الأربعاء - 11 شعبان 1445 هـ - 21 فبراير 2024 م

دعوى تلقي البردة بالقبول وانفراد علماء نجد بنقدها.. تحليل ونقاش

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

قصيدةُ البردة هي أحد أشهر القصائد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، كتبها محمد بن سعيد البوصيري في القرن السابع الهجري، وهي قصيدة عذبة رائقةُ البناء اللغوي والإيقاع الشعري، ولذلك استعذبها كثير من العلماء والأدباء والشعراء، إلا أنها تضمَّنت غلوًّا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبيات مآلها الشرك الصريح بالله عز وجل، ولذلك نبَّه العلماء والمصلحون بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الغلوّ الواقع في أبياتها من باب النصيحة لعموم المسلمين.

وقد شرح البردة عدد من المتأخِّرين، وغالوا فيها جدًّا حتى زعم بعض شرَّاح البردة أن لكل بيت من أبياتها فائدةً متعدّية؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون([1]).

ومن جملة غلوّ المتأخرين في تقديس البردة ما جاء في شرح البردة المُسمى (عصيدة الشهدة): “ثم اعلم أنه يلزم في قراءتها على الوجه المرضيّ شروط لتكون مؤثرة فيما قُرئت له، أولها: التوضّؤ، وثانيها: استقبال القبلة”([2]).

وأما الغلو الوارد في البردة الذي انتقده أهل العلم فيتمثل في جملةٍ من الاستغاثات بالنبي صلى الله عليه وسلم، والزعم بأن الدنيا وضرتها (الآخرة) مِن بعض جوده، من جنس قول النصارى في المسيح عليه السلام، ومساواته بمقام الألوهية، وبأن علم اللوح والقلم من بعض علومه، وغير ذلك من الأبيات التي ترفع رتبته صلى الله عليه وسلم إلى الحد المنهيّ عنه، وتُوقع صاحبها في الشرك بالله عز وجل([3]).

ومن أعظم الشُبه التي يوردها المخالفون تجاه البردة: زعمهم أن أول من نقدها وعابَها هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم أبناؤه وتلاميذه من النجديّين، وبعض علماء الإصلاح من بعدهم تقليدًا لهم، ثم يزعمون أن البردة مُتلقّاة بالقبول لدى المتأخّرين، وتعدّدت شروحاتها من الأئمة الأعلام كابن هشام الأنصاري والقسطلاني وابن حجر الهيتمي والبيجوري وغيرهم، ويجعلون ذلك حجة شرعية على قبول ما فيها.

وفيما يلي مناقشة كلِّ دعوى في مطلب مستقلّ، والرد على شبهة أن من ينكر أبيات الغلو في البردة يكفِّر العلماء الذين شرحوها أو أقروا بما فيها، وشبهة أن من ينتقد تلك الأبيات ليس عنده ذائقة لغوية أدبية:

أولًا: مناقشة دعوى أن أول من انتقد البردة هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

القول بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو أول من تعرَّض للبردة بالنقد قصور في البحث العلمي، بل سبقه إمام من أئمة المسلمين لا غبار على علمه وفضله، ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية. وسوف نورد نقد ابن تيمية لها، ثم نعقبه ببعض العلماء غير النجديّين ممن تناولوها بالنقد.

1- نقد شيخ الإسلام ابن تيمية:

لم تأخذ البردة شهرتها الكافية في عصر ابن تيمية، إذ إن البوصيري توفي في حياة شيخ الإسلام، وأخذت شهرتها بعد ذلك. وقد عقد شيخ الإسلام في كتابه (الاستغاثة) فصلًا كاملًا عن الغلاة في مقام النبي صلى الله عليه وسلم من طائفة البكري، وذكر غلاة معاصريه دون أن يُسمّيهم، ومن بينهم صاحب (البردة).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: “وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص أنه كان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «خمس لا يعلمها إلا الله: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34]»، وأظنه ذكر عنه أنه قال: (علمها بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله). وآخر من جنسه يُباشر التدريس ويُنسب إليه الفتيا كان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله، وأن السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع. وكان شيخ آخر معظّم عند أتباعه يدّعي هذه المنزلة ويقول: إنه المهدي الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يزوج عيسى بابنته، وأن نواصي الملوك والأولياء بيده، يولي من يشاء ويعزل من يشاء، وأن الرب يناجيه دائمًا، وأنه هو الذي يمد حملة العرش وحيتان البحر، وقد عزرته تعزيرًا بليغًا في يوم مشهود بحضرة من أهل المسجد الجامع يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس، وانكسر بسببه أشباهُه من الدجاجلة. من هؤلاء من يقول في قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8، 9]: إن الرسول هو الذي يُسبَّح بكرة وأصيلًا. ومنهم من يقول: أسقِطِ الربوبية وقل في الرسول ما شئت:

دع ما ادعَتْهُ النصارى في نبيهم *** واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم

فإن فضلَ رسول الله ليس له *** حدٌّ فيعربُ عنه ناطقٌ بفم

وانسبْ إلى ذاته ما شئت من شرف *** وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

لو ناسبت قدره آياته عِظَمًا *** أحيا اسمُه حين يُدعى دارسَ الرمم”

انتهى كلام شيخ الإسلام([4]).

ووجه الملحظ والنكتة هاهنا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وضع أبيات البوصيري في معرض كلامه عن غلاة المبتدعة.

وكان من أجوبة بعض المعاصرين لما وقف على كلام ابن تيمية السابق: أن ابن تيمية انتقد هذه الأبيات فقط، ولم ينتقد الأبيات الأخرى التي انتقدتها النجدية. وهذا الاعتراض من أعجب الاعتراضات، فإن ابن تيمية نقد أخف الأبيات التي انتقدها النجدية، وجعل صاحبها من الغلاة بسببها، فكيف بغيرها من الأبيات التي تحتوي على استغاثات وادعاء علم الغيب، ومساواة مقام النبوة بالألوهية؟! وأما الأبيات الأخرى التي تحتوي على استغاثة فقد انتقد ابن تيمية جنسها عند الصرصري وغيره، فليس بحاجة أن يُعيد كلامه مرة أخرى.

ثم يُقال: إن البوصيري توفي سنة 696هـ، أي: في حياة ابن تيمية، ولم تكن البردة قد اشتهرت بنفس سياق شهرتها المعروفة في المتأخرين من إسباغ الحالة الطقوسية عليها، ولا إنشادها للتبرك، ولا أخذت حيزًا كبيرًا تعمّ به البلوى بحيث يُبرر إفرادها بالكلام المُفصَّل، وإنما يُعرف تقرير ابن تيمية بالقياس على منهجه وأصوله.

ونقدَ البردة أيضًا علماء لا ينتسبون للدعوة النجدية، منهم:

2- محمد بن علي الشوكاني:

قال رحمه الله: “فانظر -رحمك الله تعالى- ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهي عنه المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما يقوله صاحب البردة رحمه الله:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم

فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا باب واسع، قد تلاعب الشيطان بجماعة من أهل الإسلام حتى ترقوا إلى خطاب غير الأنبياء بمثل هذا الخطاب، ودخلوا من الشرك في أبواب بكثير من الأسباب. ومن ذلك قول من يقول مخاطبًا لابن عجيل:

هات لي منك يا ابن موسى إغاثة *** عاجلًا في سيرها حثاثة

فهذا محض الاستغاثه التي لا تصلح لغير الله، لميت من الأموات قد صار تحت أطباق الثرى من مئات السنين. وقد وقع في البردة والهمزية شيء كثير من هذا الجنس، ووقع أيضًا لمن تصدى لمدح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولمدح الصالحين والأئمة الهادين ما لا يأتي عليه الحصر، ولا يتعلق بالاستكثار منه فائدةٌ، فليس المراد إلا التنبيه والتحذير لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”([5]).

3- إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله الدهلوي الحنفي:

أشار الدهلوي إلى غلو قصائد المديح عند المتأخرين بشكلٍ عام، وما تتضمنه من نسبة علم الغيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يذكر قصيدة البردة باسمها، ولكن اللبيب تكفيه الإشارة.

فبعد أن ذكر الدهلوي حديث الجارية التي قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها: «دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين»، قال تعليقًا: “وقد دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يعتقد الإنسان في نبي أو ولي وإمام أو شهيد أنه يعلم الغيب، حتى لا يصح هذا الاعتقاد في حضرة الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه، ولا يصح أن يمدح بذلك في شعر أو كلام أو خطبة، أما ما اعتاده الشعراء من المبالغة والإسراف في مدح الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أو غيره من الأنبياء والأولياء والصلحاء والمشايخ أو الأساتذة، فتخطوا في ذلك حدود الشرع، ونعتوهم في بعض الأحيان بما يليق بالله تعالى، فإذا عورضوا قالوا: إن الشعر جماله المبالغة، وكل شعر تجرد عن المبالغة فهو بالنشر أشبه منه بالشعر، ولكن لا يصح هذا الاعتذار، فإن النبي صلى اللَّه عليه وسلم نهى جواري الأنصار عن أن ينشدن شعرا نسب إليه في علم الغيب، فما ظنك بعاقل يقول مثل هذا الشعر أو يستحسنه؟! أخرج البخاري عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: «من أخبرك أن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم يعلم الخمس التي قال اللَّه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} فقد أعظم الفرية». وهذه الخمس هي التي ذكرها اللَّه في آخر سورة لقمان، فقال: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: ٣٤]. وأخرج البخاري عن أم العلاء قالت: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «والله، لا أدري وأنا رسول اللَّه ما يُفعل بي ولا بكم»([6]).

4- محمود شكري الآلوسي الحنفي:

قال رحمه الله: “وأما ما انتقده أهل العلم والدين على كلام البوصيري فكثير جدًّا، من ذلك قوله:

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم…

ومن ذلك قول البوصيري أيضًا في قصيدته البردة في شأن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم:

لو ناسبت قدره آياته عظمًا *** أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم”.

ثم قال بعدما نقل كلام الشراح: “ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو، فإن من جملة آياته صلى الله عليه وسلم القرآن العظيم الشأن، وهو الكتاب الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، وهو الكتاب الذي أنزله نورًا وجعله مهيمنًا على كل كتاب، وهو الكتاب الذي أنزله وفضله على كل حديث قصه، وجعله فرقانًا فرق به بين الحلال والحرام، وقرآنًا أعرب به عن شرائع الأحكام، وكتابًا فصله لعباده تفصيلًا، ووحيًا أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم تنزيلًا، وجعله نورًا يهتدى به من ظلم الضلالة والجهالة باتباعه، وشفاء لمن أنصت بفهم التصديق إلى استماعه، وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدى لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أم قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته، وكيف يحل لمسلم أن يقول: إن القرآن لا يناسب قدر النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو منحط عن قدره؟! وهو كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود”.

ثم نقل عن كتاب “غرائب الاغتراب” أن مما جرى البحث عنه بيت البوصيري هذا، وهو مشكل وأمر معضل، فإن مقتضى (لو) وكون القرآن داخلًا في آياته صلى الله عليه وسلم أن لا يكون القرآن العظيم مناسبًا قدره -عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم-، وذلك مما لا يكاد يقال، لما أن القرآن كلام الملك المتعال.

إلى أن قال: “وأنا أقول الآن مستعينًا بالملك المنان: قد ظفرت بنحو ما ذكرته في مختصر شرح المرزوقي للقصيدة، ونصه -بعد كلام في هذا البيت-: قال الشارح: لم يزل الناس يعترضون هذا البيت لاقتضائه أن ليس فيما أعطيه صلى الله عليه وسلم من الآيات ما يناسب قدره، لأن (لو) حرف امتناع لامتناع، أي: امتنعت الخاصة المذكورة لامتناع أن يناسب قدره العظيم شيء من آياته صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل؛ فإن من آياته القرآن العظيم، وهو كلام الله تعالى، والكلام صفة، وشرف الصفة بشرف الموصوف”([7]).

ويُستفاد من كلام الآلوسي أن صاحب “غرائب الاغتراب” -وهو الآلوسي الكبير صاحب تفسير (روح المعاني)- استشكل أيضًا أبياتًا من البردة، ونقل عن شرح المرزوقي اتفاق الناس على الاعتراض على هذا البيت بقوله: (لم يزل الناس يعترضون على هذا البيت).

5- الشيخ عبد الله الغماري الصوفي الأشعري:

والشيخ عبد الله من أعمدة مشايخ الصوفية المتأخرين، وهو أحد المراجع التي لا يُستهان بها، وهو شيخ الدكتور علي جمعة وغيره من المعاصرين.

قال الشيخ عبد الله الغماري:

“فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلمِ

وفي هذا مُبالغة لا دليل لها، ويظهر أن الناظم استند في الشطر الأول من البيت إلى حديث جابر: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» وهو حديث طويل جاء فيه: أن الله خلق من نوره صلى الله عليه وسلم العرش والكرسي والملائكة وجميع المخلوقات، وقد ذكره بطوله ابن العربي الحاتمي في كتاب (تلقيح الأذهان ومفتاح معرفة الإنسان) والدياربكري في (تاريخ الخميس من تاريخ أنفس نفيس) في السيرة. وقال السيوطي في الحاوي: إنه غير ثابت. وهو تساهل قبيح، بل الحديث ظاهر الوضع واضح النكارة، وفيه نفس صوفي حيث يذكر مقام الهيبة ومقام الخشية، إلى آخر مصطلحات الصوفية. والعجيب أن السيوطي عزاه إلى عبد الرزاق مع أنه لا يوجد في مُصنفه، ولا تفسيره، ولا جامعه. وأعجب من هذا أن بعض الشناقطة صدَّق هذا العزو المخطئ، فركَّب له إسنادًا من عبد الرزاق إلى جابر! ويعلم الله أن هذا كله لا أصل له… -إلى أن قال:- والشطر الثاني من البيت لعل الناظم استند فيه إلى حديث اختصام الملأ الأعلى الذي رواه أحمد.. لكنه لا يُفيد ما ادعاه الناظم من أن علم اللوح والقلم من بعض علوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففي هذه الدعوى مبالغة ليس عليها دليل. وقد أصلحت هذا البيت بقولي:

فإن جودك في الدنيا وضرتها *** وفي كتابك علم اللوح والقلم

والمقصود أن الغلو في المدح مذموم لقوله تعالى: {لا تغلوا في دينكم} [النساء: 171]، وأيضًا فإن مادح النبي صلى الله عليه وسلم بأمرٍ لم يثبت عنه يكون كاذبًا عليه، فيدخل في وعيد: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، وليست الفضائل النبوية مما يُتساهل فيها برواية الضعيف ونحوه لتعلقها بصاحب الشريعة”([8]).

 وقال: “ويقولون أيضًا: كان جبريل خادمًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه قلة أدب في حقّ رسولٍ عظيم، قد فضَّله بعض العلماء على النبي صلى الله عليه وسلم، والواجب أن يكون كلام المسلم عن الأنبياء والملائكة في غاية الاحترام، ولا يأتي بكلمة فيها جفوة أو نقص، مثل هذه الكلمة، ومثل قول صاحب البردة:

وقدمتك جميع الأنبياء بها *** والرسل تقديم مخدوم على خدمِ

وهذا قبيح، والأنبياء إخوة، ليس فيهم خادم ومخدوم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الأنبياء إخوة لعلّات؛ أمهاتهم شتَّى ودينهم واحد». ولما عرج إلى السماء كان كل نبي لقيه في السموات يُجيبه بقوله: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح. وقد أصلحت هذا البيت بقولي:

وقدمتك جميع الأنبياء بها *** وأكرموك لفضلٍ فيك من قدمِ”([9]).

ثانيًا: مناقشة دعوى تلقي البردة بالقبول في المتأخرين:

رغم ما أوردناه من نقد علماء غير نجديين، ونقد شيوخ من الصوفية لبعض أبيات البردة وتقريرهم أن بها غلوًّا، يبقى استشكال عند المعارض وهو أن كل هؤلاء من المتأخرين جدًّا بعد القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجري، أي: بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فاحتمال التأثر بدعوته وارد.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل هناك عالم تعقَّب البردة قبل القرون الحديثة؟ أليس هذا معناه تلقيها بالقبول في زمن الفحول؟!

ولعل هذه أعظم حجة للمخالفين يستدلون بها؛ إذ لا يستدلون بأدلة شرعية في الباب، بل يكتفون بالتهويل والاستشكالات: كيف يكون علماء نجد قد وُفِّقوا إلى الصواب وكافة العلماء المتأخرين قد حُرموا من هذا الصواب؟!

والجواب عن ذلك من وجوه:

الوجه الأول: أننا قد قدَّمنا نقد شيخ الإسلام ابن تيمية لأبيات البردة، وقد جعل البوصيري من جملة غلاة المتصوّفة من جنس طائفة البكري، ومعلوم أن ابن تيمية يسبق هؤلاء جميعًا، وأعلم منهم جميعًا.

ومعلوم أنه كان لابن تيمية أصحاب فحول وافقوه على موقفه من طائفة البكري في كتابه (الاستغاثة) الذي تكلم فيه عن طائفة البكري وصاحب (البردة)، وممن وافقوه: ابن عبد الهادي وابن القيم وابن كثير، وإذا ثبت النقض من عالم مجتهد واحد، فلا إجماع على تلقيها بالقبول، فكيف بهؤلاء مجتمعين؟!

يقول الحافظ ابن كثير متحدثًا عن البكري الذي ردّ عليه ابن تيمية في كتابه (الاستغاثة): “له رد على الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مسألة الاستغاثة بالمخلوقين، أضحك فيها على نفسه العقلاء، وشمت به فيها الأعداء؛ لأن مثله مثل ساقية صغيرة كدرة الماء لاطمَت بحرا عظيمًا صافي الماء قد مُلِئ درًّا وجوهرًا وحكمةً وعِلما، أو كرملة صغيرة أرادت زوال جبل شامخ عن محله حطما… -إلى أن قال:- والمقصود أن الشيخ -يعني ابن تيمية- رد على البكري ونقَض قوله نقضا أجاد فيه وأفاد، وبين ما فيه من حقّ وباطل في مجلدة كبيرة، أبطل فيها أنواع الشرك الاعتقادي والعملي وما يتفرع منهما بالأدلة والبراهين القاطعة المقبولة التي تسرّ قلوب أهل السنة، وتقرّ أعينهم عند سماعها، وتسود وجوه أهل الأهواء والبدع ويرهقها قتر وذلة، فرحم الله من قبِل الحقّ ونصره، وردّ الباطل وخذله وأهله”([10]).

الوجه الثاني: كون المتأخرين تلقوها بالقبول أو لم يتلقوها بالقبول لا يضر البحث العلمي في شيء، فلقد تلقى المتأخرون بعض العقائد المخالفة للسلف بالقبول، مثل: أول واجب على المُكلف النظر، وتأويل الصفات أو تفويضها، والإرجاء وإخراج العمل من الإيمان، ونفي علو الذات، وتعظيم علم المنطق وجعله علمًا شريفًا، وغيرها من آراء المتكلمين التي اتفق السلف وأتباعهم من أهل الحديث على ذمها.

بل وجرى عُرف المتأخرين على تقرير مسائل الربوبية دون الألوهية، ووقع من أكابرهم استغاثات بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف من تعقبهم في ذلك أو أنكر عليهم بشكلٍ صريح غير شيخ الإسلام ابن تيمية.

ولم يكن موافقة الخلوف لتلك الآراء حجة في نفسه، بل كان ولا يزال البحث العلمي المُتجرِّد منوطًا بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف، وقواعد أهل العلم المقررة، ولم يدعِّ أحدٌ من العلماء أن الحق في تقليد الرجال.

الوجه الثالث: قد توارد العلماء فيما بعد القرن العاشر الهجري إلى زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الثناء على ابن عربي الطائي وتلقيبه بالشيخ الأكبر، حتى لا تكاد تجد عالمًا إلا وهو يعظّمه ويتأوّل أقواله الكفرية، على استقامة كثيرٍ منهم في الفقه والحديث والأصول؛ كالعلامة المناوي وابن حجر الهيتمي والسيوطي والسرهندي والكوراني والدهلوي والعياشي وغيرهم.

 مع أن علماء القرن العاشر والقرون التي تلته قد خالفوا سابقيهم كالعز بن عبد السلام والبلقيني وابن تيمية وابن حجر العسقلاني ممن كفَّروا ابن عربي.

والشاهد: أن مجرد توارد العلماء في بعض القرون على أمرٍ معين لا يعني أنه حق بالضرورة، بل إننا نقول بأن تنبُّه الشيخ محمد بن عبد الوهاب لهذا الملحظ، ثم انتباه كثير من العلماء الفحول كالشوكاني والآلوسي من بعده بسبب تنبيهه: فإنما يدلُّ على حذقه ونباهته واستحقاقه للإصلاح والتجديد رحمه الله، فهي منقبة له، لا شبهة عليه.

ثالثا: شبهة أن انتقاد البردة يستلزم تكفير شراحها، وأنهم لا يفهمون التوحيد:

من المغالطات المنطقية التي يُلبس بها الخصوم: التلازم بين نقد أبيات البردة وبين الحكم على شراحها بالشرك والكفر، ولا تلازم عند التحقيق، بل هي ثنائية مزيفة، وذلك لوجوه:

الوجه الأول:

 قد سبق أن ذكرنا أن علماء القرون المتأخرة (ما بعد القرن العاشر والحادي عشر الهجري) تأولوا كلام ابن عربي وتكلفوا له، وهو أشد من كلام صاحب البردة، ومع ذلك لم يستلزم ذلك تكفيرهم، وفي نفس الوقت لم يصح تصويبهم في ذلك.

 الوجه الثاني:

الشارح قد يشرح البردة لما فيها من نواحٍ أدبية وعذوبة لغوية؛ فيقبلها -في الجملة- مع التأويل المُتكلف لأبياتها مع عدم اعتقاد ظاهرها، ويذهل عن لوازم بعض أبياتها؛ لعدم وقوفه على من يُنبِّه عليها، والعالم قد يعتريه الغفلة عن بعض الأقوال، فيقول قولًا في سياقٍ معين، هو نفسه يقرر خلافه في كتبه الشرعية الأخرى. مثلما قرر بعض شراح البردة أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب دقيقه وجليله، وأن جميع ما في اللوح من بعض علومه -كذا-، مع كون الحافظ ابن حجر قد نقل الإجماع على أن النبي لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه([11]).

ويقرر ابن القيم أن العالم يعتريه الغفلة والسهو، وقد يتابع المتكلمين في بعض كلامهم إحسانًا بالظن فيهم، ولا يدرك لوازم أقوالهم، فلا يجوز الاحتجاج به في هذه الحالة، فيقول رحمه الله:

لكن عرته غفلة بلزومها *** إذ كان ذا سهو وذا نسيان

ولذاك لم يكُ لازمًا لمذاهب *** العلماء مذهبهم بلا برهان

فالمقدمون على حكاية *** مذهبهم أولو جهل مع العدوان

ذاك لا فرق بين ظهوره وخفائه *** قد يذهلون عن اللزوم الداني

الوجه الثالث:

استدلال الخصم بمجرد تقليد الرجال أو بأن تخطئتهم يلزم منه أنهم اقترفوا كفرًا أو حرامًا مغالطةٌ منطقية ومصادرة على المطلوب، وليست من الطرق العلمية في شيء، وتُنافي قواعد علم الجدل؛ إذ النقاش يكون عن الأفكار لا الحكم على الرجال.

ففي مسائل إسحاق بن منصور الكوسج: أخبرني أبو وهب أن ابن المبارك قال: حاجَّني أهل الكوفة في المُسكر فقلت لهم: إنه حرام، فأنكروا ذلك عليَّ وسموا من التابعين رجالًا مثل إبراهيم ونظرائه، فقالوا: ألقوا الله عز وجل وهم يشربون الحرام؟! فقلت لهم ردًّا عليهم: لا تسمّوا الرجال عند الحِجاج، فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاووس ونظرائهم من أهل الحجاز؟ فقالوا: خيار، فقلت: فما تقولون في الدرهم بالدرهمين؟ فقالوا: حرام، فقلت لهم: أيلقون الله عز وجل وهم يأكلون الحرام؟! دَعُوا عند الحِجاج تسميةَ الرجال”([12]).

الوجه الرابع:

النجديون لا يُكفّرون شراح البردة، بل يتأولون لهم ويترحمون عليهم، مصداقًا لقول ابن تيمية: “أهل السنة أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق”([13]).

ويرد العلامة أبا بطين على فرية ابن جرجيس في زعمه أن النجديين يُكفِّرون شراح البردة: “أما قول المعترض: لو أن عبارات العلماء مثل البيضاوي والقسطلاني وغيرهما تجدي لديكم شيئًا لذكرناه لكم، ولكنها تُمحى بلفظة واحدة وهي: أنهم كفار! انتهى…

 قال أبا بطين تعليقًا: “وأما افتراؤه علينا أننا نكفِّر علماء المسلمين فهو قد اجترأ على الكذب على الله وعلى رسوله، وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: ١٠٥]. ونحن ندعو للمسلمين عمومًا ولعلمائهم خصوصًا فنقول: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: ١٠]، ومع ذلك نقول كما أوصونا به: كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهم زلات، وفي الحديث المشهور: «اتقوا زلة العالم»، فإذا تبين لنا زلة أحد منهم لم نتابعه عليها وندعو له، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أخشى أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!)، وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣]! أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك). وليعلم أننا لم نجترئ على تكفير من وجدنا في كلامه ألفاظًا شركية كصاحب البردة وأمثاله، وهذه زلات عظيمة ربما لو نُبهوا عليها لتنبَّهوا، ولا نسُب الأموات وقد أفضوا إلى ما قدموا، ونسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب”([14]).

رابعا: شبهة أن من ينتقد البردة لا يفهم أساليب اللغة العربية:

من التُّهم غير الموضوعية التي تُذكر في هذا السياق أن من ينتقد البردة هم قومٌ رعاع ما فقهوا اللغة العربية وأساليبها، وهذه الطريقة ليست من الطرق العلمية، فهي مجرد تسفيه للمخالف دونما رد بالأدلة العلمية. وشبهته في ذلك أن أبيات البردة لها تخريج لغوي غير ظواهرها المتبادرة إلى الأذهان.

وإذا طالبتهم بالدليل قيل لك: هل يُمكن لهؤلاء الشراح ألا يفهموا الشرك ثم يفهمه قومٌ من نجد؟! فيهرع المخالف للاستدلال بالرجال مرة أخرى ويدور في حلقةٍ مفرغة.

 ويُرد على هذه الشبهة من وجوه:

أولًا: من حق الكلام أن يُحمل على ظاهره إلا بقرينة قوية تحيله عن ظاهره، على هذا اتفق أرباب اللغة والمنطق والعقل، وإلا آلَ كلام بني آدم كله إلى السفسطة وما ثبتت حقيقة قط!

قال برهان الدين البقاعي: “ولا يقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول: أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره، ولا نؤوّل له كلامه، ولا كرامة. ولقد أحسن بعض من عاصرناه من العلماء العارفين وهو الشيخ الإمام العلامة علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي حيث سئل عن شيء من هذا، فقال: (إنما نؤوّل كلام من ثبتت عصمته حتى نجمع بين كلاميه؛ لعدم جواز الخطأ عليه، وأما من لم تثبت عصمته فجائز عليه الخطأ والمعصية والكفر، فنؤاخذه بظاهر كلامه، ولا يقبل منه ما أول كلامه عليه مما لا يحتمله، أو مما يخالف الظاهر، وهذا هو الحق). وكذا قال في عدم التأويل لغير المعصوم الإمام نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي، وقد حقق هذه المسألة حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في أول الإحياء في كتاب العلم بما حاصله: أن الكلام إن كان ظاهرا في الكفر بالاتحاد فقتل واحد ممن يقول به أفضل من إحياء عشرة أنفس، وإن كان فهمه مشكلا فلا يحل ذكره. وقال: إن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام بنقل عن صاحب الشرع، وبغير ضرورة تدعو إلى ذلك من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ”([15]).

ثانيًا: لا يجوز الإيهام عند الكلام عن الله ورسوله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وُقُولُوا انظُرنَا}؛ وذلك لأن لفظة (راعنا) لفظة موهمة تُفهم من وجهين، فلأجل الحفاظ على جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم منع الله عز وجل من هذه الكلمة أن تُستخدم في حقه، ويتأكد الاحتراز والبيان في الكلام عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم حفاظًا على عقائد العامة من تلك الظواهر، لا أن يُلقي كلامًا على عواهنه ظاهره الشرك والغلو، ثم يُقال: هذا أسلوب بليغ! أو له تأويلات لا يفهمها إلا الضليع في اللغة! ثم إننا لو سلَّمنا جدلًا أنكم بحور اللغة وأربابها، فماذا عن العامة الذين يأخذون الكلام على ظاهره؟!

لذلك نهى النبي صلى الله عن قول الجارية: وفينا نبيّ يعلم ما في غد، وقال لها: «لا تقولي هذا، وارجعي إلى ما كنتِ تقولين»([16]).

مع أنه قد يكون لكلام الجارية محمل صحيح، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قد يُطلعه الله على بعض الغيبيات، لكن لما كان ذلك قد يكون ذريعة إلى الفهم المغلوط، وإلى اختلاط مقام النبي عليه الصلاة والسلام بما يختصّ به الله تعالى؛ نهى عنه لسد هذا الباب؛ حماية لجناب التوحيد، وحسما لمادة الشرك.

ومن باب نهيه على الألفاظ الموهمة أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضِّئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي، فتاتي، غلامي»([17]).

ثم إن الذي يدلك على وهاء تلك الدعوى أن الشيخ محمد الحسن ولد الددو -وفقه الله- في تأويل قول البوصيري (ومن علومك علم اللوح والقلم) قال: “هذا الخطاب لا يُخاطب به رسول الله، ولكن يُخاطب به الله سبحانه، ولكن تداخُل الضمائر يقع في اللغة، وهو معروفٌ في اللغة العربية، مثل قول الله تعالى: {إِنَّا أَرسَلنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلا}، (تسبّحوه) أي: تسبحوا الله، وليس معناه أن تسبحوا الرسول الذي كان الخطابُ له، وكانت الضمائر عائدةً إليه، وتداخل الضمائر كثير في لغة العرب، مثل قول الله سبحانه: {… لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}… -إلى أن قال:- ومن كان من أهل الفهم وبمعرفة اللغة لا يضيقُ ذرعًا بمثل هذا النوع، ويحمله على أحسن المحامل”([18]).

وهذا الذي قاله الشيخ الددو – مُعرِّضًا بمن فهموا البيت على ظاهره بنوع من القصور- ليس هو فهم شُرَّاح البردة، بل شراح البردة فهموا نفس فهم النجدية؛ من أن الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس إلى الله، ثم تكلَّفوا لها تأويلات، منها أن الله عز وجل أطلع نبيه على الغيب قبل موته، ونحو ذلك.

والحاصل أن دعوى الضعف اللغوي لا تستقيمُ على قدم، ويصعب وصم أمثال محمود شكري الآلوسي بالقصور في فهم أساليب العرب وهو من هو علم في اللغة معرفة وتضلعا، وكذلك العلامة محمد بن علي الشوكاني وهو مجتهد اليمن وصاحب (إرشاد الفحول إلى علم الأصول)، والشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه، ومنهم أئمة كبار انتهت إليهم رياسة المذهب مثل أبا بطين في نجد، وعبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حيث تولى كرسي الحنابلة في الجامع الأزهر. وقبل هؤلاء جميعًا شيخ الإسلام ابن تيمية، ومعلوم تبحره في علوم اللغة، ويقول عنه الذهبي مادحًا تبحره في اللغة العربية:

وإن يخض نحو سيبويه يَفه *** بكل معنى في الفن مخترعِ([19])

وإن كان قد أنصف الشيخ الددو حينما قال: “لا إشكال لو قلنا: أخطأ البوصيري أو أخطأ غيره، وهذا أمرٌ عادي ليس معصومًا، وكل بني آدم خطَّاء”([20]).

وهذا هو ما نرجوه ونؤمله من المخالفين، فليست البردة قرآنًا أو نصًّا نبويًّا حتى يوالى ويعادى عليها، ويوصم منتقدها بعدم الفهم والضعف، بل هي كلامٌ بشري قابل للنقد والفحص.

وصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) مقدمة محقق ديوان البوصيري (ص: 29).

([2]) عصيدة الشهدة شرح البردة (ص: 40).

([3]) وإن كانت بعض الأبيات لها تأويل ذكره بعض الشراح، مثل قوله: (يا أكرم الخلق من لي ألوذ به) في أن الخطاب عن يوم القيامة يوم يهرع الناس إلى الأنبياء، ويقول كل نبيٍّ: نفسي نفسي، ثم يشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إن سلِم لهم التأويل في بيتٍ فلن يسلم لهم في بقية الأبيات الصريحة، ويبقى الإيهام في الخطاب منهيًّا عنه، والنصوص النبوية الناهية عن الإيهام في الخطاب كثيرة، كما سيأتي.

([4]) الاستغاثة والرد على البكري (ص: 207-209).

([5]) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد (ص: 59-60).

([6]) رسالة تقوية الإيمان (ص: 108-109).

([7]) غاية الأماني في الرد على النبهاني (2/ 424-425).

([8]) ملحق البردة (ص: 7).

([9]) ملحق قصيدة البردة (ص: 10).

([10]) تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 50-52).

([11]) نقل ابن حجر في فتح الباري (13/ 308) عن الداودي: “وما أحد يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من الغيب إلا ما علم”. وقال ابن حجر: “فأَعلمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وهو مطابق لقوله تعالى: {فَلَا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ} الآية، وقد اختلف في المراد بالغيب فيها، فقيل: هو على عمومه، وقيل: ما يتعلق بالوحي خاصة، وقيل: ما يتعلق بعلم الساعة وهو ضعيف؛ لما تقدم في تفسير لقمان أن علم الساعة مما استأثر بعلمه”.

([12]) مسائل أحمد وإسحاق، الكوسج إسحاق بن منصور (3537) (ص: 4846).

([13]) منهاج السنة النبوية (ص: 39).

([14]) نقد البردة (ص: 46-47).

([15]) تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي (ص: 66-67).

([16]) رواه البخاري (4001).

([17]) رواه البخاري (2552).

([18]) من لقاءٍ له على قناته الخاصة على (اليوتيوب). بعنوان: هل تشتمل قصيدة البردة في مدحه صلى الله عليه وسلم على أمور مناقضة للتوحيد؟

([19]) انظر: الشهادة الزكية، مرعي الكرمي (ص: 43).

([20]) من اللقاء السابق للشيخ الددو -وفقه الله-.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

دعاوى المابعدية ومُتكلِّمة التيميَّة ..حول التراث التيمي وشروح المعاصرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: في السنوات الأخيرة الماضية وإزاء الانفتاح الحاصل على منصات التواصل الاجتماعي والتلاقح الفكري بين المدارس أُفرِز ما يُمكن أن نسمِّيه حراكًا معرفيًّا يقوم على التنقيح وعدم الجمود والتقليد، أبان هذا الحراك عن جانبه الإيجابي من نهضة علمية ونموّ معرفي أدى إلى انشغال الشباب بالعلوم الشرعية والتأصيل المدرسي وعلوم […]

وثيقة تراثية في خبر محنة ابن تيمية (تتضمَّن إبطالَ ابنِ تيمية لحكمِ ابن مخلوف بحبسه)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على من بُعث رحمةً للعالمين، وبعد: هذا تحقيقٌ لنصٍّ وردت فيه الأجوبة التي أجاب بها شيخ الإسلام ابن تيمية على الحكم القضائيّ بالحبس الذي أصدره قاضي القضاة بالديار المصرية في العهد المملوكي زين الدين ابن مخلوف المالكي. والشيخ كان قد أشار إلى هذه […]

ترجمة الشيخ المسند إعزاز الحق ابن الشيخ مظهر الحق(1)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة اسمه ونسبه: هو الشيخ إعزاز الحق ابن الشيخ مظهر الحق بن سفر علي بن أكبر علي المكي. ويعُرف بمولوي إعزاز الحق. مولده ونشأته: ولد رحمه الله في عام 1365هـ في قرية (ميرانغلوا)، من إقليم أراكان غرب بورما. وقد نشأ يتيمًا، فقد توفي والده وهو في الخامسة من عمره، فنشأ […]

عرض وتعريف بكتاب: “قاعدة إلزام المخالف بنظير ما فرّ منه أو أشد.. دراسة عقدية”

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المعلومات الفنية للكتاب: عنوان الكتاب: (قاعدة إلزام المخالف بنظير ما فرّ منه أو أشد.. دراسة عقدية). اسـم المؤلف: الدكتور سلطان بن علي الفيفي. الطبعة: الأولى. سنة الطبع: 1445هـ- 2024م. عدد الصفحات: (503) صفحة، في مجلد واحد. الناشر: مسك للنشر والتوزيع – الأردن. أصل الكتاب: رسالة علمية تقدَّم بها المؤلف […]

دفع الإشكال عن حديث: «وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة من أصول أهل السنّة التي يذكرونها في عقائدهم: السمعُ والطاعة لولاة أمور المسلمين، وعدم الخروج عليهم بفسقهم أو ظلمهم، وذلك لما يترتب على هذا الخروج من مفاسد أعظم في الدماء والأموال والأعراض كما هو معلوم. وقد دأب كثير من الخارجين عن السنة في هذا الباب -من الخوارج ومن سار […]

مؤرخ العراق عبّاس العزّاوي ودفاعه عن السلفيّة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة المحامي الأديب عباس بن محمد بن ثامر العزاوي([1]) أحد مؤرِّخي العراق في العصر الحديث، في القرن الرابع عشر الهجري، ولد تقريبًا عام (1309هـ/ 1891م)([2])، ونشأ وترعرع في بغداد مع أمّه وأخيه الصغير عليّ غالب في كنف عمّه الحاج أشكح بعد أن قتل والده وهو ما يزال طفلا([3]). وتلقّى تعليمه […]

دفع الشبهات الغوية عن حديث الجونية

نص الحديث ورواياته: قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: بَابُ مَنْ طَلَّقَ، وَهَلْ يُوَاجِهُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ؟ حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ […]

الحقيقة المحمدية عند الصوفية ..عرض ونقد (الجزء الثاني)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة عرضنا في الجزء الأول من هذا البحث الحقيقة المحمدية عند الصوفية، وما تضمنه هذا المصطلح، ونقلنا أقوال أئمة الصوفية من كتبهم التي تدل على صحة ما نسبناه إليهم. وفي هذا الجزء نتناول نقد هذه النظرية عند الصوفية، وذلك من خلال: أولا: نقد المصادر التي استقى منها الصوفية هذه النظرية. […]

قواعد في فهم ما ورد عن الإمام أحمد وغيره: من نفي الكيف والمعنى

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة إنَّ البناءَ العقديَّ والمعرفيَّ وتحديدَ الموارد والأصول العامَّة من أهم المعايير التي يُعرف من خلالها مذاهب العلماء، وإن ترتيب المذاهب كألفاظ مُرتبة بجوار بعضها بعضًا ما هو إلا ثمرة هذا البناء والمورد، وأما اختلافُ الألفاظ والعبارات فليس هو المعتبر، وإنما المعتبر مقاصدُ العلماء وماذا أرادوا، وكيف بنوا، وكيف أسَّسوا، […]

(إشكال وجوابه) في قتل موسى عليه السلام رجُـلًا بغير ذنب

  من الإشكالات التي تُطرح في موضوع عصمة الأنبياء: دعوى أن قتل موسى للرجل القبطي فيه قدحٌ في نبوة موسى عليه السلام، حيث إنه أقدم على كبيرةٍ من الكبائر، وهو قتل نفسٍ مؤمنة بغير حق. فموسى عليه السلام ذُكِرت قصتُه في القرآن، وفيها ما يدُلّ على ذلك، وهو قَتلُه لرجُل بَريء بغير حقّ، وذلك في […]

ذم البدعة الإضافية والذِّكْر الجماعي هل هو من خصوصيات الشاطبي وابن الحاج؟

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: موضوع البدعة من أهم الموضوعات حضورًا في تاريخنا الإسلامي وفي الفكر المعاصر، وقد شكَّلت قضية البدعة الإضافية أزمةً معاصرة في الرواق العلمي في الآونة الأخيرة لعدم ضبط المسألة وبيان مواردها، وبسبب حيرة بعض المعاصرين وتقصيرهم في تحقيق المسألة جعلوها من قضايا الخلاف السائغ التي لا يصح الإنكار فيها! […]

الأصول الدينية للعنف والتطرف عند اليهود.. دراسة عقدية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: تتردد على لسان قادة اليهود مقتطفات من التوراة: “عليكم بتذكّر ما فعله العماليق بالإسرائيليين، نحن نتذكر، ونحن نقاتل”([1]). ومن نصوصهم: «فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلا تَعْفُ عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلْ رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارً»([2])، والتحريم هنا بمعنى الإبادة. كما يتردد في […]

اليهود والغدر

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة تمهيد: اليهود تكلّم عنهم القرآن كثيرا، وقد عاشوا بين المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فعايشهم وخبرهم، والسنة والسيرة مليئة بالأحداث التي حصلت مع اليهود، وحين نتأمل في تاريخ هذه الأمة نجد فيها كل الصفات التي ذكرها الله عنها في كتابه العزيز، فقد كان اليهود وراء فساد […]

تكفير الإنسانية بين الفجور في الخصومة وإنكار أسماء الشرع

لا يشكّ معتنقٌ لأيّ دين من الأديان أنّ ثمةَ أصولا تعدّ حواجزَ بين الإيمان بهذا الدين وبين الكفر به، وهذا أصل متَّفق عليه بين معتنقي الديانات؛ لكن مع موجة العلمانية الجديدة وأَنسنة الحياة الدينية والثقافية ظهر مشترَك بين البشرية يُراد له أن يعلوَ فوق كلّ سماء وأن يحكم على كلّ شرع، وصار المتديِّن يُدان حين […]

بعض المغالطات والأغلاط في تقرير مركز صواب حول السلفية

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد نشر مركز صواب للبحوث والدراسات الذي يتَّخذ من الإمارات العربية المتّحدة مركزًا له بحثًا بعنوان: (السلفية والتطرّف، بحث في أسباب انتشار التشدد الديني)، وصدقًا أقول: إنني كنت […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017