الأربعاء - 21 ذو القعدة 1445 هـ - 29 مايو 2024 م

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان.

ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، لها آراء ومقالات فلسفية وفقط، بل الأمر فوق ذلك، فلهم ممارسات ومنازلات واقعية تجاه عموم المسلمين.

قال وهب بن منبه: “وَلَو أمكن الله الْخَوَارِج من رَأْيهمْ لفسدت الأَرْض وَقطعت السبل وَقطع الْحَج عَن بَيت الله الْحَرَام، وَإِذن لعاد أمْر الإسلام جَاهِلِيَّة حَتَّى يعود النَّاس يستعينون برؤوس الْجبَال كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَإِذن لقام أكثر من عشرَة أوْ عشْرين رجلا لَيْسَ مِنْهُم رجل إلا وَهُوَ يَدْعُو إلى نَفسه بالخلافة، وَمَعَ كل رجل مِنْهُم أَكثر من عشرَة آلَاف يُقَاتل بَعضهم بَعْضًا، وَيشْهد بَعضهم على بعض بالْكفْر حَتَّى يصبح الرجل الْمُؤمن خَائفًا على نَفسه وَدينه وَدَمه وَأَهله وَمَاله، لَا يدْرِي أَيْن يسْلك أوْ مَعَ من يكون”([1]).

وممن خرج من بطن الخوارج وبقي إلى هذا الزمان فرقة الإباضية، التي وجود في بعض البلاد اليوم، وهذه الفرقة كثر الجدال حولها، وهل هي من الخوارج أم لا؟ وإذا كانت من الخوارج فما القواسم المشتركة بينهما؟

وهذا ما سنتناوله في هذه الورقة العلمية، فسنسلط الضوء على نشأتهم، وتطورهم، وفرقهم، والمراحل التي مروا بها، وعلاقتهم بالخوارج، وأهم أصولهم الاعتقادية التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة.

أولًا: تعريف الإباضية ونشأتهم:

تُنْسَبُ الإباضيةُ إلى عبد الله بنِ إباضٍ، وقد اختلف مُؤرِّخو الفِرَقِ في هويَّة ابنِ إباضٍ، فذهب الملطي إلى أنه إباض بن عمرو، ثم يعود في نفس الكتاب مرة أخرى فينسبهم إلى عبد الله بن إباض([2])؛ ليوافق ما جاء في كتب الفرق، فذهب الشهرستانيُّ إلى أنه هو الذي خَرَجَ أيَّامَ مروانَ بنِ محمَّدٍ آخِرِ خُلَفاءِ بني أُمَيَّة([3])، ويذهب الطبريُّ إلى أنَّ ابنَ إباضٍ كان مع نافع بنِ الأزرق، وانشقَّ عنه، وقد أورد الطبري قصة هذا الخلاف في تاريخه، وكيف خرج نافع بن الأزرق من البصرة، وكيف تجرد الناس لهم فاتبعوهم وأخافوهم حَتَّى خرج من بقي مِنْهُمْ بِالْبَصْرَةِ، فلحق بابن الأزرق إلا قليلا مِنْهُمْ ممن لَمْ يَكُنْ أراد الخروج يومه ذَلِكَ، مِنْهُمْ عَبْد اللَّهِ بن صفار وعبد الله بن إباض ورجال مَعَهُمَا عَلَى رأيهما، ونظر نافع بن الأزرق ورأى أن ولاية من تخلف عنه لا تنبغي، وأن من تخلف عنه لا نجاة لَهُ، فكتب لهما كتابًا يدعوهما إلى مُعْتقَدِه الفاسد المتمثِّل في: تكفيرِ القَعَدَة، والقولِ بشركِ مُخالِفيهم، واستباحةِ دمائهم، وقتلِ أطفالهم، وسبيِ نسائهم، وغنيمةِ أموالهم فقال فيه: “من عبيد اللَّهِ نافع بن الأزرق إِلَى عَبْد اللَّهِ بن صفار وعبد الله بن إباض ومن قبلهما مِنَ النَّاسِ، سلام عَلَى أهل طاعة اللَّه من عباد اللَّه، فإن من الأمر كيت وكيت، فقص هَذِهِ القصة، ووصف هَذِهِ الصفة، ثُمَّ بعث بالكتاب إليهما فأتيا بِهِ، فقرأه عَبْد اللَّهِ بن صفار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه عَلَى الناس خشية أن يتفرقوا ويختلفوا، فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّهِ بن إباض: مَا لك لِلَّهِ أبوك؟! أي شيء أصبت إن قَدْ أصيب إخواننا أو أسر بعضهم؟! فدفع الكتاب إِلَيْهِ، فقرأه، فَقَالَ: قاتله اللَّه، أي رأي رأى؟! صدق نافع بن الأزرق، لو كَانَ القوم مشركين كَانَ أصوب الناس رأيًا وحكمًا فِيمَا يشير بِهِ، وكانت سيرته كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم فِي المشركين، ولكنه قَدْ كذب وكذبنا فِيمَا يقول، إن القوم كفار بالنعم والأحكام، وهم برآء من الشرك، وَلا تحل لنا إلا دماؤهم، وما سوى ذَلِكَ من أموالهم فهو علينا حرام، فقال ابن صفار: برئ اللَّه مِنْكَ، فقد قصرت، وبرئ اللَّه من ابن الأزرق فقد غلا، برئ اللَّه منكما جميعا، وَقَالَ الآخر: فبرئ اللَّه مِنْكَ ومنه، وتفرق القوم”([4]).

والإباضيةُ أَنْفُسُهم يُؤيِّدون ما ذَهَبَ إليه الطبريُّ، ويقولون: إنَّ ابنَ إباضٍ ظَهَرَ في أيَّامِ معاوية رضي الله عنه، وعاش زَمَنَ عبد الملك بنِ مروان، وكان في أوَّلِ أَمْرِه مع نافع بنِ الأزرق، ولكِنِ اختلف معه وفارَقَه وردَّ عليه([5]).

ومن هنا برز مذهب الإباضية على يد عبد الله بن إباض بعدما تبرأ من نافع بن الأزرق، والإباضية وإن كانوا يعترفون بصحة النسبة لابن إباض، إلا أنهم لا يعتبرونه مؤسس المذهب من الناحية الفقهية، بل المشهور عندهم أن هذه التسمية جاءت من قبل الأمويين، والمؤسس الحقيقي هو أبو الشعثاء جابر بن زيد، ومن بعده أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأما عبد الله بن إباض فكان زعيمًا سياسيًّا من زعماء المحكِّمة، ولكنه تميز بالاعتدال في فكره، مع الشجاعة والبسالة والجرأة في وجه السلطان، مع صواب الفكرة وعمق المقالة([6]).

وجابر بن زيد هو: جابر بن زيد الأزدي اليحمدي، مولاهم البصري، الخوفي، والخوف ناحية من عمان، كان عالم أهل البصرة في زمانه، ويعد مع الحسن وابن سيرين من كبار تلامذة ابن عباس([7]).

وإن كانت الإباضية ادّعوا أخذ الفقه من جابر بن زيد، فهذا لا يدلّ على أنه منهم؛ فهو أوسع علمًا وأكثر فقهًا من أن يطعن في خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وجعل من خالفوه أو قالوا بخلق القرآن كفار نعمة.

بل الوارد في كتب التاريخ وكتب الجرح والتعديل براءته منهم، وعدم الدعوة إلى مذهبهم، ذكر الأصبهاني قال: “عَنْ هِنْدِ بِنْتِ الْمُهَلَّبِ، وَذَكَرُوا عِنْدَهَا جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ، فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ أَبَاضِيًّا، فَقَالَتْ: كَانَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَشَدَّ النَّاسِ انْقِطَاعًا إِلَيَّ وَإِلَى أُمِّي؛ فَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا كَانَ يُقَرِّبُنِي إِلَى اللهِ إِلَّا أَمَرَنِي بِهِ، وَلَا شَيْئًا يُبَاعِدُنِي عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا نَهَانِي عَنْهُ، وَمَا دَعَانِي إِلَى الإَبَاضِيَّةِ قَطُّ، وَلَا أَمَرَنِي بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَيَأْمُرُنِي أَنْ أَضَعَ الْخِمَارَ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى الْجَبْهَةِ”([8]).

وعن عزرة قال: قلت لجابر بن زيد: إن الإباضية يزعمون أنك منهم! قال: أبرأُ إلى الله منهم. وقال: قلت له ذلك وهو يموت([9]).

وهذه الأخبار تقطع ببراءة جابر بن زيد من مذهب الإباضية ومعتقدها، وفوق ذلك هذه الدعوى لم يدَّعيها أحد من تلامذة جابر مثل عمرو بن دينار وأيوب السختياني وقتادة وغيرهم. فمن المحتمل أن تكون هذه الدعوى كانت من عبد الله بن إباض ومسلم بن أبي كريمة لغرض سياسيّ، وهو إقبال الناس عليهم وعدم نفرتهم منهم؛ لأن الناس لا يشكّون في علم جابر بن زيد وورعه ومكانته عند أقرانه.

وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة يُعَدّ واحدًا من أبرز فقهاء الإباضية، وأكثرهم تخريجًا للعلماء الذين صاروا دعاةً للمذهب الإباضي، وكان رجلًا زنجيًّا أعور، ولكن هذه العيوب الخلقية تلاشت أمام علمه وفضله وزهده، ولقد أسرف بعض الإباضية في امتداحه مثل إسراف الشيعة في امتداح علي بن أبي طالب([10]).

ثانيًا: الصلة بين الخوارج والإباضية:

اتَّفقت كلمة علماء الفرق -الأشعريّ فمن بعده- على عدّ الإباضية فرقة من فرق الخوارج، وليس المخالفون للإباضية فقط هم الذين اعتبروهم في عداد الخوارج، وإنما بعض علماء الإباضية المتقدّمون أيضًا؛ إذ لا يوجد في كلامهم ما يدلّ على كراهيتهم لعدّ الإباضية فرقة من الخوارج.

إلا أن هناك بعضًا من علماء الإباضية -مثل أبي إسحاق أطفيش وعلي يحيى معمر صاحب كتاب (الإباضية بين الفرق الإسلامية) و(الإباضية في موكب التاريخ)- يتبرؤون من نسبة الإباضية للخوارج.

قال الدكتور غالب عواجي: “ولقد خاض علي يحيى معمر في كتبه (الإباضية بين الفرق الإسلامية) و(الإباضية في موكب التاريخ) وغيرها، خاض غمار هذه القضية، وتفانى في رد كل قول يجعل الإباضية من الخوارج، وهاجم جميع علماء الفرق المتقدِّمين منهم والمتأخرين على حد سواء، واعتبر عدَّهم للإباضية من الخوارج ظلمًا وخطأ تاريخيًّا كبيرًا؛ لأن تاريخ الخوارج عنده يبدأ من سنة 64هـ بقيام نافع بن الأزرق فمن بعده، وسمى ما قام به المحكِّمة الأولى فتنًا داخلية. ونفى وجود أي صلة ما بين المحكِّمة الأولى والخوارج بقيادة نافع بن الأزرق ونجدة بن عامر وغيرهما من الخوارج”([11]).

ولكن إن كان علي يحيى معمر في كتبه ينفي النسبة للخوارج، فهناك مِن علماء الإباضية من يثبتها، بل ويعتبرها مدحًا لهم؛ لأن الخوارج عنده سُمّوا خوارج لأنهم خرجوا في سبيل الله للجهاد، يقول نور الدين السالمي -وهو إباض- عن الخوارج: “لما كثر بذل نفوسهم في رضا ربهم، وكانوا يخرجون للجهاد طوائف؛ سُمّوا خوارج، وهو جمع خارجة، وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله، وكان اسم الخوارج في الزمان الأول مدحًا لأنه جمع خارجة، وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله”([12]).

ويقول مؤلف كتاب (الأديان) وهو إباضي: “الباب الخامس والأربعين: في ذكر فرق الخوارج، وهم الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب لما حكَّم”. ثم أخذ يذكر الخوارج بهذا الاسم في أكثر من موضع من هذا الكتاب على سبيل المدح قائلا: “هم أوَّل من أنكر المنكر على من عمل به، وأوَّل من أبصر الفتنة وعابها على أهلها، لا يخافون في الله لومة لائم، قاتلوا أهل الفتنة حتى مضوا على الهدى”، إلى أن قال: “وتتابعت الخوارج وافترقت إلى ستة عشر فرقة، بفرقة أهل الاستقامة -يعني الإباضية-“([13]).

ويقول صاحب كتاب وفاء الضمانة الإباضي: “وكان الصُّفَرية -إحدى فرق الخوارج- مع أهل الحق منا في النهروان”([14]).

ثالثًا: موقف الإباضية من باقي الفرق الإسلامية:

اختلفت آراء العلماء حول موقف الإباضية من المخالفين، فبينما يراهم البعض أهل لين وتواضع وتسامح، نجد من العلماء من يراهم خلاف ذلك.

فمثلًا نجد أن الأشعري يقول: “وأما السيف فإن الخوارج جميعًا تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراضَ الناس بالسيف”([15]).

وقال أيضًا: “وجمهور الإباضية يتولى المحكِّمة كلّها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار ليسوا بمشركين”([16]). ثم قال عنهم كذلك: “وزعموا أن الدار -أي: دار مخالفيهم- دار توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم… -إلى أن قال:- وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال، على عكس ما يفعله الأزارقة”([17]).

وممن يراهم أهل لين وتسامح من المعاصرين، بل ويرى قولهم أقرب الأقوال لأهل السنة: الشيخ محمد أبو زهرة، فيقول رحمه الله: “الإباضية هم أتباع عبد الله بن إباض، وهم أكثر الخوارج اعتدالا، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرًا، فهم أبعدهم عن الشطَط والغلو، ولذلك بقوا، ولهم فقه جيّد، وفيهم علماء ممتازون”([18]).

وممن يراهم أهل عنف وشدّة: الملطي، فيقول عنهم: “الإباضية أصحاب إباض بن عمرو، خرجوا من سواد الكوفة، فقتلوا الناس، وسَبَوا الذرية، وقتلوا الأطفال، وكفَّروا الأمة، وأفسدوا في العباد والبلاد”([19]).

ويقول الدبسي في رسالته: “الفرقة السادسة من فرق الخوارج: الإباضية، يجب تكفيرهم لأنهم كفَّروا عليًّا رضي الله عنه وأكثر الصحابة”([20]).

وممن يراهم أيضًا أهل عنف وشدة: البغدادي، فيقول: “إنهم يرون أن المخالفين لهم كفار، وأجازوا شهادتهم، وحرموا دماءهم في السر، واستحلّوها في العلانية… وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله، ولا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض، والذي استحلوه الخيل والسلاح، فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة”([21]).

والواقع أن الإباضية شديدو التمسُّك بمذهبهم، يبغضون غيره من المذاهب، ويرون أنها كلَّها باطلة ما عدا مذهبهم، بل وتجد التعصّب في حكمهم على المخالفين ظاهرًا قويًّا من قراءتك لكتابهم، مثل: (مقدمة التوحيد) لابن جميع، وكتاب (الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد) للعيزابي، و(رسالة في فرق الإباضية بالمغرب) للمارغيني، وكتاب (الدليل لأهل العقول) للورجلاني، وكذا (العقود الفضية)، و(كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة)، فإن القارئ لهذه الكتب يجد التشدُّد تجاه المخالفين قائمًا على أشدِّه كما تشهد بذلك مصادرهم المذكورة.

وفي ذلك يقول العيزابي: “الحمد لله الذي جعل الحق مع واحد في الديانات، فنقول معشر الإباضية الوهبية: الحق ما نحن عليه، والباطل ما عليه خصومنا؛ لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصدق”([22]).

ويقول المارغيني منهم: “وقالت المشايخ إن هذا الدين الذي دان به الوهبية من الإباضية من المحكِّمة دين المصطفى صلى الله عليه وسلم، هو الحق عند الله وهو دين الإسلام، من مات مستقيمًا عليه فهو مسلم عند الله، ومن شك فيه فليس على شيء منه، ومن مات على خلافه أو مات على كبيرة موبقة فهو عند الله من الهالكين أصحاب النار”([23]).

رابعًا: دولة الإباضية:

قامت للإباضية دولتان: إحداهما في المشرق -عُمان-، والأخرى في المغرب، تمتع المذهب الإباضي فيهما بالنفوذ والقوة.

1- دولة الإباضية في المشرق -عُمان-:

دخل المذهب الإباضي إلى عمان مبكّرًا، واستقرّ هناك، وتكوَّن له أتباعٌ، وأخذوا في الازدياد مع مرور الزمن، إلى أن أصبح كما يقول لوريمر: “يتمتع بنفوذ واسع، أو على الأقل له من النفوذ مثل ما لغيره… وسرعان ما تبنى أهل عمان مبادئ المذهب الإباضي، ويقال: إنه بمطلع القرن الثالث عشر الميلادي لم تصبح هذه المبادئ مسيطرة فقط، ولكنها أصبحت لها صفة عامة تقريبا”([24]).

والذي ساعد على انتشار المذهب الإباضي في عمان بُعْدُها عن مقر الخلافة، ثم مسالكها الوعرة. فقد فرّوا إليها بعد معركة النهروان، وأخذوا في نشر مبادئ الخوارج بين القبائل التي آوتهم، يغمرهم الحقد الدفين على ما ناله إخوانهم من قتلٍ على يدِ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأتباعه، ومن هنا يذهب لوريمر إلى القول بأن الذي أنشأ المذهب في عمان هو رجل من الخوارج الذين نجَوا من تلك المعركة فيقول: “ويقال: إن مبادئ الإباضية أدخلها إلى عمان أحد الخوارج الذين نَجَوا من الهلاك الذي حلّ بجماعتهم كحزب سياسيّ على يد علي بن أبي طالب في معركة النهروان، وهذا يؤكِّد أن مذهب الإباضية يرجع في أصله إلى الخوارج”([25]).

بينما يرى محمد بن عبد الله السالمي -من علماء الإباضية- أن انتشار المذهب الإباضي في عمان كان على يدي عبد الله بن إباضي، يقول في ذلك: “والرواة المسلمون يذكرون بأنه قدم إلى عمان رجلان: أحدهما الإمام عبد الله بن إباضي، ونشر هناك مبادئ المحكمة”([26]).

أما إذا أردنا أن نتكلَّم عنهم كدولة مستقلّة على عُمان لها ولاية عليها، فقد كان في بداية الخلافة العباسية في عهد السفاح والمنصور، وآلت إمامتهم إلى الجلندي بن مسعود بن جيفر بن جلندي الأزدي سنة 132هــ، فأرسل السفاح خازم بن خزيمة في جيش لإخضاعها، فقتل الجلندي، وقتل معه عشرة آلاف من أصحابه([27]).

وعلى الرغم من قتل الجلندي وتعرُّض الإباضية لهزائم وخسائر فادحة على يد الخلافة العباسية، إلا أن حكمها لم يزل باقيًا إلى اليوم([28]).

2- دولة الإباضية في المغرب:

سعى الإباضية لإقامة سلطة لهم في بلاد المغرب في أول القرن الثاني الهجري؛ بعيدًا عن بطش الخلافة الأموية؛ لتتمكن من نشر مذهبها، وتحافظ على بقائه، وقد ساعدهم على ذلك جنس البربر الذين وجدوا منهم آذانًا صاغية في تقبّل دعوتهم، كما ظهر منهم الاعتدال في تلك الفترة تحت ستار التقيّة.

واجتهدت الإباضية بالدعوة إلى مذهبهم هناك، وإرسال الدعاة إلى قاعدتهم الأولى -البصرة- وإلى المشرق ليتزودوا بالعلم، فكان أول دعاتهم سلمة بن سعد (ت: 140هــ)، وكان أول زعيم لهم هو أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، فاستولوا على طرابلس، ثم عيَّن عبد الرحمن الرستمي قاضيًا عليها، وواصل أبو الخطاب انتصاراته، ولكن جيش الخلافة العباسية دحرهم في معركة قتل فيها أبو الخطاب وتفرقت الإباضية.

ثم قام عبد الرحمن الرستمي الذي يعتبر مؤسّس الدولة الرستمية الإباضية في المغرب بمحاولات الاستقلال، وتمت له السيطرة على أماكن كثيرة، وسلموا عليه بالخلافة سنة 160هـ، وهو فارسي الأصل([29]).

واستمرَّ الدعاة بجهودهم المضنية في الانتصار لدعوتهم في المنطقة، حتى استطاعوا بعد صراع مرير من تأسيس الدولة الرستمية الإباضية في بداية العقد السابع من القرن الثاني الهجري، وقد عُمرت هذه الدولة أكثر من قرن وثلث، ثم قضى عليها الفاطميون نحو عام 297هــ.

وعلى الرغم مما لقيه المذهب الإباضي من الصراعات التي أنهكته، إلا أنه ظل قائمًا في مناطق متعدّدة من بلاد المغرب العربي، ولا تزال بقاياهم موجودة إلى يومنا هذا([30]).

خامسًا: أهم كتب الإباضية:

من كتب الإباضية التي عالجت فكرهم، وبينت عقائدهم، وتكلمت عن آرائهم الاجتماعية والسياسة:

  • الموجز، لأبي عمار عبد الكافي الإباضي.
  • كتاب السير، لأبي العباس الشماخي.
  • طبقات المشايخ، لأبي العباس الدراجيني.
  • قواعد الإسلام، لأبي طاهر الجيطالي.
  • الدليل والبرهان، لأبي يعقوب الورجلاني.
  • عقيدة التوحيد، لعمرو بن جميع.
  • شرح صحيح الربيع بن حبيب، لنور الدين السالمي.
  • طلعة الشمس، لنور الدين السالمي.
  • مشارق أنوار العقول، لنور الدين السالمي.
  • الذهب الخالص، لقطب الأئمة محمد أطفيش.
  • الإباضية في موكب التاريخ، لعلي يحيى معمر.
  • الإباضية بين الفرق الإسلامية، لعلي يحيى معمر.
  • مسند الربيع بن حبيب أو الجامع الصحيح، ولأهمية هذا المسند عند الإباضية فسنتناوله ببعض الدراسة فنقول:

أمَّا الربيع بنُ حبيبٍ فهو: أبو عمرو الربيع بن حبيب بن عمرو بن الربيع بن راشد بن عمرو الفراهيديُّ الأزدي العُماني البصري، فأصلُه مِنْ عُمَان مِنْ غضفان، قَصَدَ البصرةَ وأَدْرَكَ جابرًا وأخَذَ عنه، وآلَتْ إليه رئاسةُ المذهب بعد أبي عبيدة، وتَخرَّج عليه حَمَلةُ العلمِ إلى عُمان وخراسان وحضرموت، ورَحَلَ في آخِرِ عمره إلى عُمان، ومات بها في النصف الثاني مِنَ القرن الثاني للهجرة، وذُكِرَ في بعض الروايات أنه تُوُفِّيَ عامَ (١٨٠ﻫ)([31]).

وأما المسند: فيرى الإباضية أن الربيع بن حبيب صنفه غير مرتب، وبقي كذلك إلى أن جاء أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد الوارجلاني (ت: 570) الذي رتب هذا المسند على أبواب الفقه([32]).

فلما رتبه على أبواب الفقه وفقًا لطريقة الجوامع أُطْلِقَ عليه كتابُ: «الجامع الصحيح»، فجازَتْ تسميتُه ﺑ: «مسند» باعتبار نشأته وتدوينه، و«الجامع» باعتبارِ بروزه واستقراره([33]).

وقد بلغ عدد الأحاديث في هذا المسند (742) حديثًا، جميعها من رواية الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة، سوى خمسين حديثًا، منها حديثان يرويهما الربيع عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا إسناد، ومنها واحد وعشرون حديثًا مُعْضَلَة يرويها الربيع عن الصحابة رضي الله عنهم، وبينه وبينهم مفازة، ومنها ثلاثة وعشرون حديثًا لم يتّضح له فيها شيخ كأنها مُعَلَّقة؛ كقوله: «قال جابر: قالت عائشة رضي الله عنها»، لكن يظهر أنها عطف على الأحاديث التي قبلها، وهي من روايته عن أبي عبيدة. ومنها أربعة أحاديث من روايته عن غير أبي عبيدة، روى اثنين منها عن شيخٍ يقال له: يحيى بن كثير، وواحدًا عن شيخ يقال له: عبد الأعلى، وواحدًا عن شيخ يقال له: ضمام بن السائب، وليس له في هذا المسند شيخ غير أبي عبيدة وهؤلاء الثلاثة([34]).

ورغم أن الإباضية تزعم أن مسند الربيع هو أصح كتاب بعد القرآن الكريم، ورغم أنَّ الكثير مِنْ متون أحاديثه صحيحةٌ، وقد أخرجها أصحابُ الكُتُب المُعتبَرةِ كالبخاريِّ ومسلمٍ وأحمد ونحوِهم، فضلًا عن أنه يضمُّ كثيرًا مِنَ الأحاديث التي وَرَدَتْ مِنَ الطريقة التي يعتبرها الإباضيةُ السلسلةَ الذهبية -أبو عبيدة عن جابر بنِ زيدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ، أو عن عائشة، أو عن أبي هريرة أو عمر رضي الله عنهم إلخ…- فأَغْلَبُ أحاديثِ الكتاب منقطعةٌ، فهي بلاغاتٌ ينسبونها لجابر بنِ زيدٍ وتلميذِه أبي عبيدة مسلم بنِ أبي كريمة، والربيعِ نَفْسِه، مما يشكك في صحة هذا الكتاب من أصله، ويؤكد هذا الرأي عدة أمور منها:

  • أنه ليس له أصل خَطي يوثق به.
  • جهالة مرتبة الوارجلاني، وليس للكتاب إسناد إلى الوارجلاني، ولا بين الوارجلاني والربيع بن حبيب.
  • الانقطاع بين أبي عبيدة وجابر بن زيد.
  • وجود الانقطاع في كثير من أسانيد الكتاب العليا، من الربيع فمن فوقه.
  • لم يظهر الكتاب في عصر الرواية والنقد، ولم يستدل الإباضية القدامى بأحاديثه فيما يعتقدون، مما يخالفون فيه غيرهم.
  • اعتذار علماء الإباضية عن عدم ظهور الكتاب لعلماء الحديث بالخوف من بطش الحكومات مردود عليه بوجود فرصة لظهوره وقت قيام الدولة الرستمية الإباضية التي حكمت أكثر من ثلاثين ومئة سنة([35]).
  • قال الشيخ الألباني رحمه الله عن مسند الربيع هذا: “وإن تعجب فالعجب من الشيخ عبد الله بن حميد السالمي الإباضي أن يصر إصرار هؤلاء على المشاققة للرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، ويتمسك في ذلك بالآثار الواهية رواية ودراية التي ذكرها إمامهم المزعوم الربيع بن حبيب في المسند المنسوب إليه! (1/ 35-36)، ومدارها على شيخه أبي عبيدة المجهول عنده، وغير معروف عندهم في الرواية بالضبط والحفظ والإتقان!”([36]).

سادسًا: عقائد الإباضية:

1- الأسماء والصفات:

ذهب الإباضية في الأسماء والصفات مذهب الشيعة والمعتزلة، فقالوا: إن الصفات هي عين الذات، وأن صفات الله تعالى -أي: صفات الذات- أمور اعتبارية، أي: معان لا حقيقة لها في الخارج([37]).

بمعنى أن الله غني بذاته، سميع بذاته، حي بذاته، فصفات الله عندهم لا معنى لها ولا وجود لها عند التحقيق، وذاته سبحانه وتعالى كافية في التأثير في جميع المقدورات؛ فصفات الله عين ذاته لأن الله قديم، وصفة القديم مثله في القدم، فإذا كان شيئًا غيره كان هناك قديمان أو أكثر، وهو تصور يتنافى عندهم مع أصل التوحيد؛ إذ يصبح الله محتاجًا إلى أعراض وأبعاض وأجزاء ويغدو مركبًا([38]).

ثم هم مع نفيهم للصفات عدّوا آيات الصفات من المتشابهات، وأوجبوا تأويلها، يقول أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي: “من اعتقد تنزيه الله تعالى عن مشابهة الأشياء لزمه تأويل ما أوهم التشبيه من الآيات والسنة، سواء صرح به أو لم يصرح به”([39]).

ويقول محمد أطفيش الجزائري الإباضي (ت: 1332هــ): “إن مذهبنا ومذهب هؤلاء -أي: المعتزلة- ومن وافقهم تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به”([40]).

وقال أحمد بنُ النظر مِنْ علمائهم:

وَهُوَ السَّمِيعُ بِلا أَدَاةٍ تَسْمَعُ … إِلَّا بِقُدْرَةِ قَادِرٍ وَحْدَانِي

وَهُوَ البَصِيرُ بِغَيْرِ عَيْنٍ رُكِّبَتْ … فِي الرَّأْسِ بِالأَجْفَانِ وَاللَّحَظَانِ

جَلَّ المُهَيْمِنُ عَنْ مَقَالِ مُكَيِّفٍ … أَوْ أَنْ يُنَالَ دِرَاكُهُ بِمَكَانِ([41])

وعلى هذا فقد أوَّلوا الاستواء باستواء أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه، أو استواء ملكٍ ومقدرة وغلبة.

فهذا السالمي في أبيات له يفسر الاستواء بالاستيلاء فيقول:

وهو على العرش والأشياء استوى … وإذا عدلت فهو استواء غير ما عقلا

وإنما استوى ملك ومقدور له… على كلها استيلاء وقد عدل([42])

وقال العيزابي:” الحمد لله الذي استوى على العرش، أي: مَلَكَ الخَلْقَ واستولى عليه، وإلَّا لَزِمَ التحيُّزُ وصفاتُ الخَلْق”([43]).

وأما أسماء الله عندهم فمخلوقة، يقولون: “الاسم مشتق من السمة وهو العلامة، يقول المرء: كان الله تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة. فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات، فلما أفناهم بقي بلا اسم وصفة… والاسم أيضا ما دل على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات”([44]).

وهكذا ذهب الإباضية في الأسماء والصفات مذهب الأشاعرة والمعتزلة والشيعة، فنفوا الصفات بحجة التعدد والتراكيب، وأولوا آيات الصفات بحجة أنها من المتشابهات.

وشبهة نفي الصفات بحجة التركيب إنما أخذها المعتزلة من الفلاسفة، كما حكى الشعري عنهم في مقالته، وهو يذكر مذهب أبي الهزيل العلاف -وهو من أئمة المعتزلة- في الصفات، فقال: “قوله: إن علم الله هو الله، وإن قدرته هي هو، لأنه إذا كان علمه هو هو، وقدرته هي هو، فواجب أن يكون علمه هو قدرته وإلا لزم التناقض كما لزم أصحاب الاثنين. وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه: إن الباري علم كله، قدرة كله، حياة كله، سمع كله، بصر كله، فحسن اللفظ عند نفسه، وقال: علمه هو هو، وقدرته هي هو”([45]).

وزعمُ الإباضية والمعتزلة أن إثبات الصفات يلزم منه التعدد والتركيب أو يلزم منه الافتقار أو الحدوث رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بجواب كافٍ شافٍ، مثبتًا أن التغاير من جهة الصفات ضرورة، فإن الصفة الواحدة ليست هي عين الصفة الأخرى، وهذا مما لا يمكن رده فقال: “وَإِنْ قَالَ نفاة الصِّفَاتِ: إثْبَاتُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مُسْتَلْزِمٌ تَعَدُّدَ الصِّفَاتِ وَهَذَا تَرْكِيبٌ مُمْتَنِعٌ. قِيلَ: وَإِذَا قُلْتُمْ: هُوَ مَوْجُودٌ وَاجِبٌ وَعَقْلٌ وَعَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَاشِقٌ وَمَعْشُوقٌ وَلَذِيذٌ وَمُلْتَذٌّ وَلَذَّةٌ. أَفَلَيْسَ الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا؟! فَهَذِهِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَغَايِرَةٌ فِي الْعَقْلِ وَهَذَا تَرْكِيبٌ عِنْدَكُمْ وَأَنْتُمْ تُثْبِتُونَهُ وَتُسَمُّونَهُ تَوْحِيدًا. فَإِنْ قَالُوا: هَذَا تَوْحِيدٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ هَذَا تَرْكِيبًا مُمْتَنِعًا، قِيلَ لَهُمْ: وَاتِّصَافُ الذَّاتِ بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لَهَا تَوْحِيدٌ فِي الْحَقِيقَةِ؛ وَلَيْسَ هُوَ تَرْكِيبًا مُمْتَنِعًا. وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ فِي صَرِيحِ الْعُقُولِ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ عَالِمًا هُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ قَادِرًا وَلَا نَفْسُ ذَاتِهِ هُوَ نَفْسُ كَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا؛ فَمَنْ جَوَّزَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ سَفْسَطَةً ثُمَّ إنَّهُ مُتَنَاقِضٌ…”([46]).

وقال أيضًا: “فإن العقل الصريح يعلم أن كل صفة ليست هي الأخرى، ولا هي نفس الموصوف”([47]).

2- رؤية الله تعالى في الآخرة:

سلك الإباضية في هذا الأصل مسلك الخوارج والمعتزلة، فقالوا بنفي رؤية الله تعالى في الآخرة، وقدموا العقل على النقل؛ لأنهم يعترون رؤية الله من الأشياء التي لا يتصور العقل صحة وجودها وجعلوها من المستحيلات، فوقعوا في متاهة نفي الصفات، وانتهوا في عقيدة الرؤية أيضًا إلى النفي([48]).

وقالوا: فليس لأحد من الخلق أن ينظر إليه جهرة لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لا يُدرك ولا يُرى بالأبصار إلا ما كان محدثًا محدودًا، والمحدود لا يكون إلا جسمًا، أو هيئة لجسم، والجسم صنعة صانع… فمن زعم أنه يرى الله جهرة فقد زعم أنه محيط بالله تعالى، لأن الأبصار إذا رأت شيئًا فقد أحاطت به، وبما رأت وعليه وقعت، إما على كله أو على بعضه، فإن وقعت على كله فقد حصرته وحدَّته وأحاطت به، وإن وقعت على بعضه فقد جزَّأته وبعَّضته، والله تبارك وتعالى لا يجوز عليه ذلك([49]).

وهكذا سلك الإباضية مسلك الخوارج والمعتزلة، فقدَّموا العقل على النقل، وردوا النصوص الواضحة واعتبروها من المتشابه الذي لا يجوز الأخذ بظاهره، حتى قال مفتيهم الخليلي في كتابه (الحق الدامغ) بعد أن سرد ثلاثة عشر حديثًا كلها تثبت الرؤية: “وأنت -أيها القارئ الكريم- تدرك بصيرتك أن الأخذ بظواهر هذه النصوص يفضي إلى ما يرده العقل ويكذبه البرهان”([50]).

وقد أورد الربيع بن حبيب عدة روايات عن بعض الصحابة تدل على إنكارهم رؤية الله تعالى بزعمه([51]).

والواقع أن كل استدلالاتهم التي شابهوا فيها المعتزلة إما استدلالات غير صحيحة الثبوت، أو صحيحه ولكن أوَّلوها على حسب هواهم في نفي الرؤية.

وفوق ذلك خالفوا الكتاب والسنة وإجماع الأمة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فقد قال الله عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23]، وقد روى البخاري ومسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي البَدْرَ- فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»، ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [ق: 39]([52]).

قال النووي رحمه الله: “اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ الْكَافِرِينَ، وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنَيْنِ، وَرَوَاهَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ، وَاعْتِرَاضَاتُ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَيْهَا لَهَا أَجْوِبَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ بَاقِي شُبَهِهِمْ، وَهِيَ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ، وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَةٌ إِلَى ذِكْرِهَا هُنَا”([53]).

3- قولهم في الصراط والميزان:

يرى جمهور الإباضية أن الصراط إنما قصد به طريق الإسلام ودين الله القيم… كما لا يرون غرابة في تعريف الصراط بالجسر… وقد ذكر الجيطالي أنه من الممكن عقلا أن يكون الصراط جسرًا ممدودًا فوق جهنم؛ لأنه ليس فيه ما يحيله، ولا في الشرع ما يبطله، فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط، والله أعلم بكيفيته([54]).

وهنا يخالف الإباضية الأدلة القطعية الثبوت من الكتاب والسنة التي تثبت وجود الصراط، واعتماد الجيطالي على أنه ليس هناك مانع عقلي أن يكون الصراط جسرًا ممدودًا فوق جهنم مردود أيضًا بالأدلة الثابتة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم على وجود الصراط، ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذكر مشاهد يوم القيامة: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: «دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»([55]).

أما الميزان: فهم لا يعتقدون أن الميزان الذي يضعه الله لحساب عباده عبارة عن ميزان ذي كفتين ولسان، توزن فيه صحائف الأعمال الحسنة وصحائف الأعمال السيئة، بل يعتقدون أن الميزان يراد به تمييز الأعمال وتفصيلها والمجازاة عليها؛ لأن أعمال العباد فيما يعتقدون أعراض وليست أجسامًا([56]).

وهذا تأويل وتعسّف مع كلام الله عز وجل، وردّ لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في حديث البطاقة الشهير: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ»([57]).

قال الألباني: “وفي الحديث دليل على أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان، وأن الأعمال وإن كانت أعراضًا فإنها توزن، والله على كل شيء قدير، وذلك من عقائد أهل السنة، والأحاديث في ذلك متضافرة إن لم تكن متواترة”([58]).

قال ابن حجر: “وحكى حنبل بن إسحاق في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال ردًّا على من أنكر الميزان ما معناه: قال الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الميزان يزم القيامة، فمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله عز وجل”([59]).

ومن هنا فإن ما ذهب إليه الإباضية من تأويل آيات الصراط والميزان وأحاديثهما تأويل خالفوا به أهل السنة، ووافقوا فيه المعتزلة والشيعة، وأعملوا عقولهم في آيات الله، وصرفوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير وجهها، فخرجوا بذلك عن منهج أهل السنة والجماعة.

4- قولهم بخلق القرآن:

القول بخلق القرآن لم يكن عند سلف الإباضية وأئمتهم الذين يرجعون إليهم في أصل المذهب، وهذا باعتراف منهم أنفسهم؛ يقول الدكتور فرحات الجعبيري الإباضي: “لم نجد الإشارة إلى خلق القرآن لا عند الصحابة ولا عند التابعين، فجابر بن زيد وأبو عبيدة والربيع ووائل بن أيوب شيوخ الإباضية على التوالي لم يتطرقوا لهذا الموضوع فيما نعلم”([60]).

وتذكر المصادر الإباضية أن أول من أدخل هذه المسألة بين الإباضية رجل اسمه عبد الله بن يزيد الفزاري الإباضي الكوفي، وهو متكلم من أتباع عبد الله بن إباض، وكان خرازًا شريكًا لهشام بن الحكم([61]).

لكن الذي يظهر أن القول بخلق القرآن عند الإباضية جاء متأخرًا في العقود الأولى من القرن الثالث الهجري، حيث وقعت الفتنة بين علماء عمان، وعلى وجه التحديد ما وقع بين محمد بن هاشم بن غيلان ومحمد بن محبوب بن الرحيل، واشتد الخلاف بينهم، حتى رجع محمد بن محبوب عن قوله بخلق القرآن، ثم شدوا على من يقول: إن القرآن مخلوق([62]).

وبرجوع محمد بن هاشم بن غيلان ومحمد بن محبوب عن القول بخلق القرآن استقر الأمر في المشرق على أن القرآن غير مخلوق([63]).

أما بالنسبة للإباضية في شمالي إفريقيا فكانوا جميعًا على رأي واحد، يقولون: إن القرآن مخلوق.

وأقدم وثيقة تعالج هذه المسألة هي رسالة ألفها الرستمي أبو اليقظان محمد بن أفلح (ت: 281هــ)، ناقش المسألة بتفصيل، ومن الأسباب التي دعت الإباضية في شمال إفريقيا إلى تبني هذه المسألة تأثرهم بالمعتزلة الذين سبق وجودُهم في الشمال الإفريقي وجودَ الإباضية، واقتناع الرستمي بمعتقد المعتزلة في المسألة، ولما كان هو إمام الإباضية في شمال لإفريقيا فإن أنصاره ارتضوا وجهة نظره بالإجماع.

وحين عالج علماء الإباضية المغاربة مسألة خلق القرآن كانت وجهة نظر المعتزلة حول خلق القرآن قد انتشرت في أوساطهم انتشارًا واسعًا فتأثروا بها([64]).

فحسمت القضية بالقول بخلق القرآن زمن الدولة الرستمية، وذلك منذ القرن الثالث الهجري، واستمروا في الدفاع عن هذا المبدأ حتى الآن([65]).

يقول الدكتور ناصر العقل: “ويعتقد بعض الإباضية أن القرآن مخلوق، وهذا قول كثير من المغاربة منهم، أما المشارقة -أباضية عمان- فأكثرهم يقول: بأن القرآن غير مخلوق، إلا أحد علمائهم المعاصرين([66])، نصر قول الجهمية بخلق القرآن”([67]).

5- العدل والوعد والوعيد:

يرى الإباضية أن من عصى الله عز وجل ولم يتب قبل موته فحقٌّ على الله أن يدخله النار خالدًا فيها، وكذلك المؤمن إذا مات مؤمنًا يجب على الله أن يدخله الجنة ويخلد فيها، وعلى هذا فالعاصي الذي مات على معصيته عندهم لا يقع تحت عفو الله تعالى؛ لأن القول بهذا يؤدي حسب رأي الإباضية إلى إبطال وعيد الله تعالى الذي توعَّد به مرتكبي الكبائر الذين ماتوا بلا توبة بتخليدهم في النار، كما يؤدي إلى إدخال الكذب في اختيار الله تعالى، فضلًا عن أنه يتنافى مع عدل الله تعالى وحكمته([68]).

ولقد سلك الإباضية في باب الوعد والوعيد مسلك الخوارج والمعتزلة، يقول القاضي عبد الجبار في بيان مذهب المعتزلة في ذلك: “وأما علوم الوعد والوعيد فهو أن يعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه الخلف والكذب”([69]).

ويقول أبو عمار عبد الكافي الإباضي في تقرير مذهب الإباضية: “واتفق جمهور من ذكرنا في صدر المقالة من الأمة على أن الله منجز وعده، ووعيد، ومصدقهما بتمام ذلك وإمضائه في جميع من وعده وتوعده، لا تبديل لكلمات الله، ولا تحويل لأمره. واستدل بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَاد}”([70]).

وهؤلاء قد ضلوا في الوعد والوعيد جميعًا:

فأما ضلالهم في الوعيد فواضح؛ حيث جرهم قولهم به إلى إكفار أصحاب الكبائر، أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق، ووجوب إدخالهم النار وتخليدهم فيها، وقالوا: إنه لا يجوز أن يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا، ويكفي أن قولهم هذا يناقض قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]؛ فمن أين لهم أنه سبحانه لا يشاء المغفرة لهم مع كونهم ليسوا كفارًا على مذهب المعتزلة، وليسوا مشركين على مذهب الإباضية وطوائف من الخوارج؟! والنص إنما دل على عدم المغفرة للمشرك به سبحانه، والذين لا يغفر لهم هم الكافرون والمشركون([71]).

وأما ضلالهم في الوعد فلإيجابهم ذلك على الله سبحانه بطريق الاستحقاق والعوض، يقول القاضي عبد الجبار: “اعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة فلا بد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله”([72]).

6- حكم مرتكب الكبيرة:

مرتكب الكبيرة عند الإباضية في الدنيا لا يعتبر مسلمًا من المسلمين ولا كافرًا، بل يعطونه اسم الكافر وحكم الموحّد، فيسمونه كافر نعمة، وكافر منافق.

أما في الآخرة فقد ذهب الإباضية إلى أن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلَّد في النار إذا مات من غير توبة([73]).

فالإباضية وافقوا سائر الخوارج والمعتزلة والزيدية في الحكم على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار إذا مات من غير التوبة؛ بناء على اعتقاد وجوب إنفاذ الوعيد لا محالة.

وقد أخذ هذا القول بعدًا عقديًّا عندهم؛ حيث صرحوا به في مختلف كتبهم العقدية، ومن ذلك ما جاء في مسند الربيع بن حبيب من أحاديث عنونها بقوله: “الحجة على من قال: إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين”([74])، حيث قصد كفر النعمة لا كفر الشرك([75]).

ثم جاء بأحاديث من غير سند ولا راوٍ، والمتن مخالف في غالب رواياته لما في كتب الصحاح، فمثلًا جاء في هذا الباب تحت رقم (744) بغير ما سند أو راو واحد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال رجل لرجل أنت عدوي فقد كفر أحدهما).

قال محمد أطفيش: “واعلم أن مرتكب الكبيرة عندنا -معشر الإباضية- كافر كفر نفاق، وكفر فسق، وكفر نعمة، وكفرًا بالجارحة، كل ذلك معنى واحد، ولا يقال له: مؤمن ولا مسلم، وقد يطلق عليه مؤمن ومسلم بمعنى موحّد”([76]).

كما يعتبرون الإصرار من الكبائر، بل من أكبرها، حتى الإصرار على المعصية عندهم من الكبائر التي يخلد صاحبها في النار([77]).

يقول سلطان بن محمد الحراصي: “الإصرار من الكبائر، ولعله من أكبرها؛ لأن المصر على المعصية لا سبيل له إلى النجاة، ونقل عن بعض علمائهم أن المصر حتى على الصغيرة يعتبر كافرًا كفر نعمة، حكمه أن ينفذ فيه الوعيد، فيخلد في النار”([78]).

ولا يجيزون أن يسمى مؤمنًا ولا مسلمًا، ومرادهم جعل النفاق مرادفًا لكفر النعمة؛ فإن النفاق عندهم يكون في الأفعال لا في الاعتقادات، وفي نفس الوقت يجعلون له حكم الموحّد من ناحية جواز نكاحه وميراثه ودفنه في مقابر المسلمين.

وهم في هذا القول وافقوا المعتزلة من ناحية عدم إطلاق اسم الإسلام والإيمان على مرتكب الكبيرة، وإن كان الإباضية ينكرون إطلاق أن الفاسق في منزلة بين المنزلتين، ويوافقون المعتزلة في الموقف منه في الدنيا من ناحية أنه يعامل معاملة المسلمين([79]).

ومنشأ الخطأ عند الإباضية من مساواتهم بين الكفر والفسق لفظًا ومعنى وحكمًا، فادعوا أن أحكام الكفار وأحكام العصاة الفسقة سواء لا فرق بينهما في الحكم الدنيوي والأخروي.

وقد فصل الله بين الكفر والفسق والعصبان بقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7].

قال المروزي: “لَمَّا كَانَتِ الْمَعَاصِي بَعْضُهَا كُفْرًا وَبَعْضُهَا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَهَا ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ مِنْهَا كُفْرٌ، وَنَوْعٌ فِسْقٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ، وَنَوْعٌ عِصْيَانٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَلَا فُسُوقٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَرَّهَهَا كُلَّهَا إِلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمَّا كَانَتِ الطَّاعَاتُ كُلُّهَا دَاخِلَةً فِي الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا خَارِجًا مِنْهُ، لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: حَبَّبَ الْإِيمَانَ وَالْفَرَائِضَ وَسَائِرَ الطَّاعَاتِ، بَلْ أَجْمَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} [الحجرات: 7] فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ”([80]).

وترتب على هذا الأصل عند الإباضية: نفيهم للشفاعة في أهل المعاصي؛ لأن مرتكب الكبيرة عندهم يجب على الله عقابه وإدخاله النار، وبذلك أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن مات مصرا على كبيرة، وقالوا: لا تكون الشفاعة إلا للمؤمنين فقط([81]).

وترتب عليه أيضًا: مخالفة المعتزلة في القول بالمنزلة بين المنزلتين، فمن أتى بكبيرة إما كافر، إما كفر نعمة، أو كفر جحود، وبهذا ينفون المنزلة بين المنزلتين([82]).

7- موقف الإباضية من الصحابة:

لم يسلم الصحابة رضوان الله عليهم من سب الإباضية وطعنهم فيهم، لا سيما كبار الصحابة رضي الله عنهم كعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، بل وصل الأمر ببعض متقدّميهم إلى درجة التكفير.

وهذا سرحان بن سعيد بن سرحان الأزكوي الإباضي كثير القدحِ والطعن في شخصِ عثمان رضي الله عنه بما لا يُوصَفُ، ولم يكتفِ بالسبِّ والشتم، بل اختلق رواياتٍ عن بعض الصحابة رضي الله عنهم يسبُّون فيها -بزعمه- عثمانَ رضي الله عنه ويحكمون عليه بالكفر([83]).

وهذه الرسالة المنسوبة لعبد الله بن إباض التي أرسلها لعبد الملك بن مروان، ويفتخر بها الإباضية، وهي كلها سب وطعن واتهام لكبار الصحابة كعثمان وعلي ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعًا، يقول فيها واصفًا سلفه من الخوارج: “أنهم أصحابُ عثمانَ الذين أنكروا عليه ما أحدث مِنْ تغيير السُّنَّة وفارقوه حين عصى ربَّه، وهم أصحابُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ حتَّى حكَّم عمرو بنَ العاص وتَرَكَ حُكْمَ الله، وأنكروه عليه وفارقوه فيه، وأبَوْا أَنْ يُقِرُّوا الحُكْمَ لبَشَرٍ دون حكمِ كتاب الله؛ فهُمْ لمَنْ بَعْدَهم أَشَدُّ عداوةً وأَشَدُّ مفارَقةً، وكانوا يَتْلُونَ -في دِينهم وسنَّتهم- رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبا بكرٍ وعمر بنَ الخطَّاب، ويَدْعون إلى سبيلهم ويرضَوْن بسُنَّتهم، على ذلك كانوا يخرجون وإليه يَدْعون، وعليه يتفارقون؛ فهذا خبرُ الخوارجِ، نُشْهِدُ اللهَ والملائكةَ إنَّا لمَنْ عاداهم أعداءٌ، وإنَّا لِمَنْ والاهم أولياءُ بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا… غيرَ أنَّا نبرأ إلى الله مِنِ ابنِ الأزرق وأتباعِه مِنَ الناس، لقد كانوا خرجوا -حين خرجوا- على الإسلام فيما ظَهَرَ، ولكنَّهم ارتدُّوا عنه وكفروا بعد إيمانهم؛ فنبرأ إلى الله منهم”([84]).

وصاحِبُ كتابِ (كشفِ الغمَّة الجامع لأخبار الأُمَّة) يشتم الحسنَ والحسين رضي الله عنهما، وأَوْجَبَ البراءةَ منهما بسبب ولايتهما لأبيهما على ظُلْمِه وغشمِه -كما يزعم -، كذلك بسببِ قتلِهما عبدَ الرحمن بنَ مُلْجمٍ، وتسليمِهما الإمامةَ لمعاوية رضي الله عنه.

ونفس الموقف الذي وَقَفه الخوارجُ عمومًا والإباضيةُ أيضًا مِنَ الصحابة السابقين رضي الله عنهم وقفوه أيضًا مِنْ طلحة بن عبيد الله والزبير بنِ العوَّام رضي الله عنهما، وأوجب لهما الورجلانيُّ النارَ([85]).

8- الموقف من الإمامة والخروج على الأئمة:

أما موقف الإباضية من الإمامة والخروج على الأئمة فإنهم يتفقون فيه مع سائر الخوارج في أمرين وهما:

– الأمر الأول: عدم اشتراط القرشية في الإمام:

فهم قالوا أولًا بتخطئة التحكيم اتباعًا لعبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي وغيرهما، ثم بنوا على ذلك القول بأن الخلافة حقّ شائع بين المسلمين الأحرار والأرقاء، وإذا اختير الخليفة فلا يجوز أن ينزل عنها، وإذا جار أو انحرف استحلّ قتله إذا اقتضت الضرورة؛ ولذا اعترفوا بإمامة عبد الله بن وهب الراسبي ومن جاء بعده من المحكّمة([86]).

هذا ولم يؤثر عن الخوارج عمومًا أنهم وضعوا شروطًا للإمامة سوى أن يكون الإمام عالمًا بأمور الدين، زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وأن الإمامة تكون على الإطلاق بين المسلمين، لا تحتكر لفئة دون غيرها([87]).

والخلاف هنا بين الخوارج والإباضية في حكم تنصيب الإمام، فهو عند الإباضية فرض عين، وذلك لتطبيق أحكام الله في الأرض وإقامة الحدود، بينما الخوارج لا يعتقدون وجوب تنصيب الإمام، ومن يجوزه منهم لا يفترضه.

والإمامة عند الإباضية حق لكل مسلم إذا توفرت فيه صلاحية الدين، ومن ثم فيلس بشرط عندهم أن تكون الخلافة في قريش، بل نصب الإمام فيما يعتقدون يجوز لمن كان فيه صفة الولاية، فكل ولي لله في حكمه الظاهر، يجوز نصبه إمامًا من غير فرق([88]).

– الأمر الثاني: الخروج على الأئمة:

المشهور على لسان كُتاب المقالات عن الإباضية قولهم: “إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي”([89]).

والذي نقله عنهم أبو الحسن الشعري: “أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف، لكنهم يرون إزالة أئمة الجور، ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه، بالسيف أو بغيره”([90]).

وعلى هذا فالإباضية وإن كانت ترى أن دار الإسلام دار توحيد وعدل، إلا أن الحاكم الذي لا يلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتباع أحكام الله فإن معسكره عند الإباضية معسكر بغي، ويجوز الخروج عليه وتغييره لإقامة حكم الله تعالى([91]).

وللورجلاني تفصيل في هذه المسألة، يؤكد به اختلاف منهج الإباضية في موضوع الخروج على الحاكم الظالم عن منهج أهل السنة والجماعة، فيقول: “اعلم -يا أخي- أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز، وليس كما تقول السنية أنه لا يحل الخروج عليهم ولا قتالهم، بل التسليم لهم على ظلمهم… -ثم ذكر الاختلاف في المسألة وقال:- وقولنا هو الصواب إن شاء الله؛ لأنا نقول: لا يحل لنا أن نستعرض أحدًا من الرعايا والمسافرين والتجار والحرفيين وغيرهم إلا الملوك الظلمة الجورة، وندعوهم إلى ترك ما ضلوا ولا نعترض من العامة إلا جنودهم، وهم وجنودهم بمثابة واحدة، فإن خرجنا عليهم قاتلناهم حتى نزيل ظلمهم عل العباد والبلاد، وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك”([92]).

فهذا اعتراف من الورجلاني يفيد أمورًا:

الأول: أنهم فارقوا أهل السنة في مسألة الخروج على الحكام الظلمة، و”أن مذهب أهل الدعوة في الخروج على الملوك الظلمة والسلاطين الجورة جائز وليس كما تقول السنية”، وهذه مفارقة يريد الرجل ذكرها والتأكيد عليه.

والثاني: أنه حكم بأن ما ذهب إليه أهل الدعوة -أي: الإباضية- هو الصواب، فيقول: “وقولنا هو الصواب إن شاء الله”، ومفهوم المغايرة يستلزم أن غير أتباع الدعوة الإباضية على باطل في هذه القضية.

والثالث: أن في كلامه ما يشعر بجواز الأخذ بالتقية، فهو وإن كان يدعو إلى الخروج على الحكام الظلمة، لكنه ينتهي بكلامه إلى أن يقول: “وإن لم نخرج عليهم ورضينا بالكون معهم وتحتهم فجائز لنا ذلك”([93]).

وخلاصة الرأي أن الإباضية وإن كانوا لا يوجبون تكفير الإمام الظالم غير الملتزم بروح الإسلام، إلا أنهم يعتبرون معسكره معسكر بغي، ويجوّزون الخروج عليه، وإن كانوا لا يجوزون قتل العامة، إلا أنهم جوّزوا قتل جنود السلطان، وأعطوهم حكمه، فهم على ذلك يشتركون على الإجمال مع الخوارج في قضية الخلافة والإمامة والخروج على الأئمة([94]).

خلاصة البحث:

بعد هذه الدراسة الموجزة لعقيدة الإباضية من خلال ما كتبه كتاب الفرق من أهل السنة وبالرجوع إلى الكثير من أصول كتب العقائد عند الإباضية يتبين الآتي:

أولًا: أن الإباضية من حيث النشأة ارتبط ظهورها بظهور الخوارج، فقد نشأت على أصول الخوارج الاعتقادية، ثم أصبحت خليطًا من العقائد بين عقائد الجهمية والمعتزلة والشيعة وأهل الكلام، فتنقلت من الخصومات والجدل إلى الكلام والتأويل.

ثانيًا: الإباضية يعتبرون عبد الله بن إباض أحد أئمتهم وليس مؤسّس مذهبهم، وأن جابر بن زيد هو مؤسس المذهب وإمامهم الأول.

ثالثًا: من خلال الاطلاع على أراء الإباضية تبين أنهم يكرهون تسميتهم بالخوارج، ويصفون أنفسهم بأهل الحق والاستقامة، أو أهل العدل.

رابعًا: يصرح الإباضية في كثير من عقائدهم أنهم على مذهب المعتزلة ومن وافقهم، لا سيما في مسائل الأسماء الصفات.

خامسًا: القول بخلق القرآن لم يكن عند سلف الإباضية وأئمتهم، بل لم تكن في الجذور العقدية لديهم، لكنهم تأثروا فيها بقول المعتزلة، لا سيما في الشمال الإفريقي.

سادسًا: يرى الإباضية في الوعد والوعيد أن من عصى الله عز وجل ولم يتب قبل موته فحق على الله أن يدخله النار ويخلد فيها، وكذلك المؤمن إذا مات مؤمنًا، يجب على الله أن يدخله الجنة ويخلد فيها، اتباعًا للمعتزلة.

سابعًا: ذهب الإباضية إلى إبطال شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، وخالفوا بذلك أهل السنة والجماعة، وذلك يعود لتمسكهم بأصل الوعد والوعيد.

ثامنًا: مرتكب الكبيرة عند الإباضية في الدنيا لا يعتبر مسلمًا من المسلمين، ولا كافرًا، بل يعطونه اسم الكافر وحكم الموحد، فيسمونه كافر نعمة، وكافر منافق. أما في الآخرة فقد ذهب الإباضية إلى أن مرتكب الكبيرة في الآخرة مخلد في النار إذا مات من غير توبة.

تاسعًا: لم يسلم الصحابة رضوان الله عليهم من سب الإباضية وطعنهم فيهم، لا سيما كبار الصحابة رضي الله عنهم كعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، بل وصل الأمر ببعض متقدميهم إلى درجة التكفير؛ موافقة للخوارج.

عاشرًا: الإمامة عند الإباضية حق لكل مسلم إذا توفرت فيه صلاحية الدين، ومن ثم فيلس بشرط عندهم أن تكون الخلافة في قريش.

حادي عشر: يرى الإباضية أن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي، ويجوز الخروج عليه وتغييره لإقامة حكم الله تعالى، وللورجلاني تفصيل في هذه المسألة يؤكد به اختلاف منهج الإباضية في موضوع الخروج على الحاكم الظالم عن منهج أهل السنة والجماعة.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) مناصحة الإمام وهب بن منبه لرجل تأثر بمذهب الخوارج، مكتبة ابن قتيبة – دار السلف – السعودية (ص: 21).

([2]) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، ط: مكتبة المثنى – بغداد (ص: 52).

([3]) الملل والنحل (1/ 134).

([4]) تاريخ الطبري، ط: دار التراث – بيروت (5/ 568).

([5]) انظر: العقود الفضِّية في أصول الإباضية، لسالم بنِ حمد الحارثي الإباضي (ص: 121-122).

([6]) انظر: إسلام بلا مذاهب (ص: 143)، وإزالة الوعثاء عن أتباع أبي الشعثاء، سالم بن محمود شامس (ص: 49).

([7]) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ط: الرسالة (4/ 482).

([8]) حلية الأولياء (3/ 89).

([9]) ينظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 181)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (2/ 495).

([10]) ينظر: إسلام بلا مذاهب (ص: 148).

([11]) فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام (ص: 247). وانظر: الإباضية بين الفرق الإسلامية (ص: 377، 383)، والإباضية في موكب التاريخ (ص: 62).

([12]) انظر: الإباضية بين الفرق الإسلامية، على يحيى معمر الإباضي، (ص: 384).

([13]) قطعة من كتاب في الأديان لمؤلف إباضي مجهول الاسم (ص: 96).

([14]) وفاء الضمانة بأداء الأمانة للعيزابي الإباضي (3/ 22).

([15]) مقالات الإسلامين (1/ 204).

([16]) مقالات الإسلامين (1/ 184).

([17]) مقالات الإسلامين (1/ 185).

([18]) تاريخ المذاهب الإسلامية (1/ 85).

([19]) التنبيه والرد (ص: 168).

([20]) رسالة الدبسي (ص: 27).

([21]) الفرق بين الفرق (ص: 103).

([22]) الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد (ص: 27). وانظر: موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام، مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف (4/ 362).

([23]) رسالة في فرق الإباضية (ص: 13).

([24]) دليل الخليج (6/ 3403).

([25]) دليل الخليج (6/ 3403).

([26]) عمان تاريخ يتكلم (ص: 131).

([27]) انظر: الأعلام، لخير الدين الزركلي (2/ 133).

([28]) انظر: عمان تاريخ يتكلم، لمحمد بن عبد الله السالمي الإباضي (ص: 135).

([29]) انظر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام (ص: 255).

([30]) انظر: الأصول التاريخية للفرق الإباضية، عوض خليفات (ص: 52)، والإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، علي محمد الصلابي، ط: دار بن كثير (ص: 82).

([31]) انظر: بدء الإسلام وشرائع الدين، لابن سلام الإباضي (ص: 110)، والطبقات، لأبي العباس الدراجيني (2/ 273).

([32]) انظر: مسند الربيع بن حبيب الإباضي – دراسة نقدية، د: سعد بن عبد الله حميد، ط: مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد 47، رجب 1430هــ (ص: 261).

([33]) انظر: شبه تدحضها حقائق، للشيخ الحاج محمَّد بن الشيخ المغربي (ص: 13).

([34]) انظر: الإباضية في ميزان أهل السنة، عبد الله بن مسعود السني (ص: 50).

([35]) انظر: مسند الربيع بن حبيب الإباضي – دراسة نقدية (ص: 248).

([36]) سلسلة الأحاديث الصحيحة، ط: مكتبة المعارف (6/ 439).

([37]) أصول العقائد الإسلامية ـ العقيدة (٢/ ٣٩).

([38]) انظر: دراسات إسلامية في الأصول الإباضية، بكير بن سعد اعوشت، ط: دار التضامن، القاهرة (ص: 41).

([39]) مشارق أنوار العقول، ط: دار الجيل – بيروت (2/ 83).

([40]) هيمان الزاد إلى دار المعاد (2/ 106).

([41]) الدعائم (ص: 34).

([42]) شرح غاية المراد في نظم الاعتقاد، أحمد بن حمد الخليلي (ص: 83).

([43]) الحجَّة في بيان المحجَّة في التوحيد بلا تقليد (ص: 18).

([44]) أصول العقائد الإسلامية ـ العقيدة (٢/ ٢٥).

([45]) مقالات الإسلامين، عنى بتصحيحه: هلموت ريتر، ط: دار فرانز شتايز، بمدينة فيسبادن (ألمانيا) (ص: 485).

([46]) مجموع الفتاوى (3/ 23-24).

([47]) بيان تلبيس الجهمية (1/ 507).

([48]) الإباضية عقيدة ومذهبًا (ص: 104).

([49]) منهج الطالبين بلاغ الراغبين، خميس بن سعد بن علي الرستافي، ط: وزارة التراث القومي والثقافة – عمان (1/ 409).

([50]) انظر: الإباضية في ميزان أهل السنة، عبد الله بن مسعود السني (ص: 18).

([51]) مسند الربيع بن حبيب (3/ 35).

([52]) رواه البخاري، كتاب الصلاة، بَابُ فَضْلِ صَلاَةِ العَصْرِ (554)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا (633).

([53]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط: دار إحياء التراث العربي – بيروت (3/ 15).

([54]) منهج الطالبين وبلاغ الراغبين في أصول العقائد الإسلامية (2/ 143).

([55]) رواه مسلم، كتاب الإيمان، بَابُ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ (183).

([56]) انظر: قواعد الإسلام، للجيطالي (1/ 17).

([57]) رواه أحمد (6994)، والترمذي (2639)، وابن ماجه (4300).

([58]) السلسلة الصحيحة (1/ 263).

([59]) فتح الباري (13/ 538).

([60]) البعد الحضاري للعقيدة الإباضية (1/ 329).

([61]) انظر: الفصل في الملل والنحل، لابن حزم (2/ 266)، والبعد الحضاري للعقيدة الإباضية (1/ 329).

([62]) انظر: مسألة خلق القرآن عند الإباضية المعاصرة – دراسة نقدية، د. مشاعل بنت خالد باقاسي (ص: 195).

([63]) انظر: الإباضية عقيدة ومذهبًا، د: صابر طعيمة، ط: دار الجيل (ص: 100).

([64]) انظر: مسألة خلق القرآن عند الإباضية المعاصرة – دراسة نقدية، د. مشاعل بنت خالد باقاسي (ص: 196).

([65]) انظر: البعد الحضاري للعقيدة الإباضية، د. فرحات الجعبيري (1/ 332).

([66]) يقصد مفتي الديار العمانية: أحمد بن حمد الخليلي، في كتابه الحق الدامغ (ص: 122).

([67]) الخوارج (ص: 78).

([68]) انظر: الحق الدامغ، أحمد الخليلي (ص: 216).

([69]) شرح الأصول الخمسة (ص: 135).

([70]) انظر: الموجز ضمن كتاب آراء الخوارج الكلامية، د: عمار طالبي (2/ 105).

([71]) انظر: وسطية أهل السنة بين الفرق، د: محمد باكريم محمد باعبد الله، ط: دار الراية (ص: 356).

([72]) شرح الأصول الخمسة (ص: 614).

([73]) انظر: شرح عقيدة التوحيد، محمد أطفيش (ص: 532).

([74]) مسند الربيع بن حبيب (3/ 4).

([75]) مسند الربيع بن حبيب (2/ 271).

([76]) شرح عقيدة التوحيد (ص: 530).

([77]) الإباضية عقيدة ومذهبًا (ص: 120).

([78]) الشفاعة الأخروية (ص: 124).

([79]) موقف الإباضية من مرتكب الكبيرة – عرض ونقد، د. بسمة بنت أحمد جستنية، ط: مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، العدد: 43 (ص: 1957).

([80]) تعظيم قدر الصلاة، ط: مكتبة الدار – المدينة المنورة (1/ 359).

([81]) انظر: دراسات إسلامية في أصول الإباضية، بكير اعوشت (ص: 80).

([82]) انظر: فرق الإباضية وأصولهم العقدية (ص: 50).

([83]) انظر: كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة (ص: 268).

([84]) انظر: العقود الفضِّية، لسالم بنِ حمد الحارثي (ص: 135).

([85]) انظر: كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، سرحان بن سعيد بن سرحان الأزكوي (ص: 304).

([86]) انظر: الإباضية عقيدة ومذهبًا، لصابر طعيمة (ص: 33).

([87]) انظر: الإباضية عقيدة ومذهبًا (ص: 135).

([88]) انظر: قاموس الشريعة، جميل بن خميس السعدي (86/ 37).

([89]) الملل والنحل للشهرستاني (1/ 134).

([90]) مقالات الإسلاميين (1/ 109).

([91]) انظر: الإباضية بين الفرق، علي يحيى معمر (ص: 297).

([92]) الدليل والبرهان (3/ 63).

([93]) الإباضية عقيدة ومذهبًا (ص: 143).

([94]) انظر: الإباضية بين الفرق الإسلامية (ص: 308).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

دعوى مخالفة علم الأركيولوجيا للدين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: عِلم الأركيولوجيا أو علم الآثار هو: العلم الذي يبحث عن بقايا النشاط الإنساني القديم، ويُعنى بدراستها، أو هو: دراسة تاريخ البشرية من خلال دراسة البقايا المادية والثقافية والفنية للإنسان القديم، والتي تكوِّن بمجموعها صورةً كاملةً من الحياة اليومية التي عاشها ذلك الإنسان في زمانٍ ومكانٍ معيَّنين([1]). ولقد أمرنا […]

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017