الأربعاء - 14 ذو القعدة 1445 هـ - 22 مايو 2024 م

نقضُ الشُّبهات العشر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

 

مقدمة:

كثرت الدعاوي حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتأثر بهذه الشبهات كثير من الناس حتى بعض طلبة العلم، وهذه النوع من الشبهات تحتاج إلى اطلاع واسع بتاريخ تلك الحقبة ودراسة الظروف والأحوال الدينية والسياسية، ومعرفة مذاهب علماء تلك الحقبة واصطلاحاتهم ودقّة مذاهبهم، وغير ذلك مما يفتقده كثير من المتأثرين بتلك الشبَه.

 وتسهيلا على المهتمّين بهذا الباب حصرنا أصول الشبهات حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فوجدناها تُردّ إلى عشر شبهاتٍ رئيسة لا تخرج عنها غالبًا، إلا أن تكون مقيسة عليها ومتفرعة عنها.

وحرصنا أن يكون الجوابُ مركزًا مختصرًا مدعومًا بالأدلة، بحيث تكون تلك الأجوبة كالأصل الذي يقيس عليه القارئ أيَّ شبهةٍ أخرى.

 (1) هل كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب مُتشدِّدًا؟

للجواب عن هذا السؤال ينبغي معرفة المزاج النفسي للشخصية المتشددة، فمن خلال نماذج تحليل الشخصية تجد الشخصية المتشدّدة دائما ما تتميز بأنماط سلوكية معيّنة، وتظهر هذه الأنماط غير السوية خلال السياقات التي تجنح بالأخذ بالعسير والأشدّ من الاجتهادات في المؤلفات وفي الأقوال والأفعال، وتجنح بعيدًا عن السلوكيات الوسطية المقبولة، ومن تأمّل كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب جيدًا -دون حكم مسبق- سيعلم أنه لا يمكن تضمينه إلى هذه الأنماط السلوكية التي تجنح إلى الأخذ بالأشد.

ومثال ذلك مسألة (تارك الصلاة)، فالشيخ لديه بحبوحة في تلك المسألة، على عكس المذهب الحنبلي، فالشيخ لا يُكفّر بالمختلَف فيه بين الققهاء، فقال رحمه الله: “أركان الإسلام الخمسة، أولها: الشهادتان، ثم الأركان الأربعة. فالأربعة إذا أقرّ بها وتركها تهاونًا، فنحن – وإن قاتلناه على فعلها – فلا نكفّره بتركها؛ والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود. ولا نقاتل إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان”([1]).

فهذا موقف من الشيخ يُخالف فيه أهل مذهبه الحنبلي؛ لأنه لا يريد أن يُكفّر بالشبهة والظن، أو بما اختلف فيه أهل العلم.

إن البنية النفسية لدى التكفيريّ ذات طبيعة مركّبة، ومن سماتها الرئيسية: تتبّع مظانّ التكفير في العبارات والجُمل، وتحميلها ما لا تحتمل، فضلا من أن يكون “ظاهر النص” في ذلك واضحًا كتكفير تارك الصلاة، فكيف إذا كان هذا مذهبه الفقهي؟! أليس كان من الممكن أن يتترس الشيخ بمذهبه الذي إذا اتبعه لن ينكر عليه أحد؟! لكنه فضّل عدم تكفيره، ورضي لنفسه أن يخالف ظواهر النصوص ويُقلّد الجمهور؛ لأنه يرى أن قضية التكفير يجب أن تكون يقينية بعيدة عن أي خلاف.

ثم إنه لم يُخصّص ذلك بتارك الصلاة فقط، بل بتارك الأركان الأربعة، وأيًّا ما كان القول الصحيح في تارك الأركان، وهل أصاب الشيخ أم أخطأ، إلا أن كلامه يُمثل تسامحًا كبيرًا يفوق تسامح كثير من طلبة العلم اليوم ممن يتجادلون حول هذه المسألة.

إذن إنَّ المباني النفسية للتكفيري لم تكن متوفّرة في الشيخ، ولا هو المزاج العامّ له، كما يدعي خصومه ومن تأثَّر بهم.

وهذا واضح من قوله: “وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم”([2]).

بل ويُصرح مرارًا أنه لا يُكفر إلا المعاندين فقط، فيقول مثلًا:”ونحن لا نكفر إلا رجلًا عرف الحق وأنكره، بعدما قامت عليه الحجة الرسالية، ودُعي إليها فلم يقبل، وتمرد، وعاند، وما ذكر عنَّا من أنَّا نكفِّر غير من هذا حاله فهو كذب علينا”([3]).

بل يقول الشيخ بشكلٍ صريح: “وأما الذي ينكره -أي: دعاء الأولياء- فهو بيْن أمرَيْن: إن قال: إنَّ دعوة الصالحين واستغاثتهم والنذر لهم وصيرورة الإنسان فقيرًا لهم أمرٌ حسَن ولو ذَكَرَ اللهُ ورسولُهُ أنه كُفْر؛ فهو مُصِرٌّ بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كُفره؛ فليس لنا معه كلام، وإنما كلامنا مع رجلٍ يُؤْمِن بالله واليوم الآخر، ويحبُّ ما أحبَّ الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنَّه جاهل قد لَبَّسَتْ عليه الشياطين دينه، ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حقّ، ولو يدري أنه كفرٌ يدخل صاحبه في النار ما فعله”([4]).

وقال أيضًا: “أما الشرك الذي يصدر من المؤمن وهو لا يدري، مع كونه مجتهدًا في اتباع أمر الله ورسوله، فأرجو أن لا يخرجه هذا من الوعد”([5]).

وقد نقل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله -وهو ركن الدعوة الركين- ما ينفي عن الشيخ أنه جريء في التكفير أو يرى كفر الجهال، فيقول رحمه الله: “فإذا كان هذا كلام الشيخ رحمه الله فيمَن عَبَد الصَّنَم الذي على القبور إذا لَم يَتَيَسَّر له مَن يعلِّمه ويبلِّغه الحجة، فكيف يطلق على الحَرَمَيْنِ أنها بلاد كفر؟!”([6]).

(2) هل كفَّر الشيخ رحمه الله نفسه وكفَّر شيوخه قبل الدعوة؟

من أعظم ما يستدلّ به الخصوم قولُ الشيخ في رسالته إلى أهل الرياض: “وأنا أخبركم عن نفسي، والله الذي لا إله إلا هو، لقد طلبت العلم واعتَقَد من عَرَفني أني لي معرفة، وأنا في ذلك الوقت لا أعرفُ معنى لا إله إلا الله، ولا أعرف دين الإسلام قبل هذا الخير الذي منَّ الله به، وكذلك مشايخي ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى لا إله إلا الله، أو عرف معنى الإسلام قبل هذا الوقت، أو زعم عن مشايخه أنَّ أحدًا عرف ذلك، فقد كذب وافترى، ولبَّس على الناس، ومدح نفسه بما ليس فيه”([7]).

وجواب ذلك من وجهين:

أولا: أنهم لم يفهموا حقيقة كلمة التوحيد حيث فهموا منها توحيد الربوبية وإثبات الصانع، وأوجبوا على الناس النظر في أدلة الحدوث والإمكان، وهذه قضايا كلامية جعلوها هي أساس التوحيد، وأهملوا توحيد العبادة الذي ما أرسل الله الرسل إلا من أجله.

والشيخ مسبوق بهذه الإطلاقات، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول عن المتكلمين: “لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين”([8]).

ويقول أيضًا: “فكان الكفار يقرون بتوحيد الربوبية، وهو نهاية ما يثبته هؤلاء المتكلمون، إذا سلموا من البدع فيه… -إلى أن قال:- والإله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه، وهو مع هذا يعبد غيره، فإنه مشرك بربه متخذ من دونه إلهًا آخر”([9]).

فإذا كان المتكلّمون الذين لم يُعرف عنهم شرك القبور قد وصفهم ابن تيمية بأنهم لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، بمجرد تقريرهم توحيد الربوبية دون الألوهية، فكيف بمن يُقرر مثلهم ويزيد عليهم شرك القبور بل ويدافع عنه؟! فهذا يدلك على أن كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب صحيح لا غبار عليه.

وانظر إلى ما قاله الإمام الشافعي عن الفقيه المعتزلي إبراهيم بن إسماعيل بن عُليَّة: “أنا أخالف ابن عُليَّة في كل شيء حتى في قول: لا إله إلا الله؛ فإني أقول: لا إله إلا الله الذي كلّم موسى، وهو يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلامًا سمعه موسى”([10]).

فهذا الشافعي يقول بأنه يخالف ابن عُلية في كلمة التوحيد، مع كون المسألة التي يخالفه فيها من مسائل الأسماء والصفات التي استقرّ أمر أهل السنة على عدم التكفير بها، فإذا كانت هذه الإطلاقات تصحّ في مبحث الأسماء والصفات -مع كونها من الأمور الخفية التي قد يُعذر قائلها- فكيف بأصل الدين؟!

ثانيًا: من قواعد الحكم الصحيح جمع كلام القائل في الباب الواحد وحمل المجمل على المفصل، وبنظرة مُتأنية في كلام الشيخ وتصرفاته يتّضح أنه شرح قصده بشكلٍ واضح.

فيقول رحمه الله في رسالته لعبد الله بن سحيم: “فإن عرفت أن الصواب معي، وأن دين الإسلام اليوم من أغرب الأشياء؛ أعني دين الإسلام الصِّرف الذي لا يُمزج بالشرك والبدع، وأمَّا الإسلام الذي هو ضد الكفر فلا شك أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأمم، وعليها تقوم الساعة”([11]).

وهذا النص وغيره بمثابة المُبيِّن للنص السابق، وبيان ذلك أن الشيخ يقسم الإسلام إلى: إسلام خالٍ من الشركيات والبدع، ومطلق الإسلام.

وهو ما يؤكد أن إطلاقات الشيخ عن الإسلام في كتبه ورسائله كانت عن دين الإسلام الخالص، وكذا تأسفه على انتشار الشرك في الأمة؛ إنما هو يقصد وصف الأحوال العامة، وضياع حقيقة الإسلام لا الإسلام ذاته، فالإسلام الذي يقابل الكفر فالأمة عليه -والحمد لله- بمنصوص كلامه وحروفه.

(3) هل خرج محمد بن عبد الوهاب على الدولة العثمانية؟

من الأغاليط الشائعة المنتشرة عند الموافقين والمخالفين معًا الظن بأن الشيخ خرج على العثمانيين، والجواب عن ذلك من وجوه:

أولًا: لم يُنقل عن الشيخ نفسه أيّ عداء للدولة العثمانية، بل الثابت عنه توقير ولاتها.

وهذه رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى شريف مكة ووالي العثمانيين، يقول فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم. المعروض لديك -أدام الله أفضل نعمه عليك- حضرة الشريف أحمد بن الشريف سعيد، أعزه الله في الدارين، وأعز به دين جده سيد الثقلين.

إن الكتاب لما وصل إلى الخادم -يقصد نفسه-، وتأمل ما فيه من الكلام الحسن، رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها، وعداوة من خرج عنها؛ وهذا هو الواجب على ولاة الأمور. ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر، وهو واصل إليكم، ويجلس في مجلس الشريف -أعزه الله هو وعلماء مكة-. فإن اجتمعوا فالحمد لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة، والواجب على الكل منا ومنكم أنه يقصد بعلمه وجه الله، ونصر رسوله…”([12]).

ثانيًا: لم يقع أيّ صدام عسكريّ مع العثمانيين حتى وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإلى عصر الشيخ كان الصدام علميًّا فقط، وكون الشيخ كان مخالفًا لمذهب السلطنة العقديّ ويدعو إلى ما يعتقده حقًّا؛ فهذا شيء لا ينكَر عليه، ولا يسمَّى خارجًا بهذا، وإلا لقلنا: إن الإمام أحمد كان خارجيًّا لمجرد أنه كان مخالفًا لمذهب المأمون المعتزلي.

أما الصّدام العسكري فبوادره كانت في عهد عبد العزيز بن محمد بن سعود -وبعد وفاة الشيخ بسنوات- عام 1211هـ، بين سعود وبين مماليك العراق، وكان هذا الصدام ردًّا على هجمات سليمان باشا المملوكي على الأراضي النجدية، ونهبه لأموالهم بشهادة المؤرخين المخالفين، كما سنعرف ذلك بالتفصيل. أما الصدام الحقيقي بينهم وبين الدولة العثمانية، والذي يعتبره المنتقدون خروجًا على الدولة العثمانية فكان في عهد الأمير عبد الله الملقَّب بعبد الله الكبير ابن عبد العزيز بن محمد بن سعود، وكانت أول حملة بقيادة طوسون بن محمد علي باشا عام 1228هـ، أي: بعد موت الشيخ بــ 22 عامًا، وهزم طوسون هزيمة منكرة، والحملة الثانية بقيادة إبراهيم باشا عام 1233هـ، أي: بعد موت الشيخ بــ 27 عامًا.

ثالثًا: إن الخلافة أو الإمامة العظمى للأمّة لها شروط عند فقهاء الملّة، منها: أنها لا تكون إلا في قريش. وانعقد على هذا إجماع أهل السنة والجماعة كمزيّة لقريش في الإمامة العظمى، وخالف في ذلك بعض المعتزلة والخوارج والشعوبية.

أما الحكام المتغلبون فهم أولياء أمور في حدود المناطق التي تغلبوا عليها -وذلك لحقن دماء المسلمين-، ويسمون: سلاطين لا خلفاء بالمعنى الخاص، وإن كانوا هم خلفاء بالمعنى اللغوي العام بأنهم مستخلفون في الأرض، مثل أي حاكمٍ آخر، لا خصوصية لأحدهم على غيره.

ولم يذكر أحدٌ من المؤرّخين أنّ دولة العثمانيين خلافةٌ، وإنما كانوا يلقِّبونهم بالسلاطين أو دولة الباب العالي، والشوكاني حينما ترجَم لبعض ملوكهم كان يسمّيهم بملوك الروم([13])، ولم تُلقّب بالخلافة إلا في القرن الماضي من بعض الكُتّاب.

نخلص من ذلك إلى أنَّ قتال الدولة السعودية مع الدولة العثمانية هو قتال دولة متغلّبة أمام دولة متغلّبة، لا مزيَّة لإحداهما على الأخرى، لكن ثمة مزية تميِّز الدولة السعودية بكونها دولة عربيةً صريحةً من بني إسماعيل([14]) وتحكم بالشريعة الإسلامية بشكلٍ تامّ، وليست دولة قبورية اتحادية تؤمِن بالخرافة والشعوذة، وتعظِّم ابن عربي القائل بالاتحاد والحلول.

رابعًا: السلطان العثماني كان سلطانًا صوريًّا، وقد خرج عليه سليمان باشا المملوكي واستقل بالعراق وأخذها لنفسه وأولاده، وخرج عليه محمد علي باشا وأخذ مصر لنفسه وأولاده، فكانت الأحوال آنذاك من جنس الأحوال في أواخر الدولة العباسية التي استقلّ فيها السلاجقة بدولةٍ لهم، واستقل بنو أيوب بدولة لهم، واستقل المرابطون بدولة لهم في المغرب العربي.

وكثير من حروب هذه الدول لم يكن يَعلم عنها الخليفة العباسي شيئًا، ومع ذلك فقد كانت بعض هذه الحروب خيرًا وفتحًا على الأمة الإسلامية، لا سيما حروب الأيوبيين في المشرق والمرابطين في المغرب، فلقد قاتل المرابطون القبائل الزنتانية المخالفة للشريعة -تحت راية إمام- مع وجود الخلافة العباسية الضعيفة في بغداد، ثم توسعوا في المغرب العربي، ولم يذمهم أحد، بل شكروا صنيعهم.

وكذلك -وسواءً بسواء- شكر العلماء وزعماء الإصلاح صنيع آل سعود في توحيد الأمة الإسلامية في الجزيرة العربية تحت راية واحدة، ذات شكيمة وكلمة مسموعة، بعد أن كانوا قبائل بدوية يُغير بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم بعضًا، وقد مدَحها المصلحون أمثال: طاهر الجزائري، وابن بدران الدومي، والمعصومي، وأبو بكر خوقير، وصديق حسن خان القنوجي، ومحمد رشيد رضا، وجمال الدين القاسمي، ومحمود شكري الآلوسي، والمفكرون والأدباء أمثال محمد كرد علي، ومالك بن نبي ومصطفى صادق الرافعي ومحمود لطفي المنفلوطي والعلامة أحمد شاكر وأخوه شيخ العربية محمود شاكر، والعلامة محمود الطناحي، وغيرهم كثير.

وحصر هؤلاء يطول جدًّا، والقصد من ذلك هو استقرار العمل عند العلماء جيلًا بعد جيل على مدح صنيعهم، وهو ما يُمكن تسميته: (ما استقر عليه العمل)، وهي قاعدة مهمّة عند أهل الشريعة يرجع إليها ويُستند عليها.

(4) هل كفَّر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعضَ الأعيان في زمانه كابن فيروز والمويس؟

جواب هذا من وجهين:

أولًا: في البداية ينبغي أن يُعلم أن مسائل تكفير المعيَّن مما لا تقليد فيها، وقد كفَّر الإمام أحمد بن حنبل جماعة من الأعيان مثل الحسين الكرابيسي -أحد كبار أصحاب الشافعي- مع أنه من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، ورواياته في الفقه هي أحد الموارد الرئيسة التي اعتمد عليها الشيرازي في “المهذب” ومحيي الدين النووي في “المجموع”، ورغم ما له من هذه المنزلة الرفيعة عند الشافعية فقد كفَّره أحمد بسبب مسألة اللفظ بالقرآن، والتي استقرّ أمر أهل العلم على كونها من المسائل الخفية، بل من دقيق المسائل، وهي أهون بكثير مما كان يجادل فيه ابن فيروز وغيره من الاستغاثة بغير الله.

قال المروذي: قلت لأبي عبد الله [يعني: الإمام أحمد بن حنبل]: إن الكرابيسي قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال أيضًا: أقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق من كلّ الجهات، إلا أن لفظي بالقرآن مخلوق، ومن لم يقل: إن لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر. فقال أبو عبد الله: بل هو الكافر، قاتله الله، وأي شيء قالت الجهمية إلا هذا؟! قالوا: كلام الله، ثم قالوا: مخلوق. وما ينفعه وقد نقض كلامه الأخير كلامه الأول حين قال: لفظي بالقرآن مخلوق([15]).

ثانيًا: الخصوم هم من بدؤوا بتكفيره لا هو، فاقرأ كلام ابن فيروز وهو يكفر أهل نجد عمومًا ويستحل دماءهم وأموالهم، ويقول: “والحاصل أن أمر طغاة نجد لا يُشكِل إلا على من تُشكل عليه الشمس، ولا يتوقف في تكفيرهم وحل دمائهم وأموالهم من معه مسكة من الدين”([16]).

ويقول في كلام وقِحٍ بذيء: “فإني أذكر في هذه الأوراق شيئًا من نشأة الطاغية المرتاب، المحيي ما اندرس من أباطيل مسيلمة الكذاب، أي: المنسوب إلى المرحوم الشيخ، وأرجو أنه ليس له، بل لعل الشيخ غفل عند مواقعة أمه عن الوارد، فسبقه الشيطان إليها، فكان هذا المارد، إذ إنه لعدو الله إبليس أشدّ الناس شبها له في إبراز الباطل في قالب الحق بأعظم تلبيس”([17]).

الحاصل أن خصوم الشيخ كفَّروا السلفيين بالعموم، أما الشيخ فلم يُكفِّر عمومهم، بل كفَّر أناسًا معينين قليلين يُعدون على الأصابع، رأى أن الحجة قد قامت عليهم، وجادلوا عن المشركين وساعدوهم بالحجج الشرعية من جهة، وحرَّضوا بالعتاد والسلاح من جهة أخرى، وهو اجتهاد خاصّ بالشيخ لا يلزم أن يُتابَع عليه، من جنس تكفير الإمام أحمد للكرابيسي، وتجهيمه لداود الظاهري وغيرهما.

(5) هل يُعقل أن يكون ابن فيرور وغيره من الحنابلة مخطئين والشيخ هو المصيب؟! لماذا لا يكون الشيخ سطحيَّ الطرح خفيفَ العلم، ومخالفوه هم أهل التحقيق والعلوم؟!

والجواب: أن كثيرًا من العلماء غير المُقلدين للوهابية ردوا على هؤلاء الحنابلة المُخالفين للشيخ، كالإمام الشوكاني، والنعمان الآلوسي، وأبي بكر خوقير، وجمال الدين القاسمي، وغيرهم كثير، وسيأتي كلامهم.

فلمَّا تزلَّف بعض أعداء الشيخ من الحنابلة إلى الصنعاني -مثل مربد والمويس- ونقلوا له أخبارًا كاذبة عن الشيخ، أقنعوه أن دعاء الأولياء ليس كفرًا أكبر، وإنما هو من جملة المعاصي والشرك الأصغر.

إلا أن الشوكانيّ ردّ عليه في “الدر النضيد”، فقال: (ومن جملة الشُّبه التي عَرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في شرحه لأبياته، التي يقول في أولها: رجعت عن النظم الذي قلتُ في النجدي…)([18]).

فالصنعاني كتب حاشيةً على هذه القصيدة -بعد رجوعه عن مدح الشيخ- صرح فيها بموافقته لمناوئي الدعوة في أن شرك القبور من الشرك الأصغر، أو الكفر العملي، مثل: ترك الصلاة، والنياحة، والقتل، ونحو ذلك. ثم قال الصنعاني بعد كلام طويل: (وهذا تحقيق بالغ). فقال الشوكاني رادًّا عليه وعلى مربد والمويس: (هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ، بل كلام متناقض متدافع، وبيانه: أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، لكن دعوى أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد)([19]).

ثم بدأ الشوكاني بتفنيد كلام الصنعاني، وأتى بنقول عن ابن تيمية وابن القيم وغيرهما أن كفر دعاة القبور من الشرك الأكبر، وبيَّن خطأ شيخه الصنعاني، رحم الله الجميع.

وممن رد عليهم أيضًا العلامة أبو بكر خوقير صاحب المُختصر الشهير في مذهب الحنابلة، المعروف بـ”مختصر خوقير”، ولم يكن مُقلدًا للوهابية، بل قد كان تلميذًا للشيخ أحمد زيني دحلان شيخ الشافعية في مكة، ومن أكبر مناوئي السلفية في زمنه، ثم إن خوقير تحوَّل إلى المذهب الحنبلي ليكون قاضيًا للحنابلة في مكة، لكنه استمر معارضًا للدعوة الوهابية، ثم لما نظر في كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم، وحصلت مناقشة علمية بينه وبين العلامة أحمد بن عيسى شارح نونية ابن القيم، اهتدى على إثرها إلى مذهب السلف، وسُجن بسبب ذلك، وأوذي وعزله شريف مكة من منصبه.

قال أبو بكر خوقير المكي: “ومن نظر في كتبهم -أي: النجدية- عرف ما يفتريه الناس في حقهم، وأن مرجعهم في الأحكام والاعتقاد إلى كتب السنة والتفسير ومذهب الإمام أحمد، وطريقة الشيخين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فلهما الفضل على جميع الناس في هذا الباب، كما يعترف بذلك أولو الألباب، وهذه كتبهما قد نشرها الطبع، فنطقت بالحق وقبِلَها الطبع. فمن أراد الاحتياط ورام التحري والوقوف على الحقيقة فلينظر فيها، وفي كلام من انتقد عليهما من المعاصرين لهما، وليحاكم بينهم بما وصل إليه من الدليل المحسوس والبرهان، وما صدّقه الضمير والوجدان، فإن الزمان قد ارتقى بالإنسان كما يقتضيه الرقي الطبيعي، فمزق عنه حجب الاستبداد، وفك عنه قيود الاستعباد، ورجع به إلى الحكم بما في الصدر الأول والطبع العربي، ولقد تنازل في المحاكمة من يحاكم إلى غير الأقران والمعاصرين في الزمان”([20]).

وممن رد عليهم أيضا العالمُ الكبير مفتي بغداد: السيد نعمان الآلوسي الحنفي -وهو ابن أبي الثناء المُفسّر صاحب “روح المعاني”- في كتابه (شقائق النعمان في رد شقاشق داود بن سليمان) وهو رد على ابن جرجيس، ومعلوم أن النعمان الآلوسي كان متصوّفًا، ولم يكن وهابيًّا أو مُقلدًا لهم.

وابن جرجيس الذي رد عليه النعمان الآلوسي هو أشهر من حمل لواء ابن فيروز وجماعته، وكان تلميذًا للعلامة أبا بطين النجدي، ثم تمرد على شيخه، وادعى أن دعاء المقبورين ليس من الشرك الأكبر عند ابن تيمية وابن القيم، وأنهما بريئان من الوهابية الخوارج! وصنف في ذلك كتابًا أسماه: (صلح الإخوان من أهل الإيمان، وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيمية وابن القيم).

ثم إن ابن أخي النعمان -وهو العلامة محمود شكري الآلوسي- رد على ابن جرجيس في (فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان)، وهو تتمة لكتاب الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (منهاج التأسيس في الرد على داود بن جرجيس) الذي ردّ فيه على ابن جرجيس، ومات قبل أن يُتمَّه، فأتمه الشيخ محمود الآلوسي بعد موته.

فانظر كيف يتتابع العلماء والمصلحون بشتى مشاربهم في الرد على ابن جرجيس الحنبلي، ومعلوم أن ابن جرجيس هو امتداد لمذهب الحنابلة الذين خالفوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ثم كيف يدَّعي عاقلٌ موافقة خصوم الدعوة لابن تيمية وابن القيم وأكثرهم من الأشاعرة ومن تابعهم من الحنابلة ممن يقرّرون نفس التقريرات، سواء في مسائل الأسماء والصفات ودليل حدوث العالم، وغيرها من المسائل، كشأن متأخري الحنابلة، والتي لعلهم نسبوها لابن تيمية نفسه دون خبرة ودراية منهم، فإذا جاز خطؤهم في فهم ابن تيمية تجاه هذه المسائل الواضحة لعدم خبرتهم بمصنفات الشيخ في تلك العصور، فما الذي يمنع عقلًا عدم فهمهم للشيخ في تقرير توحيد العبادة أيضًا؟!

ومما يدلّ على مفارقة مذهبهم لمذهب ابن تيمية قول الشيخ ابن عفالق في رسالته لعثمان بن معمر: (والحاصل في كلام هذا الجاهل -يعني محمد بن عبد الوهاب- أن الشرك في الألوهية هو الشرك الأكبر، وهو الذي قاتل عليه الرسول المشركين، وهذا خطأ وجهل وزندقة، بل الشرك في الألوهية هو الشرك الأصغر)([21]).

ولما بيّن له الشيخ محمد بن عبد الوهاب بطلان قوله راح يدَّعي أن هذا اجتهاد من ابن تيمية!

يقول الشيخ ابن عبد الوهاب: “وكذلك لما أتاهم كتاب ابن عفالق الذي أرسله المويس لابن إسماعيل، وقدم به عليكم العام، وقرأه على جماعتكم، يزعم فيه أن التوحيد دين ابن تيمية، وأنه لما أفتى به كفره العلماء، وقامت عليه القيامة”([22]).

فلما حاصره الشيخ بالحجج استكبر عن الرجوع عن قوله، وراح يرسل إليه أسئلة في مُلح العلوم ليُبين عجزه عن الإجابة، فعلم الشيخ من ذلك أنه مجادل ولا يريد الحقَّ، وإنما أخذته العزة بالإثم.

وإثبات أجنبيّة هؤلاء عن كتب ابن تيمية لا يحتاج كبير جهد، فانظر مثلًا ابن داود الزبيري في كتابه (الصواعق والرعود) كيف نسب لابن تيمية القول بجواز التوسل والاستغاثة، بناءً على كلام لابن تيمية عن اللائق به في حياته صلى الله عليه وسلم.

قال ابن داود: “وقال الشيخ أيضا -أي ابن تيمية-: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق به لا ينازع فيه مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئ”([23]).

ثم عقب بقوله: “فانظر هذا الكلام النفيس.. فهذا حال من ينكر التوسل -أي: عند ابن تيمية-، فكيف بحال من ينكر الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم، ويقول لمن طلبها منه: يا كافر، ومن لم يكفر من يقول: يا رسول الله اشفع لي، فهو أكفر من فرعون؟!..”([24]).

فنسب إلى ابن تيمية جواز التوسل وطلب الشفاعة بعد موته، مخالفًا بذلك ما عرف بالضرورة من مذهبه، مُتجاهلًا رد السبكي عليه، ولكن خصوم محمد بن عبد الوهاب خالفوا الضروريات التاريخية جهلًا منهم بتراث الشيخ رحمه الله.

ومما يدلّ على أن ما فهمه ابن داود ليس مذهبًا لابن تيمية أن ابن تيمية يقول في موضع آخر: “أما دعاء الرسول وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فلم ينقل عن أحد من الصحابة.. إذ كان أحد منهم لم يستقبل القبر للدعاء لنفسه، فضلًا عن أن يستقبله ويستشفع به؛ يقول له: يا رسول الله، اشفع لي، أو ادع لي، أو يشتكي إليه مصائب الدين والدنيا، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له، أو يشتكي إليهم المصائب، فإن هذا كله من فعل النصارى والمشركين”([25]).

فانظر كيف جعل ابن تيمية من يقول: (يا رسول الله اشفع لي) يوافق صنيع النصارى والمشركين، وهذا ابن داود الجاهل بتراث ابن تيمية ينسب إليه هذا القول. فسبحان الملك.

(6) لماذا كفَّر ابن عبد الوهاب القبورية في زمانه، فيما أننا نجد أن تقي الدين السبكي قال بالاستغاثة، بل وكثير من المتأخرين، وابن تيمية رد عليهم ولم يكفرهم؟!

هذا الإيراد يحتوي على مغالطةٍ شهيرةٍ يقع فيها المخالفون وكثير من الموافقين أيضًا، وهو اعتبار السبكي والهيتمي والسيوطي وكثير من العلماء المتأخرين ممن قالوا بالاستغاثة أو ورد لهم استغاثات في قصائدهم من جُملة القبورية الذين قصدهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

وهذا أمر لا يُسلِّم به، بل إن البوصيري -الذي وصفه ابن تيمية بالغلو([26])– لم يكفره الشيخ محمد بن عبد الوهاب باستغاثاته في البُردة، فقال في رسالته إلى أهل القصيم: “بلغني أنَّ رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم، وأنه قبِلها وصدَّقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلمُ أنَّ الرجل افترى عليَّ أمورًا لم أقلْها، ولم يأت أكثرها على بالي، فمنها: قوله أني أكفّر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق. جوابي عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! وقبله من بهت محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه يسبُّ عيسى ابن مريم ويسب الصالحين، فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور”([27]).

فإذا علمت أن البوصيري من الغلاة عند ابن تيمية، ولم يكفره الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأجل استغاثته بالرسول، فكيف بعلماء المتأخرين كالسبكي والهيتمي؟!

يقول عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: “ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته، واشتهر صلاحه وعلمه وورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها، وإن كان مخطئًا في هذه المسألة -أي: الاستغاثة بالرسول- كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سِمة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين”([28]).

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن قول بعض المتأخرين بالاستغاثة بالرسول -بمعنى طلب الشفاعة والدعاء- ليس هو ذاته قول القبورية الصّرفة؛ لأن القول بالاستغاثة والاستشفاع بالرسول هو أمر انتشر في المتأخرين، وصنف العلامة الآلوسي (جلاء العينين) وناقش هذه المسألة موردًا كلام المانعين والموجوّزين، وكذلك العلامة السويدي في (العقد الثمين) أورد أدلة المانعين، وترحّم على الطرفين، ويكأنها من سائر مسائل العلم التي فيها الحق والباطل، وإن رجّح الآلوسي أدلة المنع، ولم يُرجّح السويدي، وإن كان ظاهر مذهبه هو المنع، وكلاهما ردَّا على القبورية.

فلو كان قول المجوزين عندهما هو نفسه قول القبورية لما أوردَا كلام الطرفين في نظامٍ واحد؛ بدليل أن أبا زرعة العراقي-وهو تلميذ السبكي- ورد في فتاواه تحريم الطلب من الأولياء، وسماه مُنكرًا([29])، وفي نفس الوقت أثنى على كتاب السبكي (شفاء السقام)، فيقول رحمه الله: “وما أبشع مسألتَي ابن تيمية في الطلاق والزيارة، وقد ردّ عليه فيهما معا الشيخ تقي الدين السبكي، وأفرد ذلك بالتصنيف، فأجاد وأحسن”([30]).

وقال أيضًا: “وللشيخ تقي الدين ابن تيمية كلام بشع يتضمّن منع شدّ الرحل للزيارة، وأنه ليس من القرب بل بضدّ ذلك، ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السقام، فشفى صدور قوم مؤمنين”([31]).

ففي النقلين السابقين يثني العراقي على كتاب السُّبكي، ولم يُشر إلى مخالفته بشأن الاستغاثة التي أطال السبكي النفَس فيها، ومع هذا -وفي الوقت نفسه- تجد العراقيَّ في فتاواه يُنكر على المستغيث بالأولياء عند القبور، وهذه قرينة تدلّ على أن القولين مُتباينان عند العراقي.

وقد نقل شيخ الإسلام أن البكري طاف بجوابه على أهل العلم طالبًا منهم أن يوافقوه على الاستغاثة بالأولياء فلم يوافقوه، يقول شيخ الإسلام: “وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه، وقد كان بعض الناس يوافقه على جواز التوسل بالنبي الميت؛ لكنهم لم يوافقوه على تسميته استغاثة، ولا على كفر من أنكر الاستغاثة به، ولا جعلوا هذا السبب، بل عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة به بمعنى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه”([32]).

وهذا الذي نقله ابن تيمية عن علماء مصر الأشاعرة -وفيهم من يخالف ابن تيمية في التوسل الاستغاثة بالرسول- فيه دليل أن قولهم يخالف قول البكري ويخالف قول القبورية الصِّرفة، لا كما يظن كثير من طلبة العلم من المخالفين والموافقين([33]).

والقصد من ذلك أن مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب يوافق مذهب ابن تيمية في عدم تكفير العلماء المتأخرين ممن أخطأوا في الاستغاثة بالرسول، وإنما قصد تكفير المعتقدين في الأولياء، العاكفين على قبورهم، الداعين لهم في البر والبحر، فهذا الصنف هو من قصده الشيخ رحمه الله.

(7) كيف يكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب مُجدّدًا ويُسميه البعض بشيخ الإسلام وهو دون ابن تيمية بكثير في العلم والموسوعية؟!

وللجواب عن ذلك نقول: ثمة أغلوطة شائعة في أوساط طلبة العلم المعاصرين: أن المُجدد لا بد وأن يكون قد بلغ رتبة “المجتهد المطلق” على اصطلاحات المتأخرين المخترَعة، وفي حقيقة الأمر أن هذا ليس مُسلَّمًا به، ولا دليل عليه البتة، ومعلوم الفرق بين مطلق الاجتهاد والاجتهاد المطلق، فعمر بن عبد العزيز مجدّد القرن الأول بالاتفاق، وهو وإن كان مجتهدًا في نفسه، لكن لا يمكن الزعم بأنه وصل إلى رتبة “مجتهد مطلق” باصطلاح المتأخرين، وقد ثبت أنه كان يسأل أهلَ العلم في كثير من الأمور، أمثال: سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة([34]).

ولقد أطلق العلماء على أبي إسماعيل الهروي: “شيخ الإسلام” مع اتباعه السُّنة وإنكاره البدع والمخالفات فقط، وليس له مصنفات في أصول الفقه ولا غيرها، فيما أننا نجد كثيرا من معاصريه لهم من مصنفات أصول الفقه ما تحار فيها العقول، ولهم معرفة بالفلسفة والمنطق، ومع ذلك لم يحظوا بلقب “شيخ الإسلام”.

وقد أوصى الإمام أحمد أن يخلفه رجلٌ من بعده، ليس بواسع العلم بمفهوم المتأخرين؛ فجاء في كتاب الورع: «حدثنا أبو بكر -يعني المروزي- قال: سمعت فتح بن أبي الفتح يقول لأبي عبد الله في مرضه الذي مات فيه: ادع الله أن يحسن الخلافة علينا بعدك. وقال له: من نسأل بعدك؟ فقال: سل عبد الوهاب. وأخبرني من كان حاضرًا أنه قال له: إنه ليس له اتساع في العلم، فقال أبو عبد الله: إنه رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق»([35]).

ويتجلّى هذا في قول ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية([36]).

قال الذهبي: «العلم ليس هو بكثرة الرواية، ولكنَّه نور يقذفه الله في القلب، وشرطه الاتباع، والفرار من الهوى والابتداع»([37]).

(8) قام الوهابيون بالإغارة على قرى لم يكن عندهم قباب ولا أضرحة وكفّروهم، وقد وثق ابن بشر وابن غنام بعض هذه الجرائم، فما الجواب؟

ينبغي أن نعرف أن الوقائع التاريخية ينبغي أن تستقرأ كاملة غير مجتزأة، وفي كل تلك الحروب كان للوهابيين مبرر قويّ لذلك، ولنأخذ من ذلك نموذجًا.

فمن ذلك: إغارتهم على أهل القصيم، فإن ذلك كان بسبب أنهم كانوا في معاهدة مع الشيخ، وأرسل لهم علماء وشيوخًا يعلمون الناس التوحيد والعقيدة، ثم عزم أهل القصيم على نقض العهد، وكاتبوا أمير الأحساء سعدون بن عريعر للقدوم عليهم، وقتلوا الشيوخ العُزّل الذين أرسلهم لهم، في وقعة شنيعة تُسمى: (مذبحة المطاوعة).

قال المؤرخ ابنُ لعبون رحمه الله في تاريخه: “وفي سنة 1196هـ أقبل بنو خالد على القصيم، وانقلبوا عن الدين، وقتلوا من عندهم ممن ينتسب إلى الدين” يقصد دعوة التوحيد. ثم سمّى ابن لعبون رجالًا من أئمة المساجد والمعلمين([38]).

وقال ابن بشر رحمه الله في تاريخه في أحداث سنة 1196هـ: “وفيها أجمع أهل القصيم على نقض البيعة والحرب، سوى أهل بريدة والرس وتنومة، وقَتَلوا كلَّ من ينتسب إلى الدين عندهم -يقصد بالدين: دعوة التوحيد التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب-، خصوصًا المعلّمين الذين يعلّمونهم أحكام الشريعة… فحين قَرُبَ -أي: سعدون بن عريعر- من القصيم، قام كل أهل بلد فقَتَلوا مَنْ عندهم من العلماء”([39]).

والشاهد مما سبق: أنّ أهل القصيم وإن لم يباشروا عبادة الأضرحة، إلا أنهم نقضوا العهد، وقتلوا الشيوخ العُزّل الذين أرسلهم لهم الشيخ، مما اضطر ابن سعود إلى غزوهم.

وعلى هذا فقِس بقيّة حروبهم ضدَّ من لم يباشر عبادة القبور، إذ كانت من جنس هذا السبب، وهو نقض العهد أو معاونة عبَدة القبور بالسلاح والعتاد لأسباب سياسية.

وقد قال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالته لأهل مكة: “ولا نُكفّر إلا من بلغته دعوتنا للحق، وَوَضَحَتْ له المحجّة، وقامت عليه الحجّة، وأصرّ مستكبرًا معاندًا، كغالبِ من نقاتلهم اليوم، يُصرّون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذُكِر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله([40]).

فذَكَر الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله صنفين ممن قوتلوا:

الأول: القبورية الصرفة الذين يصرون على عبادة الأضرحة، وهم القسم الأكبر من حروب الوهابية.

والثاني: من ناصروا الصنف الأول، وذبّوا عنهم وإن لم يباشروا عبادة الأضرحة.

والموضوع نراه عقليًّا ومنطقيًّا فضلًا عن كونه شرعيًّا، فالذي ينكر تعاطي المخدرات ويعترف بأنها ذنب كبير من الذنوب، ثم نراه يُعين تجار المخدرات ويُسهّل لهم الطرق لدخوله إلى البلاد، فهو يأخذ حكمهم أيضًا، وإن لم يباشر تعاطي المخدرات بنفسه، فلا ندري كيف يستشكل بعض المعاصرين هذا الأمر ويرونه شبهةً أصلًا.

(9) أليس جميع الحنابلة خالفوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب؟

والجواب عن ذلك من وجهين:

الوجه الأول: لا نُسلّم أن جميع الحنابلة خالفوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل إن أكبر تلامذة ابن فيروز -وهو أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي الحنبلي- التحق بركب الدعوة السلفية، ولما دخلت جيوش إبراهيم باشا إلى مكة المكرمة وعرض عليه أن يتركهم رفض ابن رشيد رفضًا باتًّا، فأمر بتعذيبه وقلع أظافره وأسنانه.

وقد ادّعى ابن حميد صاحب “السحب الوابلة” أن ابن رشيد وافق الدعوة مُصانعةً لهم، وهذا لا دليل عليه، والتاريخ يُكذِّب ذلك؛ لأن ابن رشيد رفض أن يترك الدعوة لما انتصرت جيوش إبراهيم باشا -وهذا باعتراف ابن حميد نفسه-، وقد نُفي ابن رشيد الأحسائي إلى مصر مع أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

قال الشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله في ترجمة أحمد بن رشيد تعليقًا على ما ذكره ابن حميد: “هذا بعض ما ذكره صاحب السبل الوابلة في ترجمته. ولا شك أن هذا تحامل من المترجِم، وإلا فصاحب الترجمة قد تبين له صحة دعوة الشيخ، ولذا لم يُجب الباشا إلى طلبه، ولو كان كما ذكر عنه أنه أظهر الموافقة ظاهرًا وهو بضد ذلك لكان يجيبه إلى طلبه، ويكون ذلك أحب ما إليه، ولترك مصانعة الإمام سعود ومن معه، ومداراتهم ومداهنتهم كما زعم؛ لأنه لا حاجة تدعو إلى ذلك، وهذا لا يُظن بصاحب الترجمة، بل قد شرح الله صدره للحق، ووافق ظاهرًا وباطنًا، فلهذا ناله ما ناله من الأذى في الله، فرحمه الله ورضي عنه”([41]).

الحاصل: أن ابن رشيد الأحسائي العفالقي -وهو شيخ الحنابلة في وقته- قد صحّح مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأثنى على تلامذته وأولاده؛ مما يدل أن القول القائل بأن جميع الحنابلة خالفوا الشيخ محمد هو قولٌ يشوبه الجهل بتاريخ تلك الحقبة.

الوجه الثاني: هذا الظن الشائع أن الحنابلة -بل والعلماء- خالفوا الشيخ في دعوته هو ظن مبني على مغالطة شهيرة عند المخالفين بل والموافقين أيضًا، وتتلخّص هذه المغالطة في حصر النزاع بين طرفين فقط:

1- طرف مع الوهابية مطلقًا وهم أتباع الشيخ وتلامذته.

2- طرفٌ آخر مع الخصوم مطلقًا وهم مِن سائر العلماء التقليديين.

والحقيقة أن هذه القسمة الثنائية غير صحيحة، يعرف هذا المتأمّل لتاريخ تلك الحقبة والسابر لأغوارها، بل كان هناك طرف ثالث ظاهر وبقوة في المعادلة، فبعض العلماء الذين انتقدوا الدعوة في جزئيات قد خالفوا جماعة ابن فيروز وابن عفالق وأشباههما وردّوا عليهم، ووافقوا الشيخ في أن دعاء المقبورين من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وأنه مذهب ابن تيمية وابن القيم، إلا أن هذا الطرف كان لديه بعض التحفّظات من جهة القتال أو الاستغراق فيه بغير حاجة لاحتمالية عدم قيام الحجة على الأفراد.

ومن هذا القسم علماء العارض، مثل العلامة عبد الله بن عيسى -وهو من أقران ابن فيروز- وكان قاضي الدرعية قبل محمد بن عبد الوهاب، وعبد الله بن سحيم، وقد صرحا أن الحق مع الشيخ في مسائل الاعتقاد، وكان لهما ولغيرهم مراسلات مع الشيخ تدل على اتفاق كبير فيما بينهم، ولكن خالفوه في جزئية القتال، وهؤلاء أيضا من علماء الحنابلة الذين خالفوا ابن فيروز وجماعته.

وممن وافق الدعوة ممن جاء بعدهم: الشيخ الفاخوري الشافعي قاضي قضاة الشام، وصديق حسن القنوجي صاحب أبجد العلوم، والجبرتي، والسويدي، والنعمان الآلوسي، والإمام الشوكاني، وغيرهم. فهؤلاء صوَّبوا مذهب الشيخ وردوا على مخالفيه، وتردَّدوا في مسألة القتال بسبب الأخبار المتضاربة.

وقد سبق أن بينَّا في إجابة السؤال الخامس أنه لما تزلَّف بعض الحنابلة من أعداء الشيخ إلى الصنعاني ببعض الشبه، ردَّ عليهم الشوكاني في كتابه الدرِّ النضيد([42]).

وهنا مقامان:

المقام الأول: تصويب الشيخ في مسائل التوحيد والعقيدة دون مخالفيه.

المقام الثاني: الحكم على اجتهاد الشيخ في القتال، وإسقاط الحكم الشرعي على المُعين.

فإن وافقَنا المعارضون على المقام الأول، فقد وافقوا الشيخ على العقيدة السلفية وخالفوا مناوئيه في تقرير العقيدة، وهذا هو المطلوب، وأما المقام الثاني فأمره يسير، فهو يتعلق بإسقاط الحكم الشرعي على الوقائع التاريخية آنذاك، وهو أمر اجتهادي مختصّ بأهل العلم في تلك الأزمنة.

(10) هل خالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ابن تيمية في مسألة العذر بالجهل؟!

أولًا: إن سلمنا أن الشيخ لا يعذُر بالجهل -مع كوننا لا نسلّم بهذا- فابن تيمية يقول بوجوب مقاتلة عبدة القبور كما يُقاتَل أمثالهم من المشركين -وسيأتي كلامه-، فالنتيجة النهائية واحدة عند الشيخين، سواء عُذروا أو لم يُعذروا.

ثانيًا: كلام ابن تيمية عن الغافل الذي لم يُنبه ولم تقم عليه الحجة ولم يعانِد ويُجادل عن فعله، والشيخ محمد بن عبد الوهاب إنما كفّر المعاندين الذين عرفوا الحقّ وصدوا الناس عنه، فقال: “وأمَّا التكفير فأنا أكفِّرُ من عرف دينَ الرَّسول، ثم بعدما عرفه سبَّه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفّر”. ثم قال في عبارة صريحة تبيِّن أن من يكفِّرهم قلَّة من الناس: “وأكثرُ الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك”([43]).

ثالثًا: مسألة العذر بالجهل في أصل التوحيد من مسائل الخلاف السائغ، وقد نُقل عدم العذر في أصل التوحيد عن عدد كبير من العلماء دون النجديّين، مثل ابن عقيل وابن القيم والشوكاني وغيرهم.

يقول الشوكاني جوابًا عن سؤال: هل يُعذر الجاهل -أي: في شرك القبور- لقولهم: إن العمل متوقّف على العلم وكذا الوجوب؟ فأجاب رحمه الله: “من وقع في الشرك جهلا لم يُعذر؛ لأن الحجة قامت على جميع الخلق بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فمن جهل فقد أتي من قبل نفسه، بسبب الإعراض عن الكتاب والسنة”([44]).

ومعلوم أن الشوكاني هو مجتهد أهل عصره، بل أوحد أهل قطره في الأصول والفروع بشهادة المخالفين، ولم يكن مقلدًا للوهابية.

وممن لم يعذرهم أيضًا أحمد بن محمد الأقحصاري الحنفي الصوفي الخلوتي، المتوفى سنة 1041هـ -أي: قبل الوهابية بقرنين من الزمان-، حيث صنف كتاب (مجالس الأبرار ومسالك الأخيار ومحائق البدع ومقامع الأشرار الفجار)، وشحنه بتكفير عبّاد القبور والأضرحة، وقال في سبب تصنيفه للكتاب: “وأُبيّن فيه من الاعتقادات الصحيحة والأعمال الآخرة، وأحذر عما فيه من استمداد القبور وغيره من فعل الكفرة، وأهل البدع الضالة المضلة الفجرة، لما رأيت كثيرًا من الناس في هذا الزمان جعلوا القبور كالأوثان، يصلون عندها ويذبحون القربان، ويصدر منهم أفعال وأقوال لا تليق بأهل الإيمان، فأردت أن أبين ما ورد به الشرع في هذا الشأن، حتى يتميز الحق من الباطل عند من يريد تصحيح الإيمان والخلاص من كيد الشيطان، والنجاة من عذاب النيران، والدخول في دار الجنان. والله الهادي وعليه التكلان”([45]).

وممن نُقل عنه عدم العذر في أصل التوحيد أيضًا أبو الوفاء ابن عقيل، قال ابن عقيل: “لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم”. قال: “وهم عندي كفارٌ بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ التراب تبركا وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى”([46]).

ويقول ابن القيم في كتاب الكبائر: “فصل: يكفر من يعبد غير الله عز وجل من رسول أو نبي أو جني أو شيخ أو غير ذلك، وقد يقع في هذا بعض الجهال المنتسبين إلى دين الإسلام في أمور تقع منهم عن جهـل، فمن ذلك المنتسبون إلى المشايخ كالشيخ أحمد الرفاعي أو الشيخ يونس أو الشيخ عدي أو غيرهم؛ لأنهم متألهون بذكرهم ومحبتهم من دون الله عاكفين على قبورهم، يقبلونها، ويسجدون لها، ويستغيثون بهم، ويطلبون المغفرة وقضاء الحوائج، وهذا أصل عبادة الأوثان”([47]).

وظاهر كلام ابن القيم في النقل السابق عدم عذرهم بالجهل، إذ ذكر أدلة كفرهم دليلًا دليلًا، مع وصفه لهم بالجهالة في نفس العبارة، بل وفي كتابه (إغاثة اللهفان) يُسميهم بالمشركين، وهو نفس ما أخذه البعض على النجدية من تسميتهم مشركين أيضًا.

يقول ابن القيم: “ومن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبرَ معظَّمٍ يعظمه الناس، ثم يجعله وثنا يُعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه: إن مَن نهى عن عبادته واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقَّصه وهضم حقَّه. فيسعى الجاهلون المشركون فى قتله وعقوبته ويكفّرونه. وذنبه عند أهل الإشراك أمره بما أمر الله به ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله من جعله وثنا وعيدا، وإيقاد السرج عليه، وبناء المساجد والقباب عليه وتجصيصه، وإشادته وتقبيله واستلامه ودعائه والدعاء به أو السفر إليه أو الاستغاثة به من دون الله، مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله من تجريد التوحيد لله وأن لا يعبد إلا الله. فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقَّص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر. ويسري ذلك فى نفوس الجهال والطغام، وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين حتى عادَوا أهل التوحيد، ورمَوهم بالعظائم، ونفَّروا الناس عنهم، ووالَوا أهل الشرك وعظَّموهم، وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك. فما كانوا أولياءه، وإن أولياؤه إلا المتبعون له الموافقون له، العارفون بما جاء به، الداعون إليه، لا المتشبّعون بما لم يعطَوا، لابسو ثياب الزور، الذين يصدّون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجًا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا”([48]).

بل إن ابن تيمية يجعل عذرهم من جنس إعذار أهل الفترة ممن لم يُرسل إليهم رسول، فيقول رحمه الله: “فمنهم من يصَلِّي إلى القَبرِ، ومنهم من يسجُدُ له، ومنهم من يسجُدُ من بابِ المكانِ المبنيِّ على القبرِ، ومنهم من يستغني بالسُّجودِ لصاحِبِ القبرِ عن الصَّلَواتِ الخَمسِ، فيَسجُدون لهذا الميِّتِ ولا يَسجُدون للخالقِ، وقد يكونُ ذلك الميِّتُ ممَّن يُظَنُّ به الخيرُ، وليس كذلك، كما يُوجَدُ مِثلُ هذا في مِصرَ والشَّامِ والعراقِ وغيرِ ذلك. ومنهم من يطلُبُ من الميِّتِ ما يطلُبُ من اللهِ، فيقولُ: اغفِرْ لي، وارزُقْني، وانصُرْني، ونحو ذلك، كما يقولُ المصَلِّي في صلاتِه للهِ تعالى، إلى أمثالِ هذه الأمورِ التي لا يَشُكُّ من عرَف دينَ الإسلامِ أنَّها مخالفةٌ لدينِ المرسَلين أجمعين؛ فإنَّها من الشِّركِ الذي حَرَّمه اللهُ ورَسولُه، بل من الشِّركِ الذي قاتَلَ عليه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المشرِكين، وأنَّ أصحابَها إن كانوا يُعذَرون بالجَهلِ، وأنَّ الحُجَّةَ لم تَقُمْ عليهم، كما يُعذَرُ من لم يُبعَثْ إليه رسولٌ، كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وإلَّا كانوا مستحِقِّين من عقوبةِ الدُّنيا والآخِرةِ ما يستحِقُّه أمثالُهم من المُشرِكين”([49]).

فانظر إلى قول ابن تيمية: (كما يُعذَرُ من لم يُبعَثْ إليه رسولٌ)، فجعل عذرهم من جنس من لم يبعث إليه رسول.

بل إن ابن حجر الهيتمي لا يعذر بالجهل في الأمور الظاهرة، ولا يعتبر النية ولا حتى القرائن في الحكم بالكفر، وحصر العذر بالجهل في قرب العهد بالإسلام أو بعده عن العلماء -بغض النظر عن طبيعة ما يعتبره الهيتمي كفرًا-، قال ابن حجر الهيتمي: (المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيَّات، ولا نظر لقرائن حاله، نعم يُعذر مدَّعي الجهل -إن عُذر- لقرب عهده بالإسلام، أو بُعده عن العلماء)([50]).

وتأمل الجملة الاعتراضية: (إن عُذر) وكأنه يتشكّك حتى في قريب العهد للإسلام، ولو قالها الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو أحد السلفيين لقامت عليه الدنيا ولم تقعد، فيما أننا نجد كلام الشيخ أكثر تسامحًا في عباراته.

والقصد من ذلك أن قضية العذر بالجهل (في المسائل الظاهرة) ليست قضية خلافية عند النجديين فحسب، وإنما هي قضية إسلامية قديمة داخل الإطار الإسلامي.

وهذه كانت آخر ما تيسَّر من الأجوبة حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، جزاه الله عن الإسلام خيرا، وبذلك تمت العشر كاملة، والحمد لله رب العالمين.

وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الدرر السنية (1/ 102).

([2]) مجموع مؤلفات الشيخ محمد ين عبد الوهاب (2/ 6).

([3]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (3/ 20-23).

([4]) مجموع مؤلَّفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (3/ 36). من الرسائل الشخصية.

([5]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (2/ 150-151).

([6]) مصباح الظلام (ص: 84).

([7]) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب، القسم السادس: “الرسائل الشخصية” (ص: 187).

([8]) درء تعارض العقل والنقل (1/ 131).

([9]) التسعينية (ص: 799).

([10]) ينظر: لسان الميزان (1/ 243).

([11]) الرسائل الشخصية (ص: ٦٦).

([12]) عنوان المجد لابن بشر (1/ 177).

 

([13]) قال الشوكاني عند ترجمته للسلطان العثماني مُراد خان الثاني: “وقد أهمل الحافظ ابن حجر ذكر ملوك الروم فلم يذكر من كان فيها منهم، وكذلك السخاوي أهمل بعضًا ممّن كان منهم في المئة التاسعة وذكر بعضًا. وهذا عجيب؛ فإنهما يترجمان لجماعة من أهل سائر الديار هم معدودون من صغار الملوك والأمراء الكائنين بالأندلس واليمن والهند وسائر الديار، وهكذا أهملا غالب علماء الروم، ولم يذكرا إلا شيئًا يسيرًا منهم مع أنهما يترجمان لمن هو أبعد منهم دارًا وأحقر قدرًا، فالله أعلم بالسبب المقتضي لذلك، وقد ذكرنا في هذا الكتاب كثيرًا ممّن أهملاه”. البدر الطالع (2/ 163).

([14]) ذهب بعض الشافعية إلى أنه إذا لم يوجد قرشيّ استخلف أجداد قريش، مثل كنانة أو بني إسماعيل، انظر: تحفة المحتاج (7/ 409). ولعل أفضلية العرب -لا سيما قريش- تكمن في أن الإمامة العظمى فرعٌ عن إمامة الصلاة؛ فالأصل أن الخليفة هو الذي يؤمّ المسلمين، فإذا لم يكن الخليفة عربيًّا -على الأقل- فكيف يؤمّهم؟! وقريش هي أوسط العرب، وعليها نزل القرآن، وهو ليس السبب الوحيد في الحكمة من خلافة قريش؛ فقد ذكر العلماء جملة من الأسباب يمكن مراجعتها في مظانها.

([15]) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي (5/ 1026).

([16]) رسالة ابن فيروز إلى كهيا باشا المطبوع مع الرد عليه لابن محمود (ص: ٣٦).

([17]) مقدمة محمد بن فيروز على الصواعق والرعود (ص: ٢٧).

([18]) الدر النضيد (ص: 30).

([19]) الدر النضيد (ص: 31).

([20]) فصل المقال وإرشاد الضال في توسل الجهال (ص: 69-70).

([21]) جواب ابن عفالق على عثمان بن معمر، نقلًا من كتاب (الوهابية دين سعودي جديد) (ص: 463).

([22]) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الرسائل الشخصية (ص: 20).

([23]) الصواعق والرعود (ص: 127).

([24]) الصواعق والرعود (ص: 127).

([25]) مجموع الفتاوى (1/ 168).

([26]) يقول ابن تيمية في (الرد على البكري) مُشيرًا إلى غلو البوصيري: ومنهم من يقول: أسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت:    دع ما ادعَتْهُ النصارى في نبيهم    واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم

([27]) الرسائل الشخصية -مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب- (6/ 12).

([28]) رسالة الدخول إلى مكة (ص: 30). وانظر: الدرر السنية (1/ 236).

([29]) فتاوى الفقيه ولي الدين أبي زرعة العراقي (ص: ١٦٦-١٦٨).

([30]) الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية (ص: ٩٦-٩٨).

([31]) طرح التثريب (٦/ ٤٣).

([32]) الاستغاثة والرد على البكري (ص: 284).

([33]) وقد سبق أن كتبت ورقة في تحقيق مذهب السبكي والهيتمي في الاستغاثة، وبيان مفارقته لمذهب القبورية. منشورة على موقع مركز سلف للبحوث والدراسات.

([34]) انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (9/ 150).

([35]) كتاب الورع (4).

([36]) أخرجه أحمد في الزهد. وانظر: الدر المنثور (7/ 21).

([37]) السير (13/ 323).

([38]) تاريخ ابن لعبون (ص: 194).

([39]) عنوان المجد (1/ 145-146).

([40]) الدرر السنية (1/ 243).

([41]) تراجم متأخري الحنابلة (ص: 49).

([42]) الدر النضيد (ص: 30).

([43]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/ 73).

([44]) الأجوبة الشوكانية على الأسئلة الحفظية (ص: 39).

([45]) مجالس الأبرار (ص: 2).

([46]) نقله عنه ابن الجوزي مقرًّا له في تلبيس إبليس (ص: 448).

([47]) كتاب الكبائر لابن القيم -وهو مفقود- نقلًا من العقد الثمين للسويدي (ص: 125).

([48]) إغاثة اللهفان (1/ 384).

([49]) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: 69).

([50]) الإعلام بقواطع الإسلام (1/ 185).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

كيف أحبَّ المغاربةُ السلفيةَ؟ وشيء من أثرها في استقلال المغرب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدّمة المعلِّق في كتابِ (الحركات الاستقلاليَّة في المغرب) الذي ألَّفه الشيخ علَّال الفاسي رحمه الله كان هذا المقال الذي يُطلِعنا فيه علَّالٌ على شيءٍ من الصراع الذي جرى في العمل على استقلال بلاد المغرب عنِ الاسِتعمارَين الفرنسيِّ والإسبانيِّ، ولا شكَّ أن القصةَ في هذا المقال غيرُ كاملة، ولكنها […]

التوازن بين الأسباب والتوكّل “سرّ تحقيق النجاح وتعزيز الإيمان”

توطئة: إن الحياةَ مليئة بالتحدِّيات والصعوبات التي تتطلَّب منا اتخاذَ القرارات والعمل بجدّ لتحقيق النجاح في مختلِف مجالات الحياة. وفي هذا السياق يأتي دورُ التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله كمفتاح رئيس لتحقيق النجاح وتعزيز الإيمان. إن الأخذ بالأسباب يعني اتخاذ الخطوات اللازمة والعمل بجدية واجتهاد لتحقيق الأهداف والأمنيات. فالشخص الناجح هو من يعمل […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017