الجمعة - 16 ذو القعدة 1445 هـ - 24 مايو 2024 م

دعاء نوح عليه السلام على قومه بالهلاك .. شبهة وجواب

A A

مقدمة:

أرسل الله تعالى نوحًا عليه السلام إلى قومه ليدعوَهم إلى عبادة الله وحده، فلما بلَّغ رسالة ربه ونصحهم رفضوا دعوتَه ونصيحتَه، وزعموا أنه عليه السلام لا يستحقّ أن يكون رسولًا إليهم؛ لأنه بشرٌ مثلهم، ولو شاء الله إرسال رسول إليهم لأنزل ملكًا من الملائكة، وادَّعوا أن الذي دعا نوحا إلى هذا هو رغبته في أن يتفضَّل عليهم ويكونوا أتباعًا له. فلم يلتفت إلى ادِّعاءاتهم، بل واصل تأديةَ الرسالة، ولبِث في دعوتهم ألف سنة إلا خمسين عامًا؛ ولكن لم يزدهم ذلك إلا فرارًا من دعوته، فأوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من آمن، عند ذلك التجأ إلى الله بالدعاء على قومه بالهلاك والدمار، فاستجاب الله دعاءه، وأعلمه بأنه سيهلكم بالطوفان فلا يُبقي منهم أحدًا.

ثم نهى الله تعالى نوحا عليه السلام عن أن يطلب منه دفعَ العذاب عنهم ومراجعته في نجاة أحد من الذين كفروا؛ لأنه قد حكم على كل الكافرين بالغرق، وأوحى إليه أن يصنع الفلك -السفينة- لينجو عليها من الغرق هو ومن آمن معه([1])، ولم يكن لنوح ولا لغيره معرفة بصنع الفلك؛ ولذلك أوحى الله إليه صنعها وعلّمه كيف ينبغي أن تكون كما قال تعالى: ﴿‌وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 37]. وإنما أمره بعدم مراجعته في شأنهم؛ لأن عذاب الله إذا جاء فلا يردّ عن القوم المجرمين، ولعله قد تدركه رقّة عند معاينة العذاب النازل بهم، فإنه ليس الخبر كالعيان.

وأخذ نوح عليه السلام يصنع السفينة تحت أمر الله ووحيه، وجعل قومُه يمرّون عليه فيهزؤون به ويسخرون منه ويقولون له: يا نوح، قد كنت بالأمس نبيًّا واليوم قد صرتَ نجارًا، ويجتمعون عليه وهم يضحكون وهو جادّ عليه السلام في عمله، فكان يجيبهم بقوله: ﴿إِنْ ‌تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: 38، 39]، ولما انتهى من صنعها أمره الله سبحانه أن يحمل معه أهله ومن معه من المؤمنين، وأن يحمل فيها من الحيوانات من كل صنف زوجين اثنين -ذكر وأنثى-، ومن سائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها، ثم جعل له علامة وهو فَوَران التّنّور، والمراد به على رأي جمهور المفسرين: وجه الأرض، أي: أن تنبع الأرض من سائر أرجائها، فذلك وقت ركوب السفينة مع المؤمنين([2])، بعد ذلك سيكون الطوفان والغرق لجميع سكان الأرض، ولا ينجو من الغرق إلا ركاب السفينة. فلما ظهرت العلامة ركبوا في السفينة، وأرسل الله من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله ولا تمطره بعده، كان كأفواه القرب، وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها، كما قال تعالى في سورة القمر: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي ‌مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: 10-14]، وارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعًا، وعمّ جميع الأرض طولها وعرضها، سهلها وحزنها، جبالها وقفارها، ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف، فقد غمرهم الماء، وجرفهم الطوفان، ولم ينج إلا ركّاب السفينة، ولهذا يسمّى نوح عليه السلام أبا البشر الثاني؛ لأن جميع أهل الأرض بعد الطوفان هم من نسل أهل السفينة الذين كانوا مع نوح، حتى ابن نوح الذي لم يؤمن بالله ولم يركب مع أبيه في السفينة كان من الهالكين، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهِيَ ‌تَجْرِي ‌بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 42-44]([3]).

شبهة وجواب:

أثار بعض المتوهّمين أن نوحًا عليه السلام كان الأولى عليه أن يدعو لقومه بالهداية وليس بالهلاك كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26، 27]، كما يزعمون أنه استغفر لنفسه عقب الدعاء عليهم بالهلاك؛ لأنه وقع في ذنب، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: 28]، وأنه اعتذر يوم القيامة عن الشفاعة بهذه الدعوة التي دعا بها على قومه. وهذا ينافي العصمة التي يتصف بها الأنبياء؟!

والجواب:

أن نوحًا عليه السلام ظلَّ يدعو قومه ليلًا ونهارًا سرًّا وجهارًا مدة تسعمائة وخمسين عامًا، ومع كل ذلك لم يستجيبوا لدعوته؛ بل قابلوا الإحسان بالإساءة، واللطف بالشدة، فكلما ازداد لهم نصحًا ازدادوا عنادًا، وكلما ذكّرهم بالله زادوا ضلالًا وفسادًا، وظلُّوا في طريق الضَّلال سائرين، لا يلتفتون إلى دعوة نوح، ولا يبالون بتحذيره وإنذاره، وهو لا يفتأ يقول: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” كما ورد في البخاري عن عبد الله قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»([4])، وكما في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 5-10].

لقد كان جهاد نوح عليه السلام وصبره على إيذاء قومه بما لا طاقةَ لأحد على تحمّله ولا قدرة له عليه. فقد كان جهاده جهاد الأبطال، وصبره صبر الجبال، أوذي وعذب واضطهد وهو لم يكفّ عن تبليغ دعوة الله لمدة تقارب ألف عام، ولم يضعف عن إبداء النصح والتذكير ابتغاء مرضاة الله. وقد استعمل المشركون معه صنوف الاستهزاء والبلاء ليصدّوه عن دعوته، فلم يجدوا منه إلا كل صبر وثبات. اتهموه بأنواع الاتهامات، وافتروا عليه أنواع الافتراءات، فما زاده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا وصبرًا وجهادًا، فكان من الأنبياء المقربين ومن أولي العزم الصابرين([5]).

وقد ذكر المفسرون أن نوحًا عليه السلام كان يأتي قومه فيدعوهم إلى الله، فيجتمعون عليه ويضربونه الضرب المبرّح، ويخنقونه حتى يغشى عليه، ثم يلفونه في حصير ويرمون به في الطريق، ويقولون: إنه سيموت بعد هذا اليوم، فيعيد الله تعالى إليه قوته، فيرجع إليهم ويدعوهم إلى الله، فيفعلون به مثل ذلك. وهكذا بقي يؤذَى ويعذَّب وهو مع ذلك صابر لا يدعو على قومه بالعذاب، وإنما كان يأمل فيهم أو في أبنائهم الخير والصلاح، ويقول: “لعل الله يخرج من أصلابهم من يستجيب لدعوتي ويؤمن بالله”، ولكن مع هذه المدة الطويلة لم يؤمن معه إلا قليل منهم، قال الله تعالى: ﴿‌وَأُوحِيَ ‌إِلَى ‌نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: 36]، وكان كلما انقرض جيل جاء منْ بعده جيل أخبث وألعن، فلقد كانوا يوصون أبناءهم بعدم الإيمان به، وكان الوالد يقول لولده إذا بلغ وعقل: يا بني، احذر هذا، لا يغرنّك عن دينك وآلهتك، ولهذا دعا عليهم بعد أن يئس من إيمانهم: ﴿إِنَّكَ إِنْ ‌تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27] فكان بعد ذلك الطوفان([6]).

والخلاصة: أن نوحًا عليه لم يقْدِم على الدعاء على قومه إلا بعد اليأس منهم، وبذل النصح والتذكير طوال تسعمائة وخمسين عاما، والتحمّل في سبيل ذلك صنوفَ الأذى وأنواع الاتهامات، وصبره على إيذاء قومه بما لا طاقة لأحد على تحمله ولا قدرة له عليه. وبعد أن أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن منهم أحد إلا الذي آمن معه فقط، وبقي يؤذى ويعذب وهو مع ذلك صابر لا يدعو على قومه بالعذاب؛ وبعد استنفاذ جميع المحاولات دعا عليهم بعد أن يئس من إيمانهم: ﴿إِنَّكَ إِنْ ‌تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27] فكان بعد ذلك العقاب والغرق والطوفان.

استغفار نوح عليه السلام:

أما استغفار نوح عليه السلام بقوله: ﴿‌رَبِّ ‌اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28] فلا يعني أنه وقع في ذنب، والاستغفار يستحب في كل الأحوال من الأنبياء وغيرهم؛ لأنه بشر معرَّض للخطأ والتقصير، وهو من كمال العبودية والأدب مع الله تعالى من أنبيائه، وجاء عن النبي ﷺ أنه كان يستغفر الله تعالى في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة([7])، وفي رواية: مائة مرة([8])، وليس ذلك لمعصية ارتكبها أو لخطأ فعله.

قال الرازي: “واعلم أنه لَمَّا دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزیه الله تعالى الأنبیاء عليهم السلام من المعاصي وجب حَمل ما تقدم على ترك الأفضل والأكمل، وحسنات الأبرار سیئات المقربین؛ فلهذا السبب حمل هذا العتاب والأمر بالاستغفار، ولا یدل على سابقة الذنب؛ كما قال تعالى: ﴿‌إِذَا ‌جَاءَ ‌نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر]، ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجا ليست بذنب يوجب الاستغفار؛ قال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِینَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: ١٩ ]، ولیس جمیعهم مذنبین، فدل ذلك على أن الاستغفار قد یكون بسبب ترك الأفضل”([9]).

ومع هذا فإن دعاء نوح على قومه كان خلاف الأولى؛ إذ كان الأولى أن يوكل أمر قومه إلى الله، إن شاء أهلكهم وإن شاء أبقاهم، كما صنع إبراهيم عليه السلام إذ قال: ﴿‌رَبِّ ‌إِنَّهُنَّ ‌أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، وكما صنع عيسى عليه السلام إذ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ ‌عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فلما دعا نوح عليه السلام بإهلاك قومه كان قد ترك الأولى، وتركُ الأولى ليس ذنبا كما يدّعي بعض الواهمين، ومع هذا يستغفر منه الأنبياء؛ لسموّ درجتهم عند الله، وهذا ما فعله نوح عليه السلام([10]).

وأما عن اعتذاره عن الشفاعة يوم القيامة كما في الحديث: «إنّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعد مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري…»([11]) فإن هذا الحديث يدلّ أن اعتذار نوح عليه السلام عن الشفاعة لقومه لم يكن لخطأ قد ارتكبه، ولكن لأنه كانت له دعوة مستجابة فدعا بها على قومه، ولو أخرها لدعا واستشفع بها في هذا اليوم.

وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة»([12]).

وعلى هذا فإنّ اعتذار نوح عليه السلام عن الشفاعة يوم القيامة يكون بسبب استهلاكه الدعاءَ المستجابَ له في دعائه على قومه.

عصمة نوح عليه السلام:

قد اتفق العلماء على عصمة الأنبیاء عليهم السلام في كل ما كان طریقُه الإبلاغ في القول([13])، قال القاضي عياض: “وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه ‌من ‌الإخبار ‌عن ‌شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا”([14]).

وقال الرازي: “فالأمة مجمعة على كون الأنبیاء علیهم السلام معصومین عن الكذب والتحریف فیما یتعلق بالتبلیغ، وإلا لارتفع الوثوق بما أمروا بتبلیغه؛ واتفقوا على أن ذلك لا یجوز وقوعه منهم عمدًا كما لا یجوز أیضًا سهوًا”([15]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إن الأنبياء -صلوات الله عليهم- معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة؛ ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه… والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين”([16]).

فتبين أن دعوة نوح على قومه بالهلاك واستغفاره لا يعد ذنبًا ولا معصية ينافي العصمة التي يتصف بها الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ‌بَلِّغْ ‌مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، وقال تعالى: ﴿‌وَلَوْ ‌تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47].

قال ابن تيمية: “الأنبياءُ -صَلَواتُ اللهِ وسلامُه عليهم- معصومون من الإقرارِ على الذنوبِ كِبارِها وصغارِها، وهم بما أخبر اللهُ به عنهم من التوبةِ يرفَعُ دَرَجاتِهم ويُعَظِّمُ حَسَناتِهم؛ فإنَّ اللهَ يحبُّ التَّوَّابين ويحِبُّ المتطَهِّرين، وليست التوبةُ نقصًا، بل هي من أفضَلِ الكمالاتِ، وهي واجبةٌ على جميعِ الخَلقِ”([17]).

ويقول أيضا: “هم متَّفِقون على أنَّهم لا يُقَرُّون على خطأٍ في الدِّينِ أصلًا، ولا على فُسوقٍ ولا كَذِبٍ، ففي الجملةِ كُلُّ ما يقدَحُ في نبُوَّتِهم وتبليغِهم عن اللهِ فهم متَّفِقون على تنزيهِهم عنه. وعامَّةُ الجمهورِ الذين يجَوِّزون عليهم الصَّغائرَ يقولون: إنهم معصومون من الإقرارِ عليها، فلا يَصدرُ عنهم ما يَضُرُّهم”([18]).

وهذه الصَّغائِرُ التي تقَعُ من الأنبياءِ لا يجوزُ أن تُتَّخَذَ سَبيلًا للطَّعنِ فيهم والإزراءِ عليهم؛ فهي أمورٌ صغيرةٌ ومعدودةٌ غفرها اللهُ لهم، وتجاوز عنها، وطهَّرهم منها، فحَقُّ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ المحبَّةُ والتكريمُ والتوقيرُ، وعلى المُسلِمِ أن يأخُذَ العبرةَ والعِظةَ لنَفسِه من ذلك، فإذا كان الرُّسُلُ الكِرامُ الذين اختارهم اللهُ واصطفاهم عاتبهم اللهُ ولامهم على أمورٍ كهذه، فيَجِبُ إذًا أن يَكونَ العبدُ على حَذَرٍ وتخوُّفٍ مِن الذُّنوبِ والمعاصي، وأن يتأسَّى بالرُّسُلِ والأنبياءِ في المسارعةِ إلى التوبةِ إلى اللهِ وكثرةِ استِغفارِه([19]).

والحمد لله رب العالمين.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع

([1]) ينظر: البداية والنهاية (1/ 237)، وعصمة الأنبياء، محمد أبو النور الحديدي (ص: 207).

([2]) ينظر: تفسير الطبري (15/ 320).

([3]) ينظر: تفسير القرطبي (9/ 36)، تفسير ابن كثير (4/ 323).

([4]) أخرجه البخاري (6929)، ومسلم (1792).

([5]) انظر: النبوة والأنبياء للصابوني (ص: 148-149).

([6]) انظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (3/ 481).

([7]) أخرجه البخاري (5948).

([8]) أخرجه مسلم (7033).

([9]) التفسير الكبير (18/ 358).

([10]) انظر: عصمة الأنبياء (ص: 258)

([11]) أخرجه البخاري (3162)، ومسلم (501).

([12]) أخرجه البخاري (5945)، ومسلم (508).

([13]) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (1/ 420).

([14]) الشفا (2/ 746).

([15]) التفسير الكبير (3/ 7).

([16]) مجموع الفتاوى (10/ 289-290).

([17]) مجموع الفتاوى (15/ 51).

([18]) منهاج السنة النبوية (1/ 472).

([19]) انظر: الرسل والرسالات، لعمر الأشقر (ص: 112).

التعليقات مغلقة.

جديد سلف

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

كيف أحبَّ المغاربةُ السلفيةَ؟ وشيء من أثرها في استقلال المغرب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدّمة المعلِّق في كتابِ (الحركات الاستقلاليَّة في المغرب) الذي ألَّفه الشيخ علَّال الفاسي رحمه الله كان هذا المقال الذي يُطلِعنا فيه علَّالٌ على شيءٍ من الصراع الذي جرى في العمل على استقلال بلاد المغرب عنِ الاسِتعمارَين الفرنسيِّ والإسبانيِّ، ولا شكَّ أن القصةَ في هذا المقال غيرُ كاملة، ولكنها […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017