الثلاثاء - 13 ذو القعدة 1445 هـ - 21 مايو 2024 م

مصادر التلقي عند الصوفية “عرض ونقد”

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 مقدمة:

مِن أهمِّ الأصول التي تقوم عليها عقيدة أهل السنة والجماعة مصادر التلقي والاستدلال؛ إذ إنَّ مصادر التلقّي عند كلّ طائفة هي العامل الرئيس في تكوين الفكر لديها؛ لذا يعتمد أهل السنة في تلقي مسائل الاعتقاد على الكتاب والسنة؛ وذلك لأن العقيدة توقيفية، فلا تثبت إلا بدليل من الشارع، ولا مجال فيها للرأي والاجتهاد، قال شارح الطحاوية: “فَالْوَاجِبُ كَمَالُ التَّسْلِيمِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالانْقِيَادُ لِأَمْرِهِ وَتَلَقِّي خَبَرَهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، دُونَ أَنْ يُعَارِضَهُ بِخَيَالٍ بَاطِلٍ يُسَمِّيهِ مَعْقُولًا، أَوْ يُحَمِّلَهُ شُبْهَةً أَوْ شَكًّا، أَوْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ آرَاءَ الرِّجَالِ وَزُبَالَةَ أَذْهَانِهِمْ، فَيُوَحِّدَهُ بِالتَّحْكِيمِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْانْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ، كَمَا وَحَّدَ الْمُرْسِلَ بِالْعِبَادَةِ وَالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ، فَهُمَا تَوْحِيدَانِ، لَا نَجَاةَ لِلْعَبْدِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَّا بِهِمَا: تَوْحِيدُ الْمُرْسِلِ، وَتَوْحِيدُ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ، فَلَا يُحَاكِمُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَرْضَى بِحُكْمِ غَيْرِهِ، وَلَا يَقِفُ تَنْفِيذَ أَمْرِهِ وَتَصْدِيقَ خَبَرِهِ عَلَى عَرْضِهِ عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ وَإِمَامِهِ وَذَوِي مَذْهَبِهِ وَطَائِفَتِهِ وَمَنْ يُعَظِّمُهُ”([1]).

فهذه هي مصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة، بها بقيت عقيدتهم سليمة صافية نقية، خالية من آراء الرجال وأهوائهم، فحافَظوا على عقيدتهم، ونصروا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

حتى خرجت طائفة من الصوفية تعدَّت على مصادر الاستلال، ولبس عليهم الشيطان، فزعموا أن العقيدة تثبت بالكشف والإلهام والوحي المزعوم للأولياء، والاتصال بالجن الذين يسمونهم الروحانيين، وبعروج الروح إلى السماوات، وبالفناء في الله، وانجلاء مرآة القلب حتى يظهر الغيب كله للولي الصوفي، وبربط القلب بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث يستمد العلوم منه في زعمهم، وبلقاء الرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام حسب زعمهم، وبالرؤى وغيرها([2]).

فلما عظمت جنايتهم وزاد كيدهم كان لا بد من إظهار عدوانهم وعبثهم بمصادر هذا الدين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة.

أولًا: عدوان الصوفية على مصادر الاستدلال والعبث بها:

من العوامل الرئيسة التي يقوم عليها التكوين الفكريّ لكل طائفة مصادرُ التلقي؛ فمن خلالها يتمّ تحديد المنهج والفكر الذي تحتكِم إليه في كل أمورها.

والفكر الصوفي له تكوين فكريّ، ومصادر تلقي واستدلال يقوم عليها، قسمها بعضهم إلى مصادر خارجية، كالديانات الشرقية والفلسفة اليونانية، مع تأثرهم باليهودية والنصرانية، ومصادر أخرى داخلية تختلف حسب المرحلة والتطور الذي مر به الفكر الصوفي.

فكل مرحلة من مراحل التصوف تحدَّثَت عن مصادرها في التلقي والاستدلال، فتاره نجدهم يُنَظِّرون بأهمية الرجوع للكتاب والسنة وعرض الأقوال عليهما، ويقول بذلك من هم في الطبقة الأولى من زهاد الصوفية، كقول أبي سليمان الداراني: “رُبَّمَا يَقَعُ فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ القَوْمِ أَيَّامًا، فَلا أَقْبَلُ مِنْهُ إِلا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَينِ: الكِتَاب وَالسُّنَّة”([3])، وَقَالَ الجنيد: “من لَمْ يحفظ الْقُرْآن وَلَمْ يكتب الْحَدِيث لا يقتدى بِهِ فِي هَذَا الأمر؛ لأن علمنا هَذَا مقيد بالكتاب والسنة”([4]).

وهؤلاء الزهاد الأوائل وإن كان عندهم بعض المآخذ السلوكية التعبدية، إلا أنهم يُشهد لهم بسلامة المعتقد وتعظيم الكتاب والسنة([5]).

فإذا انتقلت من هذه الطبقة إلى طبقات الصوفية المتأخرة وجدت عكس ذلك تمامًا، وظهر لك كيف عبث هؤلاء بمصادر الاستدلال المتفق عليها، فبينما كان الأوائل يعظمون الكتاب والسنة تجد في المتأخرين من يجعل العلم بالكتاب والسنة من العلوم التي لا تليق بالصوفي، والأخذ بهما -أي: الكتاب والسنة- من الجهل الذي لا يليق بالمريد. يقول أبو الفضل الأحمدي: “لا تقطعوا بما علمتموه من الكتاب والسنة، ولو كان حقًّا في نفسه”([6]).

وعلى هذا هجروا الكتاب والسنة، وقدّموا الكشف والذوق والوجد والرؤى، وما يسمى بالعلم اللدني، وغيرها من مصادرهم أساسًا للمعرفة، وعارضوا بها دلائل القرآن والسنة.

وبلغ الشطط ببعضهم مبلغًا ادعى معه الاستغناء عن التلقي من الكتاب والسنة، زعمًا منه الأخذ عن الله تعالى إلهامًا أو منامًا، أو بعروج روحه إليه عز وجل، أو يدَّعي سماع خطاب الله تعالى كما سمعه موسى بن عمران، أو يدعي أخذ الشريعة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقظة أو منامًا([7]).

وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عَن العلم، وأراهم أن المقصود العمل، فلما انطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا فِي الظلمات([8])، فأصبح الكامل عندهم من لا يحتاج للكتب، ولا يقرأ فيها، فيتصدر للمشيخة، بل ويتتلمذ عليه من عُرف بالعلم والتصنيف منهم.

فهذا عبد الوهاب الشعراني اتخذ من علي الخواص شيخًا له، يسأله عن أدق مسائل الشريعة وحِكَمِها وعللها، ويصدر عن رأيه، مع اعترافه بأميَّته وجهله، فيقول عنه: “ومنهم شيخي وأستاذي: سيدي على الخواص البرلسي -رضي الله تعالى عنه ورحمه- كان رضي الله عنه أميًّا، لا يكتب ولا يقرأ، وكان رضي الله عنه يتكلم عن معاني القرآن العظيم والسنة المشرفة كلامًا نفيسًا، تحير فيه العلماء”([9]).

ويقول أحمد بن مبارك اللمطي وهو يمدح شيخه الدباغ، ويثني عليه لكثرة معارفه وعلومه: “فكل من سمعه -أي: الدباغ- يتعجب منه، ويقول: ما سمعنا مثل هذه المعارف، ويزيدهم تعجبًا كون صاحبها رضي الله عنه أميًّا، لم يتعاط العلم، ومن الذين أعرضوا عنه في الظاهر غاية الإعراض”([10]).

بل وصل الأمر بالقوم إلى زعمهم الاستغناء عن الكتاب والسنة، والتلقي عن أشياخهم في قبورهم؛ لصدق اعتقادهم فيهم.

يقول علي الخواص: “إنما كان مشايخ القوم يجيبون تلامذتهم من قبورهم -دون مشايخ الفقهاء- لصدق الفقراء في اعتقادهم في أشياخهم دون الفقهاء، فلو صدق الفقيه لأجابه الإمام الشافعي رضي الله عنه وخاطبه مشافهة”([11]).

وهكذا عبث الصوفية بمصادر التلقي، فردوا المصادر المتفق عليها كالكتاب والسنة والإجماع، وجاؤوا بمصادر مزعومة، وجعلوا الحجة فيها لا في غيرها، وفتنوا بها أتباعهم ومن استجاب لهم، الأمر الذي ترتب عليه فتنة في الأرض وفساد كبير.

ثانيًا: أهم مصادر الاستدلال عند الصوفية:

1- العلم اللدني والتلقّي عن الله عز وجل بلا واسطة:

من عبث الصوفية بمصادر التلقي وعدوانهم على المرجعية الشرعية العليا أنهم جعلوا للمعرفة منهجًا قائمًا على التأمل والمجاهدات الرياضية، حيث توصلهم هذه المجاهدات إلى الحقائق والمعارف التي تعجز العقول عن إدراكها والنقول عن تسطيرها.

فادَّعَوْا أن ذلك يحدث بأمرين، الأول: هو العلم اللدني، والثاني: التلقي عن الله عز وجل مباشرة بلا واسطة.

أ- العلم اللدني:

تعريف العلم اللدني عند الصوفية:

كثرت عبارات القوم وتعريفهم للعلم اللدني، ومن ذلك قول الجنيد: “هو ما كان محكمًا على الأسرار من غير ظن فيه ولا خلاف واقع، لكنه مكاشفة الأنوار عن مكنون المغيبات، وذاك يقع للعبد إذا زم جوارحه عن جميع المخالفات، وأفنى حركاته عن كل الإرادات، وكان شبحًا بين يدي الحق بلا تمن ولا مراد”([12]).

وعرفه الرازي بقوله: “هي العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات”([13]).

وعرفه كمال الدين القاشاني فقال: “يراد به العلم الحاصل من غير كسب ولا تعمل للعبد فيه، سمي لدنيًّا لكونه إنما يحصل من لدن ربنا لا من كسبنا”([14]).

فالعلم اللدني عند الصوفية علم يقذفه الله في القلب إلهامًا بلا سبب من العبد، ولهذا سمي لدُنيًّا.

قال ابن القيم: “يُشِيرُ الْقَوْمُ بِالْعِلْمِ اللَّدُنِّيِ إِلَى مَا يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، بَلْ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ وَتَعْرِيفٍ مِنْهُ لِعَبْدِهِ، كَمَا حَصَلَ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِغَيْرِ وَاسِطَةِ مُوسَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]”([15]).

هل أهل السنة ينكرون العلم اللدني؟

أهل السنة لا ينكرون العلم اللدني، لكنه مرتبط عندهم ارتباطًا وثيقًا بصلاح العبد، ومدى استجابته لما جاء بالكتاب والسنة، وكمال الانقياد والاتباع لهما.

قال ابن القيم: “فَالْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ: مَا قَامَ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ، وَمَا عَدَاهُ فَلَدُنِّيٌّ مِنْ لَدُنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَقَدِ انْبَثَقَ سَدُّ الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، وَرَخُصَ سِعْرُهُ، حَتَّى ادَّعَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَنَّ عِلْمَهُمْ لَدُنِّيٌّ، وَصَارَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي حَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَالسُّلُوكِ وَبَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِمَا يَسْنَحُ لَهُ وَيُلْقِيهُ شَيْطَانُهُ فِي قَلْبِهِ يَزْعُمُ أَنَّ عِلْمَهُ لَدُنِّيٌّ، فَمَلَاحِدَةُ الِاتِّحَادِيَّةِ وَزَنَادِقَةُ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى السُّلُوكِ يَقُولُونَ: إِنَّ عِلْمَهُمْ لَّدُنِّيٌّ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ مُتَهَوِّكُو الْمُتَكَلِّمِينَ وَزَنَادِقَةُ الْمُتَصَوِّفِينَ وَجَهَلَةُ الْمُتَفَلْسِفِينَ، وَكُلٌّ يَزْعُمُ أَنَّ عِلْمَهُ لَّدُنِّيٌّ”([16]).

فيرى ملاحدة الاتحادية وجهلة المتفلسفة ومبتدعة الصوفية أن العلم اللدني هو ما كان مستنده ترك النقل والعقل معًا، وفساد قول هؤلاء المنحرفين والمبطلين معلوم من الدين قطعًا؛ يقول أبو العباس القرطبي المالكي (ت 656هـ): “وَهَذَا الْقَوْلُ زَنْدَقَةٌ وَكُفْرٌ، يُقْتَلُ قَائِلُهُ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى سُؤَالٍ وَلَا جَوَابٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ هَدُّ الْأَحْكَامِ وَإِثْبَاتُ أَنْبِيَاءَ بَعْدَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”([17]).

نخلص من ذلك: أن هناك اختلافًا في التصور بين أهل الحق والمبطلين في تعريف العلم اللدني؛ والفرق الجوهري بينهما: هو في مستند العلم اللدني، فأهل الحق يرون أن مستند العلم اللدني -بمعناه الصحيح- هو الشرع وعدم مخالفته للعقل الصريح، أما أهل الزيغ والضلال فيرون أن العلم اللدني مستنده ترك النقل والعقل ومخالفتهما([18]).

ب- التلقي عن الله عز وجل مباشرة بلا واسطة:

ومن عدوان الصوفية على مصادر الاستدلال زعمهم التلقي عن الله عز وجل مباشرة بلا واسطة، سواء مهاتفة، أو بما يلقيه الله جل جلاله في روع أحدهم، وبعضهم يزعم رؤية الله على الحقيقة أي: في الدنيا.

فقد زعم أبو طالب المكي أن بعض الصوفية يأخذ علمه من ربه عز وجل أيَّ وقت شاء بلا تحفّظ ولا درس([19])، وقال: “وقال بعض المكاشفين: ظهر لي الملك”([20])، ونقل أيضًا عن بعض شيوخه أنه أمره أن يقرأ على الله تعالى، ونقل عمن لم يسمه قوله: “ربما رأيته -أي: الرب تعالى- في ليلة سبع مرار”، وذكر عن آخر أنه “رأى الله عز وجل مائة وعشرين مرة، وسأله عن سبعين مسألة، أظهر منها أربعة، فأنكرها الناس، فأخفى الباقي”([21]).

وقد نسب ابن جرير الطبري لجماعة من المتصوفة -مثل بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد- قولهم: “إن الله عز وجل يُرى في الدنيا والآخرة، وزعموا أنهم قد رأوه، وأنهم يرونه كلما شاؤوا، إلا أنهم زعموا أنه يراه أولياؤه دون أعدائه”([22]).

فلما زعم القوم رؤية الله عز وجل يقظة هان عليهم ادعاء النبوة، والزعم أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، وأن الأنبياء جميعهم إنما يستمدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء([23]).

ولا شك أن هذه الدعوى من تلبيس الشيطان على القوم، فإنهم لما تركوا العلم تلاعبت بهم الشياطين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَتَمَثَّلُ لَهُ الشَّيْطَانُ وَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكَ، فَيُخَاطِبُهُ وَيَظُنُّهُ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ. وَمِنْهُم مَنْ يَرَى عَرْشًا عَلَيْهِ نُورٌ، أَوْ يَرَى مَا يَظُنُّهُ الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ شَيَاطِينُ، وَذَلِكَ شَيْطَانٌ. وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ إِلَى اللَّهِ بِلَا إِذْنٍ خِلَافَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْإِلَهُ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ هُوَ الشَّيْطَانَ، وَالَّذِينَ لَا يَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ يُخَاطِبُ أَحَدُهُمْ مَنْ فِي قَلْبِهِ، فَتُخَاطِبُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ الْعِلْمِيَّةُ، وَيُقَدِّرُ أَنَّهَا تُخَاطِبُهُ، وَيَظُنُّ ذَلِكَ مُخَاطَبَةَ الْحَقِّ لَهُ”([24]).

فتلاعبت بهم الشياطين، فتركوا الكتاب والسنة، وخالفوا إجماع الأمة، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنه لا يرى الرب تعالى أحد في الدنيا بعينيه، قال ابن أبي العز: “واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة”([25]).

وحكموا بالضلال والزندقة على من زعم ذلك، بل وقالوا: يستتاب فإن تاب وإلا قتل([26]قال السفاريني: “من ادعى الرؤية في الدنيا يقظة لغير نبينا صلى الله عليه وسلم فهو ضال”([27])، بل ذهب أحمد بن يوسف بن حسن الكواشي لأكثر من ذلك، فقال في تفسيره لسورة النجم: “ومعتقد رؤية الله هنا -يعني في الدنيا بالعين- لغير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فزنديق، فلو قال: إني أرى الله عيانًا في الدنيا ويكلمني شفاهًا؛ كفَرَ”([28]).

2- رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة بعد موته:

ومن عبث الصوفية بمصادر التلقي وعدوانهم على المرجعية الشرعية العليا أنهم ادَّعَوْا أنه يمكن للخواصِّ أن يلقوا رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حال اليقظة، وأن يَتَلَقَّوْا عنه أحكامًا شرعيَّةً ملزمة؛ بل يصرح بعضهم بأنه عليه الصلاة والسلام لم يمت، فيقول أبو العباس القصاب: “لم يمت محمد، وإنما الذي مات هو استعدادك لأن تراه بعين قلبك”([29]).

وراح كثير منهم ينظر للطرق والأساليب التي يسلكها الصوفي حتى تتأتى له رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة، فينقل عمر بن سعيد الفوتي عن محمد بن عبد الكريم السمان قوله: “وأوصيك بدوام ملاحظة صورته ومعناه ولو كنت في أول الأمر متكلفًا في الاستحضار؛ فعن قريب تألف روحك، فيحضرك صلى الله عليه وآله وسلم عيانًا، وتحدثه وتخاطبه، فيجيبك ويحدثك ويخاطبك، فتفوز بدرجة الصحابة وتلحق بهم”([30]).

والرجولة والولاية عندهم لا تكتمل إلا بتحقق رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظةً، جاء في ترجمة الشيخ إبراهيم المتبولي ما ذكره الشعراني: “وكان يرى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرًا في المنام فيخبر بذلك أمه، فتقول: يا ولدي، إنما الرجل من يجتمع به في اليقظة، فلما صار يجتمع به في اليقظة ويشاوره على أموره قالت له: الآن شرعت في مقام الرجولية”([31])، ويقول الفوتي: “لا يكمل الرجل عندنا في مقام العرفان حتى يصير يجتمع برسول الله يقظة ومشافهة”([32]).

ومن المعلوم الثابت بالأدلة النقلية والعقلية أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة بعد وفاته مستحيلة، ولا يمكن لها الوقوع، قال القرطبي في قول الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}: “هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ وَمَوْتِهِمْ، فَاحْتَمَلَ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ… -ثم قال:- الرَّابِعُ: لِئَلَّا يَخْتَلِفُوا فِي مَوْتِهِ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْأُمَمُ فِي غَيْرِهِ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَنْكَرَ مَوْتَهُ احْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَأَمْسَكَ”([33]).

وقال الألوسي رحمه الله: “ويكفي في إبطال هذا القول قوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42]، فإذا أمسك التي قضي عليها الموت فمن أين لها التمكن من التصرف؟! ومن أين لأحد أن يراها؟!”([34]).

وأما فساده عقلًا فقد نقل ابن حجر عن القرطبي قوله: “وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده، فلا يبقى من قبره فيه شيء، فيزار مجرد القبر، ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل”([35]).

ثم إنه يلزم من اعتقاد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة أن يكون من رآه اليقظة صحابيًّا، وهذا مشكل جدًّا، حتى استشكله ابن حجر نفسه فقال: “ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء… وهذا مشكل جدا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويعكِّر عليه أن جمعًا جمًّا رأوه في المنام، ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، وخبر الصادق لا يتخلف”([36]).

3- رؤية الخضر والتلقي عنه:

ومن عبث الصوفية بمصادر التلقي وعدوانهم على المرجعية الشرعية العليا اعتقادهم حياة الخضر، وأنهم يتلقَّون عنه العلوم، ويعتقد أكثرُهم أنه وليٌّ له صفةٌ معينةٌ وإن خالف بعضُهُم في ذلك بكونه نبيًّا وليس بوليٍّ، وزَعَمَ بعضهم أن لكل زمان خضرا، وجعله بعضهم في عالم المثال، وبعضهم جعله كناية عن البَسْط في مقابل إلياس الذي هو كناية عن القَبْض، بل حكى بعضهم الحكايات الكثيرة في رؤيته، مثل ما حكى الحكيم الترمذي رؤيته وإفادته لبعضهم العلم، وتعليمهم الرقية، ودخول بعض بيوتهم بغير استئذان لينصحهم وثنائه على بعض العلماء وترتيبه لمقاماتهم([37])، فمن ذلك ما قال: “سمعت منصورًا المغربي يقول: رأى بعضهم الخضر u، فقال له: هل رأيت فوقك أحدًا؟ فقال: نعم، كان عبد الرزاق بن همام يروي الأحاديث بالمدينة، والناس حوله يستمعون.. فرأيت شابًّا بالبعد منهم رأسه على ركبتيه. فقلت له: يا هذا، عبد الرزاق يروي أحاديث رسول الله r، فلِمَ لا تسمع منه؟! فقال: إنه يروي عن ميت، وأنا لست بغائب عن الله، فقلت: إن كنت كما تقول فمن أنا؟! فرفع رأسه وقال: أنت أخي أبو العباس الخضر، فعلمت أن لله عبادًا لم أعرفهم”([38]).

وقال الشَّعْرَانيّ: “هو حَيٌّ باقٍ إِلى يوم القيامَة، يَعْرِفه كُلُّ مَنْ له قَدَمُ الوِلايَة لا يَجْتَمع بأَحَدٍ إِلا لتَعْلِيمه أَو تأديبه، وقد أُعْطِيَ قُوَّة التَّصوِير في أَيِّ صورَة شاءَ، ولكن مِنْ عَلامَاتِه أَنَّ سَبَّابَتَه تَعْدِلُ الوُسْطَى، ومن شَأْنِه أَنْ يأْتِيَ للعارِفين يَقَظَةً وللمُرِيدِينَ مَنامًا”([39]).

ولقد وافق بعض أهل العلم الصوفية في القول بحياة الخضر؛ لكن لم ينزعوا منزعهم في أنه يُتلقى عنه الشرع أو يتلقى عنه ما لم يرد في الشرع أو علم الباطن، أو أنه يسعه مع حياته الخروج على شريعة محمد r.

فهذا ابن الصلاح مع قوله بحياة الخضر يقول في فتاويه: “فإنه لا يخفى على مسلم أنه لا حجة في دين الله U إلا فيما جاء عن رسول الله r، [ولا طريق] إلى معرفة ما جاء عنه r إلا بنقل الثقات من أهل العلم والأخذ عنهم، فمن لم يكن من أهل ذلك كان جاهلا وإن كان زاهدًا؛ فإن الزهد لا يجعله نبيًّا يوحى إليه، والقلوب لا يتعرف منها أحكام الدين وشرائع الإسلام، ومن انتسب إلى العلم الذي زعم أنه يطلعه على الصواب ويمنعه من الخطأ سألناه عن شيء من أحكام القرآن المعلومة والسنن الصحيحة، وأظهرنا بهذا إخلاله، فإنه لو كان كما زعم لم يجهل ذلك، وإذا جهل ذلك فهو لغيره أَجْهَلُ، فليتق الله ربه هذا القائل، ولا يقلد دينه من لا علم له، وليستغفر الله مما جرى منه، غفر الله لنا وله ولجميع المسلمين”([40]).

ومن ذلك ما نقله أبو عبد الله القرطبي عن شيخه أبي العباس القرطبي: “ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريقٍ يلزم منه هَدُّ الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية إنما يحكم بها على الأغنياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوّها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكليات، كما اتَّفق للخضر؛ فإنَّه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وإن أفتاك المفتون. قلت: وهذا القول زندقةٌ، وكفر يُقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنَّه إنكار ما عُلِمَ من الشرائع، فإنَّ الله تعالى قد أجرى سننه وأنفذ حكمته بأنَّ أحكامه لا تُعلم إلا بواسطة رُسُله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالاته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصَّهم بما هنالك… -إلى أن قال:- وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري وإجماع السَّلف والخلف على ألا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعةٌ إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام. فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أَمْرُهُ ونهيه غير الرسل بحيث يُستغنى بها عن الرسل، فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب”([41]).

4- الكشف والإلهام:

مِن تعدِّي الصوفية على مصادر التلقي اعتبارهم الكشف والإلهام من المصادر الرئيسة للتلقي والاستدلال على العلم والمعرفة، بهما يتوصَّلون إلى أعلى درجات اليقين، وإليهما يحتكمون في جلّ أمورهم، بل إن الكشف والإلهام عندهم من مصادر تشريع العبادات أمرًا ونهيًا وإيجابًا واستحبابًا.

تعريف الكشف والإلهام في الاصطلاح الصوفي:

يستعمل الصوفية هذين المصطلحين، ويريدون بهما انكشاف الحجاب أمام الوليّ الصوفيّ؛ ليرى ويطَّلع على الغيب بدون واسطة حواس، بل بتفجُّر العلم الملهَم في القلب؛ ولذا فإنهم يسمونه أحيانًا كشفًا، وأحيانًا أخرى إلهامًا، وكلا هذين المصطلحين يرِدان في كتب القوم بمعان متقاربة.

أما الكشف فهو: “الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودًا وشهودًا”([42]).

ومعنى الوجود هو: فقدان العبد بمحقِه أوصافَ البشرية ووجود الحقّ؛ لأنه لا وجود للبشرية عند ظهور سلطان الحقيقة([43])، والشهود هو: رؤية الحق بالحق([44]).

وأما الإلهام فهو عندهم: “ما وقع في القلب من علم يدعو إلى العمل، من غير استدلال بآيةٍ ولا نظر في حجة، وهو ليس بحجة عند العلماء، إلا عند الصوفيين”([45]).

فبالكشف والإلهام يرفع الحجاب عن قلب الصوفي وبصره، ليعلم ما في السماوات جميعًا، وما في الأرض جميعًا، فلا تسقط ورقة إلا بنظره، ولا تقع قطرة ماء من السماء إلا بعلمه، ولا يولد مولود أو يعقد معقود أو يتحرّك ساكن أو يسكن متحرك إلا بعلم الصوفي.

لقد غلا الصوفية في إثبات حجية الكشف والإلهام حتى قال الغزالي -وبئس ما قال-: “في الأولياء من يكاد يُشرق نوره حتى يكاد يستغني عن مدد الأنبياء”([46]).

ومما يُستنكر على الغزالي -غفر الله له- قوله: “الأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم النور، لا بالتعلُّم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا، والتبري من علائقها، وتفريغ القلب من شواغلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى”. ثم قال: “فمن كان حاله كذلك فإنه يخلو بنفسه في زاوية، مع الاقتصار على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، ولا يفرق فكره بقراءة قرآن، ولا بالتأمل في تفسير، ولا بكتب حديث ولا غيره، بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى”([47]).

ولا شكَّ أن جمعه -في مثل هذا السياق- بين الأنبياء والأولياء أمر باطل مرفوض بالكلية، إذ لا يُقاس الأولياء على الأنبياء؛ للافتراق بينهما في علة إرسال الرسل، وفي تلقيهم الوحي المعصوم، وفي غير ذلك، أضف إلى ذلك أن إرشاده مَن وصل إلى تلك الحال إلى أن يخلو بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب فيه انحراف عن هَدْي مَن هديُه خير الهدي صلى الله عليه وسلم، وهذه السلبية فيها هدم لأركان الدين، من الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو فعل الصحابة رضي الله عنهم ذلك لما فتحوا الفتوح، ولا نشروا الإسلام، ولا تعلموا الوحيين، ولا علَّموا الناس([48]).

الصلة بين الكشف الصوفي والفلسفات الأخرى:

الكشف باعتباره أرقى مناهج المعرفة عند الصوفية يكون بسلوك سبل المجاهدة، والسعي لتهيئة القلب بالرياضة، والعمل على صقله وتجليته؛ ليصبح صالحًا لتنزل العلوم عليه من الملأ الأعلى بغير استدلال أو برهان، وهذا المفهوم للكشف ينطبق تمامًا على معنى مصطلح “الغنوص”، الذي يعني التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا، أو تذوق تلك المعاني مباشرة؛ بأن تلقى في النفس، فلا تستند على الاستدلال أو البرهنة العلمية([49])، أو ما يسمى بالمذهب الإشراقي الذي يعني تلقي العلم الغيبي والمعرفة الإلهية عن الله مباشرة، بعد رياضات روحية ومجاهدات نفسية، بحيث تصفو النفس من الكدورات البشرية، وحينئذ ينعكس عليها، أو يشرق فيها من العلوم والمعارف ما هو منقوش في العالم العلوي([50]).

وهذا ما بينه الغزالي بقوله: “اعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية؛ فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم، وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت”([51]).

منزلة الكشف والإلهام في الفكر الصوفي:

لقد ترقّى المتصوفة في قضية الكشف عندهم، فزعموا أن الصوفي يُكشف له معان في القرآن والحديث، لا يعلمها علماء الشريعة الذين سموهم بعلماء الظاهر والقراطيس والآثار التي ينقلونها عن الموتى. وأما هم فيلتقون بالرسول صلى الله عليه وسلم يقظة أحيانًا ومنامًا أحيانًا، ثم ترقوا فقالوا: إن لنا علومًا ليست في الكتاب والسنة، نأخذها عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن، وهو الذي يمد الأولياء بهذه الشريعة.

ولقد وسع المتصوفة دائرة كشفهم هذه فزعموا أنهم يعلمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن بطريق الكشف، وقصص الأنبياء يروونها على حقيقتها، ويجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم وما كان منهم.

باختصار لقد اكتشف المتصوفة بزعمهم معانيَ للقرآن غير التي يعرفها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمة على مر العصور. لقد اكتشفوا هم عن طريق كشفهم الشيطاني أن للقرآن معاني أخرى، وأن فيه علومًا كثيرة جدًّا لا يعلمها غيرهم. وما هذه العلوم؟ إنها كل الفلسفات القديمة والخزعبلات والخرافات التي عند فلاسفة الإغريق، وكهنة الهنادك والهندوس، وشياطين المجوس، وإباحية المانوية والمزدكية، وخرافات القصاص من كل لون وجنس، كل هذا وذاك جعله المتصوفة كشفًا وحقيقة صوفية ومعاني للقرآن الكريم ولحديث النبي الشريف.

ومن أراد منهم ألا ينسب هذه الخرافات والخزعبلات إلى القرآن والحديث، ورأى أنه تحقق بعلوم أكثر بكثير مما فيهما قال: خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله([52]). فجعل نفسه أعظم معرفة وتحقيقًا مما لدى الأنبياء؛ وذلك لما رأى أنه قد جمع من الخرافات والخزعبلات والأساطير شيئًا نهى الرسل الصادقون عن افترائه وتناقله وتداوله. هذه هي حقيقة الكشف الصوفي الذي زعم أصحابه أنه ثمرة العبادة والتقوى والاتصال بالله والملائكة والأنبياء والخضر([53]).

لذا فضل الصوفية الولي على النبي، فهذا ابن عربي يقول: “وليس هذا العلم -أي: علم الكشف- إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، وحتى الرسل لا يرونه متى رأوه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة -أعني نبوة التشريع ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدًا، فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟!”([54]).

وهذا الذي ذكره ابن عربي من تفضيل الولي على النبي مطولًا اختصره في بيت شعر يقول فيه:

مقام النبوة في برزخ         فُوَيق الرسول ودون الولي([55])

بل إن أبا حامد الغزالي صرح بأن: “في الأولياء من يكاد يشرق نوره، حتى يكاد يستغني عن مدد الأنبياء”([56]).

قول أهل السنة في الكشف والإلهام:

أهل السنة لا ينكرون الكشف والإلهام، لكنه عندهم من الأدلة التبعية، أي: التابعة لدليل صحيح، وعليه فلا يمكن الاعتماد عليه إذا انفرد؛ لأنه لا يعلم ما ألقي في القلب: هل هو وسوسة شيطان، أو لمة مَلَك([57]).

قال ابن الجوزي: “قال إِبْرَاهِيم سبتية: حضرت مجلس أبي يَزِيد والناس يقولون: فلان لقي فلانا وأخذ من علمه وكتب مِنْهُ الكثير، وفلان لقي فلانا، فَقَالَ أَبُو يَزِيد: مساكين، أخذوا علمهم ميتا عَنْ ميت، وأخذنا علمنا عَنِ الحي الذي لا يموت”.

ثم عقب ابن الجوزي على هذه القصة فقال: “إن الإلهام للشيء لا ينافي العلم، ولا يتسع به عنه، ولا ينكر أن اللَّه عز وجل يلهم الإنسان الشيء كَمَا قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن فِي الأمم محدَّثين، وإن يكن فِي أمتي فعمر»([58])، والمراد بالتحديث إلهام الخير، إلا أن الملهم لو ألهم مَا يخالف العلم لم يجز لَهُ أن يعمل عَلَيْهِ… وليس الإلهام من العلم فِي شيء، إنما هو ثمرة لعلم والتقوى. فيوفق صاحبهما للخير، ويلهم الرشد، فأما أن يترك العلم ويقول: إنه يعتمد عَلَى الإلهام والخواطر، فليس هَذَا بشيء؛ إذ لولا العلم النقلي مَا عرفنا مَا يقع فِي النفس أمن الإلهام للخير أَوِ الوسوسة من الشَّيْطَان؟”([59]).

فالإلهام مرتبط بالعلم ارتباطًا وثيقًا، ولولا ما لدينا من العلم الصحيح ما عرفنا صحيح الإلهام من سقيمه، ولا الحق فيه من باطله، ولا مدى اعتباره والأخذ به، فلا يكون للإلهام اعتبارٌ إذا خالف ما جاء في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة.

5- الهواتف والتحديث:

لا يوجد عند الصوفية تعريف منضبط لمعنى الهاتف، إنما هي حكايات تدور حول صوت يُسمع دون أن يُعلم مصدره.

ويمكن تعريفها بأنها: الأصوات التي يسمعها الشخص ولا يرى قائلها([60]).

ويشير الغزالي إلى معنى الهاتف لدى الصوفية بقوله: “القلب إذا صفا ربما يمثل له الحق في صورة مشاهدة، أو في لفظ منظوم يقرع سمعه، يعبر عنه بصوت الهاتف إذا كان في اليقظة، وبالرؤيا إذا كان في المنام”([61]).

والهواتف مما لُبّس به على الصوفية؛ حيث جعلوها من مصادر التلقي، وبنوا عليها بعضًا من معتقداتهم، فالمتصفح لكتب الصوفية يلحظ في أثنائها قولهم: هتف بي هاتف، وسمعت صوتًا ولم أر قائله ومصدره.

ويُعدّ سماع الهواتف عند الصوفية من الكرامات، فقد عدّد القشيري جملة من كرامات الأولياء في رسالته ثم ذكر منها سماع الهواتف([62]).

وقال أحمد المستغانمي: “خطاب الله تعالى للعارف على لسان هواتف الحضرة الإلهية ينقسم إلى قسمين: إما من وراء حجاب الخلق، وإما على لسان ملك الإلهام”([63]).

ومن مروياتهم المشتهرة على ألسنة كبرائهم في الهواتف:

ما ذكره القشيري أن شابًا تعلق بأستار الكعبة تائبًا يلهج بالدعاء، ويلح في دعائه، حتى أقسم على الله عز وجل بأن يغفر له، فسمع هاتفًا يقول: الفتى عتيق النار([64]).

ويظهر من هذه الرواية توسّع القوم وتساهلهم في الإقسام على الله عز وجل، وأنها لكل أحد، من غير معرفة حاله ومدى صلاحه، فضلًا عن الشهادة له بالجنة والعتق من النار وهو في الدنيا، وهذا مما لا يسلّم به، ولا يجوز لأحدٍ الشهادة بالجنة لمعين في الدنيا إلا بدليل من كتابٍ أو سنة صحيحةٍ.

ومن قصصهم أيضًا ما روي عن أبي يزيد طيفور بن عيسى حيث قال: “قعدت ليلة في محرابي، فمددت رجلي، فهتف بي هاتف: من يجالس الملوك ينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب”([65]).

وهذا لا شكّ ينزلهم منزلة الأنبياء من حيث العصمة؛ فكلما أخطأ واحد منهم هتف به هاتف ليرده إلى الصواب، وهذا قريب من حال الأنبياء، حيث إن الوحي يوجههم إذا ارتكبوا محظورًا.

والنتيجة: أن الصوفية لما جعلوا الهواتف من مصادر الاستدلال نزَّهوا أنفسهم عن الخطأ، ورفعوا منازلهم إلى مقام الأنبياء، بل وزعموا أن النبوة سارية إلى يوم القيامة في أشخاص الأولياء الذين يوحي الله إليهم ويهاتفهم، يقول ابن عربي: “النبوة سارية إلى يوم القيامة في الخلق، فإنه يستحيل أن ينقطع خبر الله وأخباره من العالم”([66]).

وسُئل أحمد التيجاني عن المكالمة التي يدَّعيها الصوفية، فقال: “معنى المكالمة الصوفية: أن الله تبارك وتعالى إذا رحم عبدًا من عباده بسماع كلامه فإنه يزيل عنه الحجاب، ويخطفه عن حسه حتى يغيب عن كل شيء، وتغيب عنه ذاته، ولا يدري أين هو في ذلك الحال، ثم يسمعه الله من كلامه ما قسم”([67]).

قول أهل السنة في الهواتف:

الهواتف من الأمور المقبولة عند أهل السنة والجماعة، ولم يشتهر عنهم إنكار لها، بل هي مما يروى في كتبهم ومجالسهم؛ إلا أنهم لا يحلّون بها حرامًا ولا يحرمون بها حلالًا، وإنما هي مما يستأنس به.

ولا يقولون بصحة ادعاء من قال بمهاتفة الله عز وجل له بصوت مسموع يقظة، فهذا من مراتب الوحي الذي اختص به الأنبياء عليهم السلام، ولا يشاركهم فيها غيرهم، كما أنهم يبطلون الهاتف المنسوب للخضر عليه السلام لثبوت الأدلة القاضية بموته. وكل هاتف ثبتت حقيقته وتيقن منه فهو على الكتاب والسنة معروض، فما وافقهما فهو الحق، وما عداه فهو باطل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والمحدَّث وَإِنْ كَانَ يُلْهَمُ وَيُحَدّثُ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشاذلي: قَدْ ضُمِنَتْ لَنَا الْعِصْمَةُ فِيمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَلَمْ تُضْمَنْ لَنَا الْعِصْمَةُ فِي الْكُشُوفِ وَالْإِلْهَامِ. وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يُبَيِّنُ لَهُ أَشْيَاءَ تُخَالِفُ مَا يَقَعُ لَهُ كَمَا بَيَّنَ لَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَيَوْمَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَوْمَ قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ؛ فَتَارَةً يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، وَتَارَةً يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، وَرُبَّمَا قَالَ الْقَوْلَ فَتَرُدُّ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَوْلَهُ، وَتُبَيِّنُ لَهُ الْحَقَّ فَيَرْجِعُ إلَيْهَا وَيَدَعُ قَوْلَهُ، كَمَا قُدِّرَ الصَّدَاقُ. وَرُبَّمَا يَرَى رَأْيًا فَيُذْكَرُ لَهُ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَعْمَلُ بِهِ وَيَدَعُ رَأْيَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ بَعْضَ السُّنَّةِ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي قَضَايَا مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَانَ يَقُولُ الْقَوْلَ فَيُقَالُ لَهُ: أَصَبْت، فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَهُ؟ فَإِذَا كَانَ هَذَا إمَامَ الْمُحَدِّثِينَ، فَكُلُّ ذِي قَلْبٍ يُحَدِّثُهُ قَلْبُهُ عَنْ رَبِّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُوَ دُونَ عُمَرَ؛ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَعْصُومٌ، بَلْ الْخَطَأُ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ. وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ تَدَّعِي أَنَّ الْوَلِيَّ مَحْفُوظٌ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا يَثْبُتُ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْعِصْمَةِ، فَهَذَا بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ”([68]).

6- الرؤى المنامية:

الرؤى عرَّفها القاضي أبو بكر ابن العربي بتعريف شامل فقال: “الرؤيا إدراكات علَّقها الله تعالى في قلب العبد على يدَي ملك أو شيطان، إما بأسمائها أي: حقيقتها، وإما بكناها أي: بعبارتها، وإما تخليط، ونظيرها في اليقظة الخواطر”([69]).

وعرفها ابن القيم بقوله: “أمثال مضروبة، يضربها الملك الذي وكله الله بالرؤيا؛ ليستدل الرائي بما ضرب له من المثل على نظيره”([70]).

منزلة الرؤى والمنامات عند الصوفية:

تُعدّ الرؤى والأحلام من المصادر المعتمدة في الاستدلال عند الصوفية في التشريع والعقائد والمعاملات، فإليها يرجعون في شتى أمورهم، وهي حاضرة في جميع مصنفاتهم.

والرؤى عند الصوفية علم يقيني لا يتطرق إليه الشك، ولا يقبلون فيها ردًّا، وإليها يستندون، وبها يروجون عقائدهم.

وأكثر ما تدور عليه رؤاهم المنامية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم والتلقي عنه، ورؤية الخضر عليه السلام، ورؤية مشايخهم.

ويستمدّون من هذه الرؤى ما يعرفون به أحوال الموتى ومآلاتهم، ومنزلة شيوخهم، كما يجعلون من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ما يصحّحون به ما ضعف من أدلتهم، وبها يستمدون أورادهم، وما ابتدعوه من أحزابهم وأذكارهم.

والرؤى عند الصوفية نوع من أنواع الكرامات التي لا تعطى لأحد، بل لا بد لها من شروط، منها: إطالة السهر، ومجافاة الفراش، وتعذيب النفس، والنوم عندهم لا يكون إلا غلبة، تغلبهم عليه أنفسهم، وهو ما يجلب لهم تلك الرؤى التي يزعمون([71]).

يقول القشيري عن الشبلي: “اطلع الحق على الخلق، فقال: من نام غفل، ومن غفل حُجب، فكان الشبلي يكتحل بالملح بعدها حتى كان لا يأخذه النوم”([72]).

والرؤى مرتع خصب للصوفية في استمداد مروياتهم، فهم يدعون فيها رؤيتهم لله عز وجل، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رؤية الصحابة رضي الله عنهم والسلف الماضين، فيسألونهم ما يشاؤون، ويتلقون منهم الوصايا([73]).

والرؤية مصدر عندهم لتفسير القرآن، والتمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها، حتى زعم ابن عربي أنه قد ينفي بواسطتها ما هو ثابت بطريق النقل أيضًا، فيقول: “هذا هو الفرقان عند أهل الله بين الأمرين، فإنهم قد يرونه صلى الله عليه وسلم في كشف، فيصحح لهم من الأخبار ما ضعف عندهم بالنقل، وقد ينفون من الأخبار ما ثبت عندنا بالنقل”([74]).

ومن المسائل المأخوذة من المنامات عندهم أيضًا: الأمور الفقهية، والأحكام الشرعية، ومعرفة الراجح من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة([75]).

ولهم أيضًا فوق ذلك الكثير من المنامات التي تخدم بدعهم وضلالهم، ومنها ما رواه ابن عربي في سبب تأليف كتابه (فصوص الحكم) المليء بالأباطيل، فقال: “إني رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في مُبَشِّرةٍ -رؤيا- أُرِيتُهَا في العشر الأواخر من المحرم سنة (627هـ) بمحروسة دمشق وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب (فصوص الحِكَم) خذه، واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا”([76]).

وزعم ابْنُ الفَارِضِ أنه رأى رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم في المنام، فسأله عن قصيدته التائية الكبرى: بِمَ سَمَّاهَا؟ فأجابه ابن الفارض بأنه سماها “لوائح الجَنان وروائح الجِنان”، فقال له النبي: لا، بل سَمِّهَا: “نظم السلوك”. ومن هنا كان الاسم عنوانًا على هذه القصيدة، اشْتُهِرَتْ به([77]).

وابن الفارض في هذه القصيدة يناجي ربه فيها بضمير المؤنث، حتى قال البقاعي: “وقد صارت نسبة العلماء له -أي: ابن الفارض- إلى الكفر متواترة تواترًا معنويًّا”([78]).

بل إن من عادة الصوفية اختلاقَ القصص “الإرهابية”؛ لترهيب الناس من مخالفتهم أو الإنكار عليهم:

قال النبهاني: “قال المناوي: قال لي فقيه عصره شيخنا الرملي: إن بعض المنكرين رأى أن القيامة قد قامت، ونُصِبَتْ أوانٍ في غاية الكِبَر، وأُغْلِيَ فيها ماء يتطاير منه الشرر، وجيء بجماعةٍ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فصُلِقوا فيه حتى تَهَرَّى اللحم والعظم، فقال: ما هؤلاء؟ قال: الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض”([79]).

ومن مزاعم الصوفية الباطلة التي انتشر بسببها الشرك في بلاد المسلمين ما يسمى بأضرحة الرؤيا؛ حيث يوجد في كثير من بلاد العالم الإسلامي مقابر وهميةٌ يُزْعَمُ أنها مقابرُ لأولياءَ صالحين، وَيرْجعُ السبب في بنائها إلى رُؤًى مناميةٍ؛ إذ يكفي عند القوم أن يَدّعِيَ مُدَّعٍ أنه رأى رؤيا تُكَلِّفُهُ ببناء قبر أو قبة فوق المكان الفلاني؛ ليصبح مزارًا لأحد الأولياء.

تقول الدكتورة سعاد ماهر: “ظهر في العصور الوسطى -وخاصة في أوقات المحن والحروب التي لا تجد فيها الشعوب من تلوذ به غير الواحد القهار- أن يتلمسوا أضرحة آل البيت والأولياء للزيارة والبركة والدعاء ليكشف الله عنهم السوء ويرفع البلاء، ومن ثم ظهر ما يعرف بأضرحة الرؤيا، فإذا رأى ولي من أولياء الله الصالحين في منامة رؤيا مؤداها أن يقيم مسجدًا أو ضريحًا لأحد من أهل البيت أو الولي المسمى في الرؤيا، فكان عليه أن يقيم الضريح أو المسجد باسمه”([80]).

ومن أشهر أضرحة الرؤيا: مشهد السيدة رقية بنت رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم بالقاهرة، أقامته زوجة الخليفة العبيدي الآمر بأحكام الله، وكذا ضريح السيدة سُكَيْنَة بنت الحسين بن علي رَضِيَ الله عَنْهُمْ([81]).

ومنها: القبر المنسوب إلى زينب بنت علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بالقاهرة، فإنه كذب لا أصل له، ويقال: إن موضعه كان ساقية، فلما رأى صاحبها أنها لا تُغِلُّ له مع التعب إلا اليسير زعم للناس أنَّهُ رأى زينب في المنام تأمره أن يقيمَ لها قبة في هذا المكان؛ فأقامها، وأعانه العوام، ثم كان سادنًا لها، فجاءته الأموال الكثيرة([82]).

7- الإسراءات والمعاريج:

من مصادر التلقي عند الصوفية: الإسراءات والمعاريج، وهي عندهم معراج روحي، يحاكون فيه معراج النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتبسون منه ألفاظه ومعانيه، بل وهو عند بعضهم يكون بالجسد والروح معًا([83])، حتى قال محمد أمين الكردي النقشبندي: “كثيرًا ما كان يعرج بي فوق العرش… واعلم أني كلما أريد العروج يتيسر لي، وربما يقع من غير ما أقصد”([84]).

ومن خلال هذه المعاريج يستلهمون تفسير الآيات ومعرفة الأسماء والصفات وأسماء الأنبياء وصفاتهم، كما يدللون من خلاله على فضائلهم وعلوهم على غيرهم من العباد؛ فالمعراج لا يكون إلا لمن وصل منهم لمنزلة عظيمة يختص بها دون غيره([85]).

الصلة بين الإسراءات والمعاريج الصوفية والفلسفات الأخرى:

قضية المعراج الصوفي نجد لها أصولًا في الفكر الشيعي الباطني، عند أبي منصور العلجي الذي تنسب إليه فرقة المنصورية، والذي زعم أنه عرج به إلى السماء فمسح معبوده رأسه بيده، ثم قال له: أي بني، اذهب فبلِّغ عني، ثم نزل إلى الأرض([86]).

ومِن أشهر رواياتهم في المعاريج: معراج أبي يزيد البسطامي، وهو أول المصرحين بالمعراج الصوفي، وكان يزعم أن له معراجًا كمعراج النبي صلى الله عليه وسلم، وتبعه على ذلك ابن عربي والجيلي([87]).

وقد أرجع الدكتور إبراهيم هلال فكرة المعراج عند أبي يزيد وغيره من الصوفية إلى أصول أفلوطينية وهرمسية، فقال: “خرج أبو يزيد بهذه الفكرة -أي: المعراج- إلى ما يشبه أصول الفلاسفة العرفانيين أو الغنوصيين… وقد تجلى ذلك في وصفه لمعراجه الذي يقصه علينا، كرؤيا رآها في النوم، متأثرًا في ذلك بأبي منصور العجلي، أو غيره من غلاة الشيعة، أو أتباع أفلوطين”([88]).

خاتمة:

هكذا ظهر من خلال العرض السابق كيف عبث الصوفية بمصادر الاستدلال، وكيف أنهم جعلوا لأنفسهم مصادر خاصّة بهم، وهجروا كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

فتلاعبت بهم الشياطين، فهجروا القرآن والسنة، وقدَّموا عليهما الكشف والذّوق والوجد والرؤى والمنامات، وما يسمَّى بالعلم اللدني، والإسرآت والمعاريج؛ فضلوا وأضلوا.

ومما تؤكّد عليه هذه الدراسة أن الأصل عند أهل السنة والجماعة الكتاب والسنة، وما دون ذلك يُعرض عليهما، فما وافق الكتاب والسنة قبلناه، وما خالف الكتاب والسنة رددناه، وإن جاء به أصلح الناس وأزهدهم.

كما تؤكد أن رؤية النبي صلى اله عليه وسلم والتلقي عنه يقظة بعد وفاته مستحيلة، ولا يمكن وقوعها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أكمل الله به الدين وأتم الملة، وأنه لا تشريع بعد ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم يقظة أو منامًا.

وكذلك فإن الخضر قد مات، ولا يوجد دليل صحيح صريح على حياته، ولو كان حيًّا للزمه الدخول في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسعه الخروج عنها كما خرج عن شريعة موسى.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز -ط: مؤسسة الرسالة- (1/ 228).

([2]) الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، عبد الرحمن عبد الخالق (ص: 37).

([3]) انظر: الرسالة القشيرية، ط: دار المعارف (1/ 61)، سير أعلام النبلاء، ط: مؤسسة الرسالة (10/ 183).

([4]) انظر: الرسالة القشيرية (1/ 79).

([5]) انظر: الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط: جامعة الإمام (1/ 82).

([6]) انظر: الطبقات الكبرى، عبد الوهاب الشعراني، ط: دار الكتب العلمية (2/ 173).

([7]) انظر: المصادر العامة للتلقي عند الصوفية (ص: 183).

([8]) انظر: تلبيس إبليس، لابن الجوزي، ط: دار الفكر (ص: 147)

([9]) الطبقات الكبرى (2/ 150).

([10]) الإبريز في كلام سيدي عبد العزيز الدباغ، ط: دار الكتب العلمية (ص: 3).

([11]) انظر: الطبقات الكبرى، للشعراني (2/ 154).

([12]) انظر: موسوعة الكسنزران، حرف العين (ص: 212).

([13]) انظر: موسوعة الكسنزران، حرف العين (ص: 213).

([14]) انظر: موسوعة الكسنزران، حرف العين (ص: 214).

([15]) مدارج السالكين، لابن القيم، ط: دار الكتاب العربي (2/ 445).

([16]) مدارج السالكين (3/ 400).

([17]) الجامع لأحكام القرآن، ط: دار الكتب المصرية (7/ 39).

([18]) انظر: العلم اللدني بين القبول والرفض، علاء إبراهيم عبد الرحيم:

العلم اللدني بين القبول والرفض

([19]) قوت القلوب (2/ 223).

([20]) قوت القلوب (2/ 219).

([21]) قوت القلوب (2/ 111).

([22]) التبصير في معالم الدين، ط: دار العاصمة (ص: 217).

([23]) انظر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (5/ 355).

([24]) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ط: دار العاصمة (3/ 399).

([25]) شرح العقيدة الطحاوية (ص: 196).

([26]) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (6/ 512).

([27]) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية (1/ 285).

([28]) انظر: لوامع الأنوار البهية (1/ 285).

([29]) انظر: في التصوف الإسلامي وتاريخه، رينولد. ا. أنيكولسون (ص: 208).

([30]) رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم (1/ 226).

([31]) الطبقات الكبرى (2/ 75).

([32]) رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم (1/ 199).

([33]) الجامع لأحكام القرآن (15/ 254).

([34]) غاية الأماني في الرد على النبهاني، ط: مؤسسة الرسالة (1/ 52).

([35]) فتح الباري، ط: دار المعرفة، بيروت (12/ 384).

([36]) فتح الباري (12/ 385).

([37]) ختم الولاية (ص: 43، 55، 200، 298، 581، 594-595، 597، 598، 601). وانظر: طبقات السلمي، ط: الكتب العلمية (ص: 37).

([38]) ختم الولاية (ص: 581).

([39]) انظر: تاج العروس (11/ 184-185).

([40]) الفتاوى (ص: 75).

([41]) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ط: دمشق (6/ 217). وانظر: تفسير القرطبي، ط: الريان (6/ 4079).

([42]) التعريفات للجرجاني، ط: دار الكتب العلمية (ص: 184).

([43]) التعريفات (ص: 250).

([44]) التعريفات (ص: 129).

([45]) التعريفات (ص: 34).

([46]) مشكاة الأنوار (ص: 45).

([47]) إحياء علوم الدين، ط: دار المعرفة، بيروت (3/ 19).

([48]) انظر: أصول بلا أصول، د. محمد إسماعيل المقدم، ط: دار بن الجوزي، القاهرة (ص: 191).

([49]) انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، على سامي النشار، ط: دار السلام (1/ 186).

([50]) عقيدة الصوفية ووحدة الوجود الخفية، د. أحمد عبد العزيز القصير، ط: مكتبة الرشد (ص: 499).

([51]) إحياء علوم الدين (3/ 19).

([52]) الإنسان الكامل، للجيلي (1/ 124)، ونصه: “معشر الأنبياء، أوتيتم اللقب، وأوتينا ما لم تؤتوه… خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله”.

([53]) انظر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، د. عبد الرحمن عبد الخالق (ص: 48).

([54]) فصوص الحكم (1/ 62).

([55]) انظر: لطائف الأسرار (ص: 49)، وطبقات الشعراني (1/ 68).

([56]) مشكاة الأنوار (ص: 116).

([57]) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (3/ 134).

([58]) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا أبو اليمان (3469).

([59]) تلبيس إبليس (ص: 285).

([60]) مصادر التلقي عند الصوفية، هارون بن بشير، ط: دار الراية (ص: 99).

([61]) إحياء علوم الدين (2/ 293).

([62]) الرسالة القشيرية (ص: 513).

([63]) المنح القدسية (ص: 79).

([64]) الرسالة القشيرية (ص: 400).

([65]) انظر: طبقات الصوفية (ص: 61).

([66]) الفتوحات المكية (2/ 90).

([67]) انظر: جواهر المعاني، لعلي حرازم (2/ 110).

([68]) مجموع الفتاوى (2/ 227).

([69]) انظر: فتح الباري لابن حجر، ط: المكتبة السلفية (12/ 369).

([70]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ط: دار إحياء التراث (1/ 212).

([71]) العلم اللدني، أمل عبد العزيز الظفيري، مجلة العلوم التربوية والدراسات الإنسانية، عدد: 24، (ص: 24).

([72]) الرسالة القشيرية (ص: 559).

([73]) انظر: الرسالة القشيرية (ص: 561).

([74]) الفتوحات المكية (4/ 28).

([75]) انظر: المصادر العامة للتلقي عند الصوفية (ص: 316-317).

([76]) فصوص الحكم، ط: دار الكتاب العربي (ص: 47).

([77]) انظر: ابن الفارض، د. حلمي مصطفى (ص: 196).

([78]) تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي (ص: 217).

([79]) جامع كرامات الأولياء للنبهاني، ط: دار صادر بيروت (2/ 218).

([80]) مساجد مصر وأولياؤهم الصالحون (1/ 102-103).

([81]) انظر: مساجد مصر وأولياؤهم الصالحون (1/ 102-103).

([82]) أصول بلا أصول (ص: 39).

([83]) انظر: الإسرا إلى المقام الأسرى، لابن عربي (ص: 28).

([84]) المواهب السرمدية في مناقب النقشبندية، ط: دار السعادة، القاهرة (ص: 184).

([85]) العلم اللدني، أمل عبد العزيز الظفيري، مجلة العلوم التربوية والدراسات الإنسانية، عدد: 24، (ص: 27).

([86]) انظر: الفرق بين الفرق (ص: 170).

([87]) انظر: تلبيس إبليس (ص: 162).

([88]) التصوف الإسلامي بين الدين والفلسفة (ص: 44).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

كيف أحبَّ المغاربةُ السلفيةَ؟ وشيء من أثرها في استقلال المغرب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدّمة المعلِّق في كتابِ (الحركات الاستقلاليَّة في المغرب) الذي ألَّفه الشيخ علَّال الفاسي رحمه الله كان هذا المقال الذي يُطلِعنا فيه علَّالٌ على شيءٍ من الصراع الذي جرى في العمل على استقلال بلاد المغرب عنِ الاسِتعمارَين الفرنسيِّ والإسبانيِّ، ولا شكَّ أن القصةَ في هذا المقال غيرُ كاملة، ولكنها […]

التوازن بين الأسباب والتوكّل “سرّ تحقيق النجاح وتعزيز الإيمان”

توطئة: إن الحياةَ مليئة بالتحدِّيات والصعوبات التي تتطلَّب منا اتخاذَ القرارات والعمل بجدّ لتحقيق النجاح في مختلِف مجالات الحياة. وفي هذا السياق يأتي دورُ التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله كمفتاح رئيس لتحقيق النجاح وتعزيز الإيمان. إن الأخذ بالأسباب يعني اتخاذ الخطوات اللازمة والعمل بجدية واجتهاد لتحقيق الأهداف والأمنيات. فالشخص الناجح هو من يعمل […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017