
القواعد الأصولية لفهم إطلاقات السلف والتوفيق بينها وبين تطبيقاتهم العملية
للتحميل كملف PDF اضغط على الأيقونة
مقدمة:
تُعدّ مسألة التعامل مع أقوال السلَف الصالح من أهمّ القضايا التي أُثيرت في سياق دراسة الفكر الإسلامي، خاصةً في موضوع التكفير والتبديع والأحكام الشرعية المتعلقة بهما؛ وذلك لارتباطها الوثيق بالحكم على الأفراد والمجتمعات بالانحراف عن الدين، مما يترتب عليه آثار جسيمة على المستوى الفردي والجماعي. وقد تعامل العلماء المسلمون -وعلى رأسهم السلف الصالح- مع هذه القضية بحذر شديد، مستندين إلى أصول شرعية واضحة ومرتكزات علمية راسخة لضمان عدم الانزلاق في متاهات الإفراط أو التفريط.
ويكمُن التحدّي في فهم تلك الأقوال والمواقف الصادرة عن السلف في سياقاتها المختلفة، ومعرفة المنهجية التي اعتمدوها في تقرير الأحكام، فضلًا عن ضرورة التمييز بين الإطلاق في التعبير والتقييد في التطبيق.
ولكثرة الخوض في هذه المسائل رأى مركز سلف للبحوث والدراسات ضرورةَ الكتابة العلمية في هذا الموضوع، وأنه من الواجب تأصيل إطلاقات السلف وتخريجها أصوليًّا من خلال التوفيق بين أقوال السلف وتطبيقاتهم العملية والتي يظهر منها نوع من التعارض، أو بعبارةٍ أدقّ: نوع من التعارض التخصيص؛ وذلك من خلال فهم كلام السلف فهمًا مستقيمًا وفق القواعد الأصولية، ومعرفة مقاصدهم ومآلات أحكامهم، والجمع بين القول المطلق والتطبيقات العملية في سياقاتها المتعدّدة، والقرائن المحتفّة بتلك الأقوال من تصرُّفات السلف.
ومناقشة ذلك ستكون من خلال مطلبين رئيسين:
المطلب الأول: القواعد الأصولية لفهم إطلاقات السلف.
المطلب الثاني: نماذج من التطبيقات العملية للسلف.
وقبل الشروع في المقصود ينبغي الإشارة إلى أهمّ سمة من سمات كلام السلف، وهي الإجمال والإطلاق والتعميم، عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وترك التفصيل المتكلّف، وهو ما أشار إليه ابن تيمية؛ وذلك لأنهم يتكلّمون باللغة العربية الفصيحة، وبمنهجية القرآن الكريم من الإجمال، وأما التفصيل أو التشقيق الأصولي وتقنين ذلك فقد ظهر بعد القرون الفاضلة؛ بهدف ترتيب مسائل العلم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “من فصيح الكلام وجيّده الإطلاق والتعميم عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطاب الوارد في الكتاب والسنة وكلام العلماء، بل وكل كلام فصيح، بل وجميع كلام الأمم، فإن التعرض عند كل مسألة لقيودها وشروطها تعجرُفٌ وتكلُّفٌ وخروجٌ عن سنن البيان وإضاعةٌ للمقصود”([1]).
مركز سلف للبحوث والدراسات
المطلب الأول: القواعد الأصولية لفهم إطلاقات السلف:
1- الجمع بين تصرفاتهم في الباب الواحد لمعرفة وجه الإطلاق والتقييد:
الجمع بين تصرفات السلف في الباب الواحد يحصل بالجمع بين النقول والتوفيق والـتأليف بينَها، والترجيح بين ما ظاهره التعارض، وعدم الاكتفاء بعبارة واحدة أو عبارتين حتى وإن قالها جمهورهم، فإن العبارة قد تكون قيلت من باب حسم المادة في زمانهم، وفق قاعدة سد الذرائع، أو المصلحة، أو لعرفٍ اصطلحوا عليه، أو غير ذلك.
يقول شيخ الإسلام: “وأخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجرّ إلى مذاهب قبيحة”([2]).
وقد زعم بعض الغلاة أن حمل المُجمل على المفصَّل هو في الأدلة الشرعية فقط لا في كلام العلماء، وهذا الكلام فيه نظر. نعم، إن كان الجمع مُتكلَّفًا وليس عليه دليل فلا يصحّ الجمع، أما إن كان العالم شرح مقصودَه في موضعٍ آخر فمن التقصير نسبة مذهب إليه دون جمع كلامه في الباب.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام: “ومن أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلّم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس، ثم يُعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر”([3]).
وقال ابن الوزير اليماني: “وكذلك كل من صحّ عنده من المسلمين ما له وجهان ومحملان: حسنٌ وقبيح، فإنه يُحمل على الوجه الحسن والمحمل الجميل”([4]).
يقول ابن القيم: “والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما محضَ الحق، ويريد الآخر أكبر الباطل، والعبرة بسيرة الرجل ومنهجه وما يدعو إليه، وما يناظر عليه”([5]).
ومثال ذلك: منع جمهور السلف -كالإمام أحمد وغيره- من القول بأن القرآن مُحدث أو حادث، بما قد يوهم مذهبَ الكلابية بأنَّ أعيان الكلام قديمة، ثم رأينا البخاري يترخَّص في التعبير عن كلام الله بالحدوث، فقال : (وأنَّ حدثه تعالى لا يُشبه حدث المخلوقين)([6])؛ فبالجمع بين كلام السلف واستحضار نصوصهم الأخرى في إثبات الأفعال الاختيارية؛ حملنا كلام الإمام أحمد وغيره على المنع المصلحي أو لعدم موافقة المعتزلة.
فمن فهم المسألة على وجهها علم تخريج كثير من الشبهات في هذا الباب، ولن ينزلق في مزالق التكفير أو التبديع بجموده على كلام جمهور أهل الحديث.
والحاصل: أن هذا مثال لكيفية التفكير الأصولي العقدي الذي كان يُجريه شيخ الإسلام على كلام السلف، للجمع والتأليف بين كلامهم في الباب الواحد، وعدم الانحصار أمام عبارة واحدة دون لِحاظ ضوابطها.
أما بعض الفِرق الإسلامية فقد أخذوا طرفًا من كلام السلف وتركوا الآخر، فالكلابية ومتكلمة الحنبلية أخذوا بظواهر كلام السلف وفهموا منه قدم أعيان الكلام، وأهملوا قول البخاري وغيره، وفي المقابل: تمسَّك الأشاعرة بقول البخاري بأن القرآن محدث، وظنوا أنه يوافقهم في خلق ألفاظ القرآن، وأهملوا قول الباقين.
والتحقيق يكون بفهم جميع أقوال السلف في إطارٍ شموليٍّ واحد.
2- معرفة العلَّة والمناط من الإطلاق:
إذا علمنا أن من سمات كلام السلف الإطلاقَ دون التقييد جريًا على سنن العرب -كما مرَّ بيانه- فلا بد للباحث أن يُدرك أن كلام السلف خرج مخرجَ الغالب، وأنَّ لهم تقييدًا لا يُظهرونه غالبًا، لكن هذا التقييد قد يظهر في حالاتٍ مخصوصة عند التطبيق العملي.
وهنا لا بد من معرفة العلَّة أو الشرط الذي دعا هذا الإمامَ أو ذاك إلى إطلاق هذا القول، لا الأخذ بمطلق قوله دون تمييز.
وفي ذلك يقول ابن تيمية: “فإذا رأيتَ إمامًا قد غلّظ على قائل مقالته أو كفّره فيها، فلا يعتبر هذا حكمًا عامًّا في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحقّ به التغليظ عليه والتكفير له”([7]).
ومن أمثلة ذلك: إطلاق السلف التجهّم على من أنكر أثرًا في الصفات -كأثر مجاهد في الإقعاد مثلًا-؛ فهو من باب حكاية حال الجهمية في زمنهم، وأنَّ إنكار هذا الأثر علامة على الجهمية، والمناط هو الإنكارُ المبنيّ على مذهب التعطيل -أي: على أصل فاسد-، أما من ضعَّف حديثًا في الصفات من جهةٍ حديثية محضَة، فلا ينطبق عليه العلة أو المناط المراد من الإطلاق.
ومن أمثلة عدم ضبط العلة أيضًا أنَّ كثيرًا من الغلاة يطلقون القول بتكفير القائل بخلق القرآن (عينًا) ولا يعتبرون بإقامة الحجة؛ وذلك لأنهم ما فهموا العلَّة الرئيسة لتكفير السلف، والعلَّة في ذلك هي اللوازم المترتبة على القول بخلق القرآن وهي: نفي صفة الكلام عن الله عز وجل، فالجهمية قالوا بخلق القرآن؛ لأن الله لا يتكلم بزعمهم، وأوَّلوا كلام الله لموسى بأنه خلق له كلامًا فسمعه موسى، وفي ذلك تكذيب لصريح القرآن.
ويلزم منه أن بعض صفات الله مخلوقة، وأنَّ الله لا يستطيع الكلام، ونسبة العجز إلى الله تعالى، فلما أظهر الجهمية القول بخلق القرآن عرف السلف مرادهم من ذلك فكفَّروهم.
أما من قال: القرآن مخلوق وذهل عن هذه اللوازم فقد وقع في بدعة عظيمة، وليس بكافــر حتى تقام عليه الحجة.
فإذا ميَّز طالب العلم العلَّة من إطلاق السلف سهل عليه فهم الحكم في سياقه، ثم فهم تطبيقه في سياقاتٍ متعدّدة؛ فإن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
3- مراعاة السياق الزمني للعبارة وواقعها الذي قيلت فيه:
وهو لا يخرج عن أمرين يجب على الباحث مراعاتهما:
أ- اعتبار أن الإطلاق جاء مصلحيًّا أو سدًّا للذرائع أو لفقهٍ مخصوص:
- كأن يراد به الزجر عن المقالة:
يقول المعلمي اليماني في بيان شدة السلف على بعض الأقوال: “وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر؛ إذ قد يكون لمن وقع مِنه أولًا عذر، ولَكن يُخشى أن يتبعه الناس فيه غَير معذورين”([8]).
– أو أن يكون سدًّا للذريعة المفضية إلى البدعة:
كقولهم: إن من قال: القرآن محدث فهو جهمي، وذلك لحسم مادة البدعة، أو قولهم: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي؛ لأن هذا يُفضي إلى القول بخلق القرآن نفسه، فيُريد القائل حسم المادة.
قال الحافظ الذهبي: “فعل الإمام أحمد رضي الله عنه هذا حسمًا للمادة، وإلا فالملفوظ كلام الله، والتلفّظ به فمن كسبنا”([9]). وسيأتي بيانه في الأمثلة.
ب- اعتبار أنَّ أهل السنة كانت لهم الغلبة في عصور السلف:
وهذا انبنى عليه أمران:
1- أنَّ ألفاظهم أطلقت في حال ظهور السُّنة وجلائها؛ وبالتالي: ظهور الحجة للمُخالف غالبًا، فكان الحكم للأغلب.
2- أن المخالف يعلم مخالفته يقينًا لإجماع المسلمين، فهو كالمعاند تمامًا، فإنَّ حال المُخالف الذي بين أمثال مالك والشافعي وأحمد وسفيان وسائر العلماء في الأقطار على مذهبٍ واحدٍ في أصول الدين يختلف عن حال من انتشرت البدع في زمنه ودخلت في علماء المسلمين.
والحاصل: أنَّ ظهور الحجة وجلاءَها للمخالف ومعرفته أنه يخالف إجماع المسلمين هو المناط الحقيقي لإطلاقات السلف في التكفير أو الشدة في الإنكار؛ فإذا لم توجد في زمانٍ معين أو مكانٍ مخصوص لا تنسحب عليه تلك العلة في التطبيق.
وفي ذلك يقول ابن تيمية: “فإن قال المتكلمون من الجهمية وغيرهم فمن خالف ما علم بالضرورة من الدين فهو كافر، قيل لهم: لهذا السلف والأئمة مطبقون على تكفير الجهمية حين كان ظهور مخالفتهم للرسول مشهورًا معلومًا بالاضطرار لعموم المسلمين، حتى قلَّ العلم بالإيمان فيما بعد، وصار يشتبه بعض ذلك على كثيرٍ ممن ليس بزنديق“([10]).
وقال أيضًا: “إنَّ الأمكنة التي تفتر فيها النُّبوَّة لا يكون حكمُ من خَفِيت عليه آثار النبوة حتى أنكر ما جاءت به خطأً كما يكون حكمُه في الأمكنة والأزمنة التي ظهرت فيها آثار النبوة”([11]).
ويقول أيضًا: “فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهرًا لهم ودقّ على كثير من الناس ما كان جليًّا لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف. وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم ويثيبهم على اجتهادهم، وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك”([12]).
المطلب الثاني: نماذج من التطبيقات العملية للسلف:
– ردّ شهادة أهل الأهواء عند أحمد بين التقرير والتطبيق العملي:
قال عبد الله بن أحمد: “سمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال لما وليَ معاذ بن معاذ قضاء البصرة أبى أن يُجيز شهادة القدرية، قال: فكلَّمه أبي وخالد بن الحارث وقالا له: قد عرفتَ أهل هذا المصر! قال: فكأنه تساهل بعدُ”([13]).
يُلاحظ أن الإمام أحمد اعتبر بالبيئة والنشأة بقوله: (قد عرفت أهل هذا المصر)؛ بمعنى أن هذا البلد له خصوصيّة عن غيره من بلدان المسلمين في عصرهم، من جهة نشأتهم على ذلك، وتقليدهم لشيوخٍ عدول، واشتباه الأمر عليهم.
ويؤيّده ما قاله الإمام أحمد في أبي قطن عمرو بن الهيثم البصري: “ما كان به بأس”، وحدث عنه يومًا فقال له رجل: إنّ هذا بعدما رجع من عندكم بالبصرة تكلَّم بالقدر وناظر عليه، فقال أحمد: “نحن نحدِّث عن القدرية، لو فتَّشت أهل البصرة وجدت ثلثهم قدرية”([14]).
قلتُ: يُمكن قياس علماء المتأخرين ممن وقعوا في أخطاء الأشاعرة باعتبار النشأة والبيئة، وعدم جلاء الحجة لهم، بل هي في المتأخرين آكد؛ لأنهم ظنوا قولهم هو قول أهل السنة.
– تكفير الجهمية بين الإطلاق والتطبيق:
ومن أمثلة ذلك: عليّ بن الجعد أحد أشهر أئمة الرواة، قال ببعض أقوال الجهمية وفيه تشيُّع.
قال الذهبي: “قال محمد بن حماد المقرئ: سألت يحيى بن معين عن علي بن الجعد، فقال: ثقة صدوق، ثقة صدوق، قلت: فهذا الذي كان منه؟ فقال: أيش كان منه؟ ثقة صدوق. وقال فيه مسلم: هو ثقة لكنّه جهميّ.
قلت -أي الذهبي-: ولهذا منع أحمد بن حنبل ولَدَيه من السماع منه. وقد كان طائفة من المحدّثين يتنطَّعون في من له هفوة صغيرة تخالف السنة، وإلا فعليٌّ إمام كبير حجَّة، يقال: مكث ستين سنة يصوم يومًا ويفطر يوما، وبحسبك أنَّ ابن عديٍّ يقول في كامله: لم أر في رواياته حديثا منكرًا إذا حدَّث عنه ثقة”([15]).
وقد احتجَّ بعض الغلاة المعاصرين بأنَّ تلميذه عبدوس بن محمد النيسابوري قد نفى التجهم عنه، وهذه مغالطة؛ إذ ليست الحجَّة في ثبوت التجهّم عنه أم عدم ثبوته، وإنما الحجة في أنَّ من نسَب إليه التجهُّم من أهل الحديث قد وثَّقوه ورووا عنه، ومعلوم في علم الحديث أنه لا تحلُّ الرواية عن كافر، ولا يجوز توثيق كافر.
فسواء أصاب هؤلاء الأئمَّة في نسبة التجهّم إليه أم أخطؤوا، فموضع الحجّة في أنهم لم يُكفِّروه مع ثبوت التجهّم عندهم -بحسب اجتهادهم- وهذا دليل أنه ليس كل من تلبَّس ببدع الجهمية كافر بالضرورة عندهم.
قال الذهبي: “حدَّث عنه: البخاري، وأبو داود، ويحيى بن معين، وخلف بن سالم، وأحمد بن حنبل شيئا يسيرا، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، والزعفراني، وأبو حاتم، وأبو زرعة” وذكر جماعة([16]).
وحتى منِ امتنع عن الرواية عنه كأحمد بن حنبل فذلك لبدعته، ولم يُنقل عنه كلمة في تكفيره. والجمهور قد رووا عنه، كما مرَّ من كلام الذهبي.
– نهي السلف عن الخوض في اللفظ بين التقرير والتطبيق:
نقل الحافظ الذهبي قول عبد الله بن أحمد: “وكان أبي يكره أن يتكلَّم في اللفظ بشيء، أو يقال: مخلوق أو غير مخلوق”. ثم قال الذهبي: “فَعَلَ الإمام أحمد رضي الله عنه هذا حسمًا للمادة، وإلا فالملفوظ كلام الله، والتلفظ به فمن كسبنا”([17]).
ويقول أيضًا: “ولا ريب أنَّ ما ابتدعه الكرابيسي وحرَّره في مسألة التلفّظ وأنه مخلوق هو حقّ، لكن أباه الإمام أحمد لئلا يتذرّع به إلى القول بخلق القرآن، فسدَّ الباب؛ لأنك لا تقدر أن تفرز التلفظ من الملفوظ الذي هو كلام الله إلا في ذهنك”([18]).
وفي النص السابق: بيَّن الذهبي أن زجرَ الإمام أحمد في الخوض في مسألة اللفظ إنما هو لحسم المادة؛ لئلا يُتوصَّل إلى القول بخلق ألفاظ القرآن.
وتصرُّف الذهبيّ إنما هو بإعمال قواعد الجمع والترجيح وجمع تصرُّفات أحمد والسلف كالبخاري وغيره في الباب الواحد، وقد ورد عن أحمد ما يسوِّغ هذا الجمع.
فقد قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كنت جالسا عند أحمد بن حنبل إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوما يقولون: إن ألفاظهم بالقرآن مخلوقة، فقال أحمد بن حنبل: يتوجّه العبد بالقرآن إلى الله لخمسة أوجه كلها غير مخلوقة: حفظ بقلب، وتلاوة بلسان، وسمع بآذان، ونظر ببصر، وخط بيد، فالقلب مخلوق، والمحفوظ غير مخلوق، والتلاوة مخلوقة، والمتلو غير مخلوق، والنظر مخلوق، والمنظور إليه غير مخلوق”([19]).
وهذا التفصيل عن الإمام أحمد يُبيِّن ما أجمله في عباراته المجملة (المصلحية) التي أظهرها لما خرجت فتنة اللفظية.
– كفر المقالة بين التقرير والتطبيق:
قال قوام السُّنة الأصبهاني: “مشايخ أهل الحديث قد أطلقوا القول بتكفير القدرية، وكفروا من قال بخلق القرآن، وقال جماعة من العلماء: قد نطلق الكلمةَ على الشيء لنوعٍ من التمثيل، ولا يحكم بحقيقتها عند التفصيل”([20]).
وفي النصّ السابق: بيَّن الأصبهاني أنَّ إطلاق السلف للتكفير قد يكون مقيَّدًا، وهو ما عرَّفه ابن تيمية بالإطلاق والتعيين؛ لأن الإطلاق من سمات كلام السلف -كما بينّا سابقًا- وأما التقييد فيكون استثناءً لحالةٍ مخصوصة.
ويُبين ذلك الأصبهاني بشكلٍ أوضح قائلًا: “المتأول إذا أخطأ وكان من أهل عقد الإيمان نُظر في تأويله، فإن كان قد تعلَّق بأمرٍ يُفضي به إلى خلاف بعض كتاب الله أو سنة يُقطع بها العذر، أو إجماعٍ، فإنه يكفر ولا يُعذر؛ لأن الشبهة التي يتعلق بها ضعيفة لا تقوى قوة يُعذر بها؛ لأن ما يشهد له أصل من هذه الأصول فإنه في غاية الوضوح والبيان، فلما كان صاحب هذه المقالة لا يصعب عليه درك الحقّ، ولا يغمض عنده موضع الحجة؛ لم يعذر في الذهاب إلى الحق، بل عمل خلافه في ذلك على أنه عنادٌ وإصرار. ومن تعمَّد خلاف أصلٍ من هذه الأصول وكان جاهلًا لم يقصد إليه من طريق العناد فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد اختيار الكفر ولا رضيَ به، وقد بلغ جهده، فلم يقع له غير ذلك، وقد أعلم الله سبحانه أنه لا يؤاخذ إلا بعد البيان، ولا يُعاقب إلا بعد الإنذار، فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [التوبة: 115]”([21]).
ويؤيده ما قاله ابن أبي عاصم: “والقرآن كلام الله تبارك وتعالى، تكلم به ليس بمخلوق، ومن قال مخلوقٌ ممن قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم، ومن قال من قبل أن تقوم الحجة عليه فلا شيء عليه“([22]). ومعلوم أنَّ ابن أبي عاصم من أئمة السلف ومن أقران البخاري وغيره.
وكل ما سبق ينسجم مع تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية من عدم التلازم بين كفر المقالة وكفر قائلها، بل هناك شروط يجب توفرها وموانع يجب انتفاؤها قبل صدور الحكم على المعيَّنين، مع الجزم ببدعية المقالة أو كفريتها.
قال ابن تيمية: “فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضي الذي لا معارض له”([23]).
ويحكي عن نفسه في محنته فيقول: “وكنت أُبين لهم أنما نُقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضا حقّ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين”([24]).
ويقول أيضًا: “فإذا رأيت إمامًا قد غلّظ على قائل مقالته أو كفّره فيها فلا يعتبر هذا حكمًا عامًّا في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له”([25]).
ففي هذا الإطار تُفهم إطلاقات الأئمة في المقالات البدعية وأصحابها على جهة البيان والتحذير، لا أن ذلك لازم لكل من وقع فيها.
– ذم السلف الجدال العقلي بين التقرير والتطبيق:
قال الإمام أحمد: “قد كنا نَأمر بالسكوت، فلما دُعينا إلى أمر ما كان بدّ لنا أن ندفع ذلك، ونبين من أمره ما ينفي عنه ما قالوه”، ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]([26]).
قال الفقيه الأصولي ابن مفلح الحنبلي: “والصحيح من المذهب أن علم الكلام مشروع مأمورٌ به، وتجوز المناظرة فيه والمحاجة لأهل البدع، ووضع الكتب في الرد عليهم، وإلى ذلك ذهب أئمة التحقيق القاضي والتميمي في جماعة المحققين، وتمسكوا في ذلك مع استغنائه عن قول يسند إليه بقول الإمام أحمد في رواية المروذي: إذا اشتغل بالصوم والصلاة واعتزل، وسكت عن الكلام في أهل البدع، فالصوم والصلاة لنفسه، وإذا تكلم كان له ولغيره يتكلم أفضل، وقد صنف الإمام أحمد رحمه الله ورضي عنه كتابا في الرد على الزنادقة والقدرية في متشابه القرآن وغيره، واحتج فيه بدلائل العقول، وهذا الكتاب رواه ابنه عبد الله وذكره الخلال في كتابه، وما تمسك به الأولون من قول أحمد فهو منسوخ، قال أحمد في رواية حنبل: قد كنا نأمر بالسكوت، فلما دعينا إلى أمرٍ ما كان بد لنا أن ندفع ذلك، ونبين من أمره ما ينفي عنه ما قالوه”([27]).
وفي النص السابق: يوجِّه ابن مفلح نهيَ الإمام أحمد عن المجادلة بعلم الكلام بأنه منسوخ، وهو من طرق الجمع عند وجود التعارض -كما ذكرناه-.
وقد بناه ابن مفلح على أمرين:
1- وجود التعارض بين كلام أحمد السابق في النهي عن الخوض في الكلام، ثم تصنيفه رسالة الرد على الجهمية التي شحنها بأدلة المعقول، فوجب الجمع بين الأمرين.
2- وجود نص صريح للإمام أحمد يصرِّح فيه أنه اضطر إلى الخوض لأمر الفتنة.
ورأى ابن حمدان وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام البهوتي أنه لا نسخ في المسألة، بل يُمكن الجمع بين القولين بأن المراد من النهي هو كلام المتكلمين المبني على عقلياتٍ فاسدة، لا الجدل بصريح المعقول المؤيد بالكتاب والسنة.
قال البهوتي: “قال ابن حمدان: وعلم الكلام المذموم هو أصول الدين إذا تُكلم فيه بالمعقول المحض، أو المخالف للمنقول الصريح الصحيح، فإن تكلم فيه بالنقل فقط، أو بالنقل والعقل الموافق له فهو أصول الدين، وطريقة أهل السُنة. وهذا معنى كلام الشيخ تقي الدين (شيخ الإسلام ابن تيمية)… قلت -أي: البهوتي-: وكلام ابن حمدان كالجمع بين القولين، وهو أولى من النسخ، ويؤيده رواية المروزي“([28]).
– هجر السلف للمبتدعة بين التقرير والتطبيق:
يقول الشيخ الألباني رحمه الله عن هجر المبتدع: “الذي أراه -والله أعلم- أن كلام السلف يَرِدُ في الجوّ السلفيّ، يعني الجو العامر بالإيمان التقوي والاتباع الصحيح للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، هو تمامًا كالمقاطعة، مقاطعة المسلم لمسلم تربيةً وتأديبًا له، هذه سنة معروفة، لكن في اعتقادي وكثيرًا ما سُئلت فأقول: زماننا لا يصلح للمقاطعة، زماننا إذن لا يصلح لمقاطعة المبتدعة؛ لأن معنى ذلك أن تعيش على رأس الجبل! أن تنزوي عن الناس وأن تعتزلهم! ذلك أنك حينما تقاطع الناس إما لفسقهم أو لبدعتهم لا يكون ذلك الأثر الذي كان يُرجى أن يكون يوم كان أولئك الذين تكلموا بتلك الكلمات وحضوا الناس على مجانبة أهل البدعة”([29]).
ومن خلال النصّ السابق: يتّضح استخدم الشيخ الألباني أمرين:
1- فقه مراعاة السياق الزمني للعبارات وواقعها الذي قيلت فيه، وأنَّ أهل السنة كانت لهم الغلبة في عصور السلف، والمبتدعة قلَّة قليلة من الأمة.
2- فقه المقاصد والمآلات، وذلك بفهم العلَّة الأساسية من الهجر، وهي التأديب والزجر للرجوع إلى الحق؛ فإذا لم توجد هذه العلَّة في زمانٍ غلب فيه المبتدعة لم ينطبق كلام السلف على هذه الحالة.
ويؤيد كلامَ الشيخ الألباني رحمه الله أنَّ الإمام أحمد قد راعى المصلحةَ الشرعية مع أهل خرسان، وجوَّز لهم مداراة الجهمية؛ لأنهم لا يقوون بهم.
فقد جاء في مسائل الإمام أحمد وإسحاق: سأل إسحاق الكوسج الإمام أحمد رحمه الله فقال له: مَن يقولُ: القرآن مخلوق؟ قَالَ: ألحق به كل بلية. قُلْتُ: يقال له: كفر؟ قَالَ: إي والله، كل شر وكل بلية بهم. قُلْتُ: فتظهرُ العداوة لهم أو تداريهم؟ قَالَ: أهل خراسان لا يقوون بهم، يقول كأن المداراة([30]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “جاء في مسائل إسحاق بن منصور -وذكره الخلال في “كتاب السنة” في باب مجانبة من قال: القرآن مخلوق- عن إسحاق أنه قال لأبي عبد الله: من قال: القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية، قلت: فيظهر العداوة لهم أم يداريهم؟ قال: أهل خراسان لا يقوون بهم. وهذا الجواب منه مع قوله في القدرية: لو تركنا الرواية عن القدرية لتركناها عن أكثر أهل البصرة، ومع ما كان يعاملهم به في المحنة من الدفع بالتي هي أحسن ومخاطبتهم بالحجج يفسر ما في كلامه وأفعاله من هجرهم والنهي عن مجالستهم ومكالمتهم، حتى هجر في زمن غير ما أعيان من الأكابر وأمر بهجرهم لنوع ما من التجهم، فإن الهجرة نوع من أنواع التعزير، والعقوبة نوع من أنواع الهجرة التي هي ترك السيئات. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المهاجر من هجر السيئات»، وقال: «من هجر ما نهى الله عنه» فهذه هجرة التقوى. وفي هجرة التعزير والجهاد: هجرة الثلاثة الذين خلفوا، وأمر المسلمين بهجرهم حتى تيب عليهم”([31]).
ويقول ابن تيمية أيضًا: “وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به: زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله. فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته؛ لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.
والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلِّفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم؛ لما كان أولئك كانوا سادة مُطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عزُّ الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح”([32]).
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “والقول الراجح أن الهجر لا يجب، ولا يسن، ولا يباح إلا حيث تحققت المصلحة، فإذا كان هناك مصلحة هجرنا وإلا فلا؛ لأن الهجر إما دواء وإما تعزير، فإن كان من أجل معصية مستمرة فهو دواء، وإن كان من أجل معصية مضت وانتهت فهو تعزير، فيحرم أن يهجر أخاه المؤمن ما لم يصل إلى الكفر، والدليل على ذلك عمومات الأدلة الدالة على حقوق المسلم على المسلم، والمؤمن لا يخرج من الإيمان بمجرد الفسوق والعصيان عند أهل السنة والجماعة، ولذلك الأصل تحريم هجر المؤمنين، ولو فعلوا المعصية وتجاهروا بها؛ لأنهم مؤمنون، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وحق المسلم على المسلم ست»، ومنها: «إذا لقيته فسلم عليه»، فقال: «حق المسلم»، ولم يقل: حق المؤمن؛ لأن الإسلام أوسع من الإيمان، لـكن إذا كان في الهجر مصلحة فإنه إما أن يسن، وإما أن يجب، حسب ما تقتضيه المصلحة، وحسب عظم الذنب”([33]).
وفي الختام:
يتضح أن منهج السلف في التعامل مع قضايا العقيدة -وخاصةً في مسألة التكفير- يستند إلى فهم عميق للغة العربية ولأصول الدين. ولقد كان السلف الصالح حريصين على عدم التسرع في إطلاق الأحكام دون التحقق من توفر الشروط وانتفاء الموانع. ومن خلال استعراضنا لتصرفاتهم وآرائهم، نرى كيف جمعوا بين التمسك الصارم بالعقيدة وبين المرونة في التطبيق عند التعامل مع الأفراد والمجتمعات. وهو ما يؤكد ضرورة اتباع هذا المنهج الوسطي الذي يجمع بين النصوص وفهمها في سياقاتها الصحيحة، مما يعزز من الفهم الصحيح، ويمنع من سوء الفهم والتطبيق الخاطئ للأحكام الشرعية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)
([1]) تنبيه الرجل العاقل (1/ 349).
([2]) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 201).
([3]) مجموع الفتاوى (31/ 114).
([4]) العواصم والقواصم (5/ 13).
([5]) مدارج السالكين (3/ 409).
([6]) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/ 505).
([8]) التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/ 55).
([9]) العلو للعلي الغفار (ص: 193).
([10]) بيان تلبيس الجهمية (2/ 74).
([11]) بغية المرتاد -السبعينية- (ص: 311).
([12]) مجموع الفتاوى (13/ 64).
([13]) العلل ومعرفة الرجال (2/ 360).
([14]) ينظر: تاريخ بغداد (12/ 200).
([15]) سير أعلام النبلاء (10/ 460).
([16]) سير أعلام النبلاء (12/ 80).
([17]) العلو للعلي الغفار (ص: 193).
([18]) سير أعلام النبلاء (12/ 80).
([19]) رسالة في أن القرآن غير مخلوق (ص: 31).
([20]) الحجة في بيان المحجة (2/ 552).
([21]) الحجة في بيان المحجة (2/ 552).
([23]) مجموع الفتاوى (28/ 501).
([24]) مجموع الفتاوى (3/ 231).
([26]) انظر: نقض الدارمي على المريسي (1/ 538)، السنة للخلال (5/ 134).
([27]) الآداب الشرعية (1/ 206-207).
([29]) سلسلة الهدى والنور شريط: 666.
([30]) مسائل الإمام أحمد وإسحاق (2/ 565).
([31]) مجموع الفتاوى (28/ 210).