الأربعاء - 14 ذو القعدة 1445 هـ - 22 مايو 2024 م

دفع الشبهات الغوية عن حديث الجونية

A A

نص الحديث ورواياته:

قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه:

بَابُ مَنْ طَلَّقَ، وَهَلْ يُوَاجِهُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِالطَّلَاقِ؟

حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ابْنَةَ الجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الحَقِي بِأَهْلِكِ».

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَسِيلٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ يُقَالُ لَهُ: الشَّوْطُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْلِسُوا هَا هُنَا» وَدَخَلَ وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ وَمَعَهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَبِي نَفْسَكِ لِي»، قَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ المَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟! قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ: «قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ»، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اكْسُهَا رَازِقِيَّتَيْنِ، وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا».

وَقَالَ الحُسَيْنُ بْنُ الوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي أُسَيْدٍ قَالَا: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ.

ورواه البخاري أيضا في كتاب الأشربة، ‌‌بَابُ الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآنِيَتِهِ:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: ذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى جَاءَهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا النَّبِيُ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ: «قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي». فَقَالُوا لَهَا: أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: لا، قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ لِيَخْطُبَكِ، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ([1]).

الشبهات الواردة على الحديث:

أورد على هذا الحديث جملة من الشبهات، منها:

1- أن روايات الحديث متناقضة، ففي بعضها أن النبي صلى الله عليه وسلم طلَّقها، وهذا يعني أنه تزوجها، مع أنه قال لها: «هبي نفسك لي»، وهذا يعني أنه لم يتزوجها بعدُ. وفي رواية أخرى: أنه جاء ليخطبها فأبت.

ومن صور التناقض كذلك: الاختلاف في اسم المرأة، ففي بعضها أنها أميمة بنت شراحيل، وفي رواية البخاري: أنها نزلت في بيت أميمة بنت شراحيل، وهذا يعني أنها غيرها.

2- قالوا: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها، فكيف يتزوج امرأة بغير رضاها؟! وإذا كان لم يتزوجها فكيف يخلو بامرأة أجنبية، ويريد أن يقبلها ويضع يده عليها؟!

3- وقالوا: كيف تقبَّل النبي صلى الله عليه وسلم قول المرأة: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة وما تضمنه من التنقيص؟!

4- ولماذا رفضته المرأة مع أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

5- وقالوا: كيف يسافر أبو أسيد بالمرأة دون محرم في مجيئها وإيابها؟!

فهذا مجمل الطعون على هذا الحديث، وفيما يلي الجواب عنها:

1- أما دعوى التناقض فجوابها من وجوه:

أولا: أن الاختلاف بين روايات الحديث لا يعدّ بذاته مطعنًا عند العقلاء؛ إذ غايته أن يكون خطأً من الراوي، وهو ما يستخرجه أهلُ العلم والخبرة بالحديث، بمقارنة الروايات بعضها ببعض، والترجيح بينها وفق أسس علمية رصينة.

هذا لو كانت الروايات متناقضة فعلًا، فما بالنا أنها في كثير من الأحيان يمكن الجمع بينها بأحد وجوه الجمع المعتبرة؟!

ثانيا: للعلماء قولان في الجواب عن اختلاف الروايات:

القول الأول: من يرى تعدد القصة، وأن المرأة التي تزوجها وطلقها غير المرأة التي أراد خطبتها ولم يتزوجها، وقد بوَّب ابنُ سعد في طبقاته بابًا في (‌‌ذكر من تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ النِّسَاءِ فلم يجمعهن، ومن فارق منهن وسبب مفارقته إياهن)، وأورد فيه (الكِلابية) التي ورد في بعض الروايات أنها استعاذت من النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلقها وذكر الاختلاف في اسمها، ثم قال: “قال بعضهم: لم تكن إلا كلابية واحدة واختلفوا في اسمها. وقال بعضهم: بل كنّ جميعًا، ولكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها، وقد بينا ذلك وكتبنا كل ما سمعناه من ذلك”([2]). ثم أورد الروايات الواردة في الباب.

ثم ذكر بعدها ترجمة (أسماء بنت النعمان بن أبي الجون الكندي)، وروى قصة استعاذتها من النبي صلى الله عليه وسلم من طريق سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: الْجونِيَّةُ اسْتَعَاذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ لَهَا: هُوَ أَحْظَى لَكِ عِنْدَهُ. وَلَمْ تَسْتَعِذْ منه امرأة غيرها، وإنما خدعت لما رئي مِنْ جَمَالِهَا وَهَيْئَتِهَا. وَلَقَدْ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ وَكَيْدُهُنَّ عَظِيمٌ». قَالَ: وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ أبي الجون([3]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد أن أورد رواية ابن أبزى هذه: “فهذه تتنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، وأما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة فيمكن أن تنزل على هذه أيضا؛ فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة، والقصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدّد، ويقوى أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة، والتي في حديث سهل اسمها أسماء. وأميمة كان قد عقد عليها ثم فارقها، وهذه لم يعقد عليها بل جاء ليخطبها فقط”([4]).

القول الثاني: القول بأن القصة واحدة، وأنه لم تستعذ منه إلا امرأة واحدة. وعلى هذا الوجه فإنه يصار إلى الترجيح بين الروايات، فيقال: هي امرأة واحدة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وعقد عليها ولم يدخل بها، وتكون لفظة (جاء ليخطبك) التي في رواية أبي حازم عن سهل بن سعد غير محفوظة.

وممن قال بهذا القول ابن حزم رحمه الله فقال: “فهذه ‌كلها ‌أخبار ‌عن ‌قصة واحدة، في امرأة واحدة، في مقام واحد، فلاح أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن تزوجها بعد، وإنما دخل عليها ليخطبها”([5]).

وقال ابن القيم رحمه الله: “فالقصة واحدة، دارت على عائشة رضي الله عنها وأبي أسيد وسهل، وكل منهم رواها، وألفاظهم فيها متقاربة، ويبقى التعارض بين قوله: (جاء ليخطبك)، وبين قوله: (فلما دخل عليها ودنا منها)، فإما أن يكون أحد اللفظين وهما، أو الدخول ليس دخول الرجل على امرأته، بل الدخول العام، وهذا محتمل”([6]).

والظاهر من مجموع الروايات -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على الجونية، فإنه جاء مصرحًا به في رواية عبد الرحمن بن سهل بن سعد عن أبيه، وفي بعض الروايات التي أوردها ابن سعد أنه أهوى ليقبلها، وأنه وضع يده عليها ليسكنها، وفي بعضها أن أباها زوجها إياه، بل نقل ابن عبد البر الإجماع على أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج الجونية ولكن اختلفوا في سبب فراقها([7]).

فإن كانت القصة واحدة فالوهم في كلمة (جاء ليخطبك) أو يقال بالتعدد كما سبق. والله أعلم.

وأما التناقض في اسم المرأة:

وهو الذي اتخذه بعض الجهال شناعة على البخاري بدعوى التناقض الواضح، حيث زعم أن البخاري رواه من طريق عبد الرحمن بن غسيل عن حمزة بن أبي أسيد عن أبي أسيد رضي الله عنه وفيه: “وقد أتي بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل”، ثم رواه البخاري أيضا عن سهل بن سعد وأبي أسيد من طريق عبد الرحمن بن سهل بن سعد وفيه: “تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه…”، ثم جعل هذا الجاهل يطعن في البخاري وأئمة الحديث بأنهم يروون المتناقضات دون تمييز.

وقوله في الحديث: (في بيتِ أميمةَ بنتِ النعمان بن شراحيل) كذا هو بإضافة بيت لأميمة في اليونينية وفي كثير من الأصول، إلا أن الحافظ ابن حجر وتبعه العيني كالكرماني([8]) ذكروا أنه بالتنوين، وأميمة بالرفع إما بدلًا من الجونية وإما عطف بيان، فقال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: “(وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَوْنِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ فِي بَيْتٍ أُمَيْمَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ) هو بالتنوين في الكل، وأميمةُ بالرفع إما بدلا عن الجونية، وإما عطف بيان، وظن بعض الشراح أنه بالإضافة، فقال في الكلام على الرواية التي بعدها (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل): ولعل التي نزلت في بيتها بنت أخيها، وهو مردود؛ فإن مخرج الطريقين واحد، وإنما جاء الوهم من إعادة لفظ (في بيتٍ) وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال: (في بيتٍ في النخل أميمة..) إلخ”([9]).

وأما تسميتها في بعض الروايات بأسماء -كما جزم به ابن عبد البر ومحمد بن إسحق وغيره- فأجاب عنه الحافظ بقوله: “لعل اسمها أسماء ولقبها أميمة”، وأما ما وقع في بعض كتب المغازي في نسبها: أسماء بنت كعب الجونية فقال ابن حجر: “لعل في نسبها مَن اسمه كعب نسبها إليه”([10]).

وأما قولهم: إذا كان قد تزوجها فلماذا قال لها: «هبي نفسك لي»؟! ثم كيف يتزوج امرأة بغير رضاها؟! وإذا كان لم يتزوجها فكيف يخلو بها ويريد أن يقبلها؟!

فالجواب: أن المرأة التي وضع يده عليها لتسكن كان قد تزوجها وعقد عليها، كما جاء مصرحًا به في رواية عبد الرحمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه وأبي أسيد قالا: “تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها…” إلخ.

فهذا صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها.

وأما كيف يتزوج امرأة دون رضاها؟

فالجواب: أنه ليس هناك دليل أنها وقت العقد لم تكن راضية، بل روى ابن سعد في الطبقات ما يدل على أنها هي من رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم، وعرضها أبوها النعمان بن أبي الجون على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله، ألا أزوجك أَجْمَلَ أَيِّمٍ فِي الْعَرَبِ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمٍّ لَهَا فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فَتَأَيَّمَتْ وَقَدْ رَغِبَتْ فِيكَ وَحَطَّتْ إِلَيْكَ؟ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشٍّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا تُقَصِّرْ بِهَا فِي الْمَهْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَصْدَقْتُ أَحَدًا مِنْ نِسَائِي فَوْقَ هَذَا، وَلا أُصْدِقُ أَحَدًا مِنْ بَنَاتِي فَوْقَ هَذَا». فَقَالَ نعمان: فَفِيكَ الأَسَى. قَالَ: فَابْعَثْ -يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِلَى أَهْلِكَ مَنْ يَحْمِلُهُمْ إِلَيْكَ فَأَنَا خَارِجٌ مَعَ رَسُولِكَ فَمُرْسِلٌ أَهْلَكَ مَعَهُ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ مَعَهُ أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ([11]).

ثم يحتمل بعد ذلك أنها خُدِعت وظنّت أن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه ذلك، كما جاء في تكملة الرواية السابقة، أو غير ذلك مما جعلها تتقلب وتتغير -كما سنذكر-.

وأما قوله لها: «هبي نفسك لي» فكان على سبيل تطييب خاطرها، وتسليم الدخول لا العقد، إذ العقد قد سبق.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها؛ إذ لم يجر ذكرُ صورة العقد، وامتنعت أن تهبَ له نفسها، فكيف يطلقها؟! والجواب: أنه صلى الله عليه وسلم كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرأة وبغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافيًا في ذلك، ويكون قوله: «هبي لي نفسك» تطييبًا لخاطرها واستمالة لقلبها. ويؤيده قوله في رواية لابن سعد: إنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها قال له: إنها رغبت فيك وخطبت إليك”([12]).

وقال ابن القيم رحمه الله في قوله «هبي لي نفسك»: “وهذا لا يدل على أنه لم يتقدم نكاحه لها، وجاز أن يكون هذا استدعاء منه صلى الله عليه وسلم للدخول لا للعقد“([13]).

وقال الطحاوي رحمه الله: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن دخوله على تلك المرأة إلا وهي له زوجة قبل ذلك، وعلى ذلك كان أبو أسيد جاء بها، وكان قوله بعد ذلك: «هبي لي نفسك» على معنى: ‌مكنيني ‌من ‌نفسك، لا على استئناف تزويج يعقده له على نفسها، وكيف يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شريعتنا أن لا يخلو رجل بامرأة ليس منها بمحرم؟!”([14]).

وأما قولهم: كيف تقبَّل النبي صلى الله عليه وسلم قولها: “وهل تهب الملكة نفسها للسوقة”؟!

فهذا من حسن خلقه وكريم شمائله صلى الله عليه وسلم، إذ عفا عنها، ولم يؤاخذها بما صدر منها من بقايا الجاهلية فيها.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : “قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس بملِك كائنا من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، وكان صلى الله عليه وسلم قد خير أن يكون ملكا نبيّا فاختار أن يكون عبدا نبيا تواضعا منه صلى الله عليه وسلم لربه، ولم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها”([15]).

فهذا من حلمه وتواضعه وكرمه صلى الله عليه وسلم أن عفا عنها ولم يؤاخذها بجهلها، بل أحسن إليها وقابل الإساءة بالإحسان، صلوات الله وسلامه عليه.

وأما لماذا أبت أن تهب نفسها للرسول صلى الله عليه وسلم؟

فقد اختلف العلماء في سبب ذلك كثيرًا، فمنهم من قال: إنها خُدِعت من بعض النسوة لما رأينه من جمالها، كما سبق من رواية ابن سعد السابقة.

ومنهم من قال: إنها لم تكن تعرفه، كما جاء مصرحًا به في رواية سهل بن سعد الأخرى، وأنهم قالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، فقالوا لها: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك، فقالت: كنت أنا أشقى من ذلك؛ تتحسر على فوات زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا صريح في أنها لم تكن تعرفه، لو كانت القصة واحدة.

والظاهر أنها متعدّدة، وأن هذه ليست التي قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟! فالمرأة في رواية سهل بن سعد كانت امرأة منكّسة الرأس، بخلاف هذه المرأة التي ترى نفسها في منزلة عالية لا تتزوج إلا من الملوك.

وهذا هو السبب الأقرب -والله أعلم- أنها كانت عندها بقايا من الجاهلية، فلعلها كانت ترغب في الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تظنه كالملوك في معيشتهم، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم وما اختاره من أن يكون عبدًا نبيًّا أبت أن تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.

وليس في إعراضها عن النبي صلى الله عليه وسلم أيّ غض من قدره الشريف صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الإعراض عن دعوته ورسالته من الكفار والمشركين لا يتضمن غضًّا من مقامه، فهذا من باب أولى، والمحروم من حرم مثل هذا الشرف العظيم، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

وأما القول: كيف سافر معها أبو أسيد وهو ليس بمحرم لها؟

فقد أجاب الطحاوي رحمه الله على ذلك فقال: “وكان الذي أطلق له ذلك عندنا -والله أعلم- فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ‌صارت ‌بذلك ‌للمسلمين ‌أمّا، وصارت بذلك عليهم حراما، فحل لأبي أسيد ذلك فيها إذ كان قد عاد بما ذكرنا محرما بها”([16]).

ويحتمل -والله اعلم- أنه كان معها من محارمها من لم يذكر، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.

ومن عجيب ما قاله بعض الطاعنين في السنة أن قال بعضهم: ما فائدة ذكر هذا الحديث؟

وهذا من جهلهم، فالحديث مليء بالفوائد الفقهية والسلوكية، فالحديث كما قال ابن عبد البر رحمه الله: “أصل في باب الكناية عن الطلاق”([17]). وما زال العلماء يستدلون به على أن لفظة (الحقي بأهلك) من كنايات الطلاق التي يقع بها الطلاق مع النية.

وفي الحديث بيان لشمائل النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة، وأنه ليس كالملوك والجبابرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عقد عليها، إما برغبة منها وعرض أبيها الزواج كما سبق، أو يكون النبي صلى الله عليه وسلم زوجها لنفسه -وهذا من خصائصه- ثم لما ظهر من المرأة التمنع طلقها، ولم يرغمها على ما تكره، مع قدرته على ذلك، بل طلقها ومتعها وأرسلها إلى أهلها معزّزة مكرّمة ومعها ثياب حسنة تمتيعًا لها.

وفي الحديث أيضا: حلمه وعفوه صلى الله عليه وسلم، فاحتمل منها جهلها، ولم يؤاخذها بكلامها.

وهذا كله عكس ما عليه الجبابرة والملوك. فالحديث دليل على كرم أخلاقه وحسن شمائله صلى الله عليه وسلم، خلافًا لما يظنّ كثير من المنافقين من الملاحدة أو أعداء السنة، ممن دأبوا على التشبيه على المسلمين بهذا الحديث وغيره، يظنون أنه يتضمن نقصا في حق النبي، وحاشاه صلى الله عليه وسلم، فهو أكمل الخلقِ إيمانًا وخُلُقًا.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) رواه البخاري (5254، 5255، 5256)، ومسلم (2007).

([2]) الطبقات الكبرى (8/ 112).

([3]) المصدر السابق (8/ 115) من رواية محمد بن عمر الواقدي، متفق على ضعفه.

([4]) فتح الباري (9/ 359).

([5]) المحلى (9/ 440).

([6]) زاد المعاد (5/ 290).

([7]) الاستيعاب (4/ 1785) في ترجمة أسماء بنت النعمان بن الجون.

([8]) ينظر: إرشاد الساري للقسطلاني (8/ 131).

([9]) فتح الباري (9/ 358).

([10]) المرجع السابق.

([11]) الطبقات الكبرى (8/ 113) والأثر ضعيف جدًّا؛ لضعف رواته والإرسال، فيه محمد بن عمر الواقدي متروك، وعبد الواحد بن أبي عون من أتباع التابعين.

([12]) فتح الباري (9/ 360).

([13]) زاد المعاد (5/ 290).

([14]) شرح مشكل الآثار (15/ 342).

([15]) فتح الباري (9/ 358).

([16]) شرح مشكل الآثار (2/ 102).

([17]) الاستذكار (6/ 23).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

كيف أحبَّ المغاربةُ السلفيةَ؟ وشيء من أثرها في استقلال المغرب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدّمة المعلِّق في كتابِ (الحركات الاستقلاليَّة في المغرب) الذي ألَّفه الشيخ علَّال الفاسي رحمه الله كان هذا المقال الذي يُطلِعنا فيه علَّالٌ على شيءٍ من الصراع الذي جرى في العمل على استقلال بلاد المغرب عنِ الاسِتعمارَين الفرنسيِّ والإسبانيِّ، ولا شكَّ أن القصةَ في هذا المقال غيرُ كاملة، ولكنها […]

التوازن بين الأسباب والتوكّل “سرّ تحقيق النجاح وتعزيز الإيمان”

توطئة: إن الحياةَ مليئة بالتحدِّيات والصعوبات التي تتطلَّب منا اتخاذَ القرارات والعمل بجدّ لتحقيق النجاح في مختلِف مجالات الحياة. وفي هذا السياق يأتي دورُ التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله كمفتاح رئيس لتحقيق النجاح وتعزيز الإيمان. إن الأخذ بالأسباب يعني اتخاذ الخطوات اللازمة والعمل بجدية واجتهاد لتحقيق الأهداف والأمنيات. فالشخص الناجح هو من يعمل […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017