادَمة ونفيٌ لصريح القرآن والمعلومِ من الدين بالضرورة؛ ولذلك لم يكن لتأويلهم مساغ عند السلف.

وقد سبق بيان أن التأويل المعتبر في موانع التكفير هو التأويل الذي لا يخالف المعلوم من الدين بالضرورة، أما المخالف لذلك فليس بمعتبر كما هو الحال في الجهمية الغلاة المحضة.

وهذا بخلاف المعتزلة، فإنهم تستروا بستار التأويل، ولم يكونوا نفاة محضة كمن سبقهم، بل أثبتوا ذات الله تعالى وأسماءه، وأنه عالم قادر حي ولكن بذاته، ونفوا قيام الصفات بذاته؛ بشبهة أن قيام الصفات به يلزم منه تعدد القديم، أو التركيب، أو قيام الحوادث بذاته، وهو الأصل الذي بسببه انحرف أكثر المتكلمين في باب الصفات، وإن تفاوتوا في كيفية تطبيقه والتزام لوازمه.

وقد اختلف العلماء في حكم المعتزلة، وأطلق بعض العلماءُ القول بتكفيرهم، واكتفى البعض بتبديعهم، وحُكي في ذلك عن أحمد وغيره روايتان.

والتحقيق في ذلك -كما سنبين من أقوال أهل العلم- أن الخلاف من جهة التفريق بين النوع والعين، والحكم المطلق والحكم المعين.

وأما الأشاعرة فإنهم بلا شكٍّ أحسنُ حالًا من المعتزلة؛ فإنهم من أهل الإثبات في الجملة، فقد أثبتوا الذات والأسماء، وبعض الصفات، على خلاف بينهم أيضًا في مقدار ما يثبتون وما ينفون.

ولذلك فالأدق في وصفهم أنهم فيهم نوعُ تجهّم، كما وصفهم بذلك شيخ الإسلام رحمه الله([5])، وليسوا جهمية محضة، فالبدعة درجات، كالتشيع والإرجاء والقدر، فالطوائف المنتسبة لهذه البدع منهم الغلاة، ومنهم من هو دون ذلك بدرجات متفاوتة. فلا يصحّ التسوية بين درجات البدعة، أو إطلاق القول بكفرهم بحجة أنهم جميعًا مشتركون في نفس جنس البدعة. فكذلك في التجهم، يفرق بين التجهم الخالص وتجهم المعتزلة وتجهم الأشاعرة.

ذكر أقوال العلماء في مراتب الجهمية وحكمهم والتفريق بين النوع والعين:

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ملخصًا مراتب الجهمية وحكمهم: “الجهمية ثلاث درجات:

  • غالية: ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه قالوا: هو مجاز، فهو عندهم ليس بحيّ ولا عالم… إلخ، فهم لا يثبتون شيئا، ولكن يدفعون التشنيع بما يقرّون به في العلانية.. وهذا القول قول القرامطة الباطنية ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة والفلاسفة.
  • الدرجة الثانية: تجهم المعتزلة، يقرون بالأسماء الحسنى في الجملة ويجعلون كثيرًا منها على المجاز، لكنهم ينفون صفاته، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
  • والثالثة: الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوعٌ من التجهم، يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية وغير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها. ومنهم من يقر بما جاء في القرآن الكريم دون الحديث، ومنهم من يقر بالجميع لكن مع نفي وتعطيل للبعض، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب [منهم] إلى الجهمية المحضة. بيد أن متأخريهم والَوا المعتزلة وقاربوهم أكثرَ فخالفوا أوَّلِيهم”([6]).

وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن تكفير السلف إنما هو للجهمية المحضة الغلاة نفاة جميع الأسماء والصفات، فقال: “والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير (الجهمية ‌المحضة) الذين ينكرون الصفات، وحقيقة قولهم: أن الله لا يتكلَّم ولا يرى، ولا يباين الخلق، ولا له علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة، بل القرآن مخلوق، وأهل الجنة لا يرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات”([7]).

وبين رحمه الله حقيقة قولهم، وما فيه من مناقضة لصريح القرآن والمعلوم من الدين بالضرورة، فقال: “المشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة‌‌ تكفير الجهمية، وهم المعطلة لصفات الرحمن؛ فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحودُ الصانع، ففيه جحود الرب وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله”([8]).

وبيّن رحمه الله أن السلف كفَّروهم؛ لما اطلعوا على أحوالهم، وتيقنوا من زندقتهم ونفاقهم، فقال: “إن السلف فهموا حقيقة قول هؤلاء الجهمية، الذي هو حقيقة قول القرامطة ومن وافقوه من الفلاسفة؛ فإنهم ينفون الصفات، وهم في الحقيقة ينفون الأسماء أيضًا، لكن يحتاجون إلى إطلاقها في الظاهر لأجل تظاهرهم بالإسلام”([9]).

ولذا كان جماعة من السلف يقولون عنهم: إنما يحاولون أن يقولوا: ‌ليس ‌في ‌السماء ‌إله ‌يعبد، ويقول بعضهم: إنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء. فهؤلاء هم الذين كفرهم السلف بأعيانهم؛ لأن حقيقة قولهم هي قول الملاحدة، وأنهم يرومون جحد الخالق سبحانه وتعالى.

وأما المعتزلة فقد كان تعطيلهم أخف من هؤلاء، فقد أثبتوا الذات والأسماء، وجعلوا الصفات قائمة بغيره من المخلوقين، ونفوا قيامها بالله تعالى.

وهذا -وإن كان قبيحًا جدًّا ومآله للتعطيل كذلك- إلا أن لزومه لجحد الصانع أقلّ ظهورًا ممن قبلهم؛ ولذلك وقع فيهم الخلاف، فأطلق كثيرون القول بكفرهم، ولكن ورد أيضا عن السلف عدم التكفير.

قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنَا سُرَيج بن النُّعْمَان، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الله بن نَافِع، قَالَ: كَانَ مَالك -يَعْنِي ابن أنس- يَقُول: الْإِيمَان قَول وَعمل. وَيَقُول: الْقُرْآن كَلَام الله. وَيَقُول: من يَقُول: الْقُرْآن مَخْلُوق، قَالَ: ‌يوجع ‌ضربا ‌وَيحبس ‌حَتَّى ‌يَتُوب([10]).

وقال إسماعيل ابن علية: “من قال: القرآن مخلوق فهو مبتدع”([11]).

وما من مذهب إلا ويحكى فيه القولان.

وهذا الخلاف راجع على الحقيقة للفرق بين الحكم المطلق والحكم على المعين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأحمد لم يكفّر أعيان الجهمية، ولا كلّ من قال: إنه جهمي كفَّره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدَعهم؛ بل صلى خلف الجهمية الذين دَعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة. وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين، وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالا مبتدعين وظلمة فاسقين”([12]).

وبين رحمه الله سبب الخلاف في تكفير المعتزلة، وأنه راجع للتفريق بين المطلق والمعين، أو النوع والعين، فقال: “وسبب هذا التنازع تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة تُوجِب إلحاقَ أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون مِن الأعيان الذين قالوا تلك المقالات مَن قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان.

وحقيقة الأمر: أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأوَّلين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر؛ اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله.

ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفِّروا أكثر من تكلَّم بهذا الكلام بعينه؛ فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته… ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدِّين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم”([13]).

ويقول فيمن كفره أحمد بعينه: “فلقيام الدليل على أنه وُجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه. هذه مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم”([14]).

فثبوت التكفير لبعض أعيان الجهمية المعتزلة لا يعني تكفيرَ جميع أعيان المعتزلة، وليس البحث في الأول، أعني: ثبوت تكفير السلف لبعض الأعيان من الجهمية والمعتزلة؛ فإن هذا ثابت لا منازعة فيه، فإنا قد أجمعنا على أن أصل مقالتهم كفر بالله وتكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من قامت عليه الحجة فهو كافر بعينه، ولكن هذا لا يدلّ على تكفيرهم بالعموم. ولكن البحث: هل كفّر السلف جميع أعيان الجهمية المعتزلة بأعيانهم؟

لا شكّ أن إثبات ذلك متعسّر وبعيد، بل الثابت خلاف ذلك، ولا شكَّ أن عدم تكفيرهم لواحد من هؤلاء مع قوله بقولهم يدلّ على أن من كفروه إنما كفروه لأمور أخرى غير ذلك.

وعدم تكفير السلف والأئمة لبعض أعيان المعتزلة لا نزاع فيه، فعدم تكفير الإمام أحمد للواثق ونهيه عن الخروج عنه ثابت، قال أبو بكر الخلال: وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ حَنْبَلًا يَقُولُ فِي وِلَايَةِ الْوَاثِقِ: اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَطْبَخِيُّ، وَفَضْلُ بْنُ عَاصِمٍ، فَجَاؤُوا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَذَا الْأَمْرُ قَدْ تَفَاقَمَ وَفَشَا، يَعْنُونَ إِظْهَارَهُ لِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: أَنْ نُشَاوِرَكَ فِي أَنَّا لَسْنَا نَرْضَى بِإِمْرَتِهِ، وَلَا سُلْطَانِهِ. فَنَاظَرَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَاعَةً، وَقَالَ لَهُمْ: عَلَيْكُمْ بِالنّكرَةِ بِقُلُوبِكُمْ، وَلَا تَخْلَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وَلَا تَشُقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ وَدِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَكُم، انْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكُمْ، وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ([15]).

وثبت عنه أنه جعل المعتصم ومن ضربه ومن سُرَّ بذلك ممن حضر وغاب من الجهمية، جعلهم جميعا في حِلٍّ، وعفا عنهم، إلا ابن أبي دؤاد؛ لأنه كان داعية للبدعة([16]).

وهذا صريح في أنه لم يكن يكفِّر أعيان هؤلاء، مع أنهم عاقبوه على ذلك كما هو معروف.

وأما الأشاعرة والكلابية ونحوهم من الصفاتية المنتسبين للكلام، فقد وافقوا الجهمية في أكثر أصولهم العقلية، ولكن كان عند كثير منهم من تعظيم النصوص ما منعهم من التزام طرد أقوالهم، وإن أوقعهم هذا في تناقضات كثيرة.

ولذا كان لزوم التعطيل المحض والتكذيب للرسول في قولهم أقل ظهورًا، خاصة مع كثرة الشبهات وضعف العلم بآثار الرسالة؛ ولذلك نقل شيخ الإسلام الاتفاق على عدم تكفير الأشاعرة([17])، وبيَّن أنهم أقرب للسنة والحقّ من الجهمية والمعتزلة، فيقول: “الكلابية والكرامية والأشعرية أقرب إلى السنة والحقّ من ‌جهمية ‌الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم، باتفاق جماهير المسلمين وعوامهم”([18]).

ويفضلهم على المعتزلة، وأنهم أصلح منهم، وأقرب إلى السنة([19]).

وينكر على أبي إسماعيل الهروي (صاحب منازل السائرين في التصوف) مبالغته في ذمّ الأشعرية، فيقول: “إنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة”([20]).

ويمتدح جهودهم في مقاومة بدع الإلحاد والزنادقة والمعتزلة والرافضة، فيقول: “ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف”([21]).

ويبين عذرهم في اعتناق هذه البدع الموروثة عن الجهمية، فيقول: “لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة -وهم فضلاء عقلاء- احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها.

وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات… فقلَّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين؛ لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبُعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب”([22]).

وإنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية للأشاعرة والتفريق بينهم وبين المعتزلة والجهمية المحضة كثير جدًّا، ولو تتبعناه لطال المقام([23]).

والعجيب أن البعض يتشبّث بما ورد عن الهروي (ت: 481ه) في لعن الأشعرية وتكفيرهم، ظانًّا منه أن هذا يصلح حجة في مثل ذلك، مع أن تكفير الأشاعرة لا يكون إلا بنفي اعتبار التأويل من موانع التكفير، ولو كان هذا حقا لكان الهروي نفسه كافرًا، فإن الأشاعرة كما وافقوا جهمًا في مسائل الصفات، فإن الصوفية -ومنهم الهروي- وافقوه في مسائل القدر وأفعال العباد.

والهروي نفسه قد ذكر في (منازل السائرين) كلمات مستشنَعَة، لولا التأويل لحُكِم بكفره([24]). فلو لم يكن التأويل معتبرًا لما جاز الاحتجاج بكلام الهروي وهذا حاله، وإن كان معتبرًا فليس إعذار الهروي في تجهمه في القدر بأولى من إعذار الأشعري في تجهمه في الصفات.

وفي الأمة علماء كثر منتسبون لمذهب الأشعري، ومنهم فضلاء مشهود لهم بالعلم والخيرية والصلاح، ولا يُعلم عن واحد من أهل العلم تكفيرهم، بل ولا تبديعهم وتفسيقهم؛ لما سبق بيانه من أن تبديع المعين كتكفيره، يفرَّق فيه بين النوع والعين، فليس كل من وقع في البدعة تقع البدعةُ عليه، كما أنه ليس كل من وقع في الكفر يقعُ الكفر عليه، والله تعالى قد غفر لهذا الأمة خطأها، وهذا شامل للمسائل العلمية الخبرية والعملية الطلبية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “‌المتأول ‌الذي ‌قصدُه ‌متابعةُ ‌الرسول لا يكفر، بل ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ. وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفَّر المخطئين فيها.

وهذا القول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعةً ويكفِّرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية، ووقع ذلك في كثير من أتباع الأئمة، كبعض أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم… وليس هو قول الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وليس فيهم من كفّر كلّ مبتدع، بل المنقولات الصريحة عنهم تناقض ذلك، ولكن قد ينقل عن أحدهم أنه كفر من قال بعض الأقوال، ويكون مقصوده أن هذا القول كفر ليحذر، ولا يلزم إذا كان القول كفرًا أن يكفر كل من قاله مع الجهل والتأويل؛ فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في الآخرة في حقه، وذلك له شروط وموانع كما بسطناه في موضعه”([25]).

ثانيا: أن تكفير السلف للجهمية حين كان ظهور مخالفتهم للرسول مشهورًا:

وأما مع تأخر الزمان وكثرة الشبهات، فقد صار العلم بهذه المسألة قليلا جدًّا، وظن الناس أن نفي صفات الأفعال أو ما يسمونه (قيام الحوادث بالله) هو السنة والأصل الواجب اتباعه.

قال شيخ الإسلام: “كان السلف والأئمة مُطبِقين على تكفير الجهمية حين كان ظهور مخالفتهم للرسول صلى الله عليه وسلم مشهورًا معلومًا بالاضطرار لعموم المسلمين… وصار يشتبه بعض ذلك على كثير ممن ليس بزنديق”([26]).

وليس أدل على ذلك من أن ابن تيمية نفسه ذكر أنه نشأ فترة من الزمن على هذا الأصل، يقول رحمه الله: “وأنا وغيري كنا على مذهب ‌الآباء في ذلك، نقول في الأصلين [الصفات الاختيارية والزيارة] بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فكان الواجب هو اتباع الرسول”([27]).

ومما يؤكِّد ذلك أن كثيرًا من هؤلاء الأئمة -النووي والعز ابن عبد السلام وابن حجر وغيرهم- يذمّون الجهمية ذمًّا شديدًا، بل ويكفّر بعضهم المعتزلة لنفيهم الصفات، ويعتقدون أن التأويل هو منهج السلف، وهم بلا شكّ مخطئون في ذلك، وخطؤهم مردود عليهم، ولكن لما كانت هذه المسائل قد اندرس علمها، وخفي منهج السلف فيها بشكل كبير، ظنوا أن هذا هو مذهب السلف. فكيف يُكفَّرون في ذلك؟! بل كيف يبدَّعون تبديعًا مطلقًا، ويسوَّونَ بأمثال الجهم والجعد والمريسي وأمثالهم من رؤوس البدع والدعاة لها؟!

جواب بعض الشبهات الأخرى:

تبين مما سبق معنى تكفير السلف للجهمية، ولماذا لا يصحّ الاستدلال به على تكفير أعيان العلماء المنتسبين للأشعرية. وبقيت بعض شبهات أخرى يردِّدها الغلاة في هذه المسألة، فنوردها ونجيب عنها باختصار.

الشبهة الأولى:

قالوا: إننا لا ننكر العذر بالجهل لمن لم تبلغه الحجة، ولكن هؤلاء العلماء جزمًا قد بلغتهم النصوص الشرعية في إثبات العلو، فكيف لا يحكم بكفرهم مع اتفاق السلف على تكفير نفاة العلو؟!

والجواب: أن التأويل هو نوع من الجهل، فلا فرق بين الجاهل الذي لم تبلغه الحجة والمخطئ في التأويل، فكلاهما قد ثبت في حقّه مانع التكفير.

ومن تأمل حديث الرجل الذي أوصى بنيه بحرقه، فإنه يبعد جدًّا أن يكون منكرًا لأصل القدرة، ولكن دخلته الشبهة من جهة ظنّه عدمَ شمول قدرة الله تعالى لذلك، كما دخلت الشبهة المعتزلة في شمول قدرة الله تعالى لخلق أفعال العباد.

وكذلك شكُّ الحواريين في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة، لم يكن إنكارًا لأصل الصفَة، فإن هذا مستبعد جدًّا من الحواريين، ولكن دخلتهم الشبهة في شمول القدرة لذلك.

وكذلك إنكار شريح لصفة العَجَب، كان بسبب التأويل، وأنه ظنّ أن صفة العَجَب ناشئة عن الجهل، فظنها مما يجب تنزيه الله تعالى عنها.

فكذلك الذين نفوا الاستواء، ظنّوا أن الاستواء على العرش حقيقةً من صفات المخلوقين والحوادث التي لا يصحّ قيامها بالله تعالى، ولذلك تأوّلوا صفة العلو والاستواء، وحملوها على علو القهر والقدْر والملك والغلبة، ولم يظهر لهم أن هذا تكذيب للرسول، بل ظنوا أن هذا تنزيه للربّ عما لا يليق به.

فكيف نسوِّي بين من ينكر جميع الصفات والأسماء، ومن هو مقرّ بالصفات ولكنه تأوّل بعضها؛ ظنّا منه أنها لا يجوز قيامها بالرب تعالى؟! مع خطئهم بلا شكّ في ذلك كما هو معلوم.

الشبهة الثانية:

قالوا: العلو من الصفات المتواترة المعلومة بالفطرة، ولا يقبل تأويل من أنكرها.

والجواب: أن كون المسألة قطعيّة وظاهرة يتفاوت من زمان لزمان، ومن مكان لمكان، كما سبق تقريره.

وهؤلاء العلماء لم ينكروا العلوّ بالكلية، وإنما تأوّلوا علو الذات؛ تنزيهًا لله تعالى عن الجهة. وهي مسألة حدثت عليها شبهات كثيرة، وخفيت على كثير من الأفاضل.

ففرقٌ بين من أنكر العلو وجميع الصفات، وصار قوله هو الحلول أو الاتحاد، أو العدم المحض، ومن أثبت الأسماء والصفات في الجملة، ولكن أشكل عليه بعض الصفات.

وكون المسألة معلومة بالفطرة لا يعني أنها معلومة من الدين بالضرورة، فإن الفطرة تطمس بكثرة الشبهات، كما هو ظاهر وبين.

والحقيقة أن ظهور صفة القدرة لله تعالى وفطريتها هي في ذلك مثل صفة العلو، وربما أظهر؛ فإن القدرة من أعظم صفات الخالق ظهورًا، ومع ذلك لم يكفر من شك أو تأول فيها كما سبق، فكذلك العلو.

الشبهة الثالثة:

قالوا: هذا الإعذار متصوَّر في الأشاعرة المتقدِّمين ممن كان يثبت العلو، بخلاف المتأخرين ممن نحَوا إلى الاعتزال.

والجواب: أن هذا الكلام فيه حقّ، وهو أن متقدّمي الأشاعرة في الجملة خير من متأخريهم، ولكن هذا لا يعني كفر متأخري الأشاعرة، لسببين:

السبب الأول: أن أكثر الأشاعرة المتقدمين أثبتوا العلو والاستواء، مع نفيهم قيام الحوادث بالله تعالى. فصارت حقيقة قولهم هي نفي الاستواء.

وهذا مثل قولهم بأن القرآن كلام الله تعالى، ولكنهم يجعلونه كلامًا نفسيًّا، فآل قولهم إلى قول المعتزلة والقولِ بخلق القرآن، فعند الحِجاج والمناظرة يُحتج عليهم بذلك، ويقال لهم: حقيقة قولكم هو قول الجهمية نفاة العلو والقائلين بخلق القرآن، ولكن عند التكفير يفرَّق بين التكذيب الصريح والتأويل في ذلك.

السبب الثاني: أن ظهور هذه المسألة عند المتأخرين منهم كان أقل، ولذلك عذروا في التكفير. مع الاتفاق على كون نفيهم الاستواء بدعة منكرة.

الشبهة الرابعة:

قالوا: الإعذار استثناء، والأصل إجراء أوصاف التكفير على من قامت به أقوال الكفر وأفعاله؟

والجواب: أن هذا كلام باطل، بل الأصل أن المسلم الذي ثبت له عقد الإسلام بيقين بالشهادتين، أو الولادة لأبوين مسلمين أو أحدهما مسلم، لا يجوز تكفيره إلا بشرطين:

الأول: ثبوت قيام القول أو الفعل أو الاعتقاد المكفر.

الثاني: قيام الحجة الرسالية التي تنتفي بها الشبهات.

فإذا تحقق ذلك حكم بكفره. وما لم يتحق ذلك فالأصل بقاء عقد الإسلام وثبوته، ولا يخالف في هذا إلا أهل البدع من الخوارج والمعتزلة، وأشباههم ممن تأثر بهم من جماعات التوقف والتبين ونحوها.

الشبهة الخامسة:

قالوا: إننا إذا اتَّفقنا على كون نفي الصفات كفرًا من جهة النوع، فإن الخلاف في التعيين أمر سائغ، فلا وجه لاستنكار تكفير النووي وابن حجر وأمثالهما.

والجواب من وجهين:

الأول: أن الكفر من جهة النوع ليس محصورًا في نفي العلو أو القول بخلق القرآن كما يتوهّم البعض، بل الكفر هو خلاف ما جاء به الرسول، وكل البدع يمكن أن توصف بهذا؛ فتكفير الصحابة كما فعلت الخوارج واستحلال دمائهم تكذيب لفضائلهم الثابتة بالنصوص، ولحرمة دم المسلم، وبدعتا القدر والجبر هي كذلك.

وليس هذا مختصًّا بالمسائل العلمية، بل يشمل تحليل الحرام وتحريم الحلال من المسائل العملية، فيدخل في ذلك إباحة بعض المحرمات المنصوص على تحريمها، ولكن وقعت الشبهة للبعض في ذلك، كنكاح المتعة وربا الصرف وغيرها من المسائل المعروفة.

فهذا من جهة النوع ليس مختصًّا ببدعة معينة دون سواها كما يتصور البعض بأن هذا مختص ببدعة نفي العلو أو نفي الصفات، بل بدع الجبر والقدر والإرجاء والتشيع والخوارج كلها يشملها هذا الوصف؛ لأنها من جهة النوع تكذيبٌ للرسول.

ولكن يفرِّق العلماءُ بين المسألة المعلومة من الدين بالضرورة، فتكون مخالفةُ قائلها للرسول ظاهرةً قطعية؛ فيقولون بكفر صاحبها نوعًا وعينًا، والمسألة القطعية في النصوص، ولكنها ليست معلومة بالاضطرار، بحيث لا يُجْزم بتكذيب صاحبها للرسول؛ لوجود التأويل. فلا يُكَفِّرون عين القائل، ولكن يطلقون القول بكفر القائل.

الثاني: أنه ليس كل خلاف في تحقيق المناط في المعين سائغًا مقبولًا؛ فقد يكون تكفير المعين في زمن كثرة الشبهات وخفاء المسألة بدعة ضلالة.

ومن تأمل مسألة الصفات الاختيارية -أو التي يسمونها قيام الحوادث بالله تعالى- علم أنها من هذا الجنس الأخير، وأنه قد كثرت الشبهات حولها منذ عهد بعيد، حتى ظنها الكثير منهج أهل السنة والسلف.

ولذلك كان تكفير المعينين المبني على عدم اعتبار التأويل من البدع الضلالات المنكرة.

الشبهة السادسة:

قالوا: هذا معناه أنه لا يحكم بكفر معين قط.

والجواب: أن هذا لم يقله أحد، وقد كفَّر السلفُ الزنادقة الذين ظهرت زندقتهم، وأقيمت عليهم الحجة، وعوقب بعضهم بالقتل، كالجهم والجعد والحلاج وغيرهم من أئمة الكفر.

ولكن إنما كفروهم بعد أن خبروا أقوالهم، واطلعوا على حقيقة أقوالهم وأحوالهم، وتيقّنوا من إقامة الحجة عليهم.

الشبهة السابعة:

قالوا: ولكن أقل أحوال هؤلاء -وإن منعنا تكفيرهم- ألا يُثنى عليهم ولا يفخَّمون؟

والجواب: أن هذا يختلف باختلاف الحال والأشخاص، فمن عُرف بكثرة الصدق والصواب، وموافقة الكتاب والسنة، ومجانبة أهل البدع في أصولهم، وأخطأ في عدة مسائل، فإنه يردّ عليه في ذلك، دون الانتقاص من قدره، وفي مثل هؤلاء يقال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وكفى بالمرء نبلًا أن تعدَّ معايبه، ومن ذا الذي ما ساء قطّ؟!

وهذا بخلاف الداعين للبدع، المشتغلين بها، فإنهم لا يجوز وصفهم بأوصاف الإمامة ونحوها مما يلبِّس على عوام المسلمين، ويفتنهم في دينهم، وفي أمثال هؤلاء يقال: (من وقَّرَ صاحبَ بِدعةٍ فقد أعانَ علَى هَدمِ الإسلام)([28]).

ولا شك أن النووي وابن حجر من الصنف الأول، فقد كانت غالب جهودهما في الدعوة للسنة وشرحها، وخدمتها بما لم يفعله أحد بعدهما.

وهما لم يوافقا الأشاعرة في كل أصولهم، بل كثيرًا ما يردُّ النوويُّ وابنُ حجر عليهم في مسائل كثيرة في شروحهم، كمسألة: أول واجب، وإيمان المقلد، وحقيقة الإيمان وأنه قول وعمل. ولذلك أبى بعض أهل العلم أن يدخلهم في زمرة الأشاعرة، ورأوا أن الأصح والأدق أن يقال: إنهم وافقوا الأشاعرة في أشياء([29]).

وعلى أي حال، فإن الحكم على الأشخاص بمجرد الانتساب لطائفة مخالفة هو من سمة الغلاة والخوارج، بل لا بد من تحقيق حال الشخص المعين كما سبق بيانه.

الشبهة الثامنة:

قالوا: ولكن بعض غلاة الأشاعرة يكفِّرون السلفيين بتهمة التجسيم، فلماذا تدافعون عنهم؟!

والجواب: أن هذا ليس دفاعًا عن طائفة بعينها، ولكنه دفاع عن منهج السلف وقواعد العلم والأحكام الشرعية، فالتكفير حكم شرعي وحق لله تعالى، وليس من باب العقوبة بالمثل، فالخوارج كانوا يكفِّرون الصحابةَ، ومع ذلك لم يكفِّرهم الصحابةُ. فتكفير غلاة الأشاعرة للسلفيين أو لابن تيمية هو من الذنوب العظيمة التي يلقَون الله بها، وهذا من الغلو العظيم، ومما تغلّظ به بدعة قائله؛ فإنه لا شك أن الداعي للبدعة والمعاقب عليها والمكفر لتاركها أعظم ذنبًا ممن ليس كذلك.

ومع ذلك فليس هذا مقتضيًا للتكفير، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان يقول للقضاة من الأشاعرة الذين أفتوا بحبسه وقتله: “ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أن لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم ‌جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم”([30]).

وقال عن القاضي ابن مخلوف المالكي الذي تسبَّب له في المحنة المشهورة: “‌وابن ‌مخلوف لو عمل مهما عمل، والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوَّه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين”([31]).

والخلاصة: أن مردَّ بدعة تكفير أعيان العلماء -كالنووي وابن حجر وأمثالهما- هي إلى عدم اعتبار التأويل الذي لا يخالف المعلوم من الدين بالضرورة من موانع التكفير، وهذه المسألة بدعة ضلالة؛ لأنها من المجمع عليه، وأدلتها ظاهرة جدًّا، وإنكارها يؤدّي لتكفير عموم المسلمين، علمائهم وعوامهم، بل والصحابة الكرام رضي الله عنهم؛ فإنه ما من عالم إلا وأخطأ في مسألة أو مسائل، ولم يكن ذلك مستلزمًا للتكفير، كما سبق بيان ذلك بأدلته.

وختامًا:

فإن الأشاعرة وإن خالفوا أهل السنة والجماعة ووافقوا أهل البدع في بعض مسائل الصفات والإيمان والقدر وغيرها من المسائل، فإن ذلك لا يستلزم تكفيرهم باتِّفاق العلماء المعتبَرين، وبيان المسائل التي خالفوا فيها بعلم وعدل هو من جهاد البيان الذي أمر الله تعالى به. وأما التكفير للأعيان فهو مقام خطر، لا ينبغي الإقدام عليه، ولا الاقتراب منه.

فالحذر الحذر من الخوض في أعراض العلماء، وحملة مشاعل الإسلام.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الكافية الشافية (ص: 42).

([2]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (2/ 344).

([3]) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، للالكائي (2/ 352).

([4]) الرد على الجهمية والزنادقة (ص: 142-143).

([5]) بيان تلبيس الجهمية (2/ 170).

([6]) مجموع فتاوى ابن عثيمين (7/ 256).

([7]) مجموع الفتاوى (3/ 352).

([8]) مجموع الفتاوى (12/ 486).

([9]) بغية المرتاد (ص: 353).

([10]) العلل ومعرفة الرجال (1247).

([11]) ينظر: السنة، لعبد الله بن أحمد (80).

([12]) مجموع الفتاوى (7/ 508).

([13]) مجموع الفتاوى (12/ 488-489).

([14]) الموضع السابق.

([15]) السنة (90).

([16]) انظر: مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي (ص: 465). والآداب الشرعية، لابن مفلح (1/ 70).

([17]) انظر: مجموع الفتاوى (35/ 101).

([18]) درء التعارض (6/ 292).

([19]) التسعينية (ص: 256-257).

([20]) مجموع الفتاوى (8/ 230).

([21]) درء التعارض (2/ 102).

([22]) درء التعارض (2/ 102-103).

([23]) راجع: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، للدكتور عبد الرحمن المحمود (ص: 701-710).

([24]) من ذلك قوله في منزلة التوبة (ص: 14): “مُشَاهدَة العَبْد الحكم لم تدع لَهُ ‌اسْتِحْسَان ‌حَسَنَة وَلَا استقباح سَيِّئَة لصعوده من جَمِيع الْمعَانِي إِلَى معنى الحكم”. وهذا الكلام هو كلام غلاة الجبرية الذين يستبيحون الذنوب والمعاصي. وقد تأول له ابن القيم رحمه الله بأنه يقصد بذلك غلبة شهود القدر على مشهد الشرع، مع بقاء مشهد الشرع ثابتا في القلب. انظر: شفاء العليل (ص: 16).

([25]) منهاج السنة (5/ 239-240).

([26]) بيان تلبيس الجهمية (2/ 73).

([27]) مجموع الفتاوى (6/ 258).

([28]) رواه الطبراني في الأوسط مرفوعا (6772) ولا يصح. انظر: السلسلة الضعيفة (1862). وهو مشهور عن أئمة السلف كأبي إسحق الهمداني والفضيل بن عياض وغيرهما. انظر: الشريعة للآجري (5/ 2544).

([29]) انظر مثلا: منهج الأشاعرة في العقيدة، للدكتور سفر الحوالي (ص: 25-28).

([30]) الاستغاثة (ص: 353).

([31]) مجموع الفتاوى (3/ 271).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

هل يُمكن أن يغفرَ الله تعالى لأبي لهب؟

من المعلوم أن أهل السنة لا يشهَدون لمعيَّن بجنة ولا نار إلا مَن شهد له الوحي بذلك؛ لأن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ولكننا نقطع بأن من مات على التوحيد والإيمان فهو من أهل الجنة، ومن مات على الكفر والشرك فهو مخلَّد في النار لا يخرج منها أبدًا، وأدلة ذلك مشهورة […]

مآخذ الفقهاء في استحباب صيام يوم عرفة إذا وافق يوم السبت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فقد ثبت فضل صيام يوم عرفة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (‌صِيَامُ ‌يَوْمِ ‌عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)([1]). وهذا لغير الحاج. أما إذا وافق يومُ عرفة يومَ السبت: فاستحبابُ صيامه ثابتٌ أيضًا، وتقرير […]

لماذا يُمنَع من دُعاء الأولياء في قُبورهم ولو بغير اعتقاد الربوبية فيهم؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة هناك شبهة مشهورة تثار في الدفاع عن اعتقاد القبورية المستغيثين بغير الله تعالى وتبرير ما هم عليه، مضمونها: أنه ليس ثمة مانعٌ من دعاء الأولياء في قبورهم بغير قصد العبادة، وحقيقة ما يريدونه هو: أن الممنوع في مسألة الاستغاثة بالأنبياء والأولياء في قبورهم إنما يكون محصورًا بالإتيان بأقصى غاية […]

الحج بدون تصريح ..رؤية شرعية

لا يشكّ مسلم في مكانة الحج في نفوس المسلمين، وفي قداسة الأرض التي اختارها الله مكانا لمهبط الوحي، وأداء هذا الركن، وإعلان هذه الشعيرة، وما من قوم بقيت عندهم بقية من شريعة إلا وكان فيها تعظيم هذه الشعيرة، وتقديس ذياك المكان، فلم تزل دعوة أبينا إبراهيم تلحق بكل مولود، وتفتح كل باب: {رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ […]

المعاهدة بين المسلمين وخصومهم وبعض آثارها

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة باب السياسة الشرعية باب واسع، كثير المغاليق، قليل المفاتيح، لا يدخل منه إلا من فقُهت نفسه وشرفت وتسامت عن الانفعال وضيق الأفق، قوامه لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، والإنسان قد لا يخير فيه بين الخير والشر المحض، بل بين خير فيه دخن وشر فيه خير، والخير […]

إمعانُ النظر في مَزاعم مَن أنكَر انشقاقَ القَمر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن آية انشقاق القمر من الآيات التي أيد الله بها نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكانت من أعلام نبوّته، ودلائل صدقه، وقد دلّ عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية دلالة قاطعة، وأجمعت عليها […]

هل يَعبُد المسلمون الكعبةَ والحجَرَ الأسودَ؟

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وهدنا صراطه المستقيم. وبعد، تثار شبهة في المدارس التنصيريّة المعادية للإسلام، ويحاول المعلِّمون فيها إقناعَ أبناء المسلمين من طلابهم بها، وقد تلتبس بسبب إثارتها حقيقةُ الإسلام لدى من دخل فيه حديثًا([1]). يقول أصحاب هذه الشبهة: إن المسلمين باتجاههم للكعبة في الصلاة وطوافهم بها يعبُدُون الحجارة، وكذلك فإنهم يقبِّلون الحجرَ […]

التحقيق في نسبةِ ورقةٍ ملحقةٍ بمسألة الكنائس لابن تيمية متضمِّنة للتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآله

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ تحقيقَ المخطوطات من أهمّ مقاصد البحث العلميّ في العصر الحاضر، كما أنه من أدقِّ أبوابه وأخطرها؛ لما فيه من مسؤولية تجاه الحقيقة العلمية التي تحملها المخطوطة ذاتها، ومن حيث صحّة نسبتها إلى العالم الذي عُزيت إليه من جهة أخرى، ولذلك كانت مَهمة المحقّق متجهةً في الأساس إلى […]

دعوى مخالفة علم الأركيولوجيا للدين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: عِلم الأركيولوجيا أو علم الآثار هو: العلم الذي يبحث عن بقايا النشاط الإنساني القديم، ويُعنى بدراستها، أو هو: دراسة تاريخ البشرية من خلال دراسة البقايا المادية والثقافية والفنية للإنسان القديم، والتي تكوِّن بمجموعها صورةً كاملةً من الحياة اليومية التي عاشها ذلك الإنسان في زمانٍ ومكانٍ معيَّنين([1]). ولقد أمرنا […]

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017