الأربعاء - 21 ذو القعدة 1445 هـ - 29 مايو 2024 م

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

A A

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة

مقدمة:

إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]).

فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا لو تأملوها حقَّ التأمل وتفكروا بها لَدَلَّتْهُمْ إلى أن هناك خالقًا مدبرًا لهذا الكون وحده لا شريك له.

فوجود المخلوقات يدلّ على ربوبية الله، والسماوات والأرض، والكواكب والنجوم، والليل والنهار، والرياح والسحاب والمطر، والنبات والدواب، وغير ذلك كلها تدل على ربوبية الله ووحدانيته سبحانه وتعالى.

والقرآن مليء بذكر الأدلة على ربوبية الله، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿‌الْحَمْدُ ‌لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ ‌الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]، وقوله تعالى: ﴿‌اللَّهُ ‌الَّذِي ‌خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 40]، وغير ذلك من الآيات.

إن حاجة الخلق إلى معرفة دلائل الربوبية كحاجتهم إلى الإقرار بربوبية الخالق جلّ وعلا؛ ولذلك جاءت تلك الدلائل بيِّنة ظاهرة ميسَّرة ومتنوِّعة كثيرة، والمطلوب كلّما كان الناس إلى معرفته أحوجَ يسّر الله للناس دلائله وكثَّرها وجعلها ظاهرة بيِّنة([2]).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ودلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر البيّن لكل أَحد، كالحوادث المشهودة، مثل خلق الحيوان والنبات والسحاب وإنزال المطر وغير ذلك، وفيها ما يختصّ به من عَرَفه، مثل دقائق التشريح ومقادير الكواكب وحركتها وغير ذلك، فإن الخلق كلّهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق، والإقرار برسله، وما اشتدّت الحاجة إليه في الدين والدنيا فإنّ الله يجود به على عباده جودًا عامًّا ميسَّرًا. فلما كانت حاجتهم إلى النَّفَس أكثر من حاجتهم إلى الماء، وحاجتهم إلى الماء أكثرَ من حاجتهم إلى الأكل، كان سبحانه قد جاد بالهواء جودًا عامًّا في كل مكان وزمان؛ لضرورة الحيوان إليه، ثم الماء دونه، ولكنه يوجد أكثر مما يوجد القوت وأيسر؛ لأنّ الحاجة إليه أشد. فكذلك دلائل الربوبية حاجة الخلق إليها في دينهم أشدّ الحاجات، ثم دلائل النبوة، فلهذا يسرها الله وسهلها) ([3]).

وقال أيضا: (وكذلك لما كانت حاجتهم إلى معرفة الخالق أعظمَ كانت آياته ودلائل ربوبيته وقدرته وعلمه ومشيئته وحكمته أعظم من غيرها)([4]).

ومن الدلائل على وجود الله ووحدانيته التي جاء بيانها مفصلًا دليل الفطرة -وهي أن الإيمان بوجود الله مركوز في فطرة كل إنسان، ولا يستطيع أحد دفعه ولا رفعه- ودليل الآيات، والنبوة، وغيرها. ومنها أيضًا: دليل العناية الذي هو موضوع هذه الورقة.

المراد بدليل العناية:

هو ظهور آثار كماله سبحانه وتعالى في خلقه وحسن لطفه وعنايته الشاملة لجميع الأفراد، وتتجلى في كل جزئيات هذا الكون ودقَّة صنعه وإتقانه وإحكامه وترابطه.

يقول ابن القيم: “إن ‌دليل ‌العناية والحكمة كثيرًا ما يتكرر في القرآن، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ‌وَأَنْزَلَ ‌مِنَ ‌السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: 32، 33]، فذكر خلق السماوات والأرض ثم ذكر منافع المخلوقات وحِكمَها”([5]).

ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ‌فَلَا﴾ [البقرة: 22]: ذكر سبحانه في هذه الآية قرار العالم وهو: الأرض، وسقفه وهو: السماء، وأصول منافع العباد وهو: الماء الذي أنزله من السماء، فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه، ونبه تعالى بجعله للأرض فراشًا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها، فجعلها فراشًا ومهادًا وبساطًا وقرارًا، وجعل سقفها بناء محكمًا مستويًا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب([6]).

فالمراد بالعناية ما نشهده ونحسّ به من الاعتناء المقصود بهذه المخلوقات عمومًا، وبالإنسان على وجه الخصوص، والذي يتجلّى فيما نراه وندركه من موافقة هذه الموجودات بعضها لبعض، وذلك لا يكون قطعًا إلا من قبل فاعل قاصد لذلك مريد([7]).

فالمتأمل في هذا العالم المترابط الأجزاء يجد فيه الدلالة الواضحة على قدرة خالقه، وكمال علمه وحكمته، وحسن لطفه وعنايته بالعالم كله؛ إذ الرعاية شاملة لكل أفراده، والعلم محيط بكل جزئیاته، قال تعالى: ﴿‌وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].

والناظر بعين البصيرة في هذا العالم كله -علويه وسفليه، كبيره وصغيره- يجد فيه العناية التامة به أولًا، وبمن خلق الله له هذه الموجودات وسخرها له ثانيًا، فالسماوات وأفلاكها والأرض ومحتوياتها خلقت بالحق، وبه حفظت كما قال تعالى: ﴿‌مَا ‌خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأحقاف: 3]، وقال تعالى: ﴿‌وَمَا ‌خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: 38]([8]).

ومن تمام حكمة الله وعنايته بخلقه وجود خواص مميزة لكل مخلوق من المخلوقات وهيئة مخصوصة؛ بحيث لو لم يكن بهذه الخواص لفسد، وفي بيان ذلك يقول شيخ الإسلام: (إنّ ‌العين ‌والفم والأذن فيها مياه ورطوبة؛ فماء العين مالح، وماء الفم عذب، وماء الأذن مُرّ؛ فإنّ العين شحمة، والملوحة تحفظها أن تذوب، وهذه أيضًا حكمة تمليح ماء البحر؛ فإن له سببًا وحكمةً، فسببه سبوخة أرضه وملوحتها، فهي توجب ملوحة مائه، وحكمتها أنّها تمنع نتن الماء بما يموت فيه من الحيتان العظيمة؛ فإنّه لولا ملوحة مائه لأنتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس بفساده، وإذا وقع أحيانًا قتل خلق كثير فإنّه يُفسد الهواء حتى يموت بسبب ذلك خلق كثير. وماء الأذن مُرّ؛ ليمنع دخول الهوام إلى الأذن. وماء الفم عذب؛ ليطيب به ما يأكله، فلو جعل الله ماء الفم مرًا لفسد الطعام على أكله، ولو جعل ماء الأذن عذبًا لدخل الذباب في الدماغ، ونظائر هذا كثيرة. فلا يجوز أن يفعل بخلاف ذلك؛ مثل أن يجعل العينين في القدمين، ويجعل الوجه خشنًا غليظًا كالقدمين؛ فإنّه كان يُفسد مصلحة النظر والمشي؛ بل من الحكمة أنه جعل العينين في أعلى البدن في مقدّمه ليرى بها ما أمامه، فيدري أين يمشي، وجعل الرجل خشنة تصبر على ما تلاقيه من التراب وغيره. والعين لطيفة يفسدها أدنى شيء، فجعل لها أجفانًا تغطيها و أهدابًا… هذا ومثله من مخلوقات الربِّ دلّ على أنه قد أحكم ما خلقه وأتقنه، ووضع كل شيء بالموضع المناسب له، وهذا يوجب العلم الضروري أنه عالم؛ فيميز بين هذا وبين هذا، حتى خص هذا بهذا، وهذا بهذا. وهو أيضًا يُوجب العلم الضروري بأنّه أراد تخصيص هذا بهذا وهذا بهذا؛ فدلّ على علمه وإرادته… فجعل ماء العين والبحر ملحًا للحكمة المذكورة، وجعل العين في أعلى البدن، وجعل لها أجفانًا للحكمة المذكورة، وكذلك إذا أنزل المطر وقت الحاجة إليه عُلِم أنه أنزله ليحيي به الأرض. وكذلك إذا دعاه الناس مضطرين، فأنزل المطر، عُلِم أنه أنزل ليُحيي الأرض لإجابة دعائهم، فلا يتصوّر أن يعلم أنّه أراد هذا لهذا، ولا يُتصوّر الإحكام والإتقان، إلا إذا فعل هذا للحكمة المطلوبة. فكان ما عُلم من إحكامه وإتقانه دليلًا على علمه، وعلى حكمته أيضًا، وأنه يفعل لحكمة)([9]).

وهذا الدليل -دليل العناية- من الطرق الشرعية التي أقامها الله لعبادة ليعرفوا بها أن لهم ربًّا عليمًا حكيمًا قد أوجدهم بعناية ودقة وإحكام، وهيَّأ لهم هذا الكون ليعبدوه وليوحدوه([10]).

أساس دليل العناية:

دليل العناية مبنيّ على أصلين:

الأصل الأول: أن جميع المخلوقات في هذا الكون موافقة لوجود الإنسان مهيَّأة له، يقول د. أحمد الغنيمان: (فأما الأصل الأول: وهو كون الموجودات موافقة لوجود الإنسان، فيتحصل اليقين به باعتبار موافقة المخلوقات لوجود الإنسان من الليل والنهار، والشمس والقمر، الأزمنة بفصولها والأمكنة باختلافها، وكثير من الحيوان والنبات والجماد وجزئيات كثيرة، مثل الأمطار والأنهار والبحار، وبالجملة كل ما في هذه الأرض وغيرها من مخلوقات فهي موافقة لخلق الإنسان، وكذلك أيضًا تظهر العناية في البدن، كما أن معرفة منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس، وكلما كان الوقوف على منافع الموجودات وحكمها والغاية التي وجدت لأجله أطول وأكثر تأملا كان الوقوف على هذه الدلالة أتم)([11]).

الأصل الثاني: أن هذه الموافقة وهذه الدقة وهذا الإحكام بالضرورة قد أوجِد من قبل حكيم خبير قدير، وهذه قضية بدهية فطرية، لا يجحدها إلا مكابر، وبذلك تكون دلالته في غاية القوة والحجية، حيث قامت على معلومات أولية بدهية، ومشاهدات حسية في متناول الجميع([12]).

وهذا الأصل يدل على صحته وضرورته أمران:

الأمر الأول: الضرورة العقلية؛ وذلك أن الإحكام والإتقان في حقيقته فعل من الأفعال، والعقل الضروري يدل على أن الفعل لا بد له من فاعل يقوم به؛ إذ يستحيل أن يوجد فعل في الوجود من غير فاعل، كما سبق الاستدلال عليه في الدليل السابق، بل الإتقان والإحكام ليس مجرد فعل، وإنما هو فعل مخصوص بحالة تركيبية خاصة، وهذه الخصوصية تتطلب أن يكون فاعله متصفا بصفات كمالية عالية متناسبة مع حالة ذلك الفعل.

الأمر الثاني: الضرورة الرياضية، ففضلًا عن أن الضرورة العقلية تدل على استحالة وجود الإتقان بغير فاعل حكيم عليم قادر مريد، فإن الحسابات الرياضية تدل على ذلك أيضًا، وتؤكده، وتثبت بطلان كل الاحتمالات الأخرى، كالحدوث بالصدفة المفاجئة أو التطور طويل الأمد([13]).

دليل العناية في القرآن الكريم:

ورد دليل العناية في القرآن في ثلاثة محاور([14]): المحور الأول: الدقة والإتقان، المحور الثاني: التقدير، المحور الثالث: الهداية.

أما المحور الأول: الدقة والإتقان: فقد جاء ذكر ذلك في كتاب الله في عدة مواضع للَفتِ انتباه المكلَّفين إلى عظيم قدرته سبحانه وتعالى ودقة خلقه وإيجاده، كما أنه جاء التعبير عنه بعدة ألفاظ منها: الإتقان، قال سبحانه: ﴿‌وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88].

وجاء بلفظ التسوية، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ ‌فَسَوَّى﴾ [القيامة: 37، 38]. وتسوية الشيء: إتقانه وإحسان خلقه وإكمال صنعته، بحيث يكون مُهيَّأً لأداء وظيفته، ويكون مستويًا معتدلًا متناسبَ الأجزاء، ليس بينها تفاوت يُخلُّ بالمقصود.

وجاء بعبارات أخرى مختلفة الألفاظ وإن كانت متقاربة الدلالة؛ كالإحسان ونفي التفاوت وإعطاء الخلق ونحوه، قال سبحانه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ ‌أَحْسَنُ ‌الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]، واستدل بذلك نبي الله إلياس محتجًّا به على قومه مستدلًّا بوجوب عبادته، فقال سبحانه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ ‌أَحْسَنَ ‌الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: 125، 126].

وإذا كان الخلق يدلّ على وجود الله جل وعلا فإن دلالة الإتقان والعناية على وجوده أظهر وأبين؛ لأن العناية أخصّ من الخلق، إذ قد يخلق الشيء بغير عناية وإتقان، وهذه العناية ظاهرة في الكائنات كلها.

وأما المحور الثاني: التقدير: فهو خلق كل شيء بمقدار وميزان وترتيب وحساب دقیق بحيث يتلاءم مع مكانه وزمانه، وبحيث يتناسق مع غيره من الموجودات القريبة منه والبعيدة عنه.

 فإذا كان الإتقان والعناية هو إعطاء كل شيء من الخلق والتصوير ما يُؤدي به وظيفته على الوجه المناسب له، فإن التقدير أن يكون بالقدر الذي ينفع به نفسه ولا يضر غيره ولا يصطدم بالمخلوقات الأخرى، وذلك يتم إذا ما وضع في مكانه الملائم وزمانه المناسب، وبالكَمِّ الذي يصلح ولا يفسد، وعلى الكيفية التي يتحقق بها التناسق والتوازن بين وحدات الكون وأجزائه، وينظم بها سير الوجود.

وهذا التقدير ظاهرة عامة في جميع مخلوقات الله كما قرر سبحانه هذه الحقيقة في كتابه، قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ ‌قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]، وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ‌فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. قال ابن جرير الطبري رحمه الله: (وقوله: ﴿‌فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ يقول: فسوّى كل ما خلق، وهيّأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت)([15]).

وقال ابن سعدي رحمه الله: (﴿‌فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: أعطى كل مخلوق منها ما يليق به ويناسبه من الخلق وما تقتضيه حكمته من ذلك، بحيث صار كل مخلوق لا يتصور العقل الصحيح أن يكون بخلاف شكله وصورته المشاهدة، بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد لا يناسبه غير محله الذي هو فيه)([16]).

وأما المحور الثالث: الهداية: فهي من أظهر الأدلة الكونية على وجود الله جل وعلا ووحدانيته، ويقصد بها في هذا المقام أن كل خلق من مخلوقات الله قد ألهم غاية وجوده، وهدى إلى ما خلق من أجله، وألهم الإلهام الفطري أو الغريزي الذي تتوجه به المخلوقات قاطبة إلى أداء دورها وتحقيق وظيفتها في هذه الحياة، قال الله عز وجل ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ ‌فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3]، وقال سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى ‌النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: 68].

قال ابن كثير رحمة الله: (المراد بالوحي هاهنا: الإلهام والهداية، والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصِّها، بحيث لا يكون في بيتها خلل، ثم أذن لها تعالى إذنًا قدريًّا تسخيريًّا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها، أي: مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم، والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من فيها، وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها)([17]).

صور دليل العناية:

إن التأمل في جزئيات هذا العالم المسخَّر لمصالحه والتي عليها حياة الإنسان واستقراره دليلٌ واضحٌ وحجة بينة على أن هذا العالم مخلوق لخالق حكيم قدير عليم، قد قدر هذا العالم فأحسن تقديره، ونظمه فأتقن تنظيمه.

فمن تلك الجزئيات: الشمس وما تضمنته من مصالح بها قوام حياة الناس وأحوالهم، وحياة المخلوقات جميعا من حيوان ونبات، فإن الناظر فيها يلمس كمال العناية واللطف من الله تعالى والرحمة بهذا الإنسان.

وكذلك تعاقب الليل والنهار وما ينتج عن طلوع الشمس وغروبها، وهما من أعجب آيات الله وبدائع مصنوعاته، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْل وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37].

فلولا تسخير العليم القدير لها لتعطل أمر العالم، إذ كيف يتصرف الناس، ويسعون لكسب معاشهم وطلب أرزاقهم إذا لم يكن هناك ضياء يبصرون به؟! ثم كيف يكون لهم قرار وهدوء تستريح به أبدانهم ويستعيدون فيه قواهم إذا لم يكن هناك ليل يسكنون فيه؟! فنعمة الليل والنهار الناتجين عن طلوع الشمس وغروبها من أعظم آيات اللطيف الخبير، الذي جعل تلك الشمس المشرقة للناس بمنزلة السراج، يرفع لأهل البيت زمنًا لقضاء حوائجهم، ثم يغيب عنهم مثل ذلك الزمن ليهدؤوا ويستريحوا، تمامًا كما هدَى الإنسان لإيقاد مصباحه عند الحاجة إليه، وإطفائه بعد قضائها. وقد نبَّه الله عباده إلى تلك العناية والرحمة به في جعله الليل والنهار متعاقبين؛ ليتمكنوا من طلب المعاش والسعي في تحصيل الرزق في النهار المصر، والهدوء والراحة في لباس الليل الهادئ، وبيَّن أن ذلك التصريف الحكيم حاصل بأمره وتقديره ومشيئته وإرادته، يقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ ‌سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: 71-73]، أي: لعلكم تشكرون نعمة الله وإحسانه إليكم، ولطفه وعنايته بكم في جعله الليل والنهار متعاقبين على الدوام والاستمرار. وقد خص آية الليل بحاسة السمع لقوة سلطانها في هدوء الليل؛ إذ تسكن فيه الحركات، كما خص آية النهار بالبصر لشدة إدراكه المبصرات فيه، هذه المخلوقات التي هي السماوات وأفلاكها، والأرض ومحتوياتها جميعها مسخرة بأمر خالقها، محفوظة بعنايته المستمرة في كل لحظة، فهو الخالق لكل شيء، الآمر له بما أراد، القائم بحفظه كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾([18]).

فمن تلك الجزئيات: الإنسان: خصَّ الله سبحانه وتعالى الإنسان بمزيد من العناية والرعاية، وحفظه في بطن أمه ثم بعد خروجه، كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فيُؤْمَرُ بأَرْبَعِ كَلِماتٍ، ويُقالُ له: اكْتُبْ عَمَلَهُ، ورِزْقَهُ، وأَجَلَهُ، وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ»([19]).

كما هيأ له كل احتياجاته الروحية والجسمية:

فمن الناحية الروحية: تعهده بإرسال رسله، وإنزال كتبه المشتملة على الهدى والنور، ففيها طمأنينة قلبه، وإشباع روحه، وهدوء نفسه؛ حيث تضعه في الخط المستقيم الواضح الذي يصله بربه وخالقه، كما بينت له السبل المتفرقة المضلة التي تؤدي به إلى ما يمزق كيانه، ويشتت أمره، وذلك كله من كمال رحمته بعباده؛ فإن رحمته جل شأنه تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، واسمه الرحمن متضمن الإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب([20]).

فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح([21]).

أما من الناحية الجسمية: فقد خلق سبحانه له ما في الأرض جميعًا، وسخر له ما في السماوات والأرض، وكان من عنايته أن أوجده في المكان الموافق لحياته([22])، فالأرض التي وجد عليها -وهي المكان الذي اختاره الله ليكون مقرا لهذا الإنسان- قد زودها بكل مستلزمات الحياة، من ماء وهواء، وتربة صالحة للزرع والبناء وغير ذلك، فهي المِهاد، والفراش، والمسكن الذي أعده الله بكل احتياجات البشر الضرورية منها وغير الضرورية، ففيها الغذاء والدواء، والمشرب والملبس والمركب، يقول تعالى في معرض الامتنان على عباده بما أسداه إليهم من النعم التي لا تحصى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ ‌مِنَ ‌الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 32-34]([23]).

فهذه الآيات وغيرها تدل على عناية الله وخلقه لهذا الكون لما فيه من التنظيم الدقيق والتناسق في أجزاء الكون في أقصى غايات الدقة والتنظيم العجيب الذي حير أولي الألباب([24]).

الشبه التي أورِدت على دليل العناية والرد عليه:

الشبهة الأولى: إنكار العناية والإحكام والإتقان في الكون:

يقول الفيلسوف الملحد دولباخ: (إن نظام الأشياء المزعوم في الطبيعة ليس أكثر من إسقاط لميولنا الذاتية على سلسلة من الأفعال الميكانيكية غير الهادفة التي تحدث لتحبيذ ميولنا، وإنه من الممكن تفسير كل شيء تفسيرًا كافيًا يقوي الجذب والتنافر في المادة نفسها دون افتراض الألوهية)([25]).

فما نقول عنه: إنه إتقان في الكون وإحكام لقوانينه ما هو إلا توهّمات نفسية محضة، فالإتقان ما هو إلا مجرد مفهوم عقلي يتأثر بالجوانب الذاتية مما يراه الإنسان في الكون([26]).

الرد على الشبهة:

إن القول بأن النظام الموجود في العالم ما هو إلا إسقاطات نفسية يبدو مجازفة عقلية رهيبة، لا أساس لها من الصحة، بل هو نوع من المثالية الغارقة التي تؤول إلى إنكار كل الحقائق الموضوعية، وتحيلها إلى مجرد أوهام يبنيها الإنسان على ما حوله، فإذا كانت مشاهد الإتقان التي ندركها بالضرورة العقلية والحسية مجرد إسقاطات أو أحكام ذاتية محضة فلن يبقى شيء في الوجود يمكن أن يكون له حقيقة حتى ذاتية الإنسان نفسه، فإن الشعور بها يمكن أن يكون بناء على ذلك القول مجرد إسقاط نفسي لا حقيقة له.

فإنكار النظام والإتقان المتحقّق في الخارج بحجة أنه إسقاط نفسي يقضي على كل المعايير والمناهج العلمية والبحثية، فإذا كان ما تشاهده في الكون من نظام مجرد إسقاط فلماذا البحث في الكون عن القوانين إذن؟! ولماذا يسعى العلماء إلى التنقيب عن أسراره ومجرياته؟! فلو لم يكن لدى العلماء يقين جازم بأن ثمة نظاما في الكون فكيف يجهدون أنفسهم في البحث عنه؟!

بل إن هذا القول يؤدي إلى السفسطة، ويأتي على كل المعارف الإنسانية بالإفناء، فإذا كان الكون غير منظم فإن الإنسان لا يأمن أن يزرع أرضه ببذر الفصوليا فتخرج له بصلًا، ولا يأمن أن يخرج من بيته فيجد سيارته تحولت إلى حصان، فإذا كان لا نظام له فكل شيء جائز أن يقع([27]).

الشبهة الثانية: شبهة المصادفة:

أُورِد على دليل العناية شبهة المصادفة، وملخصها: أن هذا العالم كله بما فيه من عناية وتناسق وإتقان وترابط وجد بطريق الصدفة من غير إله خالق نظمه، وكل ما نرى فيه من ألوان التناسق كعدد النجوم وأبعادها عن بعضها بحيث لا تصطدم في مداراتها، والشمس والقمر وحركتهما في مسارهما، والأرض بوضعها الحالي الصالح للحياة وبعدها عن الشمس والقمر وقشرتها وهوائها ومائها وجبالها، كل ذلك رتِّب بطريق الصدفة([28]).

الرد على الشبهة:

إن العقول السليمة تتلاقى على الحقّ، وكلما ازدادت علما كان تلاقيها على الحق أيسر وأقرب. ومن أجل هذا رأينا العلماء بعد ذلك الانتكاس المادي الذي اعترى بعضهم في أواخر القرن التاسع عشر يرجعون إلى التلاقي على الحق، ويكادون يجمعون اليوم إجماعا بلسان أكابرهم على أن هذه القوانين والنواميس التي نشأت على أساسها الحياة وتطورت تنطوي على وحدة القصد والإرادة والعناية والحكمة يستحيل معها أن يؤمن العقل السليم المفكر بأن هذه الحياة خلقت وتطورت بالمصادقة العمياء([29]).

يقول ابن القيم رحمه الله: (فَسَلِ المعطل الجاحد: ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها، فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ويقسمه هكذا على الدوام، أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر، بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا مدبر؟! أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟! وما الذي يفتيك به؟! وما الذي يرشدك إليه؟!)([30]).

وللتوضيح أكثر نقول: لو أن هزة أرضية قلبت صناديق الحروف في مطبعة بها نصف مليون حرف فخلطتها ببعضها، فأخبرنا صاحب المطبعة أنه تكوّن من اختلاف الحروف صدفة عشر كلمات متفرقة، فالمسألة تحتمل التصديق وتحتمل النفي، لكنه لو أخبرنا بأن الكلمات العشر كونت جملة مفيدة لازدادت درجة النفي والاستبعاد، لكننا قد لا نجزم بالاستحالة، ولو أخبرنا بأن الحروف المبعثرة كوَّنت كتابًا من مئة صفحة وبه قصيدة كاملة منسجمة بألفاظها وأوزانها فالاستحالة في هذه الحالة بحكم البديهة.

والمسألة في الكون وأجزائه وما فيها من إتقان وإحكام وعناية أعقد بكثير من مثال حروف المطبعة؛ لأن الحروف هنا جاهزة معبأة في صناديقها.

إن الصدفة في مجال الكون مستحيلة في ذاتها فضلًا عن أن ينبثق عنها هذا الإحكام والنظام، ولو سلمنا جدلًا بصدفة واحدة في البداية فهل يقبل عقلنا بسلسلة طويلة متتابعة من المصادفات؟!([31]).

ويعتبر العلماء ومفكرو العالم القول بالصدفة مغالطةً واضحةً من أساسها وبعدًا عن الحق، وهذه جملة من أقوالهم فيها إبطال القول بالمصادفة:

يقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور جون وليان كلوتس: (إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى، ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده)([32]). ويقول كذلك: (إنه من الصعب على عقولنا أن تتصور أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة، إنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير)([33]).

ويقول الكيماوي الدكتور دافيد باركس: (إنني أقرأ النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي، ولا أستطيع أن أسلّم بأن يكون كل ذلك قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة، إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع، ونحن نطلق على هذا المبدع اسم الله)([34]).

وهذا اللورد كلفن -العالم الإنجليزي- يعلن الإيمان بوجود الخالق، ويَسخَر من القائلين بالمصادفة في خلق هذه الحياة، ويَعجَب من إغضاء بعض العلماء عما في آثار الحكمة والنظام من حجة دامغة وبرهان قاطع على وجود الله ووحدانيته، حيث يقول: (يتعذَّر على الإنسان أن يصور بداية الحياة واستمرارها دون أن تكون هنالك قوة خالقة مسيطرة، وإني أعتقد من صميم نفسي أن بعض العلماء في أبحاثهم الفلسفية عن الحيوان قد أغضوا إغضاء عظيمًا مفرطًا عما في نظام هذا الكون من حجة دامغة. فإن لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام مدير وخير، وهي براهين تدلنا بواسطة الطبيعة على ما فيها من أثر إرادة حرة، وتعلمنا أن جميع الأشياء الحية تعتمد على خالق واحد أحدي أبدي)([35]).

ويقول الفلكي الشهير كريسي موريسون: (… ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة، وكل ذلك يتم في نظام كامل والنظام مضاد إطلاقًا للمصادفة، أليس ذلك كله من صنع الخالق؟!)([36]).

ويقول آنشتين: (إن جوهر الشعور الديني في صميمه هو أن تعلم بأن ذلك الذي لا سبيل لمعرفة كنه ذاته موجود حقا، ويتجلى بأسمى آيات الحكمة، وأنهى أنوار الجمال… وإنني لا أستطيع أن أتصور عالما حقًّا لا يدرك أن المبادئ الصحيحة لعالم الوجود مبنية على حكمة تجعلها مفهومة عند العقل، فالعلم بلا إيمان يمشي مشية الأعرج، والإيمان بلا علم يتلمس تلمس الأعمى)([37]).

ويقول ليكونت ديونوي: (نكرر القول هنا بأنه لا توجد حقيقة واحدة في يومنا هذا تقدِّم تفسيرا قاطعًا لمولد الحياة وتطور الطبيعة، ولقد درسنا مسألة أصل الحياة، وسواء أردنا أم لم نُرد، فإننا مضطرون إلى أن نقبل فكرة تدخل قوة سامية يدعوها العلماء أيضا (الله) -عكس الصدفة- أو أن نعترف ببساطة بأننا لا نعلم شيئًا عن هذه الأمور سوى بعض الآيات، وهذه ليست مسألة اعتقاد فحسب، ولكنها حقيقة علمية لا نزاع فيها، ولسنا من أولئك الماديين العريقين الذين يتمسكون بآرائهم واعتقادهم رغم كونها سلبية بدون أي برهان)([38]).

وهذه الحقيقة يؤكّدها فكر الإنسان وعقله؛ فإنه إذا ما طاف ببصره وبصيرته في هذا الكون العظيم وما حوى من مخلوقات الشمس والقمر وسائر الكواكب، والليل والنهار، والأمطار والرياح والمياه، والأنهار والبحار، بل وجود الناس على اختلاف أصنافهم وألوانهم وتنوع أعمالهم، ثم نظرت إلى الأرض فرأيتها قد هيئت لسكنى الناس وسائر الحيوانات البرية، والماء وكونه موافقًا لسكنى الحيوانات المائية، والهواء وحاجة الجميع له، والماء وعدم استغناء مخلوق عنه، وأنه لو اختل شيء من هذا الخلقة والبنية لاختل وجود هذه المخلوقات، من أدرك ذلك بعين البصر والبصيرة علم على القطع أنه لا يمكن أن تكون هذه الدقة والإحكام والإتقان قد وجدت من غير موجد. لماذا؟

1- لأننا إذا رأينا مسكنًا قد هُيَّئ على ملاءَمة جميع ما يحتاجه الإنسان علمنا أن مُعِدًّا قد أعده لذلك.

2- ولو رأينا مركبًا سائرًا نحو نقطة مقصودة لعلمنا أن قائدًا يقوده.

وهكذا هذا الكون، من تأمَّله وجد أنه مخلوق من خالق حكيم عليم خبير حي قيوم بديع السماوات والأرض([39]).

الشبهة الثالثة: إنكار دلالة العناية والإتقان على ضرورة الاحتياج إلى الخالق:

أنكروا أن تكون العناية والإتقان دالةً على ضرورة الاحتياج إلى الخالق؛ لكونه قائما على قياس ما يحدث في الكون عن أفعال الإنسان المتقنة، فينطلق من أنه إذا كانت أفعال الإنسان المتقنة لا بد لها من فاعل مختار مريد، فإن الأفعال الواقعة في الوجود لا بد من أن تكون كذلك([40]).

وقد أثار هذه الشبهة ديفيد هيوم في محاورته الرمزية التي سماها (محاورات في الدين الطبيعي)؛ حيث ذكر أن هذه الحجة قائمة على قياس ما في الكون من أحداث في ضرورة الاحتياج إلى الفاعل على ما نشاهده من أفعال الإنسان، وذكر على لسان فيلون بأن منهج الاستدلال الذي يعتمد عليه المستدلّ بهذه الحجة هو (أن المعلومات المتماثلة تنشأ من علل متماثلة)([41]).

الرد على الشبهة:

 إن هذا قياس خاطئ قاصر؛ لأننا نرى كيف يصنع الإنسان أفعالًا، فنشاهد كيف يصنع الإنسان السيارة والقطار الطائرة، ولكننا لم نر كيف تصنع أحداث الكون، ولا كيف نظم، فلا يحق أن نحكم بأن العالم الوجودي لا بد له من مصمّم بناء على إدراكنا للعالم الحسي الإنساني لكون العالم مجهولًا لنا.

وما ذكره هيوم باطل؛ لأنه قائم على أن مبدأ السببية مبدأ تجريبي استقرائي، يؤخذ من تتبع مجريات الأحداث، وهذا التصوُّر بناه هيوم على مذهبه الحسي التجريبي، الذي يجعل مصادر المعرفة الإنسانية منحصرة في المعطيات الحسية، وقد ذكر ذلك هيوم على لسان فيلون([42]).

وهو أساس باطل؛ فإن مبدأ السببية ليس معتمِدًا على الحس والاستقراء للوقائع الجزئية، وإنما هو مبدأ عقلي بدهيّ يستند إلى الضرورة العقلية اليقينية، فالناس لا يحكمون على التصميم الذي يرونه في أفعال البشر لكونهم استنتجوا ذلك عن طريق النظر المباشر والاستقراء لما يقومون به، وإنما حكموا بذلك لأن لديهم قانونا كليًّا بدهيًّا يقتضي بأنه لا يمكن أن يوجد فعل ما -سواء شاهده الإنسان بنفسه أو لم يشاهده- إلا ولا بد أن يكون له فاعل وسبب.

وبناءً عليه فإن اعتقاد العقلاء بأن كل حادث محكم ومتقن في هذا الكون له محدث -سواء كان من أفعال الناس أو من غير أفعالهم- ليس قائمًا على قياس أحداث الطبيعة على أفعال الإنسان، وإنما هو قائم على تعميم المبدأ العقلي الكلي على جميع ما يشمله من الأفراد الخارجية، وهناك فرق كبير بين تعميم الحكم العام على أفراده وبين نقل الحكم من نوع إلى نوع عن طريق القياس.

ولكن هيوم وأتباعه غفلوا عن هذه الحقيقة، وتوهموا أن مبدأ السببية قائم على الاستقراء الحسي للجزئيات، وحين وجدوا أنهم لا يمكنهم مشاهدة كيف صممت أحداث الكون، انتهوا إلى أن ما يرونه من ضرورة وجود المصمم في أفعال البشر لا يقتضي ضرورة وجود المصمم في أحداث الكون، وهذا غلط ظاهر في فهم المبادئ العقلية وكيفية بنائها([43]).

هذا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) مجموع الفتاوى (16/ 451،444).

([2]) انظر: جهود شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير توحيد الربوبية وردِّ القوادح فيه، عادل العامري (ص: 245).

([3]) الجواب الصحيح (5/ 435-436).

([4]) الجواب الصحيح (5/ 140-141).

([5]) بدائع الفوائد (4/ 1545).

([6]) انظر: بدائع الفوائد، لابن القيم (4/ 1546).

([7]) الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد، سعود العريفي (ص: 226-227).

([8]) انظر: مسلك القرآن في الاستدلال على وجود الله، علي الفقيهي (ص: 6).

([9]) النبوات (2/ 922-924).

([10]) انظر: بيان تلبيس الجهمية (2/ 172-182).

([11]) الدلائل القرآنية على توحيد الربوبية (ص: 60).

([12]) انظر: دلائل التوحيد، القاسمي (ص/ 207).

([13]) انظر: ظاهرة نقد الدين، سلطان العميري (2/ 193).

([14]) انظر: الدلائل القرآنية على توحيد الربوبية، أحمد الغنيمان (ص: 60-66).

([15]) تفسير الطبري (19/ 236).

([16]) تفسير السعدي (1/ 577).

([17]) تفسير ابن كثير (2/ 700).

([18]) انظر: مسلك القرآن في الاستدلال على وجود الله، علي الفقيهي (ص: 6-8).

([19]) أخرجه البخاري (3208)، ومسلم (2643).

([20]) انظر: مسلك القرآن في الاستدلال على وجود الله، علي الفقيهي (ص: 8-9).

([21]) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم (1/ 8).

([22]) انظر: الكف عن مناهج الأدلة، لابن رشد (ص: 109-110).

([23]) انظر: مسلك القرآن في الاستدلال على وجود الله، علي الفقيهي (ص: 9).

([24]) انظر: الدلائل القرآنية على توحيد الربوبية، أحمد الغنيمان (ص: 63).

([25]) الله في الفلسفة الحديثة (ص: 172).

([26]) انظر: لماذا الكون مناسب للحياة؟ بولديفيز (ص: 349).

([27]) انظر: ظاهرة نقد الدين، سلطان العميري (2/ 201-202).

([28]) انظر: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد خليل ملكاوي (ص: 149).

([29]) انظر: مسلك القرآن في الاستدلال على وجود الله، علي ناصر الفقيهي (ص: 5).

([30]) مفتاح دار السعادة (١/ ٢١٤).

([31]) انظر: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، محمد خليل ملكاوي (ص: 149-150).

([32]) انظر: الله يتجلى في عصر العلم (ص: ٤٦).

([33]) انظر: الله يتجلى في عصر العلم (ص: ٤٨).

([34]) انظر: الله يتجلى في عصر العلم (ص: ٤٢-٤٣).

([35]) انظر: قصة الإيمان، نديم الجسر (ص: 423).

([36]) انظر: العلم يدعو للإيمان (ص: ١٥٦).

([37]) انظر: قصة الإيمان، نديم الجسر (ص: 425).

([38]) مصير البشرية، ترجمة أحمد عزت، وعصام أحمد (ص: 130)

([39]) انظر: الدلائل القرآنية على توحيد الربوبية، أحمد الغنيمان (ص: 66-67).

([40]) انظر: ظاهرة نقد الدين، سلطان العميري (2/ 211).

([41]) انظر: محاورات في الدين الطبيعي (ص: 77).

([42]) انظر: محاورات في الدين الطبيعي، ديفيد هيوم (ص: 38).

([43]) انظر: ظاهرة نقد الدين، سلطان العميري (2/ 214).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد سلف

دعوى مخالفة علم الأركيولوجيا للدين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: عِلم الأركيولوجيا أو علم الآثار هو: العلم الذي يبحث عن بقايا النشاط الإنساني القديم، ويُعنى بدراستها، أو هو: دراسة تاريخ البشرية من خلال دراسة البقايا المادية والثقافية والفنية للإنسان القديم، والتي تكوِّن بمجموعها صورةً كاملةً من الحياة اليومية التي عاشها ذلك الإنسان في زمانٍ ومكانٍ معيَّنين([1]). ولقد أمرنا […]

جوابٌ على سؤال تَحَدٍّ في إثبات معاني الصفات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة أثار المشرف العام على المدرسة الحنبلية العراقية -كما وصف بذلك نفسه- بعضَ التساؤلات في بيانٍ له تضمَّن مطالبته لشيوخ العلم وطلبته السلفيين ببيان معنى صفات الله تبارك وتعالى وفقَ شروطٍ معيَّنة قد وضعها، وهي كما يلي: 1- أن يكون معنى الصفة في اللغة العربية وفقَ اعتقاد السلفيين. 2- أن […]

معنى الاشتقاق في أسماء الله تعالى وصفاته

مما يشتبِه على بعض المشتغلين بالعلم الخلطُ بين قول بعض العلماء: إن أسماء الله تعالى مشتقّة، وقولهم: إن الأسماء لا تشتقّ من الصفات والأفعال. وهذا من باب الخلط بين الاشتقاق اللغوي الذي بحثه بتوسُّع علماء اللغة، وأفردوه في مصنفات كثيرة قديمًا وحديثًا([1]) والاشتقاق العقدي في باب الأسماء والصفات الذي تناوله العلماء ضمن مباحث الاعتقاد. ومن […]

محنة الإمام شهاب الدين ابن مري البعلبكي في مسألة الاستغاثة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن فصول نزاع شيخ الإسلام ابن تيمية مع خصومه طويلة، امتدت إلى سنوات كثيرة، وتنوَّعَت مجالاتها ما بين مسائل اعتقادية وفقهية وسلوكية، وتعددت أساليب خصومه في مواجهته، وسعى خصومه في حياته – سيما في آخرها […]

العناية ودلالتها على وحدانيّة الخالق

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: إنَّ وجودَ الله تبارك وتعالى أعظمُ وجود، وربوبيّته أظهر مدلول، ودلائل ربوبيته متنوِّعة كثيرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن دلائل الربوبية وآياتها أعظم وأكثر من كلّ دليل على كل مدلول) ([1]). فلقد دلَّت الآيات على تفرد الله تعالى بالربوبية على خلقه أجمعين، وقد جعل الله لخلقه أمورًا […]

مخالفات من واقع الرقى المعاصرة

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: الرقية مشروعة بالكتاب والسنة الصحيحة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وإقراره، وفعلها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان. وهي من الأمور المستحبّة التي شرعها الشارع الكريم؛ لدفع شرور جميع المخلوقات كالجن والإنس والسباع والهوام وغيرها. والرقية الشرعية تكون بالقرآن والأدعية والتعويذات الثابتة في […]

ألـَمْ يذكر القرآنُ عقوبةً لتارك الصلاة؟

  خرج بعضُ أهل الجدَل في مقطع مصوَّر يزعم فيه أن القرآنَ لم يذكر عقوبة -لا أخروية ولا دنيوية- لتارك الصلاة، وأن العقوبة الأخروية المذكورة في القرآن لتارك الصلاة هي في حقِّ الكفار لا المسلمين، وأنه لا توجد عقوبة دنيوية لتارك الصلاة، مدَّعيًا أنّ الله تعالى يريد من العباد أن يصلّوا بحبٍّ، والعقوبة ستجعلهم منافقين! […]

حديث: «جئتكم بالذبح» بين تشنيع الملاحدة واستغلال المتطرفين

الطعنُ في السنة النبوية بتحريفها عن معانيها الصحيحة وباتِّباع ما تشابه منها طعنٌ في النبي صلى الله عليه وسلم وفي سماحة الإسلام وعدله، وخروجٌ عن التسليم الكامل لنصوص الشريعة، وانحرافٌ عن الصراط المستقيم. والطعن في السنة لا يكون فقط بالتشكيك في بعض الأحاديث، أو نفي حجيتها، وإنما أيضا بتحريف معناها إما للطعن أو للاستغلال. ومن […]

تذكير المسلمين بخطورة القتال في جيوش الكافرين

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   مقدمة: من المعلومِ أنّ موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين من أعظم أصول الإيمان ولوازمه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ‌وَلِيُّكُمُ ‌ٱللَّهُ ‌وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: 55]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ […]

ابن سعود والوهابيّون.. بقلم الأب هنري لامنس اليسوعي

 للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة   بسم الله الرحمن الرحيم هنري لامنس اليَسوعيّ مستشرقٌ بلجيكيٌّ فرنسيُّ الجنسيّة، قدِم لبنان وعاش في الشرق إلى وقت هلاكه سنة ١٩٣٧م، وله كتبٌ عديدة يعمَل من خلالها على الطعن في الإسلام بنحوٍ مما يطعن به بعضُ المنتسبين إليه؛ كطعنه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وله ترجمةٌ […]

الإباضــــية.. نشأتهم – صفاتهم – أبرز عقائدهم

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: من الأصول المقرَّرة في مذهب السلف التحذيرُ من أهل البدع، وذلك ببيان بدعتهم والرد عليهم بالحجة والبرهان. ومن هذه الفرق الخوارج؛ الذين خرجوا على الأمة بالسيف وكفَّروا عموم المسلمين؛ فالفتنة بهم أشدّ، لما عندهم من الزهد والعبادة، وزعمهم رفع راية الجهاد، وفوق ذلك هم ليسوا مجرد فرقة كلامية، […]

دعوى أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث لفظي وقريب

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: يعتمِد بعض الأشاعرة المعاصرين بشكلٍ رئيس على التصريحات الدعائية التي يجذبون بها طلاب العلم إلى مذهبهم، كأن يقال: مذهب الأشاعرة هو مذهب جمهور العلماء من شراح كتب الحديث وأئمة المذاهب وعلماء اللغة والتفسير، ثم يبدؤون بعدِّ أسماء غير المتكلِّمين -كالنووي وابن حجر والقرطبي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم- […]

التداخل العقدي بين الفرق المنحرفة (الأثر النصراني على الصوفية)

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: بدأ التصوُّف الإسلامي حركة زهدية، ولجأ إليه جماعة من المسلمين تاركين ملذات الدنيا؛ سعيًا للفوز بالجنة، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطور وأصبح نظامًا له اتجاهاتٌ عقائدية وعقلية ونفسية وسلوكية. ومن مظاهر الزهد الإكثار من الصوم والتقشّف في المأكل والملبس، ونبذ ملذات الحياة، إلا أن الزهد […]

فقه النبوءات والتبشير عند الملِمّات

للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة مقدمة: منَ الملاحَظ أنه عند نزول المصائب الكبرى بالمسلمين يفزع كثير من الناس للحديث عن أشراط الساعة، والتنبّؤ بأحداث المستقبَل، ومحاولة تنزيل ما جاء في النصوص عن أحداث نهاية العالم وملاحم آخر الزمان وظهور المسلمين على عدوّهم من اليهود والنصارى على وقائع بعينها معاصرة أو متوقَّعة في القريب، وربما […]

تغاريد سلف

جميع الحقوق محفوظة لمركز سلف للبحوث والدراسات © 2017